ملخص:
ناقش منتدى الجزيرة الخامس عشر الذي نظمته شبكة الجزيرة الإعلامية، يومي 25 و26 مايو/أيار 2024، في العاصمة القطرية، الدوحة، تحت عنوان تحولات الشرق الأوسط بعد “طوفان الأقصى”. شارك في المنتدى خبراء وباحثون وإعلاميون من دول شتى تناولوا كل من زاوية تخصصه التحولات العميقة التي أحدثتها عملية طوفان الأقصى وما أعقبها من حرب إسرائيلية على غزة، سواء أكان على المستوى الفلسطيني والإسرائيلي أم على الصعيدين، الإقليمي والدولي.
تطرق المنتدون إلى القضايا المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وسلطوا الضوء على أنماط التغطية الإعلامية التي حظيت بها عملية طوفان الأقصى والحرب على غزة ودور المؤثرين في جمهور مواقع التواصل الاجتماعي.
Abstract:
The 15th Al Jazeera Forum, hosted by Al Jazeera Media Network on 25 and 26 May 2024 in Doha, addressed the theme “Transformations in the Middle East after Tufan Al-Aqsa”. Experts, researchers and journalists from various countries participated in the forum, each focusing on their respective specialties regarding the profound changes resulting from Tufan Al-Aqsa and the subsequent Israeli war on Gaza, both at the Palestinian and Israeli levels, as well as regionally and internationally.
The forum addressed the cases brought against Israel in the International Court of Justice and the International Criminal Court, and shed light on media coverage of the Tufan Al-Aqsa and the Gaza war, as well as the role of social media influencers.
انعقد بالدوحة منتدى الجزيرة بتاريخ 25-26 مايو/أيار 2024 تحت عنوان “تحولات الشرق الأوسط بعد طوفان الأقصى”. في البداية، رحب الشيخ حمد بن ثامر، رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الإعلامية، في كلمته الافتتاحية بالحضور مؤكدًا أن موضوع منتدى الجزيرة لهذه السنة، وهذه من المرات النادرة، لم يكن هناك تردد في اختيار عنوانه ومواضيع جلساته؛ لأن ما حدث في يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 لم يكن حدثًا عاديًّا في سياق الصراع الفلسطيني الطويل ضد الاحتلال، ولكنه شكَّل منعطفًا في تاريخ هذه القضية الفلسطينية وربما في تاريخ المنطقة والعالم. ولذلك سيركز المنتدى على فهم تداعيات طوفان الأقصى ليس على مستقبل القضية الفلسطينية، بين خيار المقاومة المتنامي ومسار التفاوض المتعثر، فحسب ولكن أيضًا على إسرائيل والتدافع المجتمعي والسياسي فيها، وعلى الوضع الإقليمي والدولي من حيث الأدوار المختلفة والقوى المختلفة من جهة وتعثر المؤسسات الدولية في فرض العدالة والسلام من جهة أخرى.
وأكد الشيخ حمد بن ثامر أن التغطية المستمرة لما يحدث في غزة هي أنموذج لتألق صحافيي الجزيرة في نقل الخبر وتداعياته للناس، وهو ما يجعل الجزيرة المصدر الأول للمعلومة لجمهور واسع من كل الفئات وخصوصًا الشباب من مختلف العالم ولكل باحث عن فهم شامل لجذور الحدث وسياقاته.
وساق الشيخ حمد أمثلة من استهداف فرق الجزيرة العاملة في غزة؛ ما أدى إلى استشهاد البعض وإصابة البعض فضلًا عن فقدان البعض عوائلهم.
طوفان الأقصى في سياق النضال الوطني الفلسطيني: المقاومة والأفق السياسي
خلال هذه الجلسة الأولى من اليوم الأول بيَّن مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، أن ما حدث يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 كان فرصة لإسرائيل للترويج لسرديتها المعروفة وهي أن الضحية، الفلسطينيون، معتدون؛ وذلك للحصول على أكبر قدر كبيرة من الدعم غير أن تطورات الأحداث والمواقف نسفت هذه السردية من الأساس، وتبين للعالم أن ما يواجهه الشعب الفلسطيني هو نظام استعماري استيطاني.
وأفاض البرغوثي في تحليل فشل ما يسميه “نهج أوسلو”، والانتصار الحاسم للتيار الذي يؤمن بحسم الصراع مع إسرائيل، وتراجع استخدام التطبيع وسيلة لتصفية القضية الفلسطينية. وختم البرغوثي كلمته بالوقوف على معنى التضامن العالمي غير المسبوق مع القضية الفلسطينية. كما أكد أن الموقف الإسرائيلي لن يتراجع إلا من خلال عقوبات قوية تتمثل في المقاطعة ووقف التطبيع مثل ما حدث مع جنوب إفريقيا، ولو أن أي دولة في العالم فعلت ما فعلته إسرائيل لتعرضت للمقاطعة من العالم أجمع.
وضع وضاح خنفر، رئيس منتدى الشرق، ما حدث يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 في سياق نضال الشعب الفلسطيني، مبينًا أن الواقع الإقليمي والعربي وواقع النخبة السياسية الفلسطينية والنخبة السياسية العربية جعلا منحى الاهتمام بالقضية الفلسطينية في انحدار، لكن منذ 1987 والمنحى يسير في الصعود سواء أكان عبر الحجارة أم عبر المقاومة المسلحة. ثم إن طوفان الأقصى ما كان ليحقق هذه الإنجازات على المستوى الدولي والشعبي لولا أن السياق الدولي بدأ يتغير، فالمنظومة المركزية الغربية تتآكل وتتراجع، ومنظومات أخرى لم تتشكل بعد، لكن الوضع الدولي الحالي بات يتشقق وهذا يسمح ببروز تيارات جديدة داعمة للقضية الفلسطينية.
ورفض عبد العزيز بن صقر، مؤسس ورئيس مركز الخليج للأبحاث بالمملكة العربية السعودية، الصورة النمطية التي يروج لها بعض وسائل الإعلام من أن السعودية تطبِّع مع إسرائيل، مبينًا أن التعاون بين السعودية وأميركا يتكون من ثلاثة محاور، وهي: المظلة الدفاعية والبرنامج النووي والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وبناء عليه، فالموقف السعودي الحقيقي هو أنه لا يمكن أن يوجد أي نوع من التطبيع السعودي-الإسرائيلي دون حل سلمي حقيقي ودولة فلسطينية قابلة للاستمرار حسب ما دعت إليه القمة العربية لسنة 2002.
وطالما أن الولايات المتحدة مستمرة في تقديم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لإسرائيل والتصويت لصالحها في مجلس الأمن، فستستمر إسرائيل في تصرفاتها. ويجب أن نعرف أن الموقف العربي أصبح موحدًا الآن، وقد كان المسؤولون من الغرب يزورون العواصم العربية فيسمعون مواقف مختلفة، أما الآن فهم يسمعون موقفًا واحدًا في كل العواصم العربية. وقد أثنى عبد العزيز بن صقر على الجزائر وموقفها المشرِّف في مجلس الأمن الذي تُشكر عليه، ومعلوم أن للجزائر علاقة تاريخية مع القضية الفلسطينية.
وأكد أن دولًا عربية محدودة طبَّعت مع إسرائيل ولم يكن لهذا التطبيع جدوى حقيقية، لضعف العلاقات الاقتصادية بين تلك الدول وإسرائيل، وتطبيع تلك الدول كان نابعًا من اعتقاد بأنه سيفتح حوارًا مع إسرائيل، لكن سفاراتهم خاوية.
وأكد جواد العناني، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني السابق، أن ما كان قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 هو حدث منفرد وقائم وواضح من حيث أهميته وليس من حيث السياق الذي تريد أن تضعه إسرائيل فيه. وقد أثبت الغزيون أن التفوق التكنولوجي الكبير الذي تتمتع به إسرائيل ليس كافيًا للانتصار، وهنا تظهر إرادة الشعب الفلسطيني وقدرته على التفوق على التكنولوجيا الإسرائيلية، وهي رسالة واضحة بأن إرادة الشعوب هي الأقوى، ويجب أن نتفهم ذلك في كل الدول العربية. وينبغي على العرب أن يدركوا أن لهم في النظام العالمي الآن فرصة أكبر مما نعتقد؛ فأميركا فاشلة في المحيط الهادي ولا تستطيع حماية مصالحها حتى في أميركا اللاتينية. وما نراه من الاحتجاجات في الجامعات الأميركية الأوروبية يعكس تغيرات جوهرية، والمطلوب تبنِّي إستراتيجية لخدمة كل القضايا العربية وليس القضية الفلسطينية فقط. وقد تلت هذه الجلسة نقاشات لما ورد فيها من أفكار.
تداعيات الحرب على إسرائيل: السياسة والمجتمع ومستقبل المشروع الصهيوني
في هذه الجلسة الثانية، ذكر إيلان بابيه، مؤرخ ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية بجامعة إكستر ببريطانيا، أنه كان لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي أثر كبير على إسرائيل من الناحية السياسية، فالأساس المشترك الذي جعل “المجتمع الإسرائيلي” متماسكًا هو أن العدو يهدد كيان الدولة، ولكن ظهرت حالة انفجار داخلي في المجتمع الإسرائيلي لم تحدث من قبل، ولا توجد أرضية مشتركة للعناصر المختلفة.
إن ما يعيشه الإسرائيليون الآن هي لحظة انقسام كبير وهذا الأمر سوف يتفاقم في المستقبل بالرغم من أن إسرائيل تقول إنها تبلي بلاء حسنًا وإن الدولة قادرة على أن تتعامل مع الفجوات المختلفة.
كشفت أحداث7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 عن عزلة إسرائيل عالميًّا نتيجة مواقف منظمات حقوق الإنسان تجاه سياسة إسرائيل، ولأول مرة نرى حركات تضامن مع الفلسطينيين، وتطرح تساؤلات بشأن الدولة الفلسطينية، وهناك شباب يهود داخل أميركا نفسها يرفضون الوضع الحالي، كذلك نحن نرى الآن أن المحاكم الدولية قررت أن تتحرك في ظل عدم تحرك بعض الحكومات؛ الأمر الذي يزيد من عزلة إسرائيل.
وقد برزت نقاط الضعف الداخل الإسرائيلي، مثل غياب التماسك الاجتماعي والعزلة الدولية، والتي تقودنا إلى السؤال الأكبر: هل هذا سيقود الإسرائيليين لاستيعاب تداعيات هذه الأزمة؟ وهل سيقولون: إننا لا نعالج الأمور بالطريقة الصحية؟ والملاحظ أن المجتمع اليهودي الإسرائيلي لم يتعلم الدروس التي كان عليه أن يتعلمها.
أكد مهند مصطفى، رئيس قسم التاريخ في المعهد الأكاديمي العربي بيت بيرل، أن إسرائيل دولة مهاجرين واستطاعت أن تدير بنجاح الخلافات والانقسامات المختلفة، من خلال أدوات مختلفة مثل قمع الاحتجاج في بداية تكوينها التي قام بها عناصر من اليهود الشرقيين. وقد كشف السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2024 هشاشة إسرائيل التي كانت قوية وقادرة على إدارة الخلافات، وكان فيها مركز سياسي قوي تنصاع له الأطراف المختلفة بمعنى أنها كانت تمثل مركزًا سياسيًّا قويًّا.
كما كانت تملك سردية واحدة مهيمنة ومنظمة داخل المجتمع والمشروع الإسرائيلي، كما كانت تستطيع الوصول إلى حالة من التسوية الداخلية أمام الخلافات، ولكن ما حدث في 7 أكتوبر كشف هشاشة الدولة وضعفها في إدارة الانقسامات والخلافات.
لم يكن ضعف إسرائيل وظيفيًّا أدائيًّا بسبب تأخر الدولة في مساعدة السكان، وإنما في قدرتها على الحفاظ على تماسك المجتمع الإسرائيلي وتوفير الأمن للإسرائيليين وحماية مشروعهم، فالنخبة الحاكمة لم تستطع أن تفرض تسويات لتجاوز الانقسامات المركزية، مثل سؤال علاقة الدين بالدولة، وسؤال مستقبل المشروع الصهيوني، فتتحول بذلك إلى دولة مدنية وتتخلى عن الطابع اليهودي للدولة. فإسرائيل لم تعد قادرة على تسوية كل الانقسامات، وهذا يدل على أن الخلافات قوية وأن الدولة ضعيفة.
وبيَّن محسن صالح، أستاذ الدراسات الفلسطينية والمدير العام لمركز الزيتونة للدراسات-لبنان، أن عملية طوفان الأقصى التي هزت الكيان الصهيوني ونظريته قد أسقطت النظرية الأمنية الإسرائيلية والتي قام عليها هذا الكيان ونشأ عن ذلك ثلاث أفكار أساسية: أولًا: أن هذه المساحة التي دخلتها المقاومة، وهي تزيد عن مساحة قطاع غزة أول مرة قد ضرب فكرة الملاذ الآمن في جوهرها. ثانيًا: سنجد أن بعد شهرين من 7 أكتوبر يوجد 470 ألف يهودي غادروا الكيان الإسرائيلي خلال شهر، وفقًا لإحصائيات إسرائيلية أولية، وهذا مؤشر يعطي دلالات مختلفة؛ إذ إن فكرة الملاذ الآمن ضُربت. وثالثًا: تقديم الكيان الصهيوني على أنه الأفضل في المنطقة، وأنه يجب أن تُطبَّع العلاقات معه باعتباره القوى الموثوق بها في المنطقة، فكيف يكون كذلك وهو لم يتمكن من تدبير أموره مع قلة من المجاهدين.
وهذا يعني أن السردية القائلة: إن إسرائيل أداة يعتمد عليها المجتمع الغربي، ضُربت من أساسها، وفكرة أنها ضحية وواحة للديمقراطية، لم يعد لها وجود.
وفي قراءة التاريخ توجد ثنائية التكامل والتآكل، فإن كل الدول يكون لها عناصر جذب، تصل إلى ذروة معينة، ولكنها في الوقت نفسه تواجه عناصر شد عكسي. ومع عناصر القوة الذاتية تبدأ عناصر الشد العكسي، وتتساوى في نقطة ما، عناصر الشد العكسي مع عناصر الجذب الذاتي، وبعدها تكون هناك نقطة حرجة تتفوق فيها عناصر الشد العكسي على عناصر الجذب الذاتي، واعتقد أن هذا ما نشهده في الكيان الإسرائيلي في الوقت الحالي.
وإذا تحدثنا عن عناصر القوة في المشروع الصهيوني، فقد نجح في إنشاء أكبر تجمع صهيوني يضم 46% من يهود العالم تقريبًا، ولديه قوة اقتصادية كبيرة، ويهيمن على صناعة قرارات عالمية، ولديه سلطة فلسطينية تقوم بأمور تخدم الاحتلال أكثر مما تخدم نفسها. وفي المقابل، يواجه حالة شد عكسي من عناصر أخرى تثبت نفسها على الأرض، أبرزها أن الشعب الفلسطيني ثبت على أرضه على مدار 75 عامًا، والفلسطينيون تجاوزوا عدد اليهود في فلسطين التاريخية، والمقاومة الفلسطينية لم تضعف مع الزمن، بالعكس ازدادت ولم تضعف بل زادت قدرتها. وأخيرًا، فإن التطبيع كان سطحيًّا، وكل الشعوب العربية كانت مع القضية الفلسطينية بالإضافة إلى الانقسامات الداخلية.
ومن جانبه، ذكر شفيق شقير، الباحث في مركز الجزيرة للدراسات أن مشروع بناء دولة إسرائيل يختلف في كل مرحلة عن المرحلة التي قبلها، وهذا لأن الأدوات التي كانت تعتمدها إسرائيل لم تُجْدِ، والبنية التي كانت تركن إليها إسرائيل اكتُشف أنها مختلفة تمامًا عما كانت تعتقد إسرائيل؛ فقد كانت تعتمد دائمًا على خطاب الخوف الذي تستعمله في الداخل وفي سياستها الخارجية ولكي تبرر بعض تصرفاتها القمعية غير الأخلاقية للفلسطينيين.
وقد وجَّه طوفان الأقصى ضربة قاسية لسياسة إسرائيل في المنطقة ولجيشها الذي كان يهدد بأنه سيضرب إيران ودخول معارك في أربعة محاور مختلفة، ثم جاء طوفان الأقصى، لنرى مقاتلين فلسطينيين داخل مستوطنات إسرائيل! فكيف يمكن لهذه التي يجب أن تلعب دورًا إقليميًّا متطورًا وأن تكون داعمًا للسياسات الأميركية في المنطقة، أن تنهار بهذه السرعة؟! وهذا يقودنا إلى نقطة استمرار إسرائيل في المنطقة وهل يمكن أن تقوم بهذا الدور وحدها وهناك دراسات تعتقد أن إسرائيل عليها إبرام معاهدة دفاع مع واشنطن. وقد شُفعت هذه الجلسة بنقاشات وردود زادت من توضيح الأفكار المذكورة.
العدالة الدولية في ميزان الحرب الإسرائيلية على غزة
إلى جانب المواجهات العسكرية وما رافقها من وساطات وجهود دبلوماسية، وما تخللها من ضغوط سياسية ومبادرات لتوفير أفق سياسي للصراع العربي-الإسرائيلي، فتحت الحرب الإسرائيلية على غزة مسارًا قانونيًّا كانت أبرز حلقاته القضية التي رفعتها دولة جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية. صحيح أن المتابعات القانونية لإسرائيل وممارساتها في الأراضي المحتلة لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، فقد فُتحت في شأنها قضايا ومتابعات وتحقيقات في مستويات مختلفة من القضاء الدولي، ولكن الزخم الذي اكتسبته قضية جنوب إفريقيا، لاسيما وهي تتعلق بأم الجرائم (الإبادة الجماعية) وتُنظر أمام أعلى مؤسسات القضاء الدولي، أضفى على المسار القانوني أهمية خاصة. فهل يمكن لهذا المسار أن يضع حدًّا لإفلات إسرائيل من العقاب ويعيد الاعتبار للعدالة الدولية؟ وما طبيعة الدعم الذي يمكن للمسار القانوني أن يسهم به في حل الصراع العربي-الإسرائيلي؟
وقد تم التمهيد لهذه الجلسة الثالثة بعرض فيلم وثائقي عن مستشفى الشفاء مدته سبع دقائق.
ذكرت السيدة كاثلين باول، عبر تطبيق زووم، وهي أستاذ مشارك في القانون العام بجامعة كيب تاون، أن القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية حتى يُطبَّق القانون في النزاع ما بين إسرائيل وفلسطين، خاصة فيما يتعلق بغزة مهمة. فقد كان للقانون دور مهم منذ بداية النضال الفلسطيني، وكثير من مفاهيم القانون الدولي تم تطويرها بسبب الوضع في فلسطين، إن لم تكن قد ظهرت بسببه، بما في ذلك القرارات التي تتعلق بتقرير المصير والدفاع عن النفس أمام أطراف من غير الدول. وقضية الدولة الفلسطينية التي أصبحت من القضايا القانونية الأساسية، والقانون كان في هذا المسار منذ بدايته، ولكن لا يبدو أنه أحدث فارقًا، وكانت الجمعية العامة قد طلبت رأيًا استشاريًّا بشأن الحرب في فلسطين، ولدينا كذلك قرارات الجمعية العامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن فلسطين.
ما يبدو مختلفًا الآن هو المشاركة في هذه القضية النزاعية الجدلية، والتي أصدرت فيها المحكمة قرارات ملزمة، ترتبط بارتكاب إسرائيل الإبادة وفشلها في منع ارتكاب جريمة الإبادة في فلسطين.
وظيفتي تقتضي أن أتحدث عن قضيتي الماثلة أمام محكمة العدل الدولية، والتبعات الدولية المرتبطة بهذه القضية، فلابد أن نكون مدركين أن محكمة العدل الدولية ليس لديها ولاية قضائية على كل الدول، فلها ولاية قضائية حينما توجد موافقة مسبقة تُعطى لها، وفي هذه الحالة تعطى الموافقة بناءً على قضية الإبادة نفسها، وجنوب إفريقيا وإسرائيل طرفان في هذه الاتفاقية.
عندما يتم الحديث عن عدم تقديم هذه الدعوى بشكل مبكر أو قبل الوقت الذي تم فيه تقديم هذه القضية، وشرعية الدعاوى التي رُفعت المرتبطة بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية ومعاملة إسرائيل للفلسطينيين وحرمانهم من تقرير المصير، فلم يكن لدينا وضع متماش مع الإطار الذي تضعه الاتفاقية المرتبطة بالإبادة.
أما ريتشارد فالك، المتحدث كذلك عبر الزووم، وهو المقرر الأممي السابق لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فقد بيَّن أن السؤال عن ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة في غزة، سؤال مهم، ومحكمة العدل الدولية تتبع إجراءات معقدة والكثير من الإجراءات والممارسات للوصول إلى النتائج المرجوة، وما حدث من الناحية الأخلاقية هو إبادة، وحينما ننظر إلى القانون فلا نجد تقييمًا ذا صدقية إلى أن يتم التمكين من فتح تحقيق، وهذا عنصر معوق؛ لأن في الوقت الذي يتم فيه التوصل إلى قرار يبت في هذه المسألة، فإن هذا الكم الكامل من المعاناة الإنسانية يكون قد تجاوزه الزمن إلى تغيرات سياسية من حيث إن النتائج والخلاصات التي تم التوصل إليها والتي هي من صميم المحاجة القانونية لإثبات الإبادة تصبح لا علاقة لها بالوضع الراهن.
لقد كان آخر أوامر محكمة العدل الدولية الأكثر مباشرة في أمر إنهاء إسرائيل ما تقوم به من عمليات عسكرية في رفح وإنهاء أوامر الإخلاء، التي كانت تصدرها في غزة، بعد إصدار أوامر سابقة بهذا الشأن.
ما نراه من وجهة نظر قانونية، وما تم تصويره على مدار سبعة الأشهر من فظائع مستمرة تذكِّر ببيانات وأقوال كبار قادة إسرائيل الذين تبنَّوا لغة تحث على الإبادة وتبرر ما قاموا به كرد على هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2024، وما وقع على الأرض من أفعال والنية الكامنة وراء هذه الإبادة ونزع الصفة الإنسانية عن الطرف الآخر. إن الإجراءات القانونية من وجهة نظر القانون الدولي هي أحكام محكمة العدل الدولية والأمر متروك لمجلس الأمن الدولي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تعمل على إنفاذ ما تتوصل إليه المحكمة من قرارات وأحكام، لكن البلدان الخمسة الأكثر قوة في العالم التي تمتلك حق النقض لا تفعل ذلك حينما تحال القضية إلى مجلس الأمن.
وذكر رامي عبده، وهو مدير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أنه من المهم أن ننظر إلى أهمية القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، ورأى أن أهمية هذه القضية تتمثل في نقاط عدة؛ وهي رمزية خطوة جنوب إفريقيا، فجنوب إفريقيا تحمل المظلمة الأكثر حضورًا في الضمير الإنساني، وهناك تقاطع بين مظلمة الشعب الفلسطيني ومظلمة جنوب إفريقيا وأعلى محكمة دولية، توصل رسالة قوية حول تضامن شعوب العالم المضطهدة مع الشعب الفلسطيني ضد التسلط الاستعماري والأنظمة العنصرية.
وما أقدمت عليه دولة جنوب إفريقيا وجَّه رسائل للشعب الفلسطيني الذي شعر بالخذلان الكبير في الأيام الأولى للعدوان، وتحديدًا في الشهرين الأولين. كما أن التوقيت مهم كذلك؛ لأن رفع القضية جاء بعد شهرين ونصف من بدء جريمة الإبادة الجماعية، وهو الأمر الذي شكَّل ضغطًا كبيرًا على الدول التي كانت ترفض تسمية الأشياء بأسمائها، وترفض أن يتم توصيف ما حدث أو ما يحدث في غزة بأنه جريمة إبادة جماعية.
المتابع للفريق القانوني لجنوب إفريقيا يفاجأ بعرض شامل رُكِّب على طريقة الفسيفساء، فأكثر ما كان يقلق منظمات العمل الحقوقي هو كيفية تقديم صورة كاملة لمختلف أنواع الجرائم التي وقعت في غزة، فكنا نصدر تقارير بشكل يومي، في محاولة لإعطاء صورة شاملة عن هذه الجرائم، ففوجئنا بفريق جنوب إفريقيا يقدم عرضًا شاملًا لهذه الجريمة.
ورأت المحامية والناشطة الفلسطينية، لميس الديك، أن مخيمات الاحتجاج الطلابية في كل مكان في العالم ليست دعمًا لفلسطين فحسب، فالطلبة وكل الشعوب في العالم بدأوا يدركون خطر التهديد الذي يواجهونه في مجتمعاتهم وأيضًا بناء مستقبل جديد.
وفي ظل غياب القانون الدولي؛ لأن مجلس الأمن الدولي في النهاية خاضع لهيمنة الحكومات الغربية والولايات المتحدة، أصبح الفلسطينيون رهائن في بلدهم، أما الذين نهبوا وسلبوا واغتصبوا الأرض وحقوق الفلسطينيين فقد تم التطبيع معهم.
وأكدت الديك أن أولى الرصاصات التي تطلق في كل حرب هي تلك التي تستخدمها الدول في لغتها، وفي دلالاتها ولغة الخطاب، فلغة الخطاب والقانون تتأثر ببعضها البعض، والفلسطينيون عانوا مشروعًا قاسيًا، اجتماعيًّا ونفسيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا وهندسة سياسة وثقافية واجتماعية، وأحد أكبر منجزات هذه الهندسة هو نزع الصفة الإنسانية بشكل لم يسبق له مثيل عن الشعب الفلسطيني ونوع من العنصرية التي في كل أنحاء العالم وخاصةً في الغرب جعلت اسم الفلسطيني ليس مثيرًا للجدل فحسب، إنما عرضة للعقاب. لهذا السبب، فإن هذه الهندسة الاجتماعية السياسية الثقافية النفسية أدت إلى تمزيق الفلسطينيين، بحيث قُسِّموا إلى فلسطينيين سيئين وآخرين جيدين، فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات.
النظام العربي والقضية الفلسطينية: تحولات في المواقف والرهانات والأدوار
لم يبلغ الموقف العربي في علاقته بالقضية الفلسطينية من الضعف والسلبية وانعدام الوزن ما بلغه في هذه الحرب على غزة. فمنذ قيام الاحتلال الإسرائيلي، العام 1948، كانت الأنظمة العربية طرفًا فاعلًا في الصراع معه سواء أكان على الصعيد العسكري أم السياسي. وعلى امتداد هذا التاريخ، توالت الحروب بين العرب وإسرائيل حتى غدا الصراع بينهما يُعرف بالصراع العربي-الإسرائيلي. ولم تفلح اتفاقيات السلام المنفردة ومساعي التطبيع التي نشطت في السنوات الأخيرة في تغيير هذه المعادلة تغييرًا جذريًّا أو إدماج إسرائيل في محيطها واعتبارها مكونًا طبيعيًّا من مكوناته. ترصد هذه الجلسة تحولات المواقف العربية من القضية الفلسطينية بين الانخراط الكامل والوساطة الحذرة والتعاون مع إسرائيل، وتنظر في أسباب هذه التحولات، وتبحث في رهاناتها وآثارها على مستقبل الصراع.
في البداية، أوضح عبد الله الشايجي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، أنه لا يوجد موقف عربي واحد، بل يوجد مواقف عربية للأسف، فالموقف العربي قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول كان موقفًا مترهلًا وغير واضح، وجامعة الدول العربية تعقد اجتماعات تظل حبرًا على ورق دون تفعيل أو قوة ردع أو قدرة للعرب بما يشكِّل موقفًا موحدًا.
وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، حدث تباين بين موقف الشارع العربي المتعاطف بشكل كبير جدًّا بسبب ما يشاهده من مآس ومجازر، وبين الموقف العربي الرسمي. لقد عُقدت قمتان، قمة عربية إسلامية، وقمة عربية في المنامة، ولكن ما هي الحصيلة؟ وأين القوافل العربية التي ستكسر الحصار وتدخل إلى غزة؟ وقد طالبت في مقالات بأن يعقد العرب قمتهم في رفح داخل غزة، فهل ستقصف إسرائيل القادة العرب؟ بالطبع لا، وكنت أتمنى أن تسمى قمة الأسبوع الماضي في المنامة بقمة غزة.
الموقف العربي مترهل جدًّا، فدول عربية طبَّعت، وأخرى تراقب، وثالثة لا تسهم في كسر الحصار، وأنا فخور بأني كويتي، فموقف الكويت الأكثر صلابة، ودائمًا ما نسمع عن مستشفى الكويت التخصصي ودوار الكويت، ودائمًا عن الفرق الطبية الكويتية التي ذهبت إلى رفح، وكذلك موقف الجزائر مميز، وأهالي غزة لا يعولون على العرب ولا على النظام العالمي، ولا يوجد تقارب بين الموقف العربي ونبض الشارع.
بدأ سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية، حديثه بالتساؤل عمن خاطب الرؤساء الذين اجتمعوا في القمتين؟ وهل هم يخاطبون العرب، أم يخاطبون أنفسهم، أم شعوبهم، أو الغزيين؟ وأنا أظن أنهم يتوجهون بالخطاب لفاقدي الإرادة، فهم يطالبون بفك الحصار، فمن يفك الحصار؟ وهذا يشير إلى حالة الهوان.
كما أن الجامعة العربية، قد اجتمعت بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من 7 أكتوبر/تشرين الأول، فهم فوجئوا بما وقع، وخشوا أن يكشف ذلك الوهن والمهانة التي يمثلونها، ومن ثم حدث مثل هذا الاجتماع بعد فترة، وصدرت قرارات هم أصدروها ولم ينفذوها.
الجامعة العربية لا تقوم بأي دور، فليست جامعة، ولا تقوم بأي دور في النظام الإقليمي العربي يؤكد تماسكه وأن لهم مكانًا ومكانة، كما أن القضية الفلسطينية استُخدمت استخدامًا سيئًا حتى بعد النكبة في 1948، فالاستخدام الرسمي كان لكسب قدر من الشرعية على حساب القضية الفلسطينية، لكن في حقيقة الأمر هم ضيعوها.
وقد أوضح حسن البراري، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأردنية وجامعة قطر، أنه من أجل فهم حالة العجز والشلل التي أصابت العرب، علينا أن نفهم طبيعة هذا النظام العربي، والذي منذ نشأته هو نظام هش تنافسي ومخترق، وقد تم الاستثمار في هذه القضية من أجل إحراج الخصوم، ولم يختلف الأمر الآن، فالمشهد يكرر نفسه، والدول العربية حينما تريد الفعل تستدعي الخارج، وأقصد بالخارج الولايات المتحدة الأميركية، التي بدأت تفقد تأثيرها في هذه المنطقة.
الدول العربية المكوِّنة للنظام العربي تُصنَّف إلى ثلاثة أصناف: دول طبَّعت مثل مصر والأردن، ومطبعين جدد، ودول ظواهر صوتية فحسب. هذه الدول لا تتفق على أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب، فالبيانات التي تصدر تُكتب بلغة جميلة ورشيقة، ولكن لم يحدث شيء.
مصادر التهديد في هذه المنطقة تغيرت، فهناك دول تعتقد أن إسرائيل تهدد وجودها، وأخرى تعتقد أن إيران هي التي تهدد وجودها، وهذه الدول إن لم تتفق على مصدر التهديد لا يمكن لها أن تتفق على مقاربة مشتركة، وهذه الدول العربية كلها تذهب إلى الولايات المتحدة على اعتبار أنها القوة المؤثرة والقادرة على صناعة الفارق، فتذهب إلى واشنطن بمقاربات مختلفة ومتناقضة، فلا تؤخذ على مأخذ الجد على الرغم من أنها تمتلك كل الموارد لصناعة الفرق.
وكان آخر المتحدثين في هذه الجلسة محمد مختار الشنقيطي، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة قطر، الذي أوضح أنه إذا أردنا أن نختصر سوء الأداء العربي، ولا أحكم على كل دولة على حدة، فأحسن التوصيف هو أنه يجري عبث بالبيئة الإستراتيجية العربية، وحركات التحرر تحتاج إلى بيئة إستراتيجية مواتية، بينما نقطة الضعف اليوم بالرغم من المعجزة العسكرية التي اجترحها أهل غزة، غياب بيئة داعمة، بل وجود بيئة متواطئة.
لم يكن الصراع على فلسطين في يوم من الأيام صراعًا موضعيًّا، وإنما كان صراعًا شاملًا متشابكًا، فحينما اقتحم الصليبيون القادمون إلى القدس بدؤوا باختراق منطقة الأناضول وتدمير مدن بها، وحينما بدأ البريطانيون التمهيد للقدوم إلى فلسطين احتلوا مصر أولًا في 1882، ثم مكثوا يمهدون للمشروع الصهيوني طوال 30 عامًا، من 1917 حتى 1947.
وحينما جاء الصهاينة فهموا أن البيئة الإستراتيجية هي العقدة الحقيقية وبدون العبث بها لن ينجح المشروع، فلجؤوا إلى محاولة إغراء السلطان عبد الحميد لكي يبيعهم القدس مقابل سداد ديون الدولة العثمانية ولم ينجحوا في ذلك، فكتب هرتزل ملاحظة عجيبة في مذكراته: لقد خاب ظني في الدولة العثمانية، ولم يعد لنا من أمل في الحصول على فلسطين إلا بأحد أمور أربعة: تغيير النظام السياسي بالدولة العثمانية، أو إقحامها في حرب تخسرها، أو إقحامها في أزمة دولية، أو كل هذه العوامل مجتمعة. وتحقق له ما أراد في الحرب العالمية الأولى.
ما يشهده سوء الأداء العربي، فيما يتعلق بغزة، هو أن العبث بالبيئة الإستراتيجية العربية ما زال مستمرًّا، فانتهي العبث الصليبي وانتهى العبث البريطاني، والآن مرحلة العبث الأميركي، وهو في رأيي أكبر وأخطر بحكم طول ذراع الولايات المتحدة وسطوتها، وما دامت الإرادة الإستراتيجية مستلبة ويُعبث بها إستراتيجيًّا، وهي البيئة الحاضنة لفلسطين، فإن الأداء سيظل كما هو.
ولو قسنا الوضع على الثورة الجزائرية، وهي تتشابه مع الحالة الفلسطينية، فكلاهما وقع في استعمار استيطاني واقتلاعه أليم وصعب. فالثورة الجزائرية اندلعت في لحظة مواتية إقليميًّا ودوليًّا في أوج الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ثم إن كل الإقليم كان داعمًا للثورة الجزائرية، في كل الجوار تقريبًا، ولكن البيئة الدولية مواتية للقضية الفلسطينية من البيئة العربية، وهذه مصيبة كبيرة لا يمكن أن تتغير إلا بتحرر جديد للإرادة السياسية لهذه المنطقة.
وقال الشنقيطي إنه يقبل النظرية بأن فلسطين يمكن أن تكون هي من ستحررنا، فعلى الأقل هي تحررنا معنويًّا قبل أن نحررها ماديًّا، وثورات الربيع العربي اندلعت بعد حرب غزة، وأن طوفان الأقصى شحن البركان العربي الخامل بشحنة طاقة هائلة، ولا شك عندي أن الانفجار قادم، وأنه سيكون أنكى وأقوى من الذي عشناه في أواخر 2010 وبواكير 2011.
كلمة المدير العام لشبكة الجزيرة بالوكالة
وفي حفل العشاء الذي توسط اليومين، الأول والثاني، ألقى مصطفى سواق، المدير العام لشبكة الجزيرة بالوكالة، كلمة رحب في بدايتها بضيوف المنتدى وشكرهم على تلبيتهم الدعوة وعلى مشاركتهم الثرية جدًّا، الثرية بشكل ربما لم يسبق له مثيل في منتديات الجزيرة، وعبَّر عن شعوره وهو يهنئ موظفي مركز الجزيرة للدراسات على اختيارهم لهذا الموضوع المهم، وعلى اختيارهم للضيوف المتميزين؛ لأن تميز الجلسات يأتي من تميز الضيوف. ونوه بجلسات اليوم الأول التي وصفها بأنها ربما كانت أفضل جلسات في تاريخ المنتدى من وجهة نظره الخاصة.
وقال سواق إنه حينما نتحدث عن طوفان الأقصى، وهو الموضوع الأساسي، نتحدث عن فعل استثنائي، لم يحرك مشاعر العرب فحسب، ولا وعيهم ولكنه حرك العالم، وهناك في هذا العالم، وفي الغرب، وفي أميركا نفسها، من يقول: إن طوفان الأقصى حررنا نحن، حرر الغربيين أنفسهم، من العقدة التي استمرت ربما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، وهي مستمرة لحد كبير، ولكنها بدأت تتآكل.
لماذا يتحدث هؤلاء عن تحررهم؟ هذا بسبب طوفان الأقصى، في الأشهر الأولى بعد طوفان الأقصى، وصلني فيديو قصير، لواحد من رعاة البقر بقبعته ويتحدث باللهجة الأميركية لتكساس، وهو يشكر حماس ويشكر المقاومة الفلسطينية، لأنكم تعملون على تحرير فلسطين، لكنكم في الواقع تحررونا نحن، وهو واقع نراه اليوم في حركة الشباب من الطلاب في أميركا؛ لأنه لم يكن بالإمكان أن يقوم هؤلاء بما يقومون به حاليًّا من دون طوفان الأقصى.
وأعتقد، يقول المدير العام، أنها بداية لنهاية هذه العقدة، ويجب علينا نحن في العالم العربي أن نستفيد من هذا الوضع؛ لأنه وضع استثنائي غريب جدًّا على الغرب، فعندما تقوم برلمانات غربية تمثل شعوبها بسن قوانين تجرِّم انتقاد الصهيونية، ولا تجرم انتقاد البلد نفسه، فهو شيء غريب ونوع من الطوق المضروب على الغربيين، لذلك يجب أن نعمل على تجريد إسرائيل من استغلال فكرة معاداة السامية، فنحن ساميون.
كما يجب أيضًا أن نجرد إسرائيل من استغلال فكرة دور الضحية، فهي ليست ضحية بل الجلاد، ولكن لا يمكن أن ننجح في ذلك إلا إذا تبنينا حركات المقاومة الموجودة في الغرب.
وبالعودة للحديث عن المنتدى، فمنذ أن انطلق ونحن مصرون على أن تجسد الجزيرة ساحة حوار، تتلاقح فيها الأفكار وتتلاقى فيها الرؤى وتتجسد فيها ديمقراطية الحوار، متيحةً الفرصة للرأي والرأي الآخر، ومرحِّبة بمن لا صوت له، فهذه شعاراتنا “الرأي والرأي الاخر” و”صوت من لا صوت له”، فهذه هي الجزيرة.
الليلة على هذه المائدة، بعد مائدة الأفكار التي استمرت طوال اليوم، وجسدت التنوع، نلتقي لنجسد معًا واجبات الحوار الإنساني المتصل عبر التاريخ الإنساني وعبر الجغرافيا البشرية مباشرة حينما نجلس مع بعض ونتحدث ونتحاور، وما أحوجنا إلى الحوار!
إن منتدى الجزيرة ساحة تتلاقى فيها عوالم السياسة ورؤى الأفكار وخبرات صناعة القرار، والجزيرة آلت على نفسها في هذه المناسبة، أن تحترم فيها أصول الحرفة وقواعد المهنة دون تحيزات مسبقة أو خلاصات متعسفة. ويحلو لي في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ البشرية، وأنا أعدُّها لحظة مفصلية بالفعل، ونرى أن العالم كله يتحرك بسبب ما يحدث في غزة الآن، يحلو لي أن نفكر في مسارات الفعل البشري المحتاجة للرؤى الناضجة بعيدًا عن الإقصاء ونوازع السيطرة والتعالي وشرور الحروب ومشاكل الصراعات.
لقد آن للبرية أن تستريح، وآن لهذا الكوكب أن يهدأ، وآن للبشرية أن تعيش حياة الأخوة، ولم لا؟ طبعًا إنه حلمنا جميعًا، هل سيتحقق؟ هذا يعود لعملنا نحن.
في هذا المنتدى، تناولتم وستواصلون تناول موضوع القرن المجسد في المظلمة الفلسطينية، التي لم يشفع لها عمرها الممتد، ولا مظلوميتها المؤكدة ولا أوجاعها العميقة أن تصل إلى بر الأمان، والسبب هو سيطرة الظلم المعزز بالقوة القاهرة، ولعمري لو أن البشرية خلعت عنها تلك النظارة واستبدلت بها نظارة التعايش والتسامح، لما احتاج شعب كالشعب الفلسطيني أن يقاتل من أجل حقوقه، فهي حقوقه يفترض ألا يقاتل من أجلها، لكن يحدث القتال لأننا نعيش في عالم لم يستطع أن يجسد أفكاره ورؤاه بتجرد.
وختم سواق قائلًا: نجدد الترحيب بكم، وندعوكم أن تجددوا عهدكم مع الجزيرة، بل مع الإنسانية، بالدعوة لعالم إنساني تسوده شرعة العدل، وتقام فيه الحريات على أصولها، وينتفي فيه الظلم. لقد آلينا على أنفسنا في شبكة الجزيرة أن نبني صرح الحريات الإعلامية على تلك المنطلقات والأصول، وجسدنا ذلك في ميثاقنا، ودعونا له الصحفيين عبر العالم، والتزمنا به وألزمنا أنفسنا، من هذا المنطلق أيضًا نود أن نراكم جميعًا من خبراء ومثقفين تسهمون في العمل من أجل عالم أفضل، عالم السلام والمحبة والاخاء.
توازنات ما بعد الطوفان على الصعيد الإقليمي: “قوى ومحاور وإستراتيجيات“
في بداية الجلسة الأولى من اليوم الثاني أكد عباس عراقجى، الأمين العام لمجلس العلاقات الخارجية في إيران، أن إيران تدعم القضية الفلسطينية دعمًا كاملًا وهذا موقف أيديولوجي، كما أنها تتعامل مع المقاومة الفلسطينية، فكل السبل الأخرى أخفقت في تحقيق حقوق الشعب الفلسطينية.
وتاريخيًّا، عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، وقفت إيران مع المقاومة الفلسطينية، كما أنها تقف ضد تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛ لأنها تعده خيانة للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية. وعن حل الدولتين فإيران لا تؤيده؛ لأنه لم ينجح ولن ينجح، وهذا موقف إيراني منذ البداية وحتى قبل الثورة الإيرانية عندما رفض مندوب إيران في الأمم المتحدة قرار حل الدولتين، ورأى أن هذا القرار سوف يخفي نارًا تحت الرماد وسيكون مصدر تهديد للعالم أجمع، وبعد 80 عامًا علينا أن نقول: إنه كان محقًّا.
إن إسرائيل لم تقبل بدولة فلسطينية؛ لأنها تريد بلدية وليست دولة كاملة العناصر فإسرائيل لن تقبل أبدًا دولة فلسطينية كاملة العناصر، سواء أكان في ظل وجود نتنياهو أم غيره. أما الحل الإيراني فإنه يقوم على حل دولة واحدة يتم استفتاء كل السكان فيها مثلما حدث في جنوب إفريقيا، وقد يبدو هذا مستحيلًا ولكن المقاومة جعلت المستحيلات حقائق.
لقد صاحب “طوفان الأقصى” زيادة التهديدات النووية من طرف إسرائيل، والتهديد النووي الإسرائيلي سيجبر الآخرين على إعادة التفكير في موضوع امتلاك السلاح النووي، فالضربة الإسرائيلية لموقع إيراني قريب من منشأة نووية في إيران أوضح الخطر الذي شكَّلته إسرائيل بالقرب من مفاعل نووي لإيران.
وأوضح أحمد ويصال، مدير المركز الثقافي التركي في قطر، أن تركيا أرادت أن تستقل وتنفتح على العالم الإسلامي والعرب، فتقوية وجودها في المنطقة العربية مهم لها، وهي تتعرض لضغوطات اقتصادية وسياسية واقتصادية وحتى عسكرية من الخارج.
وكان موقف تركيا خلال ما يسمى بالربيع العربي مع الشعوب مما جعلها عرضة لانتقاد كبير. وترى تركيا أن ما يحدث في غزة هو حرب أميركية خاصة؛ لأنها أكبر بكثير من إسرائيل ونتنياهو. والغرب يفعل المستحيل ليبقى الإسرائيليون في أماكنهم؛ لأن خروجهم من إسرائيل مزعج جدًّا للغرب والولايات المتحدة، وأميركا قالت لهم: ابقوا في أماكنكم. وهذا واضح في الموقف الأميركي. والرئيس الأميركي الحالي، جو بايدن، قد يخسر الانتخابات بسبب إسرائيل ومع ذلك يقف مع إسرائيل.
أما الكاتب والمحامي القطري، خليفة آل محمود، فقد بيَّنَ أن دور قطر تاريخي وليس وليد اللحظة ولا وليد اليوم وفلسطين في قلب قطر منذ اللحظة الأولى. فقطر تعاملت مع الفلسطينيين والعرب بكل تفانٍ، وما تقدمه اليوم هو واجب، فالأمير الوالد، حمد بن خليفة، كان أول زعيم عربي يكسر الحصار على غزة وهذا دليل على أن غزة في وجدانه، كما أن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كسر الأعراف في خطابه لمجلس الشورى، وبدأ بالدعاء لغزة.
والأزمة الفلسطينية لها أبعاد جغرافية وتاريخية، فجغرافيًّا كانت قضية إسلامية ثم عربية وفلسطينية ثم جاءت منظمة فتح وتم توقيع اتفاق أوسلو وهو اتفاق شكَّل اعترافًا ضمنيًّا بوعد بلفور. إن البعد التاريخي لما يحدث في غزة ليس وليد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
غزة تعيد ترتيب أولويات الأجندة الدولية: الشرق الأوسط، الصراع في أوكرانيا، التوتر مع الصين
وفي الجلسة الثانية من اليوم الثاني، ذكرت إيلينا سوبونينا، مستشارة سياسية في مركز الدراسات الدولية بموسكو، أن روسيا لم تستفد سياسيًّا بشكل كبير من أحداث الشرق الأوسط. وما يجري في غزة، كما يعتقد البعض، ليس له تأثير على أوكرانيا فالأمر لم يتغير؛ فالأوكرانيون يحصلون على المزيد من المساعدات وإمدادات عسكرية كثيرة، وروسيا تتقدم على الأرض بسبب التكتيك الذي تتبعه وإستراتيجيتها العسكرية، وليس بسبب الأزمة الفلسطينية ولكن أحداث غزة أظهرت ازدواجية المعايير الغربية فهم يتكلمون عن حقوق الإنسان في أوكرانيا ويغلقون عيونهم أمام الكارثة الحقيقية التي نراها في فلسطين.
إن موقف روسيا من القضية الفلسطينية واضح دائمًا، وقرارات مجلس الأمن واضحة بهذا الشأن، وقد قوبل اقتراح من البعض في روسيا بشأن وجود دولة واحدة في الأراضي الفلسطينية برفض من الرئيس بوتين، وأنا أرى أن أي اقتراحات أخرى غير حل الدولتين ستكون مضلِّلة.
إن القيادة الروسية ترى أن الاحتكار الأميركي للقضية الفلسطينية سوف يؤدي إلى كارثة، فأميركا تتحمل مسؤولية ما يحدث الآن في الأراضي الفلسطينية ولولا دعمها الكامل لإسرائيل لما وصل الأمر إلى هذا القدر من الشراسة. فالاحتكار الأميركي للقضايا الدولية يضر بالجميع وليس القضية الفلسطينية فحسب.
واستشهدت سوبونينا بابن خلدون الذي قال: إن الحضارات تتطور وتزدهر ثم بعد ذلك تتراجع وهذا ما نراه الآن، فعالم القطب الواحد بدأ في التراجع وروسيا الآن تترأس مجموعة “بريكس”، وهذه المنظمة تضم عشر دول منها دول عربية وإسلامية، السعودية ومصر وإيران، ورأت أن توسع هذه المجموعة وغيرها من المنظمات المشابهة، مفيد؛ لأنه يشكل بديلًا للنظام العالمي الحالي أحادي القطب ويقدم أنموذجًا للتعامل بين الدول وفقًا للعدالة وعلى أسس من المساواة بين الدول. فالسياسة حتى مع شركاء أميركا لا تتسم بالمساواة والعدالة؛ فهي تنظر إليهم بتعال، و”بريكس” يمكن أن تشكل أحد النماذج لعالم متعدد الأقطاب.
ومعلوم أننا لا نستطيع أن نعود بسرعة إلى عصر الاتحاد السوفيتي، عندما كان يوجد قطبان، وقد حدث أن هدد الاتحاد السوفيتي خلال الحرب بين إسرائيل ومصر بدخول الحرب فتوقفت بسبب ذلك التهديد. نحن الآن لسنا في هذا الوضع السابق، ولكننا نتكلم عن القيم الإنسانية وقيم الأسرة وتماسكها، فالرئيس بوتين الرئيس الغربي الذي يتكلم أكثر عن قيم الأسرة.
تحدث خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عن ثلاث قضايا سيطرت على الأجندة الدولية قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ولن تنتهي قريبًا، وهي جيوستراتيجية غير مسبوقة على الساحة الأوروبية، على سبيل مثال العودة إلى التسليح الثقيل، مثلما فعلت ألمانيا بزيادة ميزانية الدفاع زيادة غير مسبوقة، ثم تخلي مجموعة من الدول عن حيادها الذي استمر عقودًا مثل فنلندا والسويد، وعن تورط أميركي إلى حدٍّ كبير في أوروبا.
أما القضية الثانية فهي الصراع بين الصين وأميركا والذي شهد توترًا كبيرًا قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، تمثل في مناورات عسكرية، وبناء تحالفات دفاعية وأمنية، وإنشاء تحالف بين أميركا وأستراليا واليابان والهند، ومحاولات إنشاء ممر اقتصادي بديل لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وما يسمى بالممر الهندي-الأوروبي عبر الخليج العربي، وقد أُعلن عنه قبل شهر من أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول خلال “قمة العشرين”. وأيضًا محاولات الولايات المتحدة مواجهة ما يسمى الصعود الصيني، والتخفيف من التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا. فأبرز النقاط التي تحكم السياسة الأميركية في المنطقة العربية قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول تتمثل في محاولة المواجهة مع الصين، وإعادة التموضع في المنطقة العربية، واعتمدت على تخفيف الوجود الأميركي في المنطقة العربية، ومحاولة دمج إسرائيل في المنطقة العربية وتوسيع الاتفاقية الإبراهيمية، وتهميش القضية الفلسطينية.
هذا فضلًا عن محاولة تحشيد عربي ضد إيران، مع أن هناك محاولة للتهدئة في الخليج وتهدئة الملف اليمني، واستئناف التفاوض مع إيران بشأن الملف النووي الإيراني. وكان العمل جاريًا لتهميش القضية الفلسطينية التي عادت تحتل محل الصدارة إقليميًّا وعالميًّا، وتم إعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة العربية، وفي الواقع فإن الخاسر الوحيد هو أميركا وإسرائيل.
لقد أصبحت إيران أكثر قوة وحضورًا مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، والولايات المتحدة بدأت تتورط في المنطقة العربية، ونتكلم حاليًّا عن حاملات طائرات أميركية ونتكلم عن غواصة أميركية تعمل بالوقود النووي في البحر الأحمر، فالولايات المتحدة مثل من يصوب النار على ساقه، فهي تقوم بعسكرة المنطقة العربية في مواجهة ميليشيات فهي تضر نفسها قبل أي شيء.
إن الانكشاف والسقوط الأخلاقي والسياسي الأميركي الذي لم نكن لنشاهده لولا غزة، فغزة هي الكاشفة للنظام الدولي، هم من يقومون الآن بإظهاره، فعندما يخرج عضو مجلس الشيوخ الأميركي ويقول: فلتذهب محكمة العدل إلى الجحيم، ويخرج مسؤول أميركي آخر ويقول: لا توجد منظمة أقوى من إسرائيل وأميركا.
أما ديفيد هيرست، مدير تحرير موقع “ميدل إيست آي”، فذكر أن الفظائع التي ارتُكبت على مدار ثمانية الأشهر الماضية تم توثيقها بشكل كبير وهذه مسألة مهمة جدًّا، وقد قامت الجزيرة بدور مهم في كشف ما يحدث في هذه الحرب من خلال كشف الحقائق والأدلة والمعلومات، بشأن ما يحدث في غزة؛ الأمر الذي دمر موقف إسرائيل بأن هذه الحرب عادلة.
أما إذا تحدثنا عن أوكرانيا فهي حرب أوروبية، ولها علاقة بأشياء سابقة وهي عمل لم يتم الانتهاء منه وهذه الحرب أثَّرت على شرق أوروبا والبلطيق وبعض الدول العربية، ولكن ما يجري في غزة له تداعيات إقليمية ودولية.
وبالنظر إلى تركيا نجدها بدأت بالقول: إننا نتعلم من دروس الربيع العربي، ولا نريد أن نكون عرضة للانتقادات السعودية والإماراتية ونريد أن نقوم بأمور وفق التوافق العربي. وقد تغير الموقف التركي تمامًا وأوقفوا كل العلاقات التجارية مع إسرائيل، وهذا يعد صدمة لإسرائيل؛ لأن حجم التجارة بين البلدين بلغ حوالي تسعة مليارات دولار، كما أنها انضمت إلى جنوب إفريقيا في قضيتها ضد إسرائيل.
أما مصر فقد استغرقت وقتًا أكبر للشعور بأنه تم خداعها فيما يخص الأمر في رفح، والدولة أدركت أن خسارة الورقة الفلسطينية من خلال غلق الحدود خسارة إستراتيجية أساسية، فمصر خسرت تأثيرها في السودان وليبيا، وغزة ستكون الخطوة التالية. وآخر عار شعرت به هو أن المستند الذي قدمته مصر لحماس تم معاينته من قبل “السي آي إيه” وهذا أدى إلى غضب عارم.
إن المنطقة ملتهبة ولا توجد قيادة حقيقة، والواقع يشير إلى أن الحكومة الوحيدة لما بعد الحرب في غزة ستكون بمشاركة حماس ولا توجد حكومة لمرحلة ما بعد حماس في غزة. والعالم العربي لا يتمتع بوجود قيادة، يوجد حكام ولكنهم ليسوا قادة. أما عن المستقبل فهو يبدأ عند بناء دولة فلسطينية واحدة قابلة للحياة والتوقف عن القول بإنشاء دولتين غير قابلتين للحياة، وحرية مشتركة للتعبير الديني والثقافي وغيره. ويجب النظر إلى المستقبل.
وقد أشار خير سالم ذيابات، أستاذ علوم سياسية بجامعة قطر قسم الشؤون الدولية، إلى أن
السياسة الصينية حذرة من أي قضية عالمية ومن بين تلك القضايا قضايا الشرق الأوسط، والسؤال هو: ماذا تريد الصين من الشرق الأوسط؟
إن أول شيء تريده الصين هو ضمان إمدادات الطاقة، فهي تستورد حوالي 11 مليون برميل نفط يوميًّا، نصفها من الشرق الأوسط وهذا يعزز العلاقة مع المنطقة بشكل كبير.
وثانيًا: تحاول بكين كسر الهيمنة الأميركية في بؤر في العالم منها الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية. لقد اعترف الصينيون في الستينات بمنظمة التحرير ودعموا فصائل المقاومة، واستقبلوا الشقيري، ولكن هذا الدعم كان لفظيًّا أكثر منه عمليًّا، والرئيس الصيني قال في 1967: إن مليون صيني سيدخلون الحرب بجانب العرب ولكن هذا لم يتحقق.
والصين بدأت تدير ظهرها للمقاومة لاعتبارات براغماتية أبرزها التقارب مع الولايات المتحدة وتحسين العلاقات مع إسرائيل والتي توجت في 1992 بتبادل الاعتراف الدبلوماسي بين البلدين، والصين أصبحت تنظر نظرة كلية إلى المنطقة، وتتبع دبلوماسية جديدة يمكن تسميتها “دبلوماسية جميع الاتجاهات”، فهي إيجابية مع إيران وإسرائيل، ومع الدول العربية، ولكنها تغيرت بعض الشيء بعد الحرب في غزة وكان موقفها أقرب إلى للموقف العربي.
لم تُدِن الصين حماس؛ لأنها تعلم أن إسرائيل حليف الغرب وفي أي صراع مع الغرب لم تكن إسرائيل مع الصين، فضلًا عن حجم الميزان التجاري مع الدول العربية. وقد استغلت الصين الحرب لانتقاد الولايات المتحدة وانتقاد الازدواجية في النظرة الكلية من طرف الولايات المتحدة.
وتعد الصين من الرابحين في هذه الحرب؛ لأنها فضحت الولايات المتحدة، التي تنتقد التعامل الصيني مع الإيغور، ولم تنتقد إسرائيل التي شرَّدت وقتلت أهل غزة ودمرتها. وفضلًا عن هذا فالصين استفادت كذلك؛ لأن الاهتمام الأميركي بالشرق الأوسط، أسهم في تخفيض التوتر في شرق آسيا، لكن التوتر لا يزال موجودًا؛ لأن الولايات المتحدة بَنَتْ تحالفات في تلك المنطقة.
استهداف الصحفيين في الحرب على غزة: تحديات الواقع وجهود الحماية
مثلما يحدث في الحروب كافة، كان نقل الحقيقة في الحرب على غزة تحديًا أساسيًّا؛ فقد كان الإعلام في هذه الحرب ضحية بارزة ولم تفلح شاراته المميَّزة ولا مواثيق حماية الصحفيين ولا المنظمات المدافعة عن المهنة في منعه من الاستهداف. فالأعداد غير المسبوقة من الضحايا من الصحفيين وعائلاتهم تشهد على أن آلة الحرب الإسرائيلية تعاملت مع الصحفيين باعتبارهم أهدافًا لا مجرد ضحايا عرضيين. غير أن سلامة الطواقم الصحفية لم تكن التحدي الوحيد، فقد تعرضت الصحافة الدولية خلال الحرب على غزة إلى اختبارات حقيقية بشأن مهنيتها ومدى تعلقها بالحقيقة، وتوازن تغطيتها للأحداث ونقلها من مختلف الزوايا، وعرض مختلف الروايات دون انحياز. ففي حين كافحت بعض وسائل الإعلام للحفاظ على مهنيتها ودفعت من أجل ذلك أثمانًا باهظة، سارعت وسائل إعلام أخرى إلى تبني الرواية الإسرائيلية بالكامل دون مساءلة أو تحفظ، ومارست في المقابل رقابة صارمة على الرواية الفلسطينية. ولم تنأ شبكات التواصل الاجتماعي بنفسها عن هذه التحيزات، بل كان انخراط بعضها في خدمة الأجندة الإسرائيلية جليًّا ومنهجيًّا. تناقش هذه الجلسة تحديات الإعلام زمن الحرب بالتركيز على بُعدي السلامة والمهنية.
في البداية، قدم المراسل وائل الدحدوح شهادته مبينًا أن الشهادة في مثل هذه الظروف عادةً ما تكون صعبة، محفوفة بكثير من الألم والمرارة؛ لأن الصحفي الفلسطيني في هذه المرة أصبح جزءًا أصيلًا من القصة، وجزءًا أصيلًا من الخبر.
لا نريد -نحن الصحافيين الفلسطينيين- في قطاع غزة وغيرنا سوى تسليط الضوء على ما يجري، أو جزء مما يجري؛ لأن ما يجري حدث مزلزل فارق واستثنائي وكبير ولم نعشه من قبل، وحتى آباؤنا وأجدادنا أخبرونا أنهم لم يعيشوا لحظة تاريخية بهذه الحساسية وهذه الخطورة، ونحن نقوم بما تكفله القوانين الدولية، ولكن مع الأسف ندفع هذه الأثمان الباهظة.
في كل مرة، الصحافي في قطاع غزة كان مسكونًا بالخوف على نفسه؛ لأنه معرض للاستهداف في أي لحظة، لكن الأخطار في هذه الحرب والهواجس والكوابيس مختلفة عن كل الحروب السابقة؛ فكل صحفي يشعر بأنه يقوم بالتغطية من عين الموت، هذا شعور لم يسكنَّا من قبل، وأنا قمت وكثير من زملائي بتغطية جميع الحروب وعمليات التصعيد والحصار وجميع العمليات العسكرية على قطاع غزة، ولم نشعر قط بمثل هذا الشعور الذي كان يسكننا ويخيم علينا في كل لحظة من لحظات هذه الحرب على قطاع غزة. فهذه المرة أرادت قوات الاحتلال الاسرائيلي أن تكون مختلفة عن كل ما كان من قبل من حيث الألم والمرارة والوجع والثمن الذي يدفعه الصحفي الفلسطيني في قطاع غزة، فأرادت أن تبدأ بإيلامه نفسيًّا وإيلام روحه ومعنوياته وإرادته من خلال استهداف الأسر كما جرى لي ولزملاء آخرين في قطاع غزة. لقد كان هذا أسلوبًا مستحدثًا، أكثر وجعًا من استهدافنا نحن، وعلى كل حال هذا الألم وهذه المرارة وهذا الوجع لم يفتَّ في عضدنا ولم يمس عزيمتنا؛ لأننا أدركنا منذ الأول أن هذه اللحظة فارقة ومختلفة، وأن دورنا فيها أيضًا يجب أن يكون فارقًا ومختلفًا ومميزًا عن كل الأدوار السابقة، وأن يرتقي العمل الصحفي، خصوصًا الفلسطيني، عن كل الأدوار السابقة، وهذا ما حاولنا أن نقوم به.
لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تتوقف عند هذا الحد، والاستهدافات الإسرائيلية هذه المرة كانت شاملة وعامة ولم تترك أي شيء إلا استهدفته، وأعلى درجات الاستهداف القتل، ولكن أيضًا تدمير المؤسسة.
الصحفي الفلسطيني تعرض إلى ألم الفقد، فقد الأهل والزوجة والابن والبنت والحفيد والقريب وابن الأخ وابن العم، ولكنه فقد كذلك البيت، فقوات الاحتلال دمرت بيوت صحفيين كثر، واستهدفت أيضًا المكاتب، ومنها مكتب قناة الجزيرة وكثير من القنوات في مدينة غزة وكل المدن.
قوات الاحتلال الإسرائيلي شردت منذ البداية الصحفيين، وتحت الضغط وتحت النيران وتحت التحذيرات، طلبت منهم أن ينزحوا بالكامل عن مدينة غزة مركز الحدث، ومناطق الشمال إلى مناطق الجنوب، وليتهم سَلِموا، على العكس أصبحت تلك المناطق المصيدة للمواطن والصحفي الفلسطيني، وهذا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
على سبيل المثال، لما حاولنا مجتهدين أن نأتي للناس بصور من مناطق لم تصلها عدسة من قبل في خان يونس، كانت هي المهمة التي أُصِبتُ فيها واستُشهد فيها زميلي سامر، وهي مهمة كانت بعد الحصول على موافقة جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وذكَّر المراسل الفلسطيني بقناة الجزيرة، إسماعيل أبو عمر، بعدد الصحفيين الذين استشهدوا في غزة، والذين بلغ عددهم 147 شهيدًا، و200 أسير.
وذهب إلى أن المؤسسات الحقوقية والأممية تشارك في تزييف الواقع في شأن القوانين المفترض أن تحمي الصحفيين والتي لم تطبق، فأين حقوق الإنسان من تطبيق هذه القوانين؟ وذلك يعد تزييفًا للتاريخ؛ لأن في يوم من الأيام سينشأ جيل ويقرأ عن حقوق تكفل للصحفيين حرية التعبير والعمل، لكن تلك الحقوق لم تكن مصونة ولم يستفد منها الصحفيون.
أما إيرينا خان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز الحق بحرية الرأي والتعبير، فذكرت أنه بسبب القصف المستمر لغزة، فإن فلسطين تعد واحدة من أكثر الأماكن استهدافًا في العالم، وعندما نأخذ في الاعتبار حدة النزاع يمكن القول: إن غزة هي المكان الأكثر خطورة على أي مدني أو صحفي.
وقالت خان: إن شجاعة الصحفيين مثل وائل الحدوح والتزامهم كانت مثار إلهام لنا جميعًا، فلولا وائل الدحدوح وأمثاله ما كان للعالم أن يعرف ما يعيشه الناس من مجاعة ومعاناة وجرائم حرب وإبادة، فهؤلاء الصحفيون هم من يروون هذه القصص ولكن بثمن باهظ جدًّا.
إن قتل الصحفيين يعد من أكثر أدوات الرقابة خطورة، واستهداف الصحفيين وقتلهم والإفلات جعل عددًا كبير من القضايا لم تنته بعملية تحقيق مستقلة وملاحقة قضائية، ومنها قضية شيرين أبو عاقلة.
أوضحت خديجة باتيل، رئيسة مجلس إدارة المعهد الدولي للصحافة، أنه عندما يُقتل صحفي أو تُستهدف عائلته في غزة أو غيرها، فهذه ليست مشكلة الشعب الفلسطيني وليست عربية، فهي مشكلة الإنسانية جمعاء وعليها أن تواجهها وتحلها؛ لأن الصحفيين هم الذين يمثلون قدرتنا على فهم العالم وفهم الحقيقة، وعندما يتعرض كل هذا للهجوم والإعاقة، فإن حقوق الإنسان الخاصة بنا تكون قد انتُهكت، وليس حقوق الإنسان فحسب؛ لهذا السبب فإن أي هجوم على صحفي في أي مكان هو هجوم على الناس.
وذكر عمر الفاروق عثمان، رئيس اتحاد صحافيي إفريقيا، أنه من المقلق إلى الغاية أن نشاهد هذه الشهادات التي قدمها إسماعيل ووائل، وعندما كنت استمع إليهما، وأنا من الصومال فالأمر قد لا يبدو غريبًا لنا؛ حيث قُتل الكثير من الصحفيين، والصومال كان من أكثر البلدان التي قُتل فيها الصحفيون في إفريقيا.
وعبَّر عمر الفاروق، نيابة عن كل الصحفيين الأفارقة من كيب تاون إلى القاهرة، عن تضامنه مع الصحفيين في فلسطين عمومًا وفي غزة، والذين يعملون لدى الجزيرة، لما يقومون به من عمل رائع في نقل الحقيقة، تلك الحقيقة التي تكون ضحية كلما أراد الصحفيون نقل الحقيقة، فتعرضوا لهذه الانتهاكات والتعديات في فلسطين عمومًا وفي غزة والصفة الغربية خصوصًا.
أما الباحث بمركز الجزيرة للدراسات، محمد الراجي، فأوضح أن الحرب غير المسبوقة على غزة أنتجت حالة استثنائية لاستهداف الصحفيين الفلسطينيين ليس لها نظير، سواء أكان في سياق الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، منذ الحرب الأولى في 2008-2009، أو في الحروب والنزاعات الدولية التي عرفها التاريخ المعاصر.
فقد بلغ عدد الصحفيين الذين لقوا حتفهم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 29 أبريل/نيسان 2024، خلال فترة لا تتجاوز سبعة أشهر (210 أيام) 153 صحفيًّا، بمعدل صحفي كل 33 ساعة تقريبًا، ويمثِّل هؤلاء الضحايا 12.75% من مجموع الصحفيين بغزة (1200 صحفي) الذين ينتسبون لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، و4.78% من أصل 3200 صحفي في عموم فلسطين المحتلة.
حوار خاص مع المؤثرين عن صراع السرديات
شارك في هذه الجلسة عدد من المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي فتحدثوا عن دورهم في الصراع الدائر بين السرديتين، الفلسطينية والإسرائيلية. ركزت الجلسة على طبيعة إسهام فئة الشباب في إدارة هذا الصراع، وعلى تنوع المنصات التي يستخدمونها واختلاف شروطها وسياساتها. كما تحدثت عن نوع الجمهور المتابع والمتفاعل مع هذه الفئة من المؤثرين. وتناولت المحتوى الذي يجري تداوله من حيث مصادره وآليات التحقق من صحته، ووقفت على التحديات التي تواجه المؤثرين والضغوط التي يتعرضون لها بسبب مواقفهم وما يمارسونه من تأثير على جماهيرهم وعلى الرأي العام.
ذكر أحمد حجازي، وهو صانع محتوى ومؤثر، أن غزة محاصرة منذ 18 سنة، ورغم الحصار وكل عدوان يتلوه عدوان، ولكن كما نقول دائمًا: نحيا لتحيا فلسطين. وذكر حجازي أن المحتوى الذي ينتجه عن غزة على مواقع التواصل الاجتماعي هو لنقل الوجه الحقيقي لغزة، وجه الأمل عند الناس، ويحكي عن الجمال الحقيقي لغزة، وعن ثقافة أهل غزة، وأن غزة بها أناس متعلمون مثقفون رغم كل ما يعانونه، وأن هؤلاء الناس في غزة رغم ضيق الحال إلا أن التعليم عندهم شيء مهم، ويحكي عن حاراتها وبحرها الذي هو المنفذ الوحيد لأهل غزة، وسَمَكِها الطيب، والمعروف عنه أنه أشهى سمك في العالم، وذلك ليُظهر للناس أن أهل غزة رغم كل ما يعانونه يحبون الحياة. فغزة عند حجازي كالعنقاء تنبعث من رمادها، وأهلها كذلك.
لقد أصبح حجازي يوثق الإبادة الجماعية التي تعانيها غزة، وكيف أن هؤلاء الناس المحبين للحياة ومقاومي المآسي والصعوبات يتعرضون لهذه الإبادة الجماعية.
من المعلوم، يقول بلال خالد، المصور والفنان الفلسطيني، أن التصوير الصحفي في مناطق الحروب والنزاعات مخاطرة، ولكن التحدي الأكبر أن يأتي اليوم الذي تغطي فيه الحرب والإبادة التي تصيب أهلك وشعبك.
وذكر بلال أنه في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان في الدوحة، وأدرك أن جيش الاحتلال سيشن حربًا طاحنة على غزة، وبدون تردد كان في مطار الدوحة في الساعة 6 مساء متوجهًا إلى غزة التي دخلها قبل إغلاق المنفذ بيومين.
وذكر بلال أنه غطى أكثر من حرب ونزاع، ولكن لم تكن مثل هذه الحرب، وكأن الحروب السابقة كانت تجريبية، وأكد أن الشعب الفلسطيني بات لديه نوع غير طبيعي من الصبر والتحمل والتعالي على الجراح والإصرار على خلق الحياة رغم كل الظروف المحيطة به في هذه الإبادة.
لم يشهد العالم أن مصورًا صحفيًّا ينقل مجزرة وقعت بحق أهله، أو يخرج على الهواء ليذيع خبر استشهاد 20 من أفراد عائلته، أو أن يغادر عمله ليدفن زوجته وأولاده، أو يبحث عنهم تحت الأنقاض، فالصحفي الفلسطيني صحفي استثنائي.
وقال محمد الكندري، أستاذ جامعي ومصور فوتوغرافي، إنه وقف وسط الخراب في خان يونس، ورفع رأسه فرأى منظرًا ما كان يتخيل أن يراه إلا يوم القيامة، فقال له غزاوي كان معه: أنت تقف الآن وسط مكان سقط عليه حزام. لكن كان المشهد مخيفًا.
إن أهل غزة، يقول الكندري، كائنات مختلفة عن البشر، فما رأى من صفاتهم يجعلهم مختلفين عن غيرهم في أي مكان، وما كان يتخيل أن يرى شعبًا بهذه القوة.
في بداية الأزمة، يستطرد الكندري، التزمنا الصمت، ومع مرور الوقت شعرنا بالمسؤولية فشرعنا في الكلام عما يحدث، والرد عما يردده البعض والذباب الإلكتروني، وإن كانوا قلة قليلة.
وأكد الكندري أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت موازين هذه الحرب تمامًا، فلو كانت قبل 10 أو 15 سنة، ما كان سيحدث ما حدث، فكل إنسان في غزة عنده هاتف محمول تحول إلى صحفي ينقل الأحداث بهذه الطريقة وهذه السرعة جعلت المنصات غير قادرة على حجب هذا المحتوى الدموي في غزة وما يجري من إبادة. فالحمد لله تغيرت موازين الإعلام بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.
أما نيكول جينيز، وهي صانعة محتوى على اليوتيوب وإحدى المؤثرات على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ذكرت أن السؤال في هذه الأوقات يجب أن يكون: لماذا لا يحترق العالم حزنًا على ما يحدث؟ والرأي العام دائمًا ما يستجيب ويستيقظ، لكن أنا أتحدث عن أنهم يجب أن يمثلونا ويحمونا، وكل واحد منا يجب أن يختار السلاح الرقمي ويوقظ الأحاسيس والمشاعر، وأول هذه المشاعر هو الشعور بالغضب، فإذا شعرت بالغضب فأنت إنسان، والغضب يتحول إلى شغف والشغف يجعلك تقوم بالواجب.
وتساءلت: لماذا أدعم فلسطين؟ لأنني إنسانة من الغرب، والسردية الصهيونية تريدني أن أكره المسلمين، أنا لا أحتاج إلى كثير وقت لكي أعي، وأسأل: لماذا العالم لا يحترق، وأنا أقول هذا من باب التعبير المجازي، إزاء ما يحدث في غزة؟
شكر كريم دينيس، وهو موسيقي بريطاني من أصول عراقية، في بداية مداخلته عبر تطبيق زووم القائمين على المنتدى على دعوتهم الكريمة، وحيَّا قناة الجزيرة، وتحية خاصة أبطالها الذين نتعلم منهم الثبات والالتزام والإخلاص والمهنية، مثل وائل الدحدوح وأنس الشريف، ففي غزة أشخاص يجسدون العبارة المشهورة للشهيدة شيرين أبو عاقلة “التغطية مستمرة” برغم كل الظروف القاسية، فشكرًا لكم من صميم القلب على خدمتكم للإنسانية، فأنتم مصدر الإلهام لكل الأحرار في هذا العالم، فلكم كل الاحترام والتقدير.
خلال هذه الحرب على غزة، الناس ينظرون إلى الجزيرة على أنها نافذة للحقيقة وسط بحر من الأكاذيب والدعاية.
وقال كريم: إن الإعلام الغربي وانهزاميي العرب روجوا للجيش الإسرائيلي على أنه لا يقهر، لكن اكتشفنا عكس ذلك، وأن الكيان مؤقت ونمر من ورق وأوهن من بيت العنكبوت، ونحن مدركون تمامًا أن غزة رأس جبل الجليد، ولأهل غزة كل الاحترام والتقدير، فقد عجزت اللغة وشُلَّ اللسان على توصيف الإحساس، ونحن معكم قلبًا وقالبًا.
وذكر كريم أن حركة “Palestine action” تقوم بفعل مباشر عكس التيار وتسعى إلى إغلاق مصانع الأسلحة الإسرائيلية في بريطانيا، ونجحت في إغلاق ثلاثة مواقع إسرائيلية وتعمل على مدار اليوم لأجل أهل غزة؛ لأننا نعد أنفسنا يدًا واحدة معهم.
