مخلص
تركز هذه الدراسة على استعراض وتحليل القدرات السيبرانية للولايات المتحدة الأميركية والصين وتقديم نظرة عامة ومستقبلية على إستراتيجياتهما وأهدافهما في مجال القدرات السيبرانية، انطلاقًا من السؤال المركزي: كيف يؤثر التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة والصين في تعزيز نفوذهما العالمي؟ وكيف يتجلى ذلك في الإستراتيجيات السيبرانية لكل منهما؟ على اعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية والصين تمثلان اثنتين من أهم الدول الرائدة في العالم على مستوى القدرات السيبرانية. فالولايات المتحدة، تتسود النطاق بمكانتها كقوة عالمية سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، تمتلك إمكانيات وقدرات كبيرة في مجال الفضاء السيبراني. وتمتلك الصين قوة اقتصادية ناشئة بسرعة وهي تستثمر بشكل كبير في تطوير قدراتها السيبرانية بشكل ملحوظ. كما أن هاتين الدولتين تحتلان مراتب متقدمة في تقارير قياس القدرات السيبرانية ومؤشرات الأمن السيبراني العالمية، بسبب قدرتهما على التأثير والتحكم في الفضاء السيبراني ومواجهة التحديات السيبرانية والتكيف مع المتطلبات المتزايدة في هذا المجال على صعيد البنية الرقمية.
كلمات مفتاحية: القدرات السيبرانية، الإستراتيجية السيبرانية، الولايات المتحدة الأميركية، الصين، التنافس السيبراني، النفوذ السيبراني.
Abstract:
This study examines and analyses the cyber capabilities of the United States and China, offering an overview and future outlook on their strategies and goals in the realm of cyber capabilities. It starts with the central question: How does the cyber competition between the United States and China enhance their global influence? And how does this reflect in their respective cyber strategies? The United States, recognised as a global powerhouse in political, economic, military and technological domains, holds significant capabilities in cyberspace. Meanwhile, China, rapidly emerging as an economic giant, is heavily investing in significantly advancing its cyber capabilities. Both countries rank prominently in assessments of cyber capabilities and global cybersecurity metrics, owing to their ability to exert influence, manage cyberspace, confront cyber challenges and adapt to evolving digital demands.
Keywords: cyber capabilities, cyber strategy, United States, China, cyber competition, cyber influence.
مقدمة
يسعى كثير من الدول للحصول على القوة السيبرانية والاستثمار في القدرات السيبرانية(*). وهذه الأخيرة أصبحت تأخذ شكلًا جديدًا في طبيعتها ووسائلها وأدواتها ومعطياتها ومؤشراتها(1)، وبتنا نرى اليوم كيف أصبح الصراع الدولي يتجه بالأساس نحو المغالبة والتنافس وتعزيز النفوذ في ساحة الإنجازات التكنولوجية التي غيَّرت من شكل الصراعات والحروب وأدواتها، وأثَّرت في الفواعل فيها، وأسهمت في إعادة التفكير في حركية وديناميكية العلاقات الدولية.
أدت حوادث الهجمات السيبرانية إلى تسريع التسلح السيبراني والاستثمار في الأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أعلنت بعض الدول أن “السايبر” هو المجال العسكري الخامس (بعد البر والبحر والجو والفضاء). وقد خصَّص العديد من البلدان ميزانيات كبيرة لبناء القدرات السيبرانية العسكرية، سواء الهجومية أو الدفاعية.
لقد باتت القدرات السيبرانية مجالًا مهمًّا لممارسة النفوذ وتحقيق التفوق والتنافس الدولي، لاسيما بعد تنامي القدرات السيبرانية لبعض الدول.
فخلال ثلاثة العقود الأخيرة شهد العالم سلسلة من الهجمات السيبرانية ذات الطابع التخريبي، بما في ذلك تشويه المواقع الإلكترونية، وشن هجمات سيبرانية متقدمة، واستهداف بعض أنظمة المعلومات وقواعد البيانات، والتلاعب ببعض البيانات المُخزَّنة على أجهزة الكمبيوتر التابعة لمختلف المؤسسات الحكومية والكيانات الخاصة(2).
تمتد هذه الدراسة منذ بداية الألفية الثالثة حتى عام 2023، لأسباب تتصل بتوافر المعطيات والمؤشرات إذ شهد العالم خلال هذه الفترة تطورًا هائلًا في مجال التكنولوجيا والإنترنت والاتصالات؛ مما أدى إلى زيادة الاهتمام بالقدرات السيبرانية وأمن المعلومات. ومنذ بداية الألفية الثالثة، شهدت الولايات المتحدة والصين تطورًا سريعًا في مجال التكنولوجيا والاتصالات، وتحدثت التقارير والدراسات بشكل متزايد عن النشاطات السيبرانية لكل منهما. وبالتالي، يمكن الاعتماد على مجموعة واسعة من المعطيات والمؤشرات المتاحة من مراكز الدراسات والمؤسسات البحثية خلال هذه الفترة لتحليل التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة والصين. كما شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تطورات مهمة، بما في ذلك النزاعات التجارية، والتوترات السياسية، والمنافسة التكنولوجية. وتعتبر هذه الأحداث الرئيسية محورية في فهم السياق الذي يتم فيه التنافس السيبراني بين البلدين. وبالتالي، يمكن للباحثين تحليل تأثير هذه الأحداث على القدرات السيبرانية لكل من الولايات المتحدة والصين(3) وبالتالي، فإن فترة الدراسة تتيح الفرصة لتحليل التوجهات الإستراتيجية المستقبلية لكل من الولايات المتحدة والصين في مجال القدرات السيبرانية وتأثير ذلك على تعزيز نفوذ كل دولة. وهذا سيكون عبر طرح السؤال المركزي: كيف يؤثر التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة والصين في تعزيز نفوذهما العالمي؟ وكيف يتجلى ذلك في الإستراتيجيات السيبرانية لكل منهما؟ على اعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية والصين تمثلان اثنتين من أهم الدول الرائدة في العالم على مستوى القدرات السيبرانية. فالولايات المتحدة، تسود النطاق بمكانتها كقوة عالمية سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، تمتلك إمكانيات وقدرات كبيرة في مجال الفضاء السيبراني. وتمتلك الصين قوة اقتصادية ناشئة بسرعة وهي تستثمر بشكل كبير في تطوير قدراتها السيبرانية بشكل ملحوظ. كما أن هاتين الدولتين تحتلان مراتب متقدمة في تقارير قياس القدرات السيبرانية ومؤشرات الأمن السيبراني العالمية، بسبب قدرتهما في التأثير والتحكم في الفضاء السيبراني ومواجهة التحديات السيبرانية والتكيف مع المتطلبات المتزايدة في هذا المجال على صعيد البنية الرقمية.
أولًا: القدرات السيبرانية للولايات المتحدة الأميركية
لقد بدأت الولايات المتحدة بالقلق منذ نهاية التسعينات وبداية الألفية (فترة الدراسة) بشأن نقاط الضعف في المجال السيبراني والبحث عن طرق للحد منه. وفي الوقت نفسه، بدأت سرًّا في تطوير واستخدام العمليات السيبرانية الهجومية لأغراض عسكرية مع ضمان قيام وكالات الاستخبارات التابعة لها بتعديل أنشطة جمع المعلومات الخاصة بها لاستيعاب وصول الإنترنت(4).
ولأن الهيمنة على الإنترنت والفضاء السيبراني عمومًا كانت، ولا تزال- هدفًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة؛ فقد اعتبرها بعض الخبراء الدولة الوحيدة التي لها بصمة عالمية كبيرة في قدراتها السيبرانية(5)؛ حيث يرى “ديفيد كلاركDavid Clarck ” أن الولايات المتحدة هي من أنشأت الإنترنت وهي الدولة الأقوى من حيث امتلاك القدرات السيبرانية عبر الشركات التكنولوجية العملاقة التي تسيطر عليها(6). وخلص تقرير نشره مركز أبحاث بريطاني، عام 2021، إلى أن الولايات المتحدة هي الدولة “الأولى الرائدة” في العالم في القدرات السيبرانية، وأنه لا توجد دولة أخرى تنافسها على هذا اللقب، رغم أنها ترى نفسها مهدَّدَة بشكل كبير من الصين وروسيا وكوريا الشمالية في هذا المجال(7). ويشير تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة تقف بمفردها باعتبارها القوة السيبرانية الوحيدة من الدرجة الأولى في العالم، لكن الصين سوف تبرز منافسًا نظيرًا ذا قدرة عالية على مدى العقد المقبل، بعدما كانت “الهيمنة على الفضاء السيبراني هدفًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة منذ منتصف التسعينات، فهي الدولة الوحيدة التي لها بصمة عالمية ثقيلة في الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء السيبراني”(8).
تُعد الولايات المتحدة، الدولة الأكثر تفوقًا في مجال امتلاك القدرات السيبرانية والعسكرية منها، ولديها القيادة السيبرانية الموحدة (USCYBERCOM)، وهي تابعة لوزارة الدفاع الأميركية وتتمتع بسلطة توجيهية لعمليات الفضاء السيبراني، أنشئت في 23 يونيو/حزيران عام 2009 بمقر وكالة الأمن القومي في فورت ج ميد، ماريلاند، كقيادة فرعية موحدة تحت القيادة الإستراتيجية الأميركية، وقد جاء إنشاؤها للأهمية المتزايدة وضعف أجهزة الكمبيوتر والشبكات في الولايات المتحدة وحول العالم آنذاك، ونتيجة الاعتماد المتزايد لوزارة الدفاع الأميركية على أنظمة الفضاء السيبراني لقيادة قواتها والسيطرة عليها، وأدركت الحاجة إلى حماية هذه الأنظمة الحيوية والدفاع عنها(9).
تنسق القيادة في عملها مع شبكات وكالة الأمن القومي، ويرأسها مدير وكالة الأمن القومي الأميركي، الجنرال بول ناكاسوني(10)، وعلى الرغم من أن هذه القيادة أنشئت في الأصل لأغراض دفاعية، إلا أنها يُنظر إليها على أنها قوة هجومية تعتمد على خمسة مكونات أساسية، هي: القيادة السيبرانية للجيش، وقيادة الأسطول السيبراني، والقيادة السيبرانية للقوات الجوية، والقيادة السيبرانية لقوات مشاة البحرية وخفر السواحل، إضافة إلى وحدات الحرس الوطني(11). ويبلغ عدد الفرق السيبرانية في هذه القيادة نحو 133 فريقًا تضطلع بمهمات مختلفة في مجال حماية الأمن السيبراني(12).
أطلقت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في سبتمبر/أيلول لعام 2023، وثيقة إستراتيجية وزارة الدفاع السيبيرانية لعام 2023 التي تحدد كيفية عمل الوزارة لحماية الشعب الأميركي وتعزيز أولويات الدفاع في المجال السيبراني(13). وتستند الوثيقة إلى إستراتيجية الأمن القومي والدفاع الوطني والأمن السيبراني، وترتكز الإستراتيجية على العمليات السيبرانية التي نفذها البنتاغون منذ عام 2018 وتطرح تحديات مثل الحرب الروسية على أوكرانيا والدروس المستخلصة منها، وأبرزها أهمية التكامل بين القدرات السيبرانية والقدرات القتالية التقليدية. وتحدد الإستراتيجية كيفية قيام وزارة الدفاع بتعظيم قدراتها السيبرانية لدعم الردع المتكامل واستخدام عمليات الفضاء السيبراني بالتنسيق مع أدوات القوة الوطنية الأخرى. وتسلط الإستراتيجية الضوء على إجراءات وزارة الدفاع للاستثمار في ضمان الدفاع والتوافر والموثوقية والمرونة لشبكاتها السيبرانية والبنية التحتية لدعم الوكالات غير التابعة لوزارة الدفاع في أدوارها ذات الصلة ولحماية القاعدة الصناعية الدفاعية.
تشير الإستراتيجية لعام 2023 إلى تحديات رئيسية وفي مقدمتها كوريا الشمالية والصين، ويسعى “البنتاغون” عبر هذه الإستراتيجية إلى تحقيق أربعة أهداف تتعلق بالدفاع السيبراني والجهوزية في مجال القدرات السيبرانية وبناء شبكة لحماية المجال السيبراني مع الحلفاء والشركاء، وإجراء إصلاحات في المؤسسات التابعة للوزارة لتحقيق تقدم دائم في المجال السيبيراني. كما تشدد الإستراتيجية على أهمية التعاون والتنسيق مع المؤسسات الفيدرالية الأخرى لبناء قدرات سيبرانية قوية ومتكاملة(14)، وترتكز الإستراتيجية على مبدأ “الدفاع المتقدم”. لذا ينظر إلى القوة السيبرانية الأميركية على أنها قوة هجومية في المقام الأول تستند على دمج القدرات التكنولوجية في جميع مراحل العمليات التي تقوم بها(15). وفي 16 ديسمبر/كانون الأول 2022، صادق مجلس الشيوخ الأميركي على الميزانية الدفاعية الجديدة لعام 2023، وعلى تخصيص 11.2 مليار دولار لحماية الفضاء السيبراني الذي أصبح ساحة رئيسية للمواجهة بين القوى الكبرى، وحوالي 2.9 مليار دولار إلى وكالة الأمن السيبراني الأميركية وأمن البنية التحتية(16). في المقابل، طلبت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، من الكونغرس زيادة التمويل السيبراني بمبلغ 26.6 مليار دولار في السنة المالية 2024(17).
تمتلك الولايات المتحدة مجموعة من العوامل والمميزات التي تجعلها قوة بارزة في هذا المجال من خلال امتلاكها قدرات سيبرانية متقدمة سواء بالتعاون مع القطاع الخاص، والاستثمار في البحث والتطوير المتعلق بالأمن السيبراني، وقدرتها على تنفيذ هجمات سيبرانية(18). كما لديها قوة عاملة مختصة في المجال السيبراني، وتعاون وثيق مع شركات التكنولوجيا العملاقة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًّا لها، ومن بين هذه الشركات(19):
- غوغل :(Google) عبر ذراعها الأمنية (Google Cloud Security)، توفر حلولًا متقدمة للحماية السيبرانية والذكاء الاصطناعي لتحليل التهديدات.
- مايكروسوفت :(Microsoft) تمتلك Microsoft مجموعة واسعة من حلول الأمن السيبراني من خلال منصتها السحابية (Azure)، وتعمل على حماية البيانات والشبكات والبنية التحتية.
- فيسبوك :(Facebook) تقوم شركة Meta (الشركة الأم لفيسبوك) بتطوير تقنيات الأمان لحماية منصاتها وضمان سلامة البيانات الشخصية.
- بالو ألتو نيتوركس :(Palo Alto Networks) شركة متخصصة في حلول الأمن السيبراني، وتوفر جدران الحماية وأنظمة الكشف عن التهديدات.
- سايبر آرك :(CyberArk) تقدم حلولًا لإدارة الوصول المميز وحماية الهويات الرقمية من التهديدات السيبرانية.
- كراود سترايك :(CrowdStrike) توفر حلول الأمن السيبراني المستندة إلى السحابة للكشف عن التهديدات والاستجابة لها.
- فاير آي :(FireEye) شركة متخصصة في الأمن السيبراني، توفر حلولًا للكشف عن الهجمات والتعامل معها.
- سيسكو :(Cisco) تقدم مجموعة واسعة من حلول الأمن السيبراني، بما في ذلك الحماية من التهديدات وإدارة الهوية والوصول.
- آي بي إم :(IBM) من خلال (IBM Security)، تقدم الشركة حلولًا شاملة للأمن السيبراني والتحليل الذكي للتهديدات.
- 10. سيمانتيك :(Symantec) توفر حلولًا متقدمة لمكافحة الفيروسات وحماية البيانات والشبكات.
تلعب هذه الشركات دورًا حيويًّا في تعزيز القدرات السيبرانية الأميركية من خلال الابتكار في مجال التكنولوجيا والأمن، والتعاون مع الحكومة والمؤسسات الخاصة لضمان حماية البنية التحتية الحيوية والمعلومات الحساسة.
في عام 2024، وصل أكثر من 331 مليون شخص في الولايات المتحدة إلى الإنترنت، أو ما يعادل أكثر من 97 بالمئة من السكان(20)؛ مما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق عبر الإنترنت في جميع أنحاء العالم وهي تحتل حاليًّا المرتبة الثالثة بعد الصين والهند فيما يتعلق بعدد مستخدمي الإنترنت، لكنها تبقى بالمرتبة الأولى نسبيًّا قياسًا لعدد السكان، مع نسبة مستخدمين للإنترنت تزيد على 76 بالمئة من السكان في الصين وأكثر من 52 بالمئة في الهند.
إن النجاح في الفضاء السيبراني بات أمرًا ضروريًّا لتعزيز المصالح القومية الأميركية، واليوم تحدد التكنولوجيات الرقمية عدد العمليات التي تصف عمل المجتمعات الحديثة والتي تمتد من الاتصال إلى التمويل ومن الكهرباء إلى النقل ومن التجسس إلى الأمن القومي. من هنا؛ فإن سعي الولايات المتحدة لتعزيز قدراتها في المجال السيبراني ينطلق من هذه المرتكزات (بالإضافة إلى أنها هي من اخترعت الإنترنت) للمنافسة مع دول أخرى مثل الصين وروسيا، وهي بهذا تضع إستراتيجيتها لضمان استمرار دور الإنترنت في تعظيم قوتها ونفوذها وحرية حركتها وأمنها الإلكتروني. فمن وجهة نظر الولايات المتحدة الأميركية، فإن الفضاء السيبراني يجب أن يعزز التفوق العسكري وممارسة الأنشطة الاستخبارية وحماية الأمن القومي والعمل على ردع القوى الدولية المنافسة ومواجهة تهديد البنية التحتية المعلوماتية والنظام الانتخابي الديمقراطي عبر كسب الحروب في أي مجال بما في ذلك الفضاء السيبراني وشن هجمات سيبرانية استباقية والتعاون مع الحلفاء(21).
يُظهر ما سبق، أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات سيبرانية متقدمة تعكس التزامها القوي بحماية أمنها ومصالحها في الفضاء السيبراني، عبر ممارسة التوسع الأميركي نحو تحقيق السيادة في الفضاء السيبراني من خلال مجموعة من السياسات والإستراتيجيات الرئيسية إحداها ممارسة السيطرة على منظمة “آيكان” (ICANN)، وهي المنظمة المسؤولة عن إدارة أسماء النطاقات على الإنترنت، وهذا يسهم في تعزيز تأثير الولايات المتحدة في الهياكل العالمية للإنترنت وضمان استدامتها، وزيادة ميزانيتها في الميدان السيبراني يعبِّر عن التزامها بمكافحة التهديدات السيبرانية وتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية في هذا المجال؛ إذ إن هذا التمويل المقدر بمليارات الدولارات يساعد في تطوير تكنولوجيا سيبرانية متقدمة ويوظف قوة عاملة متخصصة ومدربة لمواجهة التهديدات بفعالية، فضلا عن الاستثمار المستمر في الأمن السيبراني الذي يُسهم في حماية البنية التحتية الحيوية، وهذا ما يشير إليه مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية (The Belfer Center for Science and International Affairs) التابع لجامعة هارفارد لعام 2022(22)، وقبله مؤشر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية لعام 2021(23) الذي يستعرض القدرات السيبرانية لــ15 دولة في العالم، منها الولايات المتحدة الأميركية التي ووضعها في المرتبة الأولى على مستوى العالم باعتبارها تتمتع بنقاط قوة رائدة في الفضاء السيبراني؛ إذ تمتلك قدرة استخبارات سيبرانية عالية الجودة، وقاعدة أكاديمية وصناعية سيبرانية قوية، والإستراتيجية والعقيدة، والحكم والقيادة والاعتماد السيبراني، والأمن السيبراني والمرونة، والريادة العالمية في شؤون الفضاء السيبراني، والقدرة الهجومية السيبرانية. وفي 2020، احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى في مؤشر الأمن السيبراني العالمي (Global Cybersecurity Index) ((GCI الذي يصدر عن الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة برصيد 100 نقطة مؤشر من بين الدول ذات أعلى التزام بالأمن السيبراني(24).
وبهذا، يرى الباحث أن القدرات السيبرانية الأميركية تعتمد على تقنيات متطورة وتكنولوجيا عالية الدقة في وضع سياستها وإستراتيجياتها سواء على الصعيدين، الوطني والدولي، وتقوم الولايات المتحدة بالاستفادة من أسس علمية متقدمة سبقت بها العديد من الدول في مجال السيبرانية بفترة زمنية. هذا التفوق يمكِّن الولايات المتحدة من تحقيق السيطرة والقيادة في هذا المجال، خاصة مع توظيفها وتطويرها للتكنولوجيا السيبرانية واستخدامها بفعالية، لاسيما أنها تسعى جاهدة إلى تطوير وتعزيز قدراتها السيبرانية بهدف تحقيق أهدافها الإستراتيجية، والتي من ضمنها الهيمنة على الفضاء السيبراني في ظل التنافس مع الدول الأخرى لاسيما الصين وروسيا؛ مما يعكس أهمية الفضاء السيبراني كبيئة إستراتيجية حيوية وضرورة لضمان الأمن القومي والاقتصادي والعسكري.
ثانيًا: القدرات السيبرانية للصين
ترجع إرهاصات الصين للتحول إلى قوة سيبرانية عظمى إلى سنة 2014؛ حيث قدم الرئيس الصيني (شي جين بينغ Xi Jinping)) مفهوم القوة السيبرانية العظمى وذلك عند إنشائه المجموعة القيادية المركزية من أجل الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات بالحزب الشيوعي الصيني(25) وطرح عدة مفاهيم لا تزال تحدد أهمية الفضاء السيبراني لطموحات الصين الدولية مسلِّطًا الضوء على تأثير ثورة تكنولوجيا المعلومات في التطورات في الشؤون السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية(26).
بدأ الاهتمام ببناء إستراتيجية سيبرانية للصين، عام 2016، أثناء المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني الذي أكد على إيلاء السلطات العليا اهتمامًا كبيرًا للمجال السيبراني، وتم دعمها من قبل أول قانون صيني للأمن السيبراني في 2017(27). حدَّدت الإستراتيجية تسع مهام أساسية، مع التركيز على السيادة وتقوية الدفاع الإلكتروني، وعملت اللجنة المركزية للحزب على تطويره وفي الوقت نفسه حوكمته، وقامت بترتيب القضايا التي تهتم بالإعلام والقوة السيبرانية في المجالات كافة مما يتيح للصين بناء وتطوير إستراتيجية سيبرانية قادرة على المنافسة في الساحة الدولية(28).
إن التحسينات التي حققتها الصين على مدار السنوات الماضية وخبرتها في تطوير قدرات الهجمات السيبرانية وبناء المؤسسات ذات الصلة، والقدرة الهجومية وتوظيف أدواتها السيبرانية في العمليات العسكرية، جعل مؤشر القوة السيبرانية الوطني لعام 2022 الصادر عن مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية التابع لجامعة هارفادر يصنف الصين ثاني أكبر قوة سيبرانية شمولًا، بعد الولايات المتحدة(29). وكانت التقديرات توافقت إلى حد كبير مع ما استعرضه المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS في تقريره الصادر في يوليو/تموز 2021 الذي وضع ترتيبًا للقوى السيبرانية الكبرى في العالم، معتمدًا على سبعة معايير، هي: الإستراتيجية والعقيدة، والإدارة والقيادة والسيطرة، وقدرات الاستخبارات السيبرانية، والاعتمادية على الفضاء السيبراني، والأمن السيبراني، والريادة العالمية في الفضاء السيبراني والقدرات السيبرانية الهجومية(30)
كان إدراج قوة الدعم الإستراتيجي في جيش التحرير الشعبي الصيني في عام 2015 سببًا في تعزيز حلم الصين في التحول إلى قوة عظمى سيبرانية مهيمنة بحلول عام 2025. وتنظر المؤسسة العسكرية الصينية إلى الحرب السيبرانية باعتبارها تدبيرًا وقائيًّا للعمليات العسكرية التقليدية، كما أنها تستخدم تقنيات التجسس الإلكتروني للتعرف على نقاط الضعف في البنى التحتية الحيوية لخصمها والتي يمكن التلاعب بها في زمن الحرب. ومع وضع هذا الهدف في الاعتبار، أدخلت الصين العديد من المجالات السيبرانية إلى قواتها المسلحة، وهي الإدارة الثالثة لجيش التحرير الشعبي، المسؤولة عن الدفاع عن شبكات الكمبيوتر، واستخبارات الإشارة، واستغلال شبكات الكمبيوتر، والقسم الرابع مسؤول عن الحرب الإلكترونية للشبكة المتكاملة، وهجمات شبكات الكمبيوتر، ودمج قوة الدعم الإستراتيجي مع الاستخبارات والاتصالات لبناء قوة حرب معلومات متكاملة. تتبع الصين نهج “الأمة بأكملها” في بناء النظام البيئي للمجال السيبراني، بما في ذلك العديد من مجموعات القراصنة الوطنية، وطلاب الجامعات كمحاربين سيبرانيين، وشركات الاتصالات الخاصة مثل هواوي و(ZTE) بالتعاون مع جيش التحرير الشعبي الصيني(31).
تنقسم الوحدات الصينية المسؤولة عن تنفيذ أنشطة سيبرانية إلى مجموعتين: الهاكرز المحترفين داخل الجيش الشعبي الصيني والهاكرز “الوطنيين” الذين يعملون من وقت لآخر لصالح الحكومة ويدعمون عمليات مختلفة في الفضاء السيبراني. وبالرغم من أن الهيكل الصيني للإشراف على العمليات السيبرانية ليس موجودًا بوضوح كما هي الحال في الولايات المتحدة، إلا أن معظم الخبراء يعتقدون أن معظم العمليات السيبرانية تجري تحت إشراف القسم الثالث التابع لإدارة الأركان العامة للجيش الشعبي الصيني(32)
يشبه هذا الهيكل، إلى حدٍّ ما، وكالة الأمن القومي الأميركية، ويركز جهوده على استخبارات الإشارات وكسر الشفرات وأمان الاتصالات السيبرانية للجيش الشعبي الصيني؛ حيث كان هناك حوالي 130.000 شخص يعملون في هذا القسم. والعنصر الأهم فيه هو مركز الحاسوب الشمالي ببجين، الوحدة (PLA) 61539 الذي يشرف على عشرة أقسام تعمل على “تصميم وتطوير أنظمة الدفاع والهجوم واستغلال الشبكات الحاسوبية”. وتركز الصين أيضًا كثيرًا على التدريب؛ فهناك 12 مرفقًا تدريبيًّا خاصًّا بالقدرات السيبرانية موجود في جميع أنحاء الصين، وتلعب وحدة متخصصة في الأمن السيبراني موجودة في أكبر قاعدة عسكرية في الصين، وتغطي مساحة 1066 كيلومترًا مربعًا تسمى (Zhurihe) دورًا خاصًّا حيث تحاكي سلوك الولايات المتحدة وحلفائها في الفضاء السيبراني وتُستخدم لتدريب الوحدات السيبرانية الصينية وزيادة قدراتها(33).
أما وحدة الهجمات السيبرانية الصينية “السرية” الأكثر شهرة فهي الوحدة 61398 التابعة للفرقة الثالثة من الجيش الشعبي الصيني وتتألف من أكثر الخبراء والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات ومهندسي الإلكترونيات والرياضيين واللغويين -معظمهم يتحدثون اللغة الإنكليزية- ومقرها الرئيسي في شنغهاي، وهي تلعب دورًا ليس فقط كوحدة تقليدية، بل تشكِّل مركزًا تشغيليًّا ينفذ القرارات التي اتُّخذت في بيجين بشأن النشاط في الفضاء السيبراني(34).
يلعب القسم الرابع (السيبراني) دورًا أيضًا في إدارة العمليات السيبرانية والتدابير المضادة الإلكترونية التابعة لهيئة الأركان العامة لجيش التحرير الشعبي؛ حيث يتولى مهمة الهجمات السيبرانية الهجومية والتدابير الإلكترونية المضادة (التشويش ومكافحة التشويش)، والتصدي للتهديدات السيبرانية وتعزيز أمن المعلومات والبنية التحتية(35)، وتحت هذا القسم يعمل ثلاثة معاهد بحثية وأربعة مراكز تشغيلية واثنا عشر مكتبًا تشغيليًّا، والتي تراقب اتصالات الهاتف والراديو والأقمار الصناعية والكمبيوتر؛ حيث يوجد مجتمع كبير مما يسمى بالقراصنة الوطنيين في الصين، الذين يقومون بعمليات بسيطة في الفضاء السيبراني مثل هجمات منع الوصول من الخدمة وتشويه “الويب” وتفجير البريد الإلكتروني(36) وينتمي إلى هذه المجموعات أعضاء أقسام تكنولوجيا المعلومات بالجامعات، والموظفون في أقسام تكنولوجيا المعلومات في المؤسسات المملوكة للدولة، واللاعبون عبر الإنترنت الذين يتعاونون مع الحكومة أو يعملون تحت توجيهها لتنفيذ مهام سيبرانية محددة(37).
أصبح قطاع التكنولوجيا الرقمية للصين مقياسًا لقوتها ونفوذها في الخارج، وجبهة رئيسية في الصراع الذي تخوضه مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من وجود عدد كبير من السياسات المعمول بها في الصين في المجال السيبراني والتكنولوجي والرقمي، فإن إستراتيجية الصين الرقمية (الشاملة) التي نُشرت في فبراير/شباط 2023، تهدف إلى دفع التنمية الرقمية في الصين إلى الأمام تحت عنوان “إستراتيجية الصين الرقمية”(38)، وتقترح الإستراتيجية تحول الصين إلى الرقمنة كليًّا بحلول عام 2025، لتصبح بيجين رائدة عالميًّا في المجال الرقمي في غضون عام 2035. وجرى العمل على تطوير إستراتيجية الصين الرقمية وفقًا لإطار عمل رسمي يُعرَف باسم “2522”، ويمثل كل رقم واحدًا من البنود الرئيسة للإستراتيجية، وأحد الأهداف والطرق والوسائل “للصين الرقمية”، بما في ذلك المكون الدولي(39)، كما تسعى الصين إلى تعزيز التطور الرقمي في بناء البنية التحتية السيبرانية ونظام موارد البيانات، بالإضافة إلى زيادة دمج التقنيات الرقمية مع قطاعات البنى التحتية، وتسريع بناء شبكة الجيل الخامس، والتطبيق الواسع النطاق للإصدار السادس لبروتوكول الإنترنت، ونظام “بي دو” (BeiDou) للملاحة عبر الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى تطوير إنترنت الأشياء (IoT)(40).
ومن الجدير ذكره بأن هناك بعض الشركات الصينية البارزة التي تسهم في بناء القدرات السيبرانية في مجالات تطوير البنية التحتية الرقمية(41)، مثل:
- هواوي (Huawei): وهي شركة رائدة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، متخصصة في تطوير شبكات الجيل الخامس (5G) ومعدات الاتصالات، وتعمل على تقنيات الإصدار السادس لبروتوكول الإنترنت (IPv6).
- زد تي إي (ZTE): وهي شركة رئيسية في تكنولوجيا الاتصالات ومعدات الشبكات، وتلعب دورًا حيويًّا في تطوير وتنفيذ شبكات الجيل الخامس وتقنيات الاتصال.
- علي بابا (Alibaba): عبر ذراعها التكنولوجية، علي كلاود (AliCloud)، تسهم في تطوير البنية التحتية السحابية والبيانات الكبيرة، وتعزز القدرات السيبرانية من خلال حلول مبتكرة في الحوسبة السحابية.
- تينسنت (Tencent): تقدم خدمات متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وتعمل على تطوير التطبيقات الرقمية والبنية التحتية السيبرانية.
- بايدو (Baidu): متخصصة في الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة، وتسهم في تطوير التطبيقات الرقمية والقدرات السيبرانية المتقدمة.
- شاومي (Xiaomi): إلى جانب إنتاج الأجهزة الذكية، تعمل على تطوير تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) وتساهم في بناء البنية التحتية الرقمية.
- داتانغ تيليكوم (Datang Telecom): تعمل في مجال تكنولوجيا الاتصالات وتطوير شبكات الجيل الخامس ومعدات الاتصال.
- تشاينا موبايل (China Mobile): أكبر شركات الاتصالات في الصين، تلعب دورًا كبيرًا في تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتسريع بناء شبكات الجيل الخامس وتطبيق بروتوكول الإنترنت الإصدار السادس.
- تشاينا تيليكوم (China Telecom): تسهم في تطوير وتحسين شبكات الاتصالات وتقنيات الإنترنت، بما في ذلك شبكة الجيل الخامس وبروتوكول الإنترنت الإصدار السادس.
هذه الشركات تعتبر من الأسماء البارزة التي تعمل على تعزيز القدرات السيبرانية في الصين من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، وشبكات الاتصال، والابتكار في تقنيات الاتصال الحديثة.
كما تستخدم الصين القدرات السيبرانية في المقام الأول لتحقيق الاحتياجات والمصالح المحلية، لتوليد الرخاء والحفاظ على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وينصبُّ التركيز الرئيسي على “تطهير” شبكة الإنترنت في الصين من الأفكار والمعلومات التي قد تشكِّل تحديًا لسلطة الحزب الشيوعي الصيني؛ مما يجعل تكنولوجيات المراقبة والرقابة أمرًا حيويًّا(42).
إن ظهور الصين كقوة عالمية كبرى يعمل على إعادة تشكيل المجال السيبراني، سيما أن الصين تتمتع بأكبر مجتمع لمستخدمي الإنترنت في العالم وفقًا للعام 2024 بما يزيد عن مليار مستخدم، بنسبة 76.4 بالمئة من عدد السكان، غالبيتهم العظمى يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي(43).
تقوم القدرات السيبرانية الصينية على شيوع ثقافة الإنترنت وتغلغلها والتي تعد الركن الرئيس في تطور الإستراتيجية السيبرانية بسبب العدد الكبير من مستخدمي الإنترنت وعدد الأجهزة الإلكترونية والبنية التحتية(44) إضافة إلى قدرات صناعة التكنولوجيا والمعلومات والقدرات البحثية التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي، والقدرات العسكرية والاستخبارية السيبرانية، يدعم ذلك محفزات اقتصادية ومحفزات سياسية وأخرى عسكرية، وعلى حدِّ تعبير الرئيس الصيني، فإن السيادة السيبرانية تُمثِّل “حق كل دولة باختيار طريقها الخاص إلى التنمية السيبرانية، وأسلوبها في التنظيم السيبراني وتنظيم السياسات العامة للإنترنت، والمشاركة في حكم عالمي للفضاء السيبراني بحيث تكون على قدم المساواة مع الدول الأخرى(45).
لقد انخرطت الصين في عملية بناء هائلة لقدراتها السيبرانية على مدى العقد الماضي، وهي تشكل تهديدًا هائلًا للولايات المتحدة في الفضاء السيبراني اليوم. وقد حققت الصين هذا التحول من خلال إعادة تنظيم مؤسسات صنع السياسات السيبرانية، وتطوير قدرات سيبرانية هجومية متطورة ولعبت أيضًا بمجموعة مختلفة من القواعد عن الولايات المتحدة في الفضاء السيبراني، حيث ألزمت الشركات المدنية والباحثين بالإبلاغ عن نقاط الضعف في البرامج التي يكتشفونها للحكومة الصينية تعزيزًا لما تسميه “السيادة السيبرانية”(46). ونتيجة لهذه الجهود طويلة الأمد، أصبحت أنشطة الصين في الفضاء السيبراني الآن أكثر سرية ومرونة وخطورة على الولايات المتحدة مما كانت عليه في الماضي. لا تزال هناك أسئلة ملحَّة تتعلق باستعداد الولايات المتحدة لمواجهة التحدي السيبراني الصيني، بما في ذلك مدى كفاية الموارد للقوات السيبرانية العسكرية الأميركية، ومدى كفاية وسائل الحماية الحالية للبنية التحتية الحيوية للولايات المتحدة، ونطاق التعاون بين القطاعين، العام والخاص، في مجال الأمن السيبراني.
تأسيسًا على ما تقدم، تعكس القدرات السيبرانية الصينية نموًّا سريعًا وتقدمًا تكنولوجيًّا واقتصاديًّا يضعها في هرم المؤشرات الدولية في هذا المجال، وتمتلك الصين أسسًا تكنولوجية قوية وموارد اقتصادية تدعم تطوير الأمن السيبراني، ومع ذلك، هناك تحديات تشمل استخدام محتمل للقدرات السيبرانية في الجانب العسكري واتهامات بشن أو تسخير هذه القدرات لشن هجمات سيبرانية لاسيما على صعيد الاختراقات والخصوصية والرقابة.
ثالثًا: تجليات التنافس في الإستراتيجيات السيبرانية
يلعب التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة الأميركية والصين دورًا حاسمًا في تعزيز نفوذ كل منهما على الساحة العالمية. ويتمثل هذا التأثير في عدة نواح من خلال:
- التأثير في الاقتصاد والتكنولوجيا، وهذه نقطة في غاية الأهمية؛ حيث يعد السباق التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين أحد أبرز الديناميكيات في الجيوسياسية العالمية اليوم، وله تأثيرات مهمة في الاقتصاد العالمي وتطور التكنولوجيا. ثمة العديد من الجوانب التي يمكن من خلالها تحليل هذا التنافس:
– الابتكار والتطوير التكنولوجي:
- الولايات المتحدة الأميركية، وتمتلك بنية تحتية قوية للبحث والتطوير مدعومة بمؤسسات أكاديمية وبحثية مرموقة، وتعتبر الشركات الخمس التكنولوجية الكبرى والتي تُعرف أحيانًا بـ”Big Five”، تشمل ( Meta، Google، Apple، Amazon، وMicrosoft ) والتي لها تأثير كبير في الاقتصاد العالمي وعلى الابتكار التكنولوجي وهمينة على الفضاء السيبراني وسوق الأمن السيبراني العالمية.
- الصين: تركز بشكل كبير على التقدم التكنولوجي كجزء من إستراتيجية التنمية الوطنية، وقد تبنَّت مبادرات كبيرة مثل “صنع في الصين 2025” لتعزيز الصناعات التكنولوجية مثل الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس. ولها شركات كبرى مثل (Huawei) و(Tencent) و (Alibaba)تقوم بدور مركزي في هذه الجهود.
- الاستثمار في التكنولوجيا الناشئة: كلا البلدين يستثمران بكثافة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وهو مجال يُتوقع أن يكون له تأثيرات جذرية على الاقتصاد العالمي. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغير كيفية تعاملنا مع كل شيء بدءًا من الرعاية الصحية حتى الأمن القومي. انظر الرسم البياني التالي:

- التأثير الاقتصادي
- أصبحت التكنولوجيا محركًا أساسيًّا للنمو الاقتصادي. الدول التي تتصدر في التكنولوجيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لديها الفرصة لتعزيز نموها الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة لمواطنيها.
- الهيمنة على تكنولوجيا معينة يمكن أن تمنح دولة ما ميزة تنافسية كبيرة على المستوى العالمي. على سبيل المثال، السيطرة على سلسلة التوريد للرقائق/الشرائح الإلكترونية، التي هي حيوية لكل شيء من الهواتف المحمولة إلى السيارات والأجهزة العسكرية وقد أضحت هذه الشرائح عصب عمل الفضاء السيبراني.
- الأمن السيبراني: يشمل ذلك الجهود الهادفة لحماية الأنظمة الحيوية والتكنولوجية لكل دولة، وكذلك شن هجمات سيبرانية ضد الخصوم والأعداء بغية التأثير في سياساتهم واقتصادياتهم.
- التأثير في السياسة الدولية: كل من الولايات المتحدة والصين تستخدمان القدرات السيبرانية جزءًا أساسيًّا من إستراتيجياتهما الخارجية للتأثير في السياسة الدولية والمصالح الإستراتيجية للدول الأخرى. يتضمن ذلك استخدام الهجمات السيبرانية والدعاية الإلكترونية لتحقيق أهدافهم السياسية والاقتصادية، وتأثير الرأي العام الدولي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام السيبرانية. هذه الجهود تهدف إلى تعزيز نفوذ كل دولة وتحقيق مصالحها الإستراتيجية على الساحة العالمية، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من التنافس السيبراني بين البلدين.
كما يتجلى التنافس في الإستراتيجيات السيبرانية لكل من الصين والولايات المتحدة عبر:
– الاستخدام العسكري: الولايات المتحدة تعتمد على التكنولوجيا السيبرانية كجزء من إستراتيجيتها العسكرية، بينما تسعى الصين لتطوير قدراتها السيبرانية لتحقيق التفوق العسكري.
– التجسس السيبراني: تتبادل بكين وواشنطن الهجمات السيبرانية ويستخدمون القرصنة لسرقة المعلومات السرية والتجسس على بعضهما البعض.
– التأثير في الرأي العام من خلال خوارزميات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية والتأثير في الرأي العام الدولي لصالحها، ويعتبر تطبيق تيك توك مثالًا جيدًا على كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية والتأثير في الرأي العام الدولي لصالحهما. وهذه التطبيقات مثل تيك توك وفيسبوك وإكس يعتمد نجاحها على خوارزميات تحديد الأولويات التي تعرض المحتوى للمستخدمين، وهذا يمكن أن يُستغل من قبل الحكومات أو الجهات الأخرى لتوجيه الدعاية أو الرسائل السياسية لتحقيق أهداف معينة.
فعلى سبيل المثال، يمكن للحكومات استخدامها لنشر رسائل ترويجية تدعم سياستها الخارجية أو تقديم صورة إيجابية عن البلد للجمهور الدولي. أو كوسيلة لجذب الانتباه إلى قضايا معينة أو لتشكيل الرأي العام الدولي حول قضايا سياسية أو اجتماعية. وبذلك، يصبح لمثل هذه التطبيقات تأثير كبير في التفاعل الدولي وتشكيل الرأي العام.
تأسيسًا على ما تقدم، يعتبر مستقبل التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة والصين معقدًا ومتغيرًا باستمرار، ولكن ثمة بعض الاتجاهات المحتملة بهذا الخصوص والتي تشمل:
- من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة والصين في استثمار المزيد من الموارد في تطوير التكنولوجيا السيبرانية؛ مما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات والصراعات في هذا المجال.
- قد يزداد التشديد على الرقابة والتنظيم في الجانبين، سواء داخليًّا لحماية الأمن السيبراني، أو على المستوى الدولي من خلال المحادثات والاتفاقيات الدولية ومن ضمنها الحوكمة السيبرانية.
- قد يؤدي التنافس السيبراني إلى تأثيرات جيوسياسية أكبر، بما في ذلك تشكيل تحالفات جديدة أو تصعيد الصراعات الدولية؛ مما يمكن أن يؤثر على التوازن الجيوسياسي العالمي. ويتطلب هذا التحدي تعاونًا دوليًّا فعالًا للتصدي للتهديدات السيبرانية وضمان استقرار النظام الدولي.
- قد تشكِّل التطورات التكنولوجية مثل الحوسبة الكمية والتعلم الآلي المتقدم والذكاء الاصطناعي وغيرها، والتي قد تغير ديناميات التنافس السيبراني بشكل جذري في قادم الأيام، نقلة نوعية في ديناميات التنافس السيبراني في المستقبل لأنها قد تمكن الدول من تطوير قدرات سيبرانية أكثر قوة وفعالية؛ مما يعزز من قدرتها على شن هجمات سيبرانية متقدمة وحماية نفسها من التهديدات السيبرانية.
- أما على صعيد التأثير الاقتصادي فقد يؤثر التنافس السيبراني بين واشنطن وبكين في الاقتصادات الوطنية لكل منهما، سواء بشكل إيجابي من خلال التطور التكنولوجي والابتكار، أو بشكل سلبي من خلال التكاليف الاقتصادية لحماية الأمن السيبراني والرد على الهجمات والجرائم السيبرانية التي تكلف الاقتصاد العالمي سنويًّا مئات المليارات من الدولارات؛ إذ يمكن أن تكون الأعباء الاقتصادية المرتبطة بإدارة الأمن السيبراني كبيرة سواء على صعيد التكاليف المتعلقة بتأمين البنية التحتية الرقمية، أو الاستجابة للحوادث السيبرانية، وتحديث الأنظمة للتعامل مع التهديدات المتطورة. علاوة على ذلك، يمكن أن ينجم عن الهجمات السيبرانية الناجحة أضرار اقتصادية كبيرة، قد تؤدي إلى فقدان الملكية الفكرية، أو تعطيل البنية التحتية الحيوية، وتآكل ثقة المستهلكين والمستثمرين؛ إذ إن هذه العوامل مجتمعة تضع ضغطًا على الاقتصادات الوطنية، وقد تعيق النمو في قطاعات أخرى بسبب تحويل الموارد نحو إجراءات الدفاع السيبراني.
رابعًا: نظرة مستقبلية
إن تحليل القدرات السيبرانية الأميركية والصينية والتنافس بينهما يشكِّل جزءًا حيويًّا من المشهد الدولي الحديث؛ إذ يتسارع التطور التكنولوجي في مجال الفضاء السيبراني، مما يعكس تأثيره في عنصري القوة والأمن الوطنيين. فالولايات المتحدة الأميركية تمتلك اليوم قوة سيبرانية هائلة، مدعومة بالابتكار التكنولوجي والإستراتيجيات السيبرانية الدفاعية والهجومية. بينما تعزز الصين بشكل متزايد من قدراتها السيبرانية، وتعدل إستراتيجياتها العسكرية لتشمل الأبعاد الرقمية، فالقطاع التكنولوجي الصيني يشهد تقدمًا سريعًا، ويُعد تحديث التشريعات وتعزيز الابتكار دليلًا على هذه القدرة في تحقيق تفوق سيبراني عالمي ومنافس للولايات المتحدة الأميركية.
بهذا السياق، خلص تقرير للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) إلى أن الولايات المتحدة تقف بمفردها اليوم باعتبارها القوة السيبرانية الوحيدة من الدرجة الأولى في العالم، لكن الصين سوف تبرز منافسًا نظيرًا ذا قدرة عالية على مدى العقد المقبل(47). ويشير التقرير إلى أن الهيمنة على الفضاء السيبراني كانت هدفًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة منذ منتصف التسعينات “إنها الدولة الوحيدة التي لها بصمة عالمية ثقيلة في الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء السيبراني، على الرغم من أنها ترى نفسها الآن مهددة بشكل خطير من قبل الصين وحتى روسيا في هذا المجال”.
تحمل المنافسة بين القوى العظمى في الفضاء الإلكتروني بين الولايات المتحدة والصين أهمية إستراتيجية هائلة لكلا البلدين. الهدف الأساسي لواشنطن وبكين في هذه المنافسة هو استخدام التفوق في القدرات السيبرانية لصالحهما الجيوسياسي. إن القدرة السيبرانية الأساسية هي القوة التكنولوجية المتراكمة لأي بلد في رقائق أشباه الموصلات، وأنظمة تشغيل الكمبيوتر، وأدوات أتمتة التصميم الإلكتروني، والتي تمهد الطريق للحوسبة عالية الأداء، والذكاء الاصطناعي، والجيل القادم من شبكات الإنترنت والاتصالات المتنقلة.
ولهذا السبب، فإن تصاعد التنافس بين القوى العظمى بين أميركا والصين، من الحرب التجارية إلى الحرب التكنولوجية، تركز على المنافسة في تلك التقنيات الأساسية المتقدمة؛ حيث أصبحت موارد بالغة الأهمية للسيادة الوطنية، والتنمية الاقتصادية، والأمن القومي.
لا تقتصر هذه المنافسة على التقييس الفني بين الدولتين فحسب، بل انتقلت أيضًا إلى الساحة السياسية، حيث يتقاتل الطرفان حول القواعد واللوائح التنظيمية لإدارة عمليات نقل البيانات وتخزينها وحتى على معايير تحكم الفضاء السيبراني العالمي، وتشكل الإستراتيجية الأميركية الرامية إلى احتواء تقدم الصين في مجال أشباه الموصلات مظهرًا واضحًا لهذه المنافسة(48)
وقد سمحت قدرات الصين السيبرانية المتنامية لها بزيادة نفوذها في وضع المعايير ذات الصلة بتصميم وتشغيل الإنترنت في المستقبل، وتعزيز النظام الرقمي الدولي، الذي يفسره الغرب على أنه يخدم أهداف الصين الجيوسياسية، فقد طورت حكومة الولايات المتحدة إستراتيجية كبرى تعتمد على “السياسة الواقعية الرقمية”، بهدف أساسي يتمثل في تعزيز الهيمنة السيبرانية الأميركية والحد من خصمها الرقمي الرئيسي، الصين(49).
بشكل عام، من المحتمل أن يظل التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة والصين مستمرًّا في المستقبل المنظور؛ مما يستدعي الحاجة إلى إستراتيجيات متطورة لإدارة وفهم الصراعات وتقديم الحلول المبتكرة لتحسين هذا المشهد في ظل ما تتحدث عنه التقارير الحالية بشأن “التسليح” المنتظم للفضاء السيبراني.
خاتمة
بالاستناد إلى قراءة المعطيات فإن التنافس السيبراني بين الولايات المتحدة والصين يشكل جزءًا رئيسيًّا من السباق نحو الهيمنة العالمية في القرن الحادي والعشرين؛ حيث تسعى كلتا القوتين لتطوير قدراتهما التكنولوجية والسيبرانية لتعزيز مواقفهما الإستراتيجية.
فالولايات المتحدة والصين، باعتبارهما قوتين تكنولوجيتين عظيمتين، تتصدران مؤشرات التقدم في القدرات السيبرانية، مما يبرز الدور الحيوي الذي تلعبه التكنولوجيا في السياسة العالمية والأمن الدولي. تستثمر كلتا الدولتين بشكل كبير في تطوير البنية التحتية السيبرانية، والأمن السيبراني، والقدرات الهجومية والدفاعية، بهدف تعزيز قدراتها الإستراتيجية وضمان السيادة الوطنية في الفضاء السيبراني. هذا التقدم لا يقتصر فقط على تحسين الدفاعات ضد الهجمات السيبرانية ولكن يشمل أيضًا تطوير أدوات للتأثير والتجسس السيبراني على مستوى عالمي.
إذ يُظهر التحليل والاستشراف بهذا الجانب أن التنافس في القدرات السيبرانية الأميركية والصينية سيستمر في تحديد المشهد الدولي الذي تعززه التطورات والتحولات الهائلة في الديناميات الجيوسياسية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا السيبرانية المتقدمة التي ستمثل عاملًا محوريًّا يحدد القواعد الجديدة للقوة والتأثير العالمي مستقبلًا لاسيما مع زيادة الاعتماد على الشبكات الرقمية والتكنولوجيا في كل جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى البنية التحتية الحيوية والعسكرية، تصبح الحاجة إلى الحماية السيبرانية أمرًا أساسيًّا، مما يضع واشنطن وبكين في موقع يمكِّنهما من لعب دور رئيسي في تشكيل معايير وسياسات الأمن السيبراني الدولية مما يؤدي إلى مزيد من النزاعات وحدوث توترات آخرها نية الإدارة الأميركية حظر تطبيق تيك توك (TikTok) مما يضعهما أمام حرب باردة لن يكون عنوانها تايوان أو المصالح الاقتصادية وإنما هذا التطبيق الذي شغل الدنيا بعد أن أقر مجلس النواب الأميركي، في أواخر أبريل/نيسان 2024، بأغلبية ساحقة مشروع قانون يلزم الشركة الصينية “بايت دانس” المالكة لتطبيق “تيك توك” ببيعه في غضون 180 يومًا، أو المخاطرة بحظر التطبيق من متاجر التطبيقات وخدمات استضافة الويب في الولايات المتحدة. وهذا التوجه بالمحصلة يعكس عمق الشكوك والتنافس بين القوتين العظميين؛ حيث يتجلى الصراع ليس فقط في المجالات التقليدية وإنما يشمل الآن الأمن السيبراني والسيطرة على البيانات الضخمة، التي يعتبر تطبيق “تيك توك” أحد أبرز الفاعلين فيها، وهو ما يُظهر كيف أن المعارك الإستراتيجية الحديثة تُخاض في الفضاء السيبراني والسوق العالمي للبيانات؛ مما يشير إلى تحول في نقاط التوتر الدولية من الملفات التقليدية إلى الساحة الرقمية الأمر الذي يجعل تطوير القدرات السيبرانية والاستثمار فيها ضرورة إستراتيجية للدول التي تسعى لحماية مصالحها الوطنية وتعزيز موقعها في النظام العالمي الجديد.
المراجع
(*) للتفريق بين القوة السيبرانية (Cyber Power)، والقدرات السيبرانية (Cyber Capabilities)، فإن القوة السيبرانية تمثل مفهومًا شاملًا يرتبط بالقدرة الشاملة لكيان ما، كالدولة أو المؤسسة، على تحقيق أهدافها وحماية مصالحها في الفضاء السيبراني. وتستند إلى الاستخدام الفعال للعناصر السيبرانية المتاحة، مثل التكنولوجيا والمعرفة والقوانين والقدرات البشرية. تجمع القوة السيبرانية بين القدرة على الدفاع عن الأصول الرقمية والبيانات الحساسة، والقدرة على تنفيذ هجمات سيبرانية عند الضرورة. تعكس قوة السيبرانية التأثير والتحكم في الفضاء السيبراني بصورة شاملة. أما القدرات السيبرانية فتتعلق بالعناصر الفعلية التي تمتلكها الدول أو الكيانات لتنفيذ الأنشطة والعمليات في الفضاء السيبراني. تشمل هذه القدرات الأنظمة والتقنيات والأدوات والمعرفة والمهارات التي تستخدم لتحقيق أهداف معينة. على سبيل المثال، تتضمن القدرات السيبرانية الأدوات والبرمجيات والمعرفة التي تمكِّن من القيام بأنشطة سيبرانية مثل الاختراقات والتجسس والتدمير السيبراني، وتحسين الأمن السيبراني والدفاع عن البنية التحتية السيبرانية للدولة أو المؤسسة. بمعنى، يمكن القول: إن القوة السيبرانية تمثل التقييم الشامل للقدرة على التأثير والتحكم في الفضاء السيبراني، بينما القدرات السيبرانية تشير إلى العناصر والأدوات الفعلية التي تمكِّن الكيان من ممارسة هذا التأثير والتحكم. بشكل عام، يمكن تصور القدرات السيبرانية كوسائل وأدوات تستخدم لتحقيق القوة السيبرانية. الدول والكيانات السياسية يسعون لزيادة قدراتهم السيبرانية لضمان أمنهم السيبراني وتعزيز تأثيرهم في العالم الرقمي، انظر:
- Max Smeets, Herbert S. Lin, Offensive Cyber Capabilities: To What Ends?, (2018 10th International Conference on Cyber Conflict, NATO CCD COE Publications, Tallinn, 2018), P.58
- رغدة البهي، أبعاد التطور في القدرات السيبرانية الروسية عقب الحرب الأوكرانية، مركز إنترريجنال للتحليلات الإستراتيجية، 18 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 20 سبتمبر/أيلول 2023)، https://cutt.us/aIpaC
- هناك العديد من الأدبيات التي تتناول موضوع القدرات السيبرانية والتنافس بين الولايات المتحدة والصين. من بينها دراسة: “The Hundred-Year Marathon: China’s Secret Strategy to Replace America as the Global Superpower” للكاتب Michael Pillsbury، حيث يقدم فيه تحليلًا مفصلًا لإستراتيجية الصين السرية لتحقيق الهيمنة العالمية وتحدي الولايات المتحدة. وكتاب “Cyber Dragon: Inside China’s Information Warfare and Cyber Operations” للكاتب Dean Cheng، يقدم الكتاب تحليلًا معمقًا لقدرات الصين السيبرانية وإستراتيجياتها في الحرب السيبرانية وكيفية استخدامها لتعزيز مصالحها الوطنية. إضافة إلى دراسة “America the Vulnerable: Inside the New Threat Matrix of Digital Espionage, Crime, and Warfare” للكاتب Joel Brenner، والذي يتناول التهديدات السيبرانية التي تواجه الولايات المتحدة، بما في ذلك التهديدات من الصين، ويشرح كيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذه التهديدات. وهناك كتاب “Chinese Cybersecurity and Defense” للكاتب Daniel Ventre الذي يركز فيه على القدرات السيبرانية الصينية وسياساتها الدفاعية في الفضاء السيبراني، وكيف تطورت هذه القدرات على مدى السنوات. وكتاب “Surviving Cyber War” للمؤلف Richard Stiennon حيث يناقش الإستراتيجيات الدفاعية والهجومية في الحرب السيبرانية، مع التركيز على القدرات السيبرانية للولايات المتحدة والتهديدات التي تواجهها من الصين. وبهذا السياق هناك كتاب “The Hacked World Order: How Nations Fight, Trade, Maneuver, and Manipulate in the Digital Age” للكاتب Adam Segal والذي يتناول فيه كيف تستخدم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين، الفضاء السيبراني لتحقيق أهدافها الإستراتيجية وتعزيز نفوذها العالمي. توفر هذه الأدبيات رؤى حول القدرات السيبرانية لكل من الولايات المتحدة والصين وكيفية تأثير هذه القدرات على التنافس الدولي والنفوذ العالمي.
- James A. Lewis, A Necessary Contest: An Overview of U.S. Cyber Capabilities, Asia Policy, vol. 27 no. 2, (2020), p. 84.
)5) یعد الصحافي الأميركي “فرد كابلان” من أهم منظِّري التكامل الإستراتيجي الأميركي، انظر:
فرد كابلان، المنطقة المعتمة التاریخ السري للحرب السیبرانية، (ترجمة: لؤي عبد المجید، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2019)، ص 12.
(6) David Clarke, Cyber War, op.cit, p.144
(7) Cyber Capabilities and National Power: A Net Assessment, International Institute for Strategic Studies (IISS), 2021, Accessed:21/5/2024. https://www.iiss.org/research-paper//2021/06/cyber-capabilities-national-power.
(8) Brad D. Williams , US ‘Retains Clear Superiority’ In Cyber; China Rising: IISS Study, Breaking Defense, 28/6/2021, “Accessed: 5/9/2023. , https://breakingdefense.com/2021/06/us-retains-clear-superiority-in-cyber-but-china-poised-to-challenge-study/,
(9) Lisa Ferdinando, Cybercom to Elevate to Combatant Command , US Department of Defence, May 3, 2018, “, https://www.defense.gov/News/News-Stories/Article/Article/1511959/cybercom-to-elevate-to-combatant-command/, Accessed: 21/9/2023”
(10) Paul M. Nakasone, US Department of Defense,” Accessed: 21/9/2023”, https://www.defense.gov/About/Biographies/Biography/Article/1531067/general-paul-m-nakasone/.
(11) U.S. Cyber Command, cybercom, “Accessed: 18/9/2023”, https://www.cybercom.mil/About/History/
(12) C. Todd Lopez, Cyber Mission Force Set to Add More Teams , US Department of Defence, April 6, 2022, “Accessed: 21/9/2023”, https://www.defense.gov/News/News-Stories/Article/Article/2991699/cyber-mission-force-set-to-add-more-teams/.
(13) Department of Defense Releases 2023 Cyber Strategy Summary, U.S Department of Defense, Sept. 12, 2023, “Accessed: 18/9/2023“, https://www.defense.gov/News/Releases/Release/Article/3523199/dod-releases-2023-cyber-strategy-summary/.
(14) Ibid;
(15) هدى النعيمى، الهجمات السيبرانية وتصاعد المنافسة الدولية، مجلة الجندي الإلكترونية، 1 يونيو/حزيران 2022، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2024)، https://cutt.us/sco19.
(16) Mark Stone, How much is the U.S. investing in cyber (and is it enough)?, Security Intelligence, January 20, 2023,” Accessed: 21/9/2023”, https://securityintelligence.com/articles/how-much-is-us-investing-in-cyber/.
(17) Sean Carberry, White House Asks for $842 Billion in 2024 DOD Funding, 3.2 Percent Above 2023 Budge,National defense magazine, 3/9/2023, Accessd: 21/9/2023, “, Accessed: 22/9/2023 “, https://www.nationaldefensemagazine.org/articles/2023/3/9/white-house-asks-for-842-billion-in-2024-dod-funding-32-percent-above-2023-budget
(18) Denise E. Zheng, 2015 DOD Cyber Strategy ,CSIS, April 24, 2015, “, Accessed: 22/9/2023”, https://www.csis.org/analysis/2015-dod-cyber-strategy
(19) John Smith, “Contributions of American Tech Giants to Cybersecurity Capabilities: A Study on Google, Facebook, Microsoft, and Others.” Journal of Cybersecurity Studies,2023,(2), pp:45-62. Retrieved from https://www.cybersecuritystudiesjournal.org/american-tech-giants-cybersecurity-capabilities.
(20) Number of internet users in the United States from 2015 to 2023, Feb 22, 2023, Accessed: 22/5/2024 https://datareportal.com/reports/digital-2024-united-states-of-america?rq=USA.
(21) شريفة كلاع، الأمن السيبراني وأشكال التهديد: تحديات عالمية، ط 1، (ألفا للوثائق، الأردن، 2023)، ص 220.
(22) National Cyber Power Index 2022,” Accessed: 22/9/2023”, https://www.belfercenter.org/sites/default/files/files/publication/CyberProject_National%20Cyber%20Power%20Index%202022_v3_220922.pdf.
(23) Cyber Capabilities and National Power: A Net Assessment, IISS, 28th June 2021, “Accessed: 22/9/2023”, https://www.iiss.org/research-paper//2021/06/cyber-capabilities-national-power
(24) Global Cybersecurity Index 2020 ,International Telecommunication Union, “Accessed: 22/9/2023”, https://www.itu.int/dms_pub/itu-d/opb/str/D-STR-GCI.01-2021-PDF-E.pdf.
(25) شريفة كلاع، مرجع سبق ذكره، ص 227.
(26) المرجع نفسه، ص 227.
(27) Lyu Jinghua, What Are China’s Cyber Capabilities and Intentions?, Carnegie Endowment for International Peace, April 01, 2019,” Accessed: 23/9/2023”, https://carnegieendowment.org/2019/04/01/what-are-china-s-cyber-capabilities-and-intentions-pub-78734.
(28) عبد الكريم زهير عطية الشمري وحازم موسى الجنابي، “مطارحات هيمنة الإستراتيجية الأميركية السيبرانية”، مجلة تكريت للعلوم السياسية (جامعة تكريت، كلية العلوم السياسية، العراق، العدد 24، 202)، ص 17.
(29) Biswarup Baidya, Cyberwarfare: Growing Chinese Cyber Threats and Implications for India, May 5, 2023,” Accessed: 22/9/2023”, https://samvadaworld.com/featured/cyberwarfare-growing-chinese-cyber-threats-and-implications-for-india/.
(30) Cyber Capabilities and National Power: A Net Assessment, IISS, 28th June 2021, Accessed: 22/9/2023, https://www.iiss.org/research-paper//2021/06/cyber-capabilities-national-power.
(31) Biswarup Baidya, op. cit, ZTE Corporation is a Chinese partially state-owned technology company that specializes in telecommunication. Founded in 1985, ZTE is listed on both the Hong Kong and Shenzhen Stock Exchanges.
(32) Andrzej Kozłowski, The Assessment of the China’s Cyber Warfare Capabilities and Its Consequences for Potential Conflict over Taiwan, Wydawnictwo Uniwersytetu Łódzkiego, 2015, “Accessed: 22/9/2023”, https://core.ac.uk/download/pdf/71981805.pdf.
(33) Ibid, p. 165
(34) Adam Jourdan, China-U.S. cyber spying row turns spotlight back on shadowy Unit 61398, Reuters, May 20, 2014, “Accessed: 22/9/2023”,
https://www.reuters.com/article/us-cybercrime-usa-china-unit-idUSBREA4J08M20140520.
(35) Mark Clayton, US indicts five in China’s secret ‘Unit 61398’ for cyber-spying on US firms, The Christian Science Monitor , May 19, 2014 , https://www.csmonitor.com/World/Passcode/2014/0519/US-indicts-five-in-China-s-secret-Unit-61398-for-cyber-spying-on-US-firms, Accessed: 22/9/2023
(36) Andrzej Kozłowski, op. cit, p.165
(37) Ibid,p. 165.
(38) خالد وليد محمود، ماذا وراء الإعلان عن إستراتيجية الصين الرقمية؟، الجزيرة نت، 15 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2023)، https://cutt.us/D5UNY
(39) David Dorman, The Digital China “Plan” is New, but “Digital China” is Not, Digital china wins the future, 27/2/2023 ,”Accessed; 21 may 2024”, ,https://digitalchinawinsthefuture.com/2023/02/27/beijing-issues-plan-for-the-overall-layout-of-digital-china-construction/
(40) Sarah Sewall, Tyler Vandenberg, Kaj Malden, China’s BeiDou, New Dimensions of Great Power Competition, Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, Cambridge, US, Feb. 2022, “Accessed: 22/9/2023”, https://www.belfercenter.org/sites/default/files/files/publication/Chinas-BeiDou_V10.pdf.
(41) Zhao Jiugeng, “China’s Cyber Capabilities: An Analysis of Major Tech Companies’ Roles in Developing Digital Infrastructure and 5G Networks.” Journal of Cybersecurity and Digital Innovation, 2023, 15(2), 123-145. Retrieved from https://www.cybersecurityjournal.org/china-cyber-capabilities.
(42) Helene Pleil, Being a Cyberpower – China’s Ambitions in Cyberspace, Tech Policy Press, 30/3/2023, “Accessed: 22/9/2023“, https://techpolicy.press/being-a-cyberpower-chinas-ambitions-in-cyberspace/
(43) Datareportal, Digital 2024 China,21/2/2024, “Accessed: 22/5/2024 https://datareportal.com/reports/digital-2024-china?rq=china.
(44( على الرغم من أن الصين تتجه نحو وضع أهداف لزيادة دمج اقتصادها وصناعاتها وتقنياتها العسكرية بالفضاء السيبراني، إلا أنها تحاول أن تُبقي زمام الأمور تحت سيطرتها قدر الإمكان، وبالنسبة لها؛ فإن حماية الفضاء السيبراني مسألة دفاع قومي هذا يعني أن الحكومة تتحكم كليًّا بهذا الفضاء وتمارس الرقابة عليه لا بل تفصل شبكة الإنترنت الداخلية عن العالم الخارجي أو تعطلها نهائيًّا. ووضعت الصين تشريعات سيبرانية مكَّنتها من أن تحصِّن البنى التحتية السيبرانية بما يسمى جدار النار الصيني العظيم. انظر: أنديرا عراجي، القوة في الفضاء السيبراني: فصل عصري من التحدي والاستجابة، ط 1، (دار ميرزا للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، لبنان)، 2019.
(45) إستراتيجية “شي جين بينغ” الثورية.. كيف تغير الصين مستقبل الإنترنت في العالم؟، الجزيرة نت، 2 يوليو/تموز 2020، (تاريخ الدخول: 23 سبتمبر/أيلول 2023)، https://cutt.us/3XYZa
(46)Hjortdal, Magnus. “China’s Use of Cyber Warfare: Espionage Meets Strategic Deterrence.” Journal of Strategic Security, vol. 4, no. 2, 2011, pp. 1–24. JSTOR, “Accessed: 3 May 2024.”, http://www.jstor.org/stable/26463924
(47)Brad D. Williams, US ‘Retains Clear Superiority’ In Cyber; China Rising: IISS Study, Breaking Defense, 28 June 2021,” Accessed: 2 April 2024”, https://breakingdefense.com/2021/06/us-retains-clear-superiority-in-cyber-but-china-poised-to-challenge-study/?amp=1.
(48) Marina Zhang, Cyberspace: The new battlefield of US-China competition, Australia-China Relations Institute, University of Technology Sydney, 9 December 2022, University of Technology Sydney, “Accessed: 2 April 2024”, https://www.australiachinarelations.org/content/cyberspace-new-battlefield-us-china-competition.
(49)Ibid,
٭ د. خالد وليد محمود، باحث متخصص في السياسة السيبرانية، الدوحة – قطر
Dr. Khaled Walid Mahmoud Specialist in Cyber politics, Doha- Qatar
