ملخص:

تتسم النظرية في العلوم الاجتماعية بـ”الجزئية في التفسير”؛ إذ لا تكاد تقدم تفسيرًا متكاملًا للظاهرة الاجتماعية، باعتبار التقاليد العلمية، المتمثلة في التخصصية، والمظلة النظرية للمنظر. وهو ما يبرزه مسارها المتسم بالتشظي النظري؛ إذ لم تفلح أي من نظريات العلوم الاجتماعية في تقديم تفسير نظري متكامل للظاهرة الاجتماعية. فكيف نجعل النظرية أكثر تفسيرًا؟

نقارب الجواب عن هذا السؤال، عبر الاستناد على منهج توماس كون “المتحد العلمي” (scientific community)، مع دمجه مع التكامل بين العلوم، في ثلاثة محاور. لنقارب في المحور الأول، جزءًا من الأسباب التي تعيق “كلية” أو “عامية” النظرية في التفسير. وقد لخصناها في التخصصية، والمظلة الفكرية للمنظر (البراديغم)، مبرزين هذه الجزئية في التفسير، ونخصص المحور الثاني، لنقد جزئية النظرية في التفسير عبر مناقشة بعض أفكار النظرية العامة في العقلانية لعالم الاجتماع، ريمون بودون، أما المحور الثالث، بعنوان مداخل تجاوز جزئية النظرية في التفسير، فقد خصصناه للحلول النظرية المتاحة في بعض النصوص، وبعض المقترحات المستنتجة منها، من أجل جعل النظرية تتسم بالكلية في التفسير.

كلمات مفتاحية: التخصصية، الجزئية في التفسير، تعدد التخصصات، المتحد العلمي، الكلية في التفسير.

 

Abstract:

Theory in the social sciences is marked by “partiality in interpretation”, as it seldom provides a fully integrated explanation of social phenomena, given scientific traditions rooted in specialisation and theoretical frameworks of perspectives. This is underscored by its fragmented theoretical trajectory, where none of the social science theories have successfully offered a comprehensive theoretical explanation of social phenomena. How then can we make theory more explanatory?

We seek to answer this question through the lens of Thomas Kuhn’s concept of the “scientific community”, integrating it with interdisciplinary collaboration across three dimensions. In the first dimension, we address some factors that impede the “comprehensiveness” or “holistic nature” of theoretical interpretations. These factors include specialisation and the intellectual framework of paradigms, highlighting their role in limiting interpretative completeness. In the second dimension, we critique the partial nature of theoretical interpretations by examining ideas from the general theory of rationality in sociology, as proposed by Raymond Boudon. The third dimension, titled “Approaches to Overcoming Theoretical Partiality in Interpretation”, focuses on theoretical solutions found in selected texts and proposes strategies to enhance the holistic explanatory power of theory.

Keywords: specialisation, partiality in interpretation, interdisciplinarity, scientific community, holistic interpretation.

 

 

 

مقدمة

تتميز النظرية في العلوم الاجتماعية، بخاصية “الجزئية” في التفسير، أي إنها لا تفسِّر الظاهرة الاجتماعية بشكل كلي، ونضطر، كباحثين، إلى الاستعانة بنظريات أخرى لتفسير الجوانب التي تعجز عنها النظرية التي نعتمد عليها، كنظرية رئيسية، في بحوثنا. خبرت ذلك قبل تسع سنوات، عندما كنت طالبة دكتوراه، بعد انتهائي من الدراسات الميدانية لنيل درجة الدكتوراه، بوحدة البحث “السوسيولوجيا السياسية”؛ حيث لم أعثر آنذاك، على نظرية عامة، و”كلية” التفسير لتوصيف ما جمعته من الميدان، لاعتماده، كنظرية رئيسية للبحث، فاستعنت بنظريات أخرى مكمِّلة بعدما اطلعت على نظريات عديدة، وقرأت مناهج عديدة، وذهبت وعدت مرارًا بين النظرية والميدان، دون أن أعثر على ذلك التفسير الذي كنت أطمح إليه. لقد انعكس ذلك التشظي النظري الذي تتميز به نظريات العلوم الاجتماعية على البحث الذي قمت به آنذاك، وحال دون تمكني من تقديم تفسير كلي وعام. مما دفعني بعد المناقشة، إلى الاهتمام بطرق صياغة النظرية، كمشروع بحثي، والاتجاه في السنوات الأخيرة، نحو التفكير في التقاليد العلمية التي نشتغل بها، وفي الأدوات التي يُنتج بها العلم، وسيما النظرية، و”جزئيتها” في التفسير، والتي يقابلها قدرتها على تقديم تفسير كلي للظاهرة الاجتماعية، دون الحاجة إلى نظريات أخرى مكملة، أي أن تكون “كلية” التفسير. وهو ما أُقاربه في هذا المقال عبر الجمع بين البحث في النصوص النظرية، والقيام بعمل على مستوى التفكير على ضوء ما يوجد في هذه النصوص من أجل طرح بعض الحلول والمقترحات لـ”جزئية” النظرية في التفسير.

كانت قد تبلورت لديَّ هذه الفكرة في الأصل، خلال مرحلة التأطير العلمي الرصين والمعمق للأستاذ المشرف على أطروحة الدكتوراه، الأستاذ عبد الحي مودن Abdelhay Mouden، حيث قرأت، باقتراح منه، نص غليفورد غيرتز، التوصيف الكثيف، كما استفدت من تدوين ملاحظاته، خلال اللقاءات العلمية، وأخص بالذكر، ملاحظته في ورشة عمل منهجية للدكتوراه، بمركز جاك بيرك للعلوم الاجتماعية، في خريف 2013، حيث كانت ملاحظته “عندما نحصل على النتائج الميدانية، ماذا نفعل بها؟ نصوغ إطارًا نظريًّا”. يضاف إلى ذلك، قراءتي المتكررة للنظرية العامة في العقلانية لريمون بودون Raymond Boudon، واعتمادها من حيث المنهج (النهج التفهمي La méthode compréhensive)، في الأطروحة، ثم قراءتي لمقال دافيد سنو David Snow، وكان آنذاك طالب دكتوراه، حيث تمكن من صياغة نظرية انطلاقًا من دراساته الميدانية. ولم أكن آنذاك، وأنا طالبة دكتوراه، أومن باعتماد خلفية نظرية في الدراسات الميدانية، بقدر ما كنت أرى أهمية الانطلاق مباشرة، من توصيف الميدان دون الاستناد إلى أية خلفية نظرية، مع الانفتاح على التخصصات الأخرى. كانت -ولا تزال- أغلب التقاليد العلمية، تحول دون ذلك، وهو أمر محبط، وأقصد ما نجده في أغلب مناهج البحث، حيث اعتمدت على نص غيرتز، التوصيف الكثيف؛ إذ يعتبر أنه لا يمكن توصيف مجتمع بحث ما دون الانطلاق من خلفيات نظرية سابقة، حيث لا يمكن للباحثين إنتاج نظريات جديدة عند كل دراسة، ولم أكن حينها على علم بالنظرية المجذرة. وقبل سنتين، حيث كنت أشارك في ندوة وطنية حول الحركات الاجتماعية، بكلية الآداب بالرباط، طرحت مداخلة للأستاذ جمال فزة، “نحن لسنا بحاجة إلى النظرية، بل إلى الحس التنظيري، ينبغي أن نتعلم التنظير”. ومن منظوري، نحتاج في عملية التنظير إلى وضع الأرضية الصحيحة، وهي التفكير في التقاليد العلمية.

تحول هذه التقاليد العلمية دون “كلية” النظرية في التفسير. فما يمكننا ملاحظته عبر مسار العلوم الاجتماعية، ليس فقط، ما يميزها من التشظي النظري، كما ذكره ريمون بودون Raymond Boudon، في كتابه أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، معتبرًا العلوم الاجتماعية اليوم تتميز بافتقادها إلى إطار نظري عام يفسر كل الظواهر الاجتماعية، باستثناء نظرية الاختيار العقلاني، والنظرية العامة في العقلانية، وإنما ما يميزها من عجز النظرية الواحدة عن أن تكون “كلية” التفسير، بالنسبة للظاهرة الواحدة، بسبب ضعف تكاملها مع باقي التخصصات. لقد حال ضعف الاهتمام بالنظرية دون اكتسابها خاصية “الكلية” في التفسير، عبر صياغة نظرية عامة تفسر الظاهرة بشكل كلي ومتكامل، عن طريق تجاوز التخصص. لذلك، أستعين بالإبستمولوجيا الاجتماعية لجيسي شيرا Jesse Hauk Shara، التي تم ابتكارها كطريقة جديدة للتعامل مع المعرفة، كأحد المشاريع القليلة التي تحاول تجاوز التخصص في معالجة موضوع، بسبب حالته الفريدة، حيث لا يمكن التعامل معه عبر تخصص واحد. استنادًا إلى هذا التصور لشيرا في المعرفة، نقصد بجزئية النظرية في التفسير، عجز النظرية عن تقديم تفسير كلي للظاهرة الاجتماعية الواحدة، بسبب ضعف تكاملها مع باقي التخصصات. ولا أقصد بذلك، التشظي النظري الذي تحدث عنه ريمون بودون، في كتابه أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، معتبرًا غياب نظرية عامة تفسر كل الظواهر الاجتماعية.

غالبًا ما تُرجح هذه الجزئية التي تتميز بها النظرية في التفسير، إلى انحياز العلوم الاجتماعية إلى الاهتمام بالمناهج، إزاء قلة اهتمامها بالنظرية. وهو ما قاربه عالم الاجتماع الأميركي، ريتشارد سويدبيرغ Richard Swedberg، في مقالة “قبل النظرية يأتي التنظير أو كيف نجعل العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية؟” المنشورة بمجلة عمران، ترجمة: حميد الهاشمي، العدد 20/5، ربيع 2017، معتبرًا أن علم الاجتماع، خصوصًا، والعلوم الاجتماعية، عمومًا، في الوقت الراهن، أصبحا يعانيان من قلة الاهتمام بمجال النظرية، وأن المناهج الكيفية والكمية على حدٍّ سواء، قد أثبتت فائدتها الكبيرة على المستوى التطبيقي على خلاف النظرية، ونتيجة لذلك، فرضت المناهج هيمنتها على العلوم الاجتماعية. وهو ما انتقده ريمون بودون، في أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، معتبرًا أنه رغم تحقيق العلوم الاجتماعية منذ منتصف القرن العشرين، لتطور كبير في المجال الخاص بطرق الرصد، وتحليل معطيات البحث الاجتماعي، فإن تصورها كان دون ذلك بكثير في مجال تحليل الظواهر الاجتماعية.

لقد حلَّل سويدبيرغ، هذا الجانب؛ حيث أشار إلى التطور المهم الذي شهدته العلوم الاجتماعية، خلال القرن العشرين بداية من الحرب العالمية الثانية، وكانت مركِّزة على المناهج، وتعلق الأمر، أساسًا، بإدخال قياس الكمية أو تحديدها quantification إلى التحليل السوسيولوجي. وفي المقابل، لم تحقق النظرية تقدمًا مماثلًا. يعتبر سويدبيرغ أنه على الرغم من أن مساهمات فردية كثيرة كانت قد أُنجزت منذ الحرب العالمية الثانية، كما يتضح من أعمال غوفمان وبورديو وآخرين، غير أن المهارات العملية للتعاطي مع النظريات ومحاولة صياغة نظرية بالنسبة إلى المتخصص العادي بعلم الاجتماع، لم يجر تطويرها بنفس الطريقة. ويُرجع سويدبورغ السبب في ذلك، إلى أن الطلاب لم يدرسوا النظرية بصورة فاعلة. في هذا السياق، يقارن سويدبورغ النظري مع المنهج، حيث يمكن للطلاب تلقي دروس فصلية في كل من المناهج الكيفية والكمية على السواء، وبمجرد الانتهاء من هذه الفصول الدراسية، يبدؤون بتطبيق ما تعلموه في بحوثهم.

هكذا، تُعزى جزئية النظرية في التفسير إلى هذه التقاليد العلمية، حيث قلة الاهتمام بالنظرية والانحياز إلى المناهج، مما يحد من قدرتها على التفسير. إن أكثر التقاليد العلمية، التي تضعف من شأن النظرية، هي تلك المسماة، بحسب توماس كون، بالعلم السوي، أي ذلك العلم الحريص على التشبث بهذه التقاليد، لذلك يظل محدودًا؛ حيث يقدم التأويل عوض التفسير، بالنظر إلى استناده إلى هذه التقاليد، المتمثلة في اعتماد المنظرين في إنتاج نظريات أخرى على نظرية سابقة تستند إلى خلفية فكرية، لها سيادة على صياغة النظرية (براديغم). تظل التقاليد الشائعة في العلوم الاجتماعية، تتحدد من جهة، في التخصصية disciplinarity، ومن جهة أخرى في البراديغم، أي المظلة النظرية التي يستند إليها المنظِّر في بناء نظرية جديدة، على ضوء نظرية سابقة.

يحيل مفهوم التخصصية disciplinarity لدى Jay Hillel Bernstein, 2014، في مقال بعنوان Disciplinarity and transdisciplinarity in the study of knowledge، في مجلة International Journal of an Emerging Transdiscipline ، معهد Informing Science، إلى ترتيب المعرفة في أقسام، وعزل المعرفة المتخصصة عن المعرفة العادية؛ إذ تقصد به تصنيف البحث العلمي، كعملية محورية في فهم تنظيم المعرفة تعتبر أنه على المستوى البديهي، يمنح التخصصات الهوية المؤسساتية في تصنيف ما من حيث عناوين الأقسام، أما على المستوى الأعمق، فجزء مما يحدد التخصص، يتحدد في طريقة اقترابه أو ارتباطه بالمعرفة، أي يتضمن ما يُقبل كمعرفة، وما لا يُقبل كمعرفة صحيحة. تعتبر Jay Hillel Bernstein أنه عند النظر إلى المعرفة، لا تتفق التخصصات المختلفة حول أي من النقاط تعد محورية وتلك التي لا تعد ذات أهمية؛ حيث تؤكد التخصصات على عمليات مختلفة من قبول المعرفة.

إلى جانب التخصصية، كعائق أمام القدرة التفسيرية للنظرية، حيث ضعف التكامل بين التخصصات، وأحيانًا التشعبات داخل الحقل العلمي نفسه، فعلى سبيل المثال سوسيولوجيا الكم التي ترى بتكميم الظاهرة الاجتماعية على خلاف سوسيولوجيا الكيف، حيث لا يمكن لنتائج تفسر مجتمع بحث معينًا، تعميمها على حالات أخرى، يظل البراديغم أكثر عامل يحد من شأن النظرية. ويُقصد بالبراديغم أو الخلفية الفكرية، بحسب توماس كون، مجموع الاكتشافات العلمية التي تحظى بإجماع كافة العلماء وتحدد لجماعة من الباحثين نوعية المشاكل والحلول لفترة من الفترات. ويعتبر هذا المفهوم ركنًا من أركان نظرية كون في تاريخ العلوم. كما أن له صلة وثيقة بمجموعة من المفاهيم الأخرى، وعلى رأسها مفهوم العلم السوي، والذي يشير به إلى تقاليد البحث العلمي الخاصة والمنسجمة القائمة في فترة بعينها والتي تنسب إلى علماء بعينهم. فهي تقاليد تتعاقب عليها أجيال من العلماء إلى أن تتم الإطاحة بها لتظهر تقاليد بحث جديدة.

يقصد توماس كون، بمفهوم البراديغم، في كتاب بنية الثورات العلمية، 2007، مجموعة القوانين، والتقنيات، والأدوات المرتبطة بنظرية علمية والمسترشِدة بها، والتي بها يمارس الباحثون عملهم ويديرون نشاطاتهم، وحالما تتأسس تتخذ اسم العلم العادي. يساعدنا مقال سالم يفوت، “التفسير والتأويل في العلم وجهة نظر “تومس كون””، في كتاب التفسير والتأويل في العلم، 1997، على توضيح مفهوم البراديغم عند توماس كون، كقانون أو نموذج أو قاعدة، يقاس على منوالها، أو أصل تقاس عليه فروع ونوازل علمية مستجدة، يستمد سيادته من كونه ينجح أكثر من البراديغمات المنافسة له في حل بعض المشاكل التي انتهى الأمر بجماعة من علماء متخصصين ومختصين إلى اعتبارها مشاكل جوهرية. وإذا كانت وجهة نظر كون تقتصر على مفهوم البراديغم في العلم، يربطه إذغار موران بالبنيات الاجتماعية والثقافية؛ إذ يقصد به، في كتابه “المنهج- الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها”، 2012، نواة أولى افتراضية تجمع المنطق، والمعتقدات، والتصور، وتتجذر في البنية الاجتماعية. إذ يعني به نواة أولى عقلية- اجتماعية- ثقافية، ومنها تنشأ مختلف النوى الأخرى، وهكذا، يوجد البراديغم الكبير وبواسطته عمق علمعقلي مذهل في الجانب الاجتماعي، أي إنه يتوقف على مجمل العناصر الدماغية والعقلية.

باعتبار أن البراديغم يجعل المعرفة غير مستقلة، يصعب على العلوم الاجتماعية تقديم نظريات كلية التفسير. فلما كان المنظِّر يستظل به في عملية التفسير، وبحكم أن البراديغم يتحكم بالنظرية، وبالطريقة التي تُصاغ بها النظريات، فإنه يكرس للتقاليد العلمية، إذ يحد من قدرة النظرية على تقديم:

  • تفسير كلي للظاهرة الاجتماعية، بحكم أن التقاليد العلمية التي يفرضها العلم السوي، تكرس التخصصية، والتي تُعزى إلى البراديغم الفاصل، الذي فصل الفلسفة عن العلوم، مما يكرس للجزئية في التفسير، بل يكرس أيضًا التأويل.
  • يقدم البراديغم تأويلًا للأحداث والمشاهدات على ضوء براديغم سابق، وهذا يشكِّل تقليدًا علميًّا لا يمكن للعلماء تجاوزه. وهو ما يسميه كون بالعلم السوي. إذا انطلقنا من تصور كون، فإن النظرية لا تفسر، وإنما تؤول، وما يحد من القدرة التفسيرية للنظرية هو البراديغم الذي يستظل به المنظِّر.

أولًا: الإشكالية

يطرح هذا المقال إشكالية تهدف إلى السؤال والتفكير حول المداخل الممكنة في النصوص النظرية لتجاوز جزئية النظرية في تفسير الظاهرة الاجتماعية، عبر الارتقاء بها من الجزئية إلى الكلية في التفسير بالنسبة للظاهرة الواحدة. وهي جزئية تكرسها التقاليد العلمية التي يفرضها العلم السوي، متمثلة في التخصصية Disciplinarity، والبراديغم. فلما كانت هذه التقاليد تكرس الجزئية، فإننا نحتاج إلى البحث والتفكير في البدائل الكفيلة بالارتقاء بالنظرية إلى جعلها أكثر قدرة على التفسير. فكيف نجعل النظرية أكثر تفسيرًا؟

في تحليل هذه الإشكالية الرئيسية، ننطلق من التشظي النظري الذي يطبع العلوم الاجتماعية، والذي أشار له بودون، في كتابه “أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، العمل الاجتماعي والحس المشترك”، معتبرًا أنه تجاوزه عبر النظرية العامة في العقلانية التي اعتبرها تفسر كل الظواهر الاجتماعية. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل إلى أي حد يمكن الجزم بأن نظريةً ما يمكن أن تكون عامة، أي إنها تصلح لتفسير كل الظواهر الاجتماعية خارج إطار التكامل بين التخصصات، وفي ظل سلطة البراديغم؟ وكيف يسعها تفسير كل الظواهر الاجتماعية، في حين أنها تعجز عن الإلمام بشتى أبعاد الظاهرة الواحدة؟

يبين هذا المقال أنه لا يمكن للنظرية أن تكون “كلية” التفسير حتى بالنسبة للظاهرة الواحدة، في ظل سلطة البراديغم، ومع احتفاظها بالحدود التخصصية.

على ضوء ذلك، نطرح إشكاليتين فرعيتين: تتمثل الإشكالية الفرعية الأولى، في تحليل الأسباب المفسرة لعجز النظرية عن تقديم تفسير عام للظاهرة الاجتماعية، ونتخذ في ذلك نموذجًا، نقد أفكار عالم الاجتماع، ريمون بودون، في نظريته العامة في العقلانية، عبر إبراز براديغم النظرية الذي يحول دون جعلها كلية التفسير.

وتتحدد الإشكالية الفرعية الثانية، في البحث والتفكير حول المداخل الممكنة في النصوص النظرية لتجاوز التخصصية، وكيفية التحرر من البراديغم. ولا نقصد بهذا التجاوز إلغاء التخصصية، باعتبار أنها تقدم نظرة معمقة في التفسير؛ إذ يمكن اعتبارها الأصل في التكامل بين التخصصات، وباعتبار أيضًا أنها تقدم نظرة معمقة في التفسير، تفيد في عملية التأليف بين التخصصات، وإنما ما نقصده هو تجاوزها على المستوى الإجرائي، عبر إيجاد مداخل لجعل النظرية تقدم لنا تفسيرًا كليًّا. فلما كانت الجزئية تقدم لنا بعدًا واحدًا في التفسير، فإن هذه المداخل تعيننا في فهم الأبعاد الأخرى، أي تقديم رؤية متكاملة في التفسير.

ثانيًا: الفرضية

الفرضية الرئيسية

للجواب على هذه الإشكالية، نطرح فرضية نعتبر من خلالها، أنه يمكن جعل النظرية أكثر تفسيرًا عبر تحريرها من البراديغم، شرطًا أساسيًّا للتأسيس للجماعة العلمية العابرة للتخصصات، وللتكامل السلس بين العلوم؛ إذ نفترض أن جزئية النظرية في التفسير، تُعزى إلى التقاليد العلمية، حيث انفصال العلوم عن الفلسفة. وعلى ضوء ذلك، نطرح فرضيتين فرعيتين:

الفرضيات الفرعية

الفرضية الأولى: نفترض أن انفصال العلم عن الفلسفة، أعطى براديغم الانفصال، ونتج عنه براديغم التخصصية، كما نتج أيضًا عن هذا الانفصال ضعف استقلالية المعرفة عن البراديغم؛ حيث تتم صياغة النظرية في ظل البراديغم الذي يشتغل في ظله المنظِّر، ويتخذه خلفية علمية في إنتاج نظريات أخرى.

الفرضية الثانية: نفترض أن التقاليد العلمية في ظل فصل الفلسفة عن العلوم، جعلت المعرفة غير متحررة. لهذا السبب، تظل عاجزة عن إنتاج أدوات جيدة، ولها قوة على مستوى التفسير، مثل النظرية. نفترض أن الحل لتطوير النظرية هو التكامل بين العلوم، وهذا التكامل يمكنه أن يتحقق عبر شرط تحرر النظرية من البراديغم. ونفترض أن تحرير المعرفة من البراديغم هو أيضًا شرط للتأسيس للجماعة العلمية العابرة للتخصصات التي يمكنها أن تنتج النظرية الجيدة.

ثالثًا: المنهج

لتجاوز الجزئية التي تتسم بها النظرية في التفسير، نعتمد في مرحلة أولى، على المنهج السوسيولوجي لتوماس كون Thomas Samuel Kuhn، منهج المتحد الاجتماعي كخلفية، من أجل توضيح كيف يحد البراديغم من القوة التفسيرية للنظرية. وفي المرحلة الثانية، نعتمد على التفكير، في حلول لجعل النظرية كلية التفسير، عبر الأخذ بعين الاعتبار، الجمع بين توضيح براديغم النظرية العامة للعقلانية، وبين توظيف التكامل بين التخصصات كحل؛ وهو ما نعني به المتحد العلمي العابر للتخصصات.

يقصد توماس كون، في كتابه، بنية الثورات العلمية بالمتحد العلمي، متحد العلماء، أو متحد المهنيين، أو المتحد العلمي scientific community. وهو الأداة التحليلية الأساسية عند توماس كون. ينبني هذا المنهج على المتحد العلمي الذي يرى التحولات التي تحدث في تفسيرات العلماء بحكم تغير البراديغم نتيجة اكتشاف علمي أو نظرية جديدة أو أزمة في تفسير معين؛ حيث يعتبر كون أن الكلام عن عالِمٍ بمفرده، مكتشفًا لقانون علمي معين، هو كلام فاسد، فالعلم بحسب توماس كون، يتطور متحديًا، أي اجتماعيًّا، بواسطة براديغمات. في هذا السياق، رفض كون النظر إلى العلم، وإبداعاته وتطوره من وجهة نظر فردية؛ حيث اعتقد أن تاريخ العلم لا يمكن فهمه وشرحه إلا بفضل المتحدات العلمية وبراديغماتها. بحسب كون، لا يقوم العلم ولا يتغير بواسطة فرد بحد ذاته، بل بواسطة متحد من العلماء، أي مجموعة من العلماء مشتركين بتقاليد وقواعد واحدة مستمدة من نظرة واحدة إلى العالم. كما يرى توماس كون أنه لكي نكتشف كيفية إنتاج التحولات العلمية، لابد لنا أن لا نكتفي بفحص تأثير الطبيعة على المنطق فحسب، بل نفحص أيضًا آليات المحاجة المقنعة والمؤثرة في المجموعات الخاصة التي تؤلف متحد العلماء.

تكمن أهمية منهج كون في أنه يعتمد على الاختلاف في البراديغمات للمتحد الاجتماعي من العلماء من تخصصات مختلفة “كجماعة علمية عابرة للتخصصات”، وهنا تتجلى أهمية منهجه، حيث انتقل من علم الفيزياء إلى تاريخ العلم، وقضى مدة سنة في متحد من العلماء، يتألف في أغلبه من علماء اجتماع؛ مما جعله يواجه مشكلة الفوارق بين تلك المتحدات ومتحدات علماء الطبيعة الذين سبق أن تم تدريبه في وسطهم، ليقف على عدد واتساع الاختلافات بين علماء الاجتماع والمتعلقة بطبيعة المشكلات والمناهج العلمية المشروعة. وقد جعله كل من التاريخ والاطلاع الذي حصل له يشك في مسألة أن المشتغلين في العلوم الطبيعية يملكون أجوبة أكثر تماسكًا أو أكثر ثباتًا لتلك المسائل من زملائهم في علم الاجتماع. يعتبر كون أن الاشتغال في علم الفلك وعلم الفيزياء أو الكيمياء أو علم الحياة فشل في طرح نقاشات حول الأساسيات من الأمور التي غالبًا ما تبدو اليوم محصورة في أوساط علماء السيكولوجيا وعلماء الاجتماع. وقد قادت محاولة توماس كون الكشف عن مصدر ذلك الاختلاف إلى أن يدرك الدور الذي يلعبه في البحث العلمي ما يسميه منذ ذلك الحين “البراديغمات”، بحسب توماس كون اعتبرت هذه الأخيرة، إنجازات علمية معترف بها عالميًّا حيث إنها وفرت، ولمدة من الزمن، مسائل براديغمية وحلولًا لهذا المتحد من المشتغلين في العلم.

نستعين بهذا المنهج، كخلفية في التحليل، كي نبرز تأثير البراديغم على ضعف القوة التفسيرية للنظرية، والذي يجعلها تنحاز في التفسير، وبالتالي، لا تقدم تفسيرًا كليًّا. ونتخذ في ذلك نموذج النظرية العامة في العقلانية، لعالم الاجتماع، ريمون بودون، عبر انتقاد أفكاره في نظريته، عبر مرحلتين:

نقوم في المرحلة الأولى، بتوضيح براديغم النظرية والذي يؤثر على عملية التفسير، وبعد ذلك، نوضح جانب الجزئية في النظرية. وهنا أعود إلى تصور توماس كون؛ حيث اعتبر أن النظرية لا تفسِّر وإنما تؤوِّل، وما يحد من القدرة التفسيرية للنظرية هو البراديغم الذي يستظل به المنظِّر.

أما المرحلة الثانية، فنخصصها لأهمية المتحد العلمي “العابر للتخصصات”، أي الالتقائية بين العلوم، في تجاوز الجزئية في التفسير والحصول على تفسير متكامل. في هذا السياق، نقوم بنقد التقاليد العلمية، المتمثلة في الجزئية والمظلة الفكرية للنظرية العامة في العقلانية. وأقترح التكامل بين العلوم، والتحرر من البراديغم عبر الاستعانة بالعلم العقلي (إذغار موران) وعلم النفس الاجتماعي (غوستاف لوبون)، واجتهادات توماس كون، إلى جانب النظرية المجذرة كحلول لجزئية النظرية في التفسير.

رابعًا: أهداف البحث

  • نلقي، عبر هذا المقال، نقطة في محيط البحث العلمي، نطمح من خلالها، إلى تحقيق التراكم، عبر مقالات أخرى، تهدف، بشكل أساسي، إلى إبراز ما يعيق المعرفة ويحد من تطورها، وسيما أدوات إنتاجها؛ حيث نحتاج إلى تعزيز التراكمات من أجل التفكير في الطريقة التي يُنتج بها العلم، وسيما النظرية. وإذ نركز على هذا الجزء البسيط، وهو إبراز أسباب عجز النظرية عن أن تكون كلية التفسير، والبحث عن حلول لجعلها كذلك، فمن وجهة نظرنا، لا يمكن الارتقاء بالنظرية في ظل ما يعيق المعرفة ويجعلها محدودة، ونقصد بذلك التقاليد العلمية، لذلك نحتاج إلى مراجعتها، من أجل تطوير القوة التفسيرية للنظرية.

* من أجل تحقيق الهدف السابق، نحتاج إلى الارتقاء بالبحث العلمي من مجرد الاكتفاء بالقيام بوظيفة البحث فحسب، إلى اقتراح حلول لبعض المشاكل التي تطرحها الآليات التي يُنتج بها العلم، والنقص الذي يمكن أن تحمله جزئية النظرية في التفسير. وهو ما يمكن أن تقوم به فلسفة العلوم، وعلم اجتماع العلوم، حتى يتسنى لنا الحصول على المعرفة الصحيحة، المتحررة من التقاليد العلمية من جهة، والنابضة بروح التكامل بين التخصصات من جهة أخرى. وبالتالي، فمن منظورنا، النظرية الجيدة، التي تقدم المعرفة الصحيحة، أي النظرية المتحررة من البراديغم، والمتجاوزة للحدود المعرفية للتخصصات، هي التي بوسعها أن تكون كلية التفسير.

ونقترح تجاوز الحدود المعرفية مدخلًا لتعزيز القوة التفسيرية للنظرية، لاعتبارين:

الاعتبار الأول: يعتبر بودون في النظرية العامة في العقلانية، أنه لا يمكن فقط تفسير السلوك البشري بالحتميات الاجتماعية وبالعقلانية، وإنما انطلاقًا من العلوم العصبية، ويتساءل: هل من المشروع قيام برنامج لتفسير السلوك الإنساني يفرض استقلاليته عن العلوم العصبية؟ وهو ما يبين أهمية التكامل بين العلوم، وفيه اعتراف للسوسيولوجيا بضرورة تجاوز التخصصية. لقد تساءل بودون عما إذا كان من المشروع قيام برنامج لتفسير السلوك الإنساني يفرض استقلاليته عن العلوم العصبية، مستحضرًا العلاقات الملتبسة القائمة بين العلوم الاجتماعية والعلوم العصبية، وتطور العلوم العصبية. فبحسب بودون، لا يُفسر السلوك البشري فقط بالحتميات الاجتماعية أو بنظرية الاختيار العقلاني وإنما يفسر أيضًا انطلاقًا من العلوم العصبية.

الاعتبار الثاني: هو التوجه نحو التكامل بين العلوم في النقاشات والكتابات العلمية؛ إذ حث العدد السادس من مجلة Nature Human Behaviour المنشور على موقع المجلة بتاريخ 27 يناير/كانون الثاني 2022، في مقالة بعنوان The future of human behaviour research، على التكامل بين التخصصات لفهم السلوك البشري، معتبرًا أن السلوك الإنساني مركب ومتعدد الأوجه، وتتم دراسته عبر مجموعة من التخصصات تشمل العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية. في هذا العدد قامت المجلة بسؤال كبار العلماء حول بعض التخصصات الأساسية لمشاركة رؤيتهم لمستقبل البحث في تخصصاتهم. وأكد المساهمون مدى أهمية توسيع نطاق تخصصاتهم، كما أبرزت مساهماتهم مجتمعة أن تحقيق التقدم في كل تخصص يتطلب دمج رؤى وأساليب من الآخرين، وكسر الصوامع التخصصية. كما اعتبرت المجلة، أن إحراز تقدم في فهم السلوك البشري، يمكنه أن يتحقق عبر مجهود متعدد التخصصات. كما جاء في مساهمة ساري حنفي، أنه حان الوقت لربط علم الاجتماع بالفلسفة.

 

خامسًا: المحاور

نتناول هذا الموضوع انطلاقًا من ثلاثة محاور:

المحور الأول: جزئية النظرية في التفسير– الانعكاس البارز للظل الخفي للبراديغم: وجهتا نظر كون وموران

أ‌-   التخصصية Disciplinarity وانفصال العلم عن الفلسفة

ب‌- البراديغم الفاصل- داء المعرفة الصحيحة

المحور الثاني: الجزئية والانحياز في التفسير- نقد لبعض أفكار ريمون بودون

المحور الثالث: كيف نتجاوز الجزئية في التفسير؟ – مفاتيح النظرية الجيدة

أ‌-   النظرية المجذرة والتحرر من البراديغم

ب‌- المتحد العلمي العابر للتخصصات interdisciplinary scientific community

المحور الأول: جزئية النظرية في التفسير- الانعكاس البارز للظل الخفي للبراديغم: وجهتا نظر كون وموران

انطلاقًا من تحليلات وتصورات كل من كون وموران، يمكننا تصور جزئية النظرية في التفسير مرآةً للبراديغم. إنها بالأحرى، أحد أهم تجلياته، تنعكس بشكل بارز لما يمليه، بشكل غير واع، هذا الظل الخفي. إذ تُعزى إلى إنتاجها في ظل براديغم، يشكل ما يسميه توماس كون بالعلم السوي. فالمنظِّرون لا يطرحون براديغمات جديدة عند صياغة كل نظرية، بقدر ما يتم إنتاجها في ظل براديغم موجود؛ إذ لا تشكل النظرية شيئًا جديدًا، وإنما رؤية ومسمى جديدًا في ظل براديغم سابق يحافظ على نفس التقاليد العلمية.

لقد أولى توماس كون (Thomas Kuhn) ، في كتابه بنية الثورات العلمية، أهمية كبرى لمفهوم البراديغم، معتبرًا أن المعرفة العلمية ليست مجرد تراكم معلومات، وأن طريقة تصور النظريات العلمية وصياغتها وتنظيمها تتحكم بها المسلَّمات والفرضيات الخفية وتراقبها. وقام بكشفها -من خلف الفرضيات والمسلَّمات- بمنزلة أساس جماعي من البديهيات الخفية والحتمية سماها استبدالات(1). وبفضل مصطلح براديغم، تمكن كون من شرح وجهة نظره في تاريخ العلم، فرآه عبارة عن تاريخ براديغمات متعاقبة تختلف فيما بينها اختلافًا نوعيًّا إلى الحد الذي لا يمكن مقارنتها، كما قال، معتبرًا أنه ليس العلم كما ظنَّه مؤرخو العلوم وفلسفاتها عملية تراكمية ممتدة لا يعتريها انقطاع البراديغم الذي وصفه بأنه نظرية علمية جديدة، عنى به نظرة جديدة إلى الكون والطبيعة تقضي على نظرة سابقة(2).

وبحسب تعريف إدغار موران (Edgar Morin)، يقصد بالبراديغم نواة أولى عقلية اجتماعية ثقافية، ومنها تنشأ شتى النوى الأخرى، وهكذا يوجد البراديغم الكبير وبواسطته عمق عِلْمعقلي مذهل في الجانب الاجتماعي. وبحسب كون، يعد البراديغم افتراضيًّا على الدوام، ولا يوجد إلا في تفعيلاته وتجلياته(3). كما يضم بالنسبة إلى جميع الخطابات التي تتم في مملكته، المفاهيم الأساسية أو المقولات الكبرى للتعقل، ويتضمن نوع العلاقات المنطقية في التجاذب، أو التنافر من وصل أو فصل أو انخراط أو غيرها، بين هذه المفاهيم أو المقولات(4).

لذلك، يبدو ضعف استقلالية المعرفة شيئًا محتومًا في ظل سيادة البراديغم الذي يفرض سلطته على طريقة صياغة النظرية، مما يجعلها جزئية التفسير؛ إذ يحمل البراديغم قيمة جذرية في التوجه المنهجي، وفي الترسيمات الفكرية الأساسية، وفي الفرضيات، والمعتقدات التي تلعب دورًا أساسيًّا، وتتمتع بسلطة تهيمن على النظريات، والبراديغم غامض لأنه يضم عدة معان، تحظى في المحصلة، وبشكل غامض، بالقبول الجماعي برؤية للعالم لدى أهل العلم(5).

هكذا يشكل البراديغم داء الانحياز المعرفي، والجزئية في التفسير، وقد ينتج المعرفة “غير الصحيحة”، لدى أهل العلم، حتى في ظل وجود جماعة علمية، كشيء بديهي في ظل سلطة هذه النواة الخفية التي تتجاوز التحكم في طريقة صياغة النظرية إلى إنتاج العلم. فحسب إدغار موران، هناك براديغم كبير يتحكم ليس فقط بالنظريات وطرق التفكير، بل يتحكم أيضًا، بالحقل المعرفي، والفكري والثقافي، حيث تولد النظريات، وطرق التفكير، ويتحكم أيضًا بالإبستمولوجيا التي تتحكم بالنظرية، ويتحكم بالتطبيق الذي يتحكم بالنظرية(6). ويعد هذا العائق الذي يعتبر تقليدًا علميًّا، أحد أهم العوامل التي تحد من القوة التفسيرية للنظرية. بل تزداد سلطة البراديغم، بفضل ما يتميز به من جمع وانتقاء للأفكار الشبيهة به، وإقصاء ما يخالفه.

إن البراديغم يوجِّه، ويحكم، ويراقب تنظيم أنواع التفكير الفردي والمنظومات الفكرية الخاضعة له. وهو الذي يدفع قدمًا ببعض العمليات المنطقية على حساب عمليات أخرى، وهو الذي يضفي الصلاحية والكونية على المنطق الذي اختاره. وبذلك، يمنح الخطابات والنظريات التي يتحكم بها صفات الضرورة والحقيقة(7). كما يمارس البراديغم رقابة برمجية على المنطق في ما يتعلق بالطروحات والخطابات والنظريات. ويتحكم بالمنطق ولكن المنطق بدوره يتحكم به(8). أيضًا، يلعب دورًا خفيًّا وسياديًّا في كل نظرية أو مذهب؛ إذ ينشئ العلاقات الأساسية التي تشكل البديهيات وتحدد المفاهيم وتتحكم في الخطابات و/أو النظريات، وينظم تنظيمها، ويقود المبادئ الفكرية، ويوجد في صميم المنظومات الفكرية بما فيها النظريات العلمية(9).

ويظل البراديغم يفرض سلطته على النظرية حتى في ظل تحوله، وهنا تكمن قوته، في أن هذا التحول لا يؤدي إلى تحرر المعرفة، بقدر ما يؤدي إلى استمرار التقاليد العلمية، عبر ظهور تقاليد علمية جديدة. فبحسب كون، عندما يحدث الانقلاب العلمي، يظهر إلى الوجود براديغم جديد في العلم، وتنشأ تقاليد علمية جديدة(10). كما تزداد سلطة البراديغم، في تجاوزها كل معرفة، عبر الجمع بين المعرفة العادية والمعرفة العلمية عبر العقدة الغوردية المركبة التي تربط كل العناصر الدماغية والعقلية والنفسية والعِلمعقلية والثقافية والاجتماعية(11)، والحوسبية والتفكيرية، والمنطقية، واللغوية، والنظرية، والأسطورية، والثقافية، والاجتماعية، والتاريخية، التي تتوقف عليه، ويتوقف على التفاعلات التي تتوقف عليه؛ حيث يتميز البراديغم بكونه تفاعليًّا(12).

بحكم ما يتسم به البراديغم، تظل المعرفة غير مستقلة كي تنتج نظريات تتميز بقوتها التفسيرية. لقد حدد إدغار موران عدة سمات للبراديغم(13)، نقتصر على ذكر تلك التي تقلل من شأن النظرية، متمثلة في:

  • البراديغم غير مرئي. ولأنه يقع في حيز اللاوعي، وفي حيز ما فوق الوعي، فإنه المنظم الخفي للنواة التنظيمية الظاهرة للنظرية التي يحظى فيها بمكانة غير مرئية. وبالتالي، فهو غير مرئي في التنظيم الواعي الذي يتحكم به(14).
  • هناك براديغم كبير يحدد عن طريق النظريات عقلية معينة وإطارًا فكريًّا ورؤية للعالم، كما بيَّن ماورياما أن براديغمًا كبيرًا يتحكم بالرؤية إلى العالم والفلسفة والعقل والسياسة والقرار والأخلاق(15). إن تأثير البراديغم على المعرفة بشكل عام، وعلى النظرية بشكل خاص، هو اتسامه بخاصية الإقصاء والفصل بين البراديغمات المخالفة، أي إقصاء البراديغمات الأخرى غير الشبيهة، وباعتباره كذلك، يمكن القول: إن البراديغم لا يتجاوز حدود التخصص، في حين أن ما تحتاجه المعرفة هو التكامل بين التخصصات. لا شك أن هذا الجانب كرسه الفصل بين العلوم. في هذا السياق، يتمتع البراديغم بمبدأ إقصاء، لا يقصي المعطيات والأقوال والأفكار التي لا تتطابق معه فحسب، بل يقصي أيضًا المشاكل التي لا يعترف بها. كما أنه بين براديغم وآخر، يوجد عدم تفاهم وتضاد أي بين الأفكار والخطابات والمنظومات الفكرية التي تستدعيها براديغمات مختلفة(16).

علاوة على ذلك، تبرز العناصر المشكلة للبراديغم مدى سلطته على جعل النظرية محدودة. فاستنادًا إلى توماس كون، وإدغار موران، يمكننا استخلاص سبعة عناصر مشكِّلة للبراديغم، تحد من شأن النظرية، تتمثل في:

  • التقاليد العلمية

استنادًا إلى تصور توماس كون في العلم، يمكن القول: إن البراديغم ينتمي إلى التقاليد العلمية، وهي أحد العناصر الأساسية المكوِّنة للبراديغم؛ إذ يقدم كون صورة للعلم مختلفة كل الاختلاف، نابعة من صميم البحث في تاريخ الممارسة العلمية ذاتها، تقطع مع الميل إلى اعتبار مضمون العلم مجرد ملاحظات وقوانين ونظريات، أو مجموع الوقائع والنظريات والمناهج التي يهتدي العلماء إليها بوصفهم أشخاصًا فرادى، تقطع مع التصور التطوري المتراكم لتاريخ العلوم والذي يعتبر هذه الأخيرة تتطور وتنمو بتراكم الاكتشافات والابتكارات الفردية(17).

ومن أبرز ملامح البديل الذي يقترحه “كون” أنه يستند إلى مفاهيم جديدة محورية، كمفهوم البراديغم(18).

  • البراديغمات الرئيسية الكبرى

تسيطر على الفضاء العقلي والثقافي في عصر ما، وهناك براديغم كبير يتحكم في الحتميات الثقافية وفي إنتاج النظريات، إلى جانب البراديغم الكبير للغرب. ويمكن اعتبار العقدة الغوردية أحد مكونات البراديغم لأنها تجمع(19). ينتمي إلى هذا البراديغم أيضًا، الفصل بين العلم والفلسفة.

  • الاكتشافات العلمية التي نالت اعتراف العلماء

تشكِّل الاكتشافات العلمية التي تعترف بها جماعة من العلماء، أحد أهم العناصر المشكلة للبراديغم. فبحسب توماس كون، تمت التحولات الكبرى في تاريخ العلوم بثورات براديغمية، وفي الطبعة الثانية، من كتابه، يتشكل البراديغم بواسطة الاكتشافات العلمية التي نالت اعتراف العالم والتي عرضت في فترة ما عددًا من المشاكل والحلول لمجموعة من الباحثين، كما رأينا سابقًا(20). والبراديغم في معنى كون، غامض، لأنه يجمع بين عدة معان شتى تحظى في المحصلة وبشكل غامض بالقبول الجماعي برؤية للعالم لدى أهل العلم(21).

  • دور العصر والتنظيم الاجتماعي- السياسي والتنظيم الثقافي

تسيطر البراديغمات الرئيسية الكبرى، على الفضاء العقلي والثقافي في عصر ما، والذي يشمل النسيج الاجتماعي التحتي. ويندرج في هذا الإطار، التنظيم الاجتماعي-السياسي والتنظيم الثقافي العقلي لحضارة من الحضارات. كما يفترض إدغار موران، أن براديغمًا كبيرًا يقيم في صميم التنظيم الاجتماعي-السياسي وفي قلب التنظيم الثقافي العقلي لحضارة من الحضارات، ويرى أن التنظيم الاجتماعي الثقافي يغذي البراديغم الذي يغذيه(22). تدخل في هذا الإطار أيضًا الحتميات الاجتماعية والثقافية؛ حيث يعرف الأفراد ويفكرون ويتصرفون حسب هذه البراديغمات المحفورة ثقافيًّا فيهم(23). كما أخذ البراديغم في الطبعة الثانية، من كتاب توماس كون، معنى مجتمعيًّا، فأصبح مجمل المعتقدات والقيم المعترف بها، والتقنيات المشتركة لدى مجموعة معينة(24).

  • اللاوعي

يشكِّل اللاوعي الحاضنة الخفية للبراديغم الذي يحظى فيه بمكانة غير مرئية؛ إذ يستهدف البراديغم شيئًا عميقًا جدًّا ومنغمسًا بشكل عميق في اللاوعي الفردي والجماعي. كما أن البراديغم غير واع، ولكنه يراقب الفكر الواعي ويكون بهذا المعنى متجاوزًا للوعي(25). بحسب موران، البراديغم غير مرئي، ولأنه يقع في حيز اللاوعي، وفي حيز ما فوق الوعي، فإنه المنظم الخفي للنواة التنظيمية الظاهرة للنظرية التي يحظى فيها بمكانة غير مرئية. إنه بالتالي، غير مرئي في التنظيم الواعي الذي يتحكم به. وخطاباتنا الواعية هي أقل وعيًا لمعانيها مما تظن نفسها واعية إياها تمامًا. والبراديغم غير مرئي بطبيعته لأنه دائمًا افتراضي، كما أنه لا يُعبَّر عنه بذاته، إذ لا يوجد إلا في تجلياته، يتجلى ويتجسد في ما يخلقه، ولا يستطيع المرء أن يتكلم عنه إلا انطلاقًا من تفعيلاته التي تقدمه كمثل، أي إنه لا يظهر إلا من خلال أمثلته(26).

  • التأكيدات

يحتاج البراديغم إلى التأكيدات والبراهين، التي تثبت صوابية المنظومة التي هو فيها؛ إذ يؤدي النضوب في التأكيد واندياح المعطيات والحجج التي تتناقض مع قوانين البراديغم إلى خلق الظروف المسبقة للثورة البراديغمية. ولأن البراديغم غير مرئي ولا يمكن النيل منه، فلا يُهاجَم أو يعارض أو يقوَّض مباشرة، بقدر ما ينبغي أن تكون هناك صدوع وتفتتات وتآكلات وتهدمات في صرح المفاهيم والنظريات التي يضمها، ويجب من ثم أن يوجد فشل في الترميمات والإصلاحات الثانوية، ويجب أخيرًا، أن تبرز أطروحات وافتراضات جديدة لم تعد تخضع لهذا البراديغم وأن تتزايد أعداد التحققات، وأن تتأكد الأطروحات الجديدة بعد أن تفشل الأطروحات القديمة(27).

تتجاوز سلطة البراديغم لتضعف من شأن النظرية عبر وظائفه في إنتاج المعرفة العلمية؛ إذ يقدم “رؤية للعالم” ينخرط فيها العالم وينتسب عبرها لنظرة للأشياء يفرضها البراديغم القائم. وهو بذلك، يقدم نقطة ارتكاز في إنتاج المعرفة(28)؛ وهو ما يعطي نقطة ارتكاز للتفسير على ضوء البراديغم الذي ينتمي إليه المنظِّر؛ مما يؤثر على استقلالية المعرفة ويجعلها محدودة.

في هذا السياق، فمن وظائف البراديغم التفسير والتأويل. والتفسير هو عملية يمليها انخراط العالم في البراديغم القائم في عصره وانتسابه لنظرة للأشياء. فبحسب تصور وجهة توماس كون، لا يعد التفسير عملية تصور للمعنى تتحدد بناء على الإدراك الذاتي للعلاقات القائمة بين الظواهر وقيامه في الذهن، ذهن العالم، بل هو عملية يمليها انخراط هذا الأخير في البراديغم القائم في عصره وانتسابه لنظرته للأشياء(29). وبالتالي، فالعلماء لا يفسرون الظواهر المطروحة عليهم بل يؤولونها؛ إذ يؤكد كون أن تصور المعنى الذي يتحدد بناء على إدراك العلاقات التي تقوم بين الظواهر وقيامه في الذهن لا يتعلق بذكاء العالم، بل كونه ينخرط في “رؤية للعالم” والانتساب لنظرة للأشياء يفرضها البراديغم القائم(30).

وبالتالي، يعد التفسير والفهم وليد رؤية يسمح بها التقليد العلمي القائم. فهو الذي يجعل المشتغلين بالعلم يلاحظون ويجربون ويرون ما يلاحظونه ويجربون عليه هذه الظاهرة أو تلك دون غيرها. إنه هو الذي يوجه نظرتهم وقراءتهم للعالم(31). يمثل البراديغم بفضل الاكتشافات العلمية وظائف عديدة في إنتاج العلم، ولكنه يقدم معرفة محدودة، وغير مستقلة؛ إذ تتحدد أهم وظائفه في حل بعض المشاكل. لكن العمل النظري للعلم السوي ينحصر في مجرد استخدام النظرية القائمة واعتمادها في النظر إلى الوقائع والتنبؤ بها، أي إنه يتعذر في إطار براديغم ما العملُ خلافًا لما يمليه ويسطره. والتخلي عن البراديغم أو العمل خارج مظلته يعني الحكم على الممارسة العلمية بالتوقف(32).

  • التخصصية (Disciplinarity) وانفصال العلم عن الفلسفة

باعتبار أن التخصصية Disciplinarity تعد نتاجًا للبراديغم الذي يستظل به المنظِّر، وهي أحد عناصر العلم السوي، أي تنتمي إلى التقاليد العلمية، يمكن اعتبارها عائقًا أمام التفسير؛ إذ يقدم التخصص نظرة جزئية، وذات بعد واحد لموضوع قد لا يجد تفسيره إلا عبر مجهود يتيح تعدد التخصصات(Transdisciplinarity) .

تستند التخصصية إلى براديغم، حيث لا يسعى العلماء، في العادة، إلى ابتكار وطرح نظريات جديدة، بل إنهم يقفون في الأغلب عند حدود الدفاع عن نظريات مستلهمة من البراديغم الذي يستظلون به. فالبحث الذي يمليه العلم السوي يتجه كلية صوب تعميق المعرفة بالظواهر والنظريات التي يقدمها البراديغم سلفًا. على هذا النحو، تصبح الميادين التي يرتادها العلم السوي ضيقة ومحصورة؛ ذلك أن هذا الأخير يحصر مجال الرؤية حصرًا، إلا أن هذا الحصر الذي تولده الثقة في البراديغم يعد جوهريًّا بالنسبة لتقدم العلم؛ حيث التخصص في العلم شيء جوهري؛ ذلك أنه بتركيز الاهتمام على قطاع بعينه من القضايا التي لا تهم، نسبيًّا، إلا فئة مخصوصة من ذوي الاختصاص، يرغم البراديغم العلماء على دراسة بعض مجالات الطبيعة بدقة وعمق يتعذر تصورهما للعلم السوي الذي ينحصر في مجرد استخدام النظرية القائمة واعتمادها في النظر إلى الوقائع والتنبؤ بها(33).

نستنتج بحسب ريمون بودون، النظرية العامة في العقلانية، أن التخصصية تشكل عائقًا أمام التفسير. يؤكد بودون أن قسمًا كبيرًا من أسباب ضياع هوية العلوم الاجتماعية، يكمن في سهولة تبيننا، من خلال ما نشأ عنها من حركات فكرية، وجهات نظر تخصصية particularistes، في السلوك الإنساني يستحيل على أي منها أن تطمح إلى تقديم إطار نظري عام(34). لقد رأى بودون أن الحل يكمن في التكامل بين العلوم، معتبرًا أنه من شأن بعض البراديغمات المحددة بدقة أن تُسهم في تفسير الظاهرات الاجتماعية، وهي السوسيوبيولوجيا والعلوم العصبية، من ناحية علوم الحياة. وأن تحديد علل السلوك الإنساني لا يكون باعتماد إجراءات مختلفة عن تلك التي تعيننا على تحديد علل الظاهرات الطبيعية(35).

ب- البراديغم الفاصل- داء المعرفة الصحيحة

يُرجح أن جانب التخصصية يُعزى إلى البراديغم الفاصل، أي انفصال العلم عن الفلسفة؛ حيث انفصل العلم عن الفلسفة في القرن 17، لا لأنه أدخل إليها القياس والدقة المراقبة المنهجية، والتجريب فقط، بل لأنه يتأسس على البراديغم الفاصل الذي يستبعد كل حكم قيمي في أحكامه الفعلية وفي نظرياته. والحقيقة أن تطور العلم كان يخضع لتحاور مركب بين الخيال النظري والتحقق التجريبي، وبين العقلانية التي تسعى إلى وضع قوانين العالم والتجريبية التي تخضع كل شيء لاحترام الوقائع. بيد أن العلم خضع للبراديغم الكبير للغرب بإفرازه براديغمًا تبسيطيًّا قادرًا على تكوين رؤية حتمية كاملة لعالم يضع بعض القوانين الكبرى التي لا غبار عليها(36) وتم الفصل بين العلم والفلسفة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وغدت الثقافة العلمية تنفصل عن ثقافة الإنسانيات وتخضع لقواعد مختلفة تمامًا(37)، وأصبحت بداية الانقسام بين فلسفة العلوم “الفلسفة” أو “العلم” بمعناها الواسع الأصلي الآن مسعى شديد التعقيد(38).

يمكن التمييز بين ثلاثة عصور لانفصال العلم عن الفلسفة:

  • العصور القديمة والوسطى، حيث كان الجمع بين العلم والفلسفة في جانب واحد مصفوفين من المعرفة التجزيئية أو المعرفة التقنية من جانب آخر. في كتابات أرسطو، تم التعامل مع أنظمة المعرفة حول الأجسام الجامدة (الفيزياء)، والكائنات المتحركة (البيولوجيا)، والمجتمعات البشرية كجزء من الفلسفة أو من العلم. وقد ساد نفس المعنى العام خلال العصور الوسطى(39).
  • القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ حيث تم الفصل بين العلم والفلسفة، وأصبحت الثقافة العلمية تنفصل عن ثقافة الإنسانيات وتخضع لقواعد مختلفة تمامًا(40).
  • العصر الحالي، هناك اليوم فجوة بين العلم والفلسفة(41). وفي حين يتكلم بعضهم عن تداخل الاختصاصات، ولكن ما زال مبدأ الفصل بينهما. يرتبط البراديغم الفاصل بالبراديغم الكبير للغرب، والعقدة الغوردية. في هذا السياق، وبحسب إدغار موران، يتمحور براديغم العلم الكلاسيكي حول البراديغم الكبير للغرب الذي يرسي جذوره في التوليدية الاجتماعية الثقافية(42).

يتأسس تصور العالم للعلم الكلاسيكي على مسلَّمتين معقلنتين:

  • التلاقي بين التعقل المنطقي- الرياضي وبنى الواقع الموضوعي.
  • مبدأ السبب الكافي الذي يعطي لكل ما هو موجود سببًا لوجوده.

وانضاف إلى هذا براديغم داخلي للانفصال، فعزل العلوم عن بعضها (من بين هذه العلوم: الفيزياء، والبيولوجيا، والعلوم الإنسانية)، وعزل الاختصاصات عن بعضها(43). وقد عبَّر ديكارت عن البراديغم الكبير للغرب كما فرضته تطورات التاريخ الأوروبي منذ القرن السابع عشر. حيث يفصل البراديغم الديكارتي الفاعل عن الموضوع، فيكون لكل منهما فضاؤه، فهنا تكون الفلسفة والبحث الفكري، وهناك يكون العلم والبحث الموضوعي(44). يتعلق الأمر ببراديغم يحدد المفاهيم السيادية وينص على العلاقة المنطقية المتمثلة بالفصل. ولا يمكن أن يكون عدم الإذعان لهذا الفصل إلا خفيًّا وهامشيًّا وجانحًا. ويحدد هذا البراديغم رؤية مزدوجة للعالم، ويجعل هذا العالم مزدوجًا. فمن جهة، هناك عالم من الأشياء تخضع للرصد والتجريب والتلاعب، ومن جهة أخرى، هناك عالم من الفاعلين يطرحون على أنفسهم مشاكل تتعلق بالوجود والتواصل والوعي والمصير (45).

يتحكم البراديغم الكبير بالطبيعة المزدوجة للممارسة الغربية. فإحداهما قائمة على العبادة الذاتية للفاعل الفردي (النزعة الفردية) والإنساني (النزعة الإنسانوية والمركزية البشرية) والقومي (النزعة القومية) والأعراقي (العنصرية)، والثانية قائمة على العلم والتكنولوجيا الموضوعيين والكميين والمناورين والجامدين عندما يتعلق الأمر بالشيء المستهدف (حتى عندما نعتبر الفرد أو العِرق أو الثقافة شيئًا مستهدفًا)، والحال أن التطورات المتعارضة للذاتية والفردية والروح واللاإحساس والروحانية والعلم والثقافة تتبع للبراديغم نفسه(46).

في هذا السياق، فما يجمع الفصل الذي يكرسه البراديغم الكبير للغرب، هو العقدة الغوردية. يمكن اعتبارها تقلل من شأن المعرفة العلمية؛ إذ لا تميز المعرفة العلمية عن المعرفة العادية، حيث يمكن الجمع بينهما عبر هذه العقدة، وتصبح النظرية أقل شأنًا أمام التواصل وعدم الانقطاع بين المعرفة العادية والمعرفة العلمية.

يقول إدغار موران مع ماروياما: إن براديغمات عديدة قد تتعايش (حربًا أو سلمًا) داخل الثقافة نفسها. ليستدرك: إن هناك تصورات متعارضة كما في المادية والروحانية لا تخضع فقط لبراديغمين متحاربين، وهذان البراديغمان المتحاربان، هما فرعان لبراديغم يحتويهما، وهو البراديغم الكبير للغرب. بحسب موران، يجب أيضًا النظر في البراديغمات الرئيسية الكبرى: فهي تسيطر على الفضاء العقلي والثقافي في عصر ما، ويتعلقان أيضًا بالنسيج الاجتماعي التحتي(47). وهكذا يتنافس عالمان على مجتمعاتنا وحيواتنا، إنهما يتقاسمان الحيز، ولكن الواحد منهما يستبعد الآخر، فلا يستطيع أحدهما أن يكون إيجابيًّا، إلا إذا أصبح الثاني سلبيًّا، ولا يستطيع هذا أن يكون حقيقيًّا إلا إذا دفع بالآخر إلى الوهم. بحسب موران، إن الحياة اليومية لكل منَّا محددة بالبراديغم الكبير ومتأثرة به(48) مما يجعل من البراديغم الفاصل أحد المعيقات أمام المعرفة العلمية المتحررة من المعرفة العادية. إن العقدة الغوردية، في حدِّ ذاتها، تعبِّر عن التواصل وعدم الانقطاع بين المعرفة العادية والمعرفة العلمية.

المحور الثاني: الجزئية والانحياز في التفسير- نقد لبعض أفكار ريمون بودون

تؤدي التخصصية في العلوم الاجتماعية إلى “الجزئية” و”الانحياز في التفسير”، بحكم أنها لا تأخذ بعين الاعتبار التكامل بين العلوم. لتوضيح ذلك، نتخذ نموذجًا، النظرية العامة في العقلانية، وهي أحدث نظريات العلوم الاجتماعية التي تفسر السلوك والظاهرة الاجتماعية بالمعتقد، معتبرة أن “العمل الاجتماعي يخضع للمعتقدات، وأن المعتقدات تتأسس على أسباب ذات طابع معرفي في فكر الأفراد، في حين تقدم الفلسفة، والعلم العقلي وعلم النفس الاجتماعي، تفسيرًا آخر للمعتقد. بحسب علم النفس الاجتماعي، أثبت جوستاف لوبون، في كتابه “الآراء والمعتقدات”، أن المعتقد غير عقلي وغير إرادي، ولو كان يستند إلى العقل لتشابه عند جميع الناس. وبحسب العلم العقلي، فقد حاول إدغار موران في كتابه، المنهج، أن يستشف سمات العقل البشري المركب.

ينطلق ريمون بودون، في نظريته العامة في العقلانية، من منهج ماكس فيبر “النهج التفهمي” (la méthode compréhensive)؛ حيث تنتمي نظريته إلى الميتانظرية، أي نظرية ما بعد الاختيار العقلاني والميتا-نظرية التي هي في أساس قيام هذا النهج، تنطلق من مسلَّمة مؤداها أن العلة الموجبة لمعتقدات أحد الأفراد تطابق المعنى الذي تتخذه هذه المعتقدات في نظره، لذلك تعيَّن على عالم الاجتماع الذي يتوخى تفسير اعتناق فئة من الأشخاص معتقدًا من دون سواه، أن يبيِّن في نظر فيبر، أن هذا المعتقد، يعني ما يعنيه، بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص. وهذه هي الميتانظرية التي أطلق عليها ريمون بودون في كتابه، اسم النظرية العامة في العقلانية(49).

بحسب بودون، المرء يفعل x أو يعتقد بـ y، لأنه على غرار كل من يجد نفسه في الموقف ذاته، يدرك بقوة الأسباب التي تهيب به إلى فعل x أو الاعتقاد بـ y(50). في هذا السياق، يؤمن بودون أن السوسيولوجيا لا تؤتي ثمارها المرجوة إلا متى تسنَّى لها أن تعزو ظواهر المجتمع الأكثر لا عقلانية في الظاهر، إلى تصرفات فردية عقلانية، وأن الفردية والفكر الحر يفترضان، بالدرجة الأولى، كائنًا إنسانيًّا مستقلًّا يتمتع بحس سليم، ولم يجد بودون أفضل من هذه المقولة الأخيرة ركيزة يرسي عليها نظريته العامة في العقلانية(51).

نقوم في هذا الجزء من هذه المقالة، بنقد أفكار ريمون بودون، لإبراز الجوانب المتعلقة بجزئية نظريته في التفسير، بالنظر إلى الإطار المعرفي بشكل عام، والإطار المعرفي الذي تنتمي إليه، وضعف تكاملها مع باقي العلوم. في هذا السياق، يعتبر بودون أنه لا يسعنا أن نحكم بصحة أي نظرية إلا إذا قارنَّاها بما توافر لدينا من نظريات منافسة(52). وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: إلى أي حد يمكن الجزم بأن نظرية ما هي نظرية جيدة، أي إنها تقدم المعرفة الصحيحة خارج إطار التكامل بين المعارف؟ يمكن الجزم بأن الضوابط الوحيدة التي تسمح بتصور أن نظرية ما تقدم المعرفة الصحيحة، في ظل هيمنة التقاليد العلمية، هي الالتزام بالعلم السوي، أي الالتزام بالتقاليد العلمية التي تكرس حدود النظرية في التفسير. بحسب الدراسات البينية، يمكن أن نحصل على المعرفة الصحيحة عبر تعدد التخصصات، في حين أن نظرية بودون لا تأخذ بعين الاعتبار بينية التخصصات. كما أن المعرفة متجاوزة بطبيعتها للحدود التخصصية، لتصل إلى تعدد التخصصات(53). في هذا السياق أنتقد بعض أفكار بودون ذات الصلة بهذا الجانب. ونكتفي بتحديد أربعة أفكار رئيسية:

الفكرة الأولى: مدى عامية النظرية في ظل سلطة البراديغم

الفكرة الثانية: ضعف التكامل بين العلوم في النظرية يحد من كلية النظرية في التفسير

الفكرة الثالثة: لا تفسر النظرية الحالات غير العادية

الفكرة الرابعة: تفسير المعتقدات على أساس أنها واعية

الفكرة الأولى: يعتبر بودون أن النظرية العامة في العقلانية تقدم تفسيرًا علميًّا يصح في كل أنواع الظواهر الاجتماعية، من هنا نعته نظريته بـ”العامة”، والمقصود بالتفسير هو أن ينظر إلى كل ظاهرة اجتماعية على أنها حصيلة مبررات ودوافع قابلة للفهم لدى الأفراد المسؤولين عنها(54). أود أن أنتقد هذه النقطة، عبر توضيح أنها جزئية التفسير بالنسبة للظاهرة الواحدة، ولا يمكنها أن تفسر كل الظواهر الاجتماعية، وذلك بحكم ارتباطها بالبراديغم الكبير للغرب، إلى جانب ضعف اعتمادها على التكامل بين العلوم.

بالطبع، لا يمكن تجاهل أهمية نظرية بودون في تطوير العلوم الاجتماعية، باعتبار أنها تعبِّر عن البعض من التكامل المنهجي، وهو ما يمكن اعتباره بمنزلة طفرة في العلوم الاجتماعية، وهو تطور المنهج مع سوسيولوجيا ريمون بودون، عبر الانتقال من مفهوم مغلق للفردانية المنهجية، ينطلق من تحليل الظاهرة الاجتماعية انطلاقًا من تمثلات الأفراد، إلى تحليل هذه الظاهرة انطلاقًا من معتقدات أو منطق الأفراد، ولكن، مع تحديدها عندما تكون فردية أو بنيوية. وهو ما يعكسه النهج التفهمي، ومع ذلك، تبرز سوسيولوجيا بودون، حدود التقائها مع تخصصات أخرى، فباعتبار أن هذا النهج اعتمد على نظرية المعتقد، فإنه لم يعطنا الالتقائية من أجل تفسير من أين يأتي المعتقد الذي يحمله الأفراد، والذي يفسر الظاهرة الاجتماعية. والذي يمكن العثور عليه في كتابات من تخصصات أخرى، مثل الفيزياء، والفلسفة، وعلم النفس الاجتماعي، وهو ما تبرزه كتابات الفيزيائي والمفكر، توماس كون، وإذغار موران، وجوستاف لوبون.

لا تعد النظرية العامة في العقلانية متحررة من البراديغم، بالنظر إلى التقاليد العلمية؛ حيث يؤدي البراديغم إلى الانحياز في التفسير، بل يتجاوزه كي يؤثر على صحة الأفكار العلمية. لقد اعترف بودون نفسه، في كتابه “أبحاث في النظرية العامة في العقلانية”، بتأثير البراديغم على الأفكار العلمية الخاطئة بالنظر إلى الإطار المعرفي المحيط بالعلماء، والتي يتبين خطؤها بفعل النقد، أو عوامل جديدة؛ إذ يقول: “لقد أورد فيلفريدو باريتو أن تاريخ العلوم هو مقبرة للأفكار الخاطئة التي اعتقدت البشرية بها على ذمة رجال العلم. وبعبارة أخرى، فإن العلم ينتج أفكارًا خاطئة بمثل السهولة التي ينتج بها أفكارًا صحيحة وإن عملية الفصل بينهما تتم على المديين، المتوسط والبعيد، لكن لا أحد يجازف بالقول: إن الأفكار العلمية الخاطئة التي سجلها تاريخ العلوم تم اقتراحها وتبنيها من قبل العلماء بتأثيرات من علل لا عقلانية. إن العلماء يعتقدون بأمور سيتبين خطؤها لاحقًا إما بفعل النقد أو بفعل عوامل جديدة، إلا أن لديهم أسبابًا وجيهة للاعتقاد بها، نظرًا إلى الإطار المعرفي الذي يتحددون ضمنه(55).

في هذا السياق، بنى بودون هذه النظرية ضمن منظور الفردانية المنهجية(56)؛ إذ تنتمي نظريته إلى البراديغم الكبير للغرب، وتتحدد شأن نظرية الاختيار العقلاني، ضمن منظور الفردانية المنهجية. ينطلق بودون في النظرية العامة في العقلانية، من نقد نظرية الاختيار العقلاني، مفترضًا أن إخفاق العلوم الاجتماعية المعاصرة، في محاولة إنشاء إطار عام قابل لأن يضمن لها الهوية والخصب، عائد إلى ارتباطها بنظرية في السلوك الإنساني قابلة للجدل، وبتصور ضيق للعقلانية؛ مما يحكم عليها بتقديم تفسيرات هشة للظاهرات الاجتماعية(57). يعتبر بودون أن البرنامج الفرداني المنسجم مع نظرية منفتحة في العقلانية، يفوق خصبًا وشمولًا كل ما أعدته العلوم الاجتماعية من برامج، بحسب بودون، هو البرنامج الوحيد الذي يمكنه المجاهرة بإدراكه مرتبة من الشمول(58).

يتحدد البراديغم الثاني، الذي بنى عليه بودون نظريته، في الميكروسكوبية؛ إذ يعتبر بودون أنه وحدها السوسيولوجيا المبنية على طروحات ميكرو-سوسيولوجية متينة تستطيع أن تقدم تفسيرًا مقنعًا للظواهر الماكروسكوبية(59). من فضائل النظرية العامة في العقلانية هي أنها تسمح بمعالجة مسألة العلاقة المحورية بوضوح تام بين منطق التصرفات الفردية وما تحدثه من تأثيرات ماكروسكوبية ويعتبرها بودون توفر إطارًا للتفكير ويعتبرها أُسُّ العلوم الاجتماعية(60).

الفكرة الثانية: أيضًا، باعتبار أنها تستند على براديغم التخصصية، تقدم نظرية بودون تفسيرًا جزئيًّا للسلوك والمعتقد، بسبب ضعف انفتاحها على تخصصي علم النفس الاجتماعي والفلسفة، معتبرة أن المعتقدات تتخذ طابعًا إدراكيًّا في ذهن الأفراد، وأنهم قادرون معرفيًّا على إدراك هذه الأسباب، وأن النظرية الجيدة هي التي تجعل هذه الأسباب مفهومة عند الأفراد المعنيين. فرغم أن بودون يحث على التكامل بين العلوم، غير أنه يستند في نظريته على “التخصصية” الضيقة. إن نظرية بودون، بحكم اندراجها في إطار براديغم التخصصية، فإنها غير كلية التفسير، أي إنها لا تفسر كل الظواهر، وبالتالي، لا يمكن نعتها بالعامة.

الفكرة الثالثة: لا تفسر النظرية الحالات غير العادية

لا تهتم هذه النظرية سوى بالظاهرة الاجتماعية في الحالات العادية، ولا تشملها في حد ذاتها، في حين لا تفسر الحالات الشاذة وغير العادية، كما أن نفس التفسير الذي نجده في تخصص معين، يتكرر في تخصص آخر بصيغة أخرى أو باسم آخر، مثل نظرية التنافر المعرفي في علم النفس الاجتماعي التي يقابلها التنافس بين إطارين تأويليين في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية:

  • حالة التنافر المعرفي(61): بدأت نظرية التنافر بتصور أن عناصر المعرفة يمكن أن تكون ذات صلة أو غير ذات صلة مع بعضها البعض. إذا كانت هناك معرفتان ذات صلة ببعضهما البعض، فإنهما إما منسجمة أو متنافرة. تكون معرفتان متسقتين إذا كانت أحدهما تتبع الأخرى، وتكونان متنافرتين إذا كان الوجه المعاكس لمعرفة واحدة يتبع الآخر. وجود تنافر، يكون غير مريح نفسيًّا، ويحفز الفرد لتخفيض التنافر(62).

يمكن تقليل التنافر عن طريق إزالة الإدراك المتنافر، وإضافة اتساق معرفي جديد، مما يقلل من أهمية الإدراك المتناقض، أو زيادة أهمية الاتساق المعرفي.

سوف يتغير الإدراك لتقليل التنافر الذي تحدده المقاومة لتغيير الإدراك. سيتغير الإدراك الأقل مقاومة للتغيير بسهولة أكبر من الإدراك الأكثر مقاومة للتغيير؛ إذ تستند مقاومة التغيير إلى استجابة الإدراك للواقع ومدى توافق الإدراك مع العديد من الإدراكات الأخرى. كما تعتمد مقاومة تغيير العنصر المعرفي السلوكي على مدى الألم أو الخسارة التي يجب تحملها والرضا الذي يتم الحصول عليه من السلوك(63).

إن نظرية بودون لا تهتم بتفسير الظواهر الاجتماعية وسلوكيات الأفراد والجماعات في حالات التنافر المعرفي، ولا تأخذ بعين الاعتبار إذا ما كانوا في حالة تنافر.

أما الحالة الثانية والتي تعجز عن تفسيرها نظرية بودون، فهي مسار الظاهرة الاجتماعية في حالة التنافس بين إطارين تأويليين متنافسين، وهي تتقارب مع حالة التنافر المعرفي؛ حيث عندما يظهر إطار تأويلي منافس للمعتقد الرئيسي في ذهن الأفراد، فإنهم يتراجعون عن سلوكياتهم. وهو ما يفسر تراجع الحركات الاجتماعية. إن نظرية بودون لتقدم لنا فكرة حول ذلك.

  • التنافس بين إطارين تأويليين. لا تقدم لنا نظرية بودون فكرة حول تراجع ظاهرة الاحتجاجات بسبب ظهور إطار تأويلي منافس للإطار الذي أدى إلى اندلاع الحركة؛ حيث إذا استندنا إلى النظرية، فإننا نكتفي بتفسيرها بمعتقدات الأفراد في الحالات العادية، عندما يكونون في حالة اتساق معرفي، لكنها لا تعطنا فكرة عندما يظهر إطار تأويلي منافس. وهو جانب تفسيري لتراجع الحركات الاجتماعية قدمه كل من دافيد سنو وروبيرت بنفور، معتبرين أنه يمكن تفسير زوال دورات الاحتجاج، جزئيًّا، بظهور الأطر التأويلية التي تتحدى أو تتنافس مع الأطر الرئيسية للحركة؛ إذ إن النقاشات التي تترتب على ذلك، ووجود الإطارات المنافسة في حد ذاته، يمكنهم خلخلة القوة المعبئة للإطار الرئيسي mobilizing potency، ويمكن لبروز الإطارات التأويلية المتنافسة أن يشير إلى جوانب الضعف واللاعلاقة في إرساء الإطار التأويلي الرئيسي، وبالتالي، تحدي صداه وجعله واهنًا بشكل متزايد، كما يمكن للأطر الرئيسية الموجودة أن تفقد أهميتها التفسيرية نظرًا لانتشار التأطيرات البديلة (alternative framings)، ومن هنا، تبدأ القوة التعبوية للإطار الرئيسي في التبدد، وتبدأ الدورة الاحتجاجية التي يرتبط معها، في التراجع(64).

الفكرة الرابعة: تفسير المعتقدات على أساس أنها واعية

يقول بودون: إن النظرية العامة في العقلانية تتيح تفسير الظواهر الاجتماعية الأساسية، مثل المعتقد والرأي، تفسيرًا يبتعد بها عن اللاعقلانية التي تطبع تفسيرات أخرى شائعة وغير مقنعة، تجعل من هذه الظواهر نتيجة حتميات سوسيو-ثقافية. إنها ضرورية لا لتفسير المعتقدات وحسب، بل الأفعال أيضًا، ما دام كل فعل ينطوي على معتقدات(65). في ذات السياق، يرى بودون أن تفسير العمل يكون انطلاقًا من المعنى الذي يتخذه في نظر فاعله، أي إن نظريته تفترض، بتعبير آخر، تأسيسه في ذهن الفرد على مجموعة أسباب يراها هذا الأخير صحيحة(66).

هل فعلًا يمكن تفسير المعتقدات تفسيرًا ينأى بها عن اللاعقلانية؟

إن نظرية بودون لا تأخذ بعين الاعتبار بينية التخصصات؛ إذ يعتبر أن المعتقدات تتأسس على أسباب ذات طابع معرفي لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار على ماذا يتأسس المعتقد في علم النفس الاجتماعي والفلسفة والعلم العقلي؛ حيث يقدم علم النفس الاجتماعي والفلسفة، والعلم العقلي حججًا قوية حول تفسير المعتقد.

في هذا السياق، يقدم لنا حقل الفلسفة (توماس كون، وإدغار موران)، وعلم النفس الاجتماعي (غوستاف لوبون)، والعلم العقلي (إدغار موران)، رؤية أخرى لتفسير السلوك، والمعتقد. استنادًا إلى علم النفس الاجتماعي، لا تعد المعتقدات أشياء واعية، الحجة التي يقدمها غوستاف لوبون في ذلك، هي أنه لو كانت المعتقدات تستند إلى العقل لتشابهت عند جميع الناس، في حين يعتبر إدغار موران أن عقل الإنسان يتسم بكونه مركبًا، وتقدم لنا الفلسفة، أن المعتقد يستند إلى الخلفية الفكرية (البراديغم).

على خلاف ريمون بودون، أثبت غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) في كتابه الآراء والمعتقدات، أن المعتقد غير عقلي وغير إرادي، معتبرًا أنه إيمان ناشئ عن مصدر لا شعوري يُكره الإنسان على تصديق فكر أو رأي أو تأويل أو مذهب جزافًا، وأن العقل غريب عن تكوين المعتقد، ولا يأخذ العقل في تبرير المعتقد إلا بعد أن يتم تكوينه(67). يعتبر لوبون أن المعتقد من عمل الإيمان، ومتى استعان المرء في تحقيق صحة المعتقد بالتأمل والتجربة لا يظل المعتقد معتقدًا، بل يصبح معرفة. فالمعتقد والمعرفة، بحسب لوبون، أمران نفسيان يختلفان من حيث المصدر اختلافًا تامًّا؛ إذ المعتقد كناية عن إلهام لا شعوري ناشئ عن علل بعيدة من إرادتنا، والمعرفة عبارة عن اقتباس شعوري عقلي قائم على الاختبار والتأمل. بحسب لوبون، ينضج المعتقد في منطقة اللاشعور، حيث لا يصل إليها العقل، ومصدر المعتقدات اللاشعوري وغير الإرادي يمنحها قوة عظيمة؛ إذ يبقى العقل عاجزًا عن التأثير في أكثر المعتقدات خطأ(68).

ينطلق لوبون في نظريته في المعتقد، من نقض نظرية ديكارت الذي يرى -وقد شاطره كثير من الفلاسفة في الوقت الحاضر رأيه- أن للإرادة كيانًا غير كيان العقل هو أصل معتقداتنا، فالاعتقاد عند ديكارت، هو إرادة التسليم بمبدأ يمليه العقل، أو إنكار ذلك المبدأ. لقد أثبت لوبون عبر كتابه “الآراء والمعتقدات” أن المعتقد لا يكون إراديًّا أصلًا(69). على الخلاف من ذلك، يرى لوبون أن المنطق العاطفي هو الذي يخرج على الدوام ظافرًا في الصراع بينه وبين المنطق العقلي. وعلى خلاف بودون، يرى لوبون أن للمعتقدات عللًا باطنية تتلخص في العوامل الاجتماعية: عوامل العرق والبيئة والعدوى، وعاملا الانفعال والمنفعة الشخصية. والأخلاق والمثال الأعلى، والمنفعة والحرص(70). في حين يلخص العوامل الخارجية للمعتقدات في التلقين، والانطباعات الأولى، والاحتياج إلى التفسير، والألفاظ والصيغ والصور، معتبرًا أنها أكثر العوامل توليدًا للمعتقدات، إلى جانب الأوهام، ثم الضرورة(71).

وأكثر عمقًا من لوبون وبودون، حاول إدغار موران في كتاب المنهج، أن يستشف سمات العقل البشري المركب(72). يرى موران، أن الأفكار وكل الأمور العقلية، تنشأ من العقول بالذات، وفي ظروف اجتماعية- ثقافية تحدد سماتها وأشكالها كمنتجات وأدوات للمعرفة(73). لقد درس موران الكائنات التي تسكن فضاء العقل، ومبادئ تنظيمها، أي إنه حاول النظر في علم العقل؛ حيث حاول أن يتعرف على الواقع الموضوعي والواقع الفوقي والحياة الخاصة بالكائنات العقلية في آن. وفي الطبعة الثانية، من كتاب توماس كون، أخذ البراديغم معنى مجتمعيًّا، فأصبح “مجمل المعتقدات والقيم المعترف بها والتقنيات المشتركة لدى مجموعة معينة”(74).

يفسر البراديغم أصل المعتقدات؛ فعلى غرار الحاسوب الذي يخضع لبرمجية، يخضع عقل الفاعل المحوسب/ المفكر لقوة البراديغم التي تتجاوز الذات، فالبراديغم يفكر دون المطلوب ويفكر فوقه عل المستوى البراديغمي، ولا يملك عقل الفاعل أية سيادة. فعلى هذا المستوى، يتم التفكير، ونفكر نحن في الأنا التي تفكر(75). في هذا السياق، تسيطر البراديغمات الرئيسية الكبرى على الفضاء العقلي والثقافي في عصر ما، ويتعلقان أيضًا بالنسيج الاجتماعي التحت(76).

ما هو براديغمي ينحفر بعمق في التنظيم المعرفي للعقول/الأدمغة البشرية، وينحفر بعمق في التنظيم العقلي، وفي العمليات اللغوية والمنطقية، وفي ثقافة يحدد فيها رؤى العالم والأساطير والأفكار والنشاطات والتصرفات. يضاف إلى ذلك، أن براديغمًا كبيرًا ينحفر بعمق في تنظيم المجتمع، فهو يحدد المجتمع والمجتمع يحدده. يوجد العنصر البراديغمي في النواة المشتركة والغامضة؛ حيث تُوجه المعايير والنماذج المبسطة والترسيمات الحوسبات وطرق التفكير التي تفعلها(77). ويتوقف البراديغم على مجمل العناصر الدماغية والعقلية، والحوسبية، والتفكيرية، والمنطقية، واللغوية، والنظرية، والأسطورية، والثقافية، والاجتماعية والتاريخية، التي تتوقف عليه. ويرسي البراديغم جذوره في الواقع الاجتماعي- الثقافي- العِلْمعقلي- النفسي حيث إن شروط تهالكه واستبداله تقتضي تحولات اجتماعية وثقافية كبرى لا يمكنها أن تتحقق إلا بمساهمة تطور براديغمي(78)، ويمكنه أن يتحقق عبر تعدد التخصصات.

في هذا السياق، نلاحظ مدى الاختلاف والجزئية في تفسير المعتقد بين التخصصات لا يمكن فهمه إلا عبر كسر الحواجز التخصصية. إن القيام بقراءة تأليفية لهذه التفسيرات للمعتقد، تعطينا تفسيرًا معمقًا ومتكاملًا، ورؤية متكاملة في تفسير السلوك البشري، عبر ما يلي: يستند السلوك إلى معتقد، قد يتخذ طابعًا إدراكيًّا وواعيًا في أذهان الأفراد، أو غير واع. وهذا المعتقد يجد تفسيره في البراديغم الاجتماعي، الذي يجمع بين التصور والمنطق والمعتقد. وهو ما يدعو إلى الحاجة إلى تجاوز جزئية النظرية في التفسير عبر أهمية التكامل بين التخصصات، عبر إبستمولوجيا العلوم، وفلسفة العلوم، والجماعة العلمية العابرة للتخصصات، إلى جانب النظرية المجذرة.

المحور الثالث: كيف نتجاوز الجزئية في التفسير؟- مفاتيح النظرية الجيدة

يشكل المتحد العلمي العابر التخصصات، أحد المداخل النظرية المهمة التي تعزز النقاش بين عدة تخصصات، أي بين البراديغمات من تخصصات متعددة، وتخلق الجدل العلمي، وتقابل الحجج بين المظلات النظرية لكل حقل علمي؛ مما يؤدي إلى التفاهم المشترك بين المنظِّرين على إطار نظري عام أكثر قربًا من المنطق العلمي المشترك أو الحس العلمي المشترك. من منظورنا، في ظل الأطر المعرفية للنظريات، تصعب الالتقائية والتفاهم المشترك بين العلوم التي ستحتفظ بحدودها المعرفية؛ إذ يمكننا القياس على فكرتي كل من بودون وموران، فإذا استندنا إلى نظرية بودون، يعد السبيل إلى التفاهم بين الناس المختلفين هو المنطق السليم le sens commun، أو الحس المشترك، أي الالتقاء بين المناطق المختلفة. ويحدده إدغار موران في الخلفية الفكرية (البراديغم): “يقتضي التفاهم الذي تحتاج إليه البشرية أن نعي ما يتحكم بالمنطق، والخطاب والمفاهيم والتفكير، أي أن نعي البراديغمات. إذا قسنا ذلك على التفاهم المشترك بين العلوم، في ظل سلطة البراديغم، فإن هذه الأخيرة تحتاج، كشرط مسبق، للتكامل بينها، إلى التحرر من البراديغم.

لذلك، تشكل الإبستيمولوجيا، وفلسفة العلوم الاجتماعية، أهم مدخل للرفع من شأن النظرية، كما يمكن اعتبار المتحد العلمي متعدد التخصصات، إلى جانب النظرية المجذرة، مداخل أساسية لتجاوز جزئية النظرية في التفسير.

  • إبستمولوجيا العلوم وفلسفة العلوم الاجتماعية

يمكن تجاوز جزئية النظرية في التفسير عبر فلسفة العلوم الاجتماعية وإبستمولوجيا العلوم. بحسب محمد عابد الجابري، فلسفة العلوم مصطلح غامض عائم، فكل تفكير في العلم، أو في أي جانب من جوانبه، في مبادئه أو في فروضه أو قوانينه، في نتائجه الفلسفية أو قيمه المنطقية والأخلاقية، هو بشكل أو بآخر، فلسفة للعلم، وحسب رأي مؤلفين أميركيين معاصرين يمكن التفلسف في العلم من وجوه أربعة:

  • دراسة علاقات العلم بكل من العالم والمجتمع، أي العلم من حيث هو ظاهرة اجتماعية.
  • محاولة وضع العلم في المكان الخاص به ضمن مجموع القيم الإنسانية.
  • الرغبة في تشييد فلسفة للطبيعة انطلاقًا من نتائج العلم.
  • التحليل المنطقي للغلة العلمية(79).

بحسب محمد عابد الجابري، فلسفة العلوم هي اختصاص علمي، مهمته دراسة التعميمات العلمية؛ مما يعطي فلسفة علمية، هي “فلسفة العلوم”(80). في هذا السياق، يقول أوغست كانط: لتقم طبقة جديدة من العلماء المكوَّنين تكوينًا ملائمًا، وفي ذات الوقت غير مستغرقين في الدراسات التخصصية في أي فرع من فروع الفلسفة الطبيعية، تكون مهمتها، وانطلاقًا من الأخذ بعين الاعتبار الحالة الراهنة لمختلف العلوم الوضعية، تحديد روح كل منها، أي من العلوم، تحديدًا دقيقًا والكشف عن علاقاتها وتسلسلها وتلخيص جميع مبادئها الخاص، إن كان ذلك ممكنًا، في عدد قليل من المبادئ العامة المشتركة بينها مع التقيد دومًا بالمبادئ الأساسية للمنهاج الوضعي(81). وهكذا، فإن فلسفة العلوم في تصور أوغست كانط، هي عبارة عن “نظرة وحيدة تركيبية” معًا، يلقيها المرء على جميع العلوم، وعلى القوانين التي تكشف عنها، والمناهج التي تستخدمها، والغايات التي يجب أن تسعى إليها(82). وعلم اجتماع العلوم الاجتماعية، بحسب ساري حنفي، هو علم يهتم بدراسة كل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تؤثر في إنتاج العلم، فالعلم رغم نزوعه نحو الموضوعية، فهو تحت متغيرات خارج المختبر الذي يتم فيه إثبات صدق المعلومة العلمية(83).

بحسب جورج كانغيلام (Canguilhem, Georges)، تنبثق فلسفة العلم من تاريخ العلم المساءل مساءلة فلسفية، أي من حيث التكوين وإعادة التكوين، ومن حيث تعقيد صياغة المفاهيم(84). ويُقصد بالإبستمولوجيا من حيث الاشتقاق اللغوي، علم العلوم أو “الدراسة النقدية للعلوم”. ويعرِّف لالاند la lande، في معجمه الفلسفي الإبستمولوجيا بأنها: “فلسفة العلوم”، ثم يضيف: “ولكن بمعنى أكثر خصوصية، هي أساس الدراسة النقدية لمبادئ مختلف العلوم، ولفروضها ونتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية”(85).

تتجلى أهمية فلسفة العلوم في تحرير المعرفة واستقلاليتها وجعلها موضوعية، وذلك باعتبار أنها تنظر في التقاليد العلمية التي تُنتج بها المعرفة. ففي تصور أوغست كانط، هي “عبارة عن نظرة وحيدة تركيبية” معًا، يلقيها المرء على جميع العلوم، وعلى القوانين التي تكشف عنها، والمناهج التي تستخدمها والغايات التي يجب أن تسعى إليه(86).

وعلم اجتماع العلوم، بحسب ساري حنفي، هو بالضرورة عابر للتخصصات. لهذا السبب، نرى أنه يشكل أهم مدخل لتجاوز جزئية النظرية في التفسير؛ إذ ذكر ساري حنفي، أن هناك عالميًّا بدفع من الدول الأنكلوساكسونية، لما يُسمى بدراسات العلم science studies ، وهي تشمل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفلسفة العلوم وحتى السياسات العلمية، وأنه لم يعد هناك معنى لكل هذه التخصصات إلا عندما تستفيد من بعضها البعض، وحتى المعارف العلمية والدينية تتداخل(87). بالموازاة مع فلسفة العلوم، تكمن فائدة علم اجتماع العلوم، بحسب ساري حنفي، في تحرير العلم وجعله مستقلًّا في عملية إنتاجه عن كل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تؤثر في إنتاج العلم؛ إذ يعتبر أن العلم رغم نزوعه نحو الموضوعية، فهو تحت متغيرات خارج المختبر الذي يتم فيه إثبات صدق المعلومة العلمية(88).

أيضًا، يمكن الارتقاء بشأن النظرية، عبر ما سماه روبرت ميرتون بالبنية المعيارية للعلم The normative structure of science، والتي تتضمن أربعة مُثل ومعايير تجعل من العلم مؤسسة اجتماعية تفرض قيمتها على الباحثين، هذه المثل هي(89):

أولًا: شيوع المعرفة (communism): الملكية المشتركة للاكتشافات العلمية، والتي بموجبها يتنازل العلماء عن الملكية الفكرية مقابل الهيبة والاعتراف.

ثانيًا: الكونية (universalism): بموجبها تُقيم ادعاءات الحقيقة من حيث المعايير العالمية الموضوعية، بعيدًا عن أثر الذاتية أو الماهيات والبنى الاجتماعية (الطبقة، الدين، الجنسية، العرق).

ثالثًا: عدم الاهتمام (Disinterestedness): أي اهتمامهم بالشأن العام بعيدًا عن المصالح الشخصية.

رابعًا: الشك المنظم (Skepticism): بحيث يكون هناك اختبار لجميع الأفكار وإخضاعها لفحص مصداقية مبني على المناهج العلمية.

باعتبار أنه بالضرورة عابر للتخصصات؛ حيث تشمل دراسات العلم (science studies)، علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفلسفة العلوم، وحتى السياسات العلمية، لم يعد هناك معنى لكل هذه التخصصات إلا عندما تستفيد من بعضها البعض(90).

إن الجمع بين فلسفة العلوم الاجتماعية وإبستمولوجيا العلوم يعد أحد المداخل الأساسية لتطوير القدرة التفسيرية للنظرية، وذلك باعتبار أن فلسفة العلم تنبثق من تاريخ العلم المساءل مساءلة فلسفية، أي من حيث التكوين وإعادة التكوين، ومن حيث تعقيد صياغة المفاهيم(91). وكذلك، باعتبار أن الإبستمولوجيا من حيث الاشتقاق اللغوي هي علم العلوم، أو الدراسة النقدية للعلوم؛ حيث يعرِّف لالاند la lande، في معجمه الفلسفي الإبستمولوجيا بأنها: “فلسفة العلوم”، ثم يضيف، لكن بمعنى أكثر خصوصية، هي أساس الدراسة النقدية لمبادئ مختلف العلوم، ولفروضها ولنتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية(92).

  • النظرية المجذرة (Grounded Theory) (93):

تشكل النظرية المجذرة(94)، لبارني جليسر (Barney G. Glaser) وأنسيليم ستراوس (Anselm, L. Strauss)، أحد أهم الحلول النظرية لتجاوز العجز في التفسير الذي تعاني منه العلوم الاجتماعية، باعتبار أنها تجاوز للبراديغم الذي يحد من القدرة التفسيرية للنظرية، ويجعلها أقرب من التأويل إلى التفسير بحكم أنها تمكِّن الباحث من البقاء في درجة عالية من الانفتاح على ما يراه خلال عملية جمع البيانات الميدانية(95). وتعد النظرية المجذرة حلًّا لتعزيز القدرة التفسيرية للنظرية لهذه الاعتبارات التي تشكل سمات، وخصائص تتميز بها النظرية المجذرة:

  • تعبِّر النظرية المجذرة عن سياق ملائم لاستقلالية المعرفة، باعتبار أنه في هذه النظرية، لا يتم الانطلاق كخطوة أولى، في البحث من دراسة النظريات والأدبيات(96)؛ إذ لا ينطلق الباحث الذي يستخدم هذه النظرية من مفاهيم تم تحديدها بدقة في دراسات سابقة، وإنما من خلال أسئلة عامة، ومن خلال ما يُعرف بالمفاهيم ذات الحساسية أو الحساسة والتي قدمها بلومر على أساس أنها مقابل للمفاهيم النهائية التي تحدد بوضوح ودقة ما هو مشترك لفئة من الأشياء عن طريق التعريف الدقيق للصفات، أو من خلال توافر معايير محددة.
  • تشكل المفاهيم الحساسة نقطة بداية في النظرية المجذرة؛ إذ ينحصر دورها في إعطاء الباحث مجموعة من الأفكار التي تمكِّنه من إثارة أنواع محددة من الأسئلة حول موضوع البحث، وتمكِّنه من الشروع فيه قبل أن يبدأ ببناء مفاهيمه اعتمادًا على إجراءات النظرية المجذرة(97).
  • تكمن نجاعة النظرية المجذرة حلًّا لكلية النظرية في التفسير، في مراحل ترميز المعطيات، حتى الوصول إلى التفسير النظري؛ حيث تأتي مرحلة عملية ترميز البيانات، مباشرة بعد الانتهاء من تفريغ المقابلة. وتتكون عملية الترميز من ثلاثة أنواع، تشكل ثلاث مراحل مترابطة، وتتمثل آخر مرحلة في الترميز النظري، ينتقل فيها الباحث من بناء فئات من الرموز إلى التأمل والبحث في طبيعة العلاقة بين الفئات فيما بينها، من أجل نسجها معًا في فرضية ونظرية. وتمكِّن هذه العملية الباحث من الصعود التدريجي إلى مستوى أعلى من التجريد، حتى الوصول إلى رسم معالم النظرية(98).
  • المتحد العلمي العابر للتخصصات

تم تسجيل أول استعمال لكلمة “تعدد التخصصات” في ندوة حول تعدد التخصصات interdisciplinarity في الجامعات نُظِّمت في عام 1970، في جامعة نيس، برعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبالتعاون مع وزارة التعليم الفرنسية؛ حيث ذكر عالم الفيزياء الفلكية النمساوي، إريك جانتش (Erich Jantsch)، التعريف الأول للكلمة، كـ”تنسيق لجميع التخصصات وما بين التخصصات interdisciplines في تعليم معين أو نظام للابتكار”.

نادرًا ما ظهر المصطلح في الأدبيات إلى غاية عام 1994، عندما انعقد المؤتمر العالمي الأول لتعددية التخصصات في Convento de Arrabida، بالبرتغال، وأسفر عن اعتماد ميثاق تعدد التخصصات(99) الذي حرره ليما دي فريتاس وإدغار موران وباساراب نيكوليسكو (Lima de Freitas), (Edgar Morin), and (Basarab Nicolescu).. وقد شهد ذلك العام أيضًا، نشر الإنتاج الجديد للمعرفة (The New Production of Knowledge) . في هذا النص التاريخي، مايكل جيبونز Michael Gibbons ومعاونوه كاميل ليموج (Camille Limoges) وهيلجا نووتني (Helga Nowotny) وبيتر سكوت (Peter Scott) وسيمون شوارتز Simon Schwartz ومارتن ترو (1994) Martin) (Trow (1994) ، أدخلوا القرَّاء إلى مفردة جديدة، معتبرين تعددية التخصصات على أنها “حل المشكلات وتوليد المعرفة المنظمة حول تطبيق عملي معين. [بما في ذلك] بيئة المصالح والمؤسسات والممارسات. ثم عرَّف المؤلفون تعدد التخصصات على أنه “المعرفة التي تنشأ من سياق معين للتطبيق العملي مع بنيتها النظرية المتميزة وأساليب بحثها وأساليب ممارستها ولكن قد لا تفعل ذلك على الخريطة التخصصية السائدة”. ومع نشر مايكل جيبونز (Michael Gibbons) ومعاونيه، نصَّ وميثاق تعدد التخصصات، ازدهر الاهتمام بتعددية التخصصات كمقاربة تعليمية تتعلق أساسًا بالعلوم والتكنولوجيا المسؤولة اجتماعيًّا(100).

يمكن فهم تعدد التخصصات، على أنه فئة فرعية من التخصصات المتعددة الأكثر شمولًا التي تشعبت، وطورت خطابها الخاص، الذي يمثل نهجًا جديدًا بشكل كلي، يبشر بهدم كامل لجميع التفكير التخصصي السابق، وتنظيم البحوث والبيداغوجيا. كما يتضمن البحث متعدد التخصصات العمل في كل من المحيط الأكاديمي وغير الأكاديمي، وفي هذا السياق، فإن المواضيع الموصوفة على أنها معقدة للغاية، تعتبر مناسبة للبحث التخصصي أو حتى متعدد التخصصات(101).

  • في التعريف

بحسب عبد المنعم شحاتة، في مقالة تكامل العلوم الاجتماعية، التحديات والآليات(2017)، يتحقق تكامل العلوم عبر التواصل بين التخصصات المختلفة، الأساسية منها والاجتماعية، بما يتجاوز حدودها المعرفية(102). ويتحقق ذلك، بالتركيز على حل المشكلة وليس التخصص العلمي لمن قدم الحل، فالمعنى الأوسع لبحث يتجاوز حدود التخصص، هو أي جهد علمي ينتج معرفة متكاملة تؤسس فهمًا شاملًا لمشكلة اجتماعية وتقدم حلًّا لها قابلًا للتطبيق والاستمرارية(103). ويمثل هذا تحديًا يواجه الباحثين؛ إذ ينتظم إنتاج المعرفة في تخصصات (disciplines) وفي الوقت نفسه، هناك ضرورة لتجاوز حدود التخصص سواء على مستوى البحث أو على مستوى تطبيق المعرفة التي توصل إليها البحث، هنا يصبح نمط التواصل بين متخصصين من علوم متعددة هو مؤشر تكاملها اعتمادًا على تدفق المعرفة، أفكارًا وبيانات وإجراءات منهجية، وتبادلها بين تخصصين أو أكثر، وتتباين شدة هذا التدفق طبقًا لموقعه على متصل يمتد من التكامل (integration) إلى درجة تزيد أو تنقص من التعاون (collaboration) والاحتكاك إلى غياب التواصل أو التفاعل بين متخصصين من مختلفة بما يعكس أحد المستويات التالية لفريق البحث(104).

*متعدد التخصصات (multidisciplinary): فريق نظامي التوجه يتكون من باحثي تخصصيْن أو أكثر، ويكون له طابع هرمي متدرج من حيث الاختصاصات والصلاحيات؛ إذ يؤدي كل عضو فيه دورًا محددًا أو مهام واضحة وبشكل متواز مع تواصل محدود بين الأعضاء (لقاءات دورية فحسب)(105).

*عبر التخصصات ) (transdisciplinary-Crossdisciplinarity: وقد ظهر قبل ثلاثة عقود من خلال إسهام باحثين من تخصصات مختلفة مثل “جان بياجيه وإدغار موران وإريك جانتيتش jantisch) ( للتعبير عن الحاجة لتجاوز الحدود بين التخصصات عند طرح إطار عمل لباحثين من تخصصات عدة يتطلب المشاركة في أدوار بشكل منظم تتجاوز حدود التخصص، بهذا المعنى يتشابه مع المستوى السابق -أي بين التخصصات- والفارق بينهما هو أن البحث عبر التخصصات يذهب خطوة أبعد من سابقه وهي الوصول إلى تفسيرات متبادلة بما يؤسس توجهًا نظريًّا أكثر تجانسًا بشكل وحدة المعرفة(106).

تقدم الدراسات البينية مجموعة من التعريفات لتعدد التخصصات؛ حيث حظي هذا المفهوم بالعديد من التسميات ومناقشات مفصلة سواء في الأعمال الأكاديمية أو الرسمية(107). إذ تتضمن هذه الدراسات عدة تسميات مختلفة -ما بين أو بيني (INTER)، ومتعدد (MULTI) ، وبحث عبر تخصصي، أو عابر للتخصصات transdisciplinary research,، وبحث متداخل أو متقاطع التخصصات research across disciplines- وغالبًا ما تعد هذه التسميات خاصة بسياقات معينة، على سبيل المثال، يتم استخدام بحث عبر تخصصي transdisciplinary research في الغالب في علم الاستدامة وعلم الفريق في البحث الطبي(108).

بحسب Vienni-Baptista, Bianca, Fletcher, Isabel and Lyall, Catherine، هناك ثلاثة أنواع من عمليات تقاطع التخصصات: بينية التخصصات، وتعدد التخصصات، وعبر التخصصات. عادة، يتم التمييز بين:

* تعدد التخصصات: حيث تتعاون العديد من التخصصات، ولكنها تظل دون تغيير، وتعمل مع الأطر التخصصية النموذجية.

*بينية التخصصات: حيث هناك محاولة لدمج أو توليف وجهات النظر من عدة تخصصات.

*عبر التخصصات: يمكن اعتبارها تجاوزًا للمعايير التخصصية، سواء في السعي إلى دمج التخصصات، أو إلى نهج موجه نحو حل المشكلات في العالم الواقعي، أو الذي يهدف إلى التغلب على المسافة بين المعارف المتخصصة والمعارف الواضحة أو بين البحوث والسياسات أو “صنع القرار في المجتمع”(109).

تعرف كل من ليال كاثرين  (Lyall Catherine)وفليتشر إيزابيل (Fletcher Isabel) وبيانكا (Bianca) وفييني- باتيستا (Vienni-Baptista)، العمل بيني التخصص interdisciplinary work بذلك العمل الذي يدمج المعرفة وأساليب التفكير من تخصصين أو أكثر. ويهدف هذا العمل إلى تعزيز الفهم (مثل شرح الظواهر، والحلول الحرفية، وطرح أسئلة جديدة) بطرق لم تكن ممكنة من خلال وسيلة تخصصية واحدة(110).

وبحسب كل من سيلفاست أنتي وفولدز كريس (Silvast, Antti), & (Foulds, Chris)، تعد بينية التخصصات مفهومًا معقدًا، وليس له تعريف واحد. ومع ذلك، لديه صلة ببعض التصنيفات العلمية، على سبيل المثال، في النظريات والمناهج التي تعد بينية التخصصات (أي تكامل مختلف التخصصات الأكاديمية في إنتاج المعرفة). ويقصد بتعدد التخصصات (تخصصات متجاورة ولكنها تحتفظ بهوياتها الأصلية)، وعبر التخصصات (أي تجاوز المعرفة القائمة على التخصص بشكل كلي)(111).

غالبًا ما تستخدم مفاهيم ما بين التخصصات، وتعدد التخصصات، وعبر التخصصات، وتقاطع التخصصات على نحو متبادل، بما أنهم يتسمون بالمرونة التفسيرية؛ إذ إن ما بين التخصصات وتعدد التخصصات تكون في بعض الأحيان ببساطة قابلة للتبادل، وفي أوقات أخرى، يحدث فرق بينهما. ومع ذلك، يظل مصطلح “ما بين التخصصات” يخفي قدرًا كبيرًا من الاحتمالات المرنة لتصميمات البحث، والمقاربات، والمناهج، والنظريات التي لا يتم تفسيرها دائمًا عند استخدام المصطلح(112).

بحسب روبيرت فرودمان (Robert Frodeman)، يحيل مصطلح ما بين التخصصات في المصطلحات الأكاديمية، إلى تكامل المعارف عبر تقاطع التخصصات، إزاء تعدد التخصصات التي تسعى إلى التقريب بين مجالات المعرفة. وعبر التخصصات التي تطمح إلى عبور جميع المقاربات الممكنة حتى لو كانت تعني عبور جدران الجامعات. لذلك، يستخدم روبيرت فرودمان، مصطلح ما بين التخصصات كحقيبة مفاهيمية جامعة لتجاوز حدود المقاربة التخصصية(113).

  • في أهمية تكامل التخصصات

يمكن، انطلاقًا من الدراسات البينية، استخلاص خمسة عناصر تتجلى عبرها أهمية التكامل بين التخصصات، تتحدد في حل المشاكل الفكرية، كما يقدم علم اجتماع ما بين التخصصات، ثلاثة عناصر أخرى، تشمل الثقافات المعرفية، والمرونة التفسيرية، إلى جانب الأجسام الحدودية، ويتمثل آخر عنصر في الإبداع والابتكار.

في هذا السياق، تتجلى أهمية تعدد التخصصات، بحسب الدراسات البينية، في أن الاهتمام بالعمل الجماعي لحل المشاكل الفكرية والاجتماعية المعقدة أدى إلى إيلاء مزيد من الاهتمام للتفاعل بين التكامل المعرفي والاجتماعي(114). ففي بحوث تغير المناخ، على سبيل المثال، يُعتقد أن العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية يمكن إدماجها في نموذج أعم؛ حيث يقدم علماء الاجتماع سردًا للعوامل الاجتماعية (“المجتمع” و”الاقتصاد”) التي تؤثر على تغير المناخ وتتأثر بدورها بتغير المناخ، كما يوفر تطوير النماذج الرياضية أحد الطرق التي يمكن من خلالها تحقيق مثل هذا التوليف(115).

في ذات السياق، قدم كل من سيلفاست أنتي وفولدز كريس إطارًا نظريًّا جديدًا، هو علم اجتماع ما بين التخصصات (Sociology of Interdisciplinarity) (116). يستند إلى ستة أبعاد(117). نقدم منها، ثلاثة أبعاد أساسية، تشمل الثقافات المعرفية والمرونة التفسيرية، ثم الأجسام الحدودية، يمكن اعتبارها مخرجات لتكامل التخصصات.

تنتج مشاريع الثقافات المعرفية بينية التخصصات، (Epistemic cultures Interdisciplinary) المعرفة في ثقافات معرفية محددة -مجموعات من العلماء موجهة نحو المعرفة- تتجاوز التخصصات الأكاديمية الواسعة (على سبيل المثال الهندسة والفيزياء). وقد تم نشر مفهوم الثقافات المعرفية من طرف عالمة الأنثروبولوجيا، كارين كنور سيتينا (1999)، (Karin Knorr Cetina)، التي طورت هذا المفهوم في إثنوغرافيتها التفصيلية عبر دراسة مجالين من مجالات العلوم: فيزياء الطاقة العالية وعلم الأحياء الجزيئي. حيث يمكن تعريف الثقافات المعرفية على أنها وحدات “تنتج وتحافظ على فهم محدد للمعرفة الصحيحة وكيف ينبغي إنتاجها وفهمها. تعتبر كنور سيتينا أن التخصصات تصلح لمعالجة كيفية تنظيم العلم، لكنها تقدم أوصافًا أقل وضوحًا لممارسات الخبراء، ولهذا السبب صاغت هذه الممارسات بوصفها “ثقافات معرفية”. في هذا السياق، استندت كنور سيتينا في دراستها لإنتاج المعرفة على مختبرات العلماء وممارسات عملها وثقافاتها(118).

بحسب الإطار النظري السابق، تنتقل المعرفة بين الثقافات المعرفية في مشاريع بينية التخصصات عبر أجسام حدودية خاصة (Boundary objects). كما تحدث بينية التخصصات، المرونة التفسيرية  (Interpretative flexibility)؛ إذ تخلق المشاريع بينية التخصصات أرضية لمزيد من الخلافات حول كيف ينبغي أن تؤول “الحقائق” والتكنولوجيات(119). في هذا السياق، بحسب علم اجتماع ما بين التخصصات، يخفي مصطلح “ما بين التخصصات” قدرًا كبيرًا من الاحتمالات المرنة لتصميمات البحث والمقاربات والمناهج والنظريات التي لا يتم تفسيرها دائمًا عند استخدام المصطلح. ومن الاستنتاجات الأخرى الشائعة والراسخة نسبيًّا، أن المشاريع بينية التخصصات تؤدي إلى تفسيرات مختلفة للمفاهيم الأساسية التي تستخدمها(120).

ويتحدد آخر عنصر لأهمية التخصصات في الإبداع والابتكار؛ إذ يرى بارجانين وهايبيا

 (Parjanen and Hyypiä)، المناهج بينية التخصصات، شرطًا لدعم الإبداع الجماعي، ويجد إدموندسون وهارفي Edmondson and Harvey، تعدد التخصصات “إستراتيجية شائعة بشكل متزايد للابتكار”(121) .

خلاصة

نستنتج عبر هذه المقالة الأولية، البسيطة والمتواضعة، المحررة في الغالب بأسلوب تقريري، باعتبار حداثة تعاملنا مع مثل هذا الموضوع؛ حيث التجميعية لبعض النصوص من أجل إيجاد مداخل لتجاوز جزئية النظرية في التفسير، وهو ما نطمح إلى دراسته وتحليله، في أعمال أخرى، عبر روح التأليف، لصياغة مقترحات وحلول تهدف إلى تصحيح المعرفة في الجانب المتعلق بالنظرية، أي الاقتصار على البحث والتفكير في جعلها أكثر تفسيرًا. وإلى حين تحقيق ذلك نستنتج، عبر هذه المقالة، ما يلي:

  • لتعزيز القوة التفسيرية للنظرية، لا تحتاج العلوم الاجتماعية فقط، إلى كسر الحواجز التخصصية، عبر متحد علمي عابر للتخصصات، بقدر ما تحتاج أيضًا إلى تجديد تقاليدها العلمية، من أجل استقلالية المعرفة. في هذا السياق، نستنتج أهمية الفلسفة في ضمان استقلالية وتحرر المعرفة من هذه التقاليد. لذلك، تشكل فلسفة العلوم الاجتماعية أهم مدخل لتعزيز قوة النظرية والارتقاء بها من الجزئية في التفسير إلى جعلها عامية وكلية التفسير في الظاهرة الواحدة.
  • يعني تحرير المعرفة من البراديغم، تحريرها من التأويل والارتقاء بها نحو التفسير، وفي ظل ارتباط أدوات إنتاج العلم في كل تخصص بالبراديغم الخاص به، يصعب التكامل بين العلوم. لذلك، يظل أهم شرط لتحقيق تكامل سلس بين العلوم، يتمثل في تحريرها من البراديغم، حتى يتسنى التفاهم المشترك بين العلماء، الذي يمكنه أن يعطي صيغًا نظرية جيدة للجماعة العلمية العابرة للتخصصات.
  • يشكل انفصال العلم عن الفلسفة أهم عامل لضعف تحرر المعرفة من البراديغم، وضعف التكامل بين التخصصات، وبالتالي، التأثير على أدوات إنتاج العلم، وأهمها جزئية النظرية في التفسير. يمكننا استنتاج أن انفصال العلم عن الفلسفة هو ذلك الداء الذي يُضعف من صحة المعرفة، ويحول دون إحيائها وتحررها. ففي الوقت الذي يقدم العلم المنفصل عن الفلسفة معرفة غير مستقلة ونظريات “منحازة” و”جزئية التفسير”، تقدم الفلسفة المرتبطة بالعلوم رؤية عامة فوقية، يمكنها أن تعزز من شأن القدرة التفسيرية. إن أهم مظهر لداء انفصال العلم عن الفلسفة هو التشظي النظري داخل التخصص الواحد، والشروخ الكبيرة في تفسير الظواهر بين التخصصات المختلفة.
  • في ظل البراديغم، تضعف قدرة النظرية على التفسير؛ إذ تقدم رؤية انطلاقًا من البراديغم الذي يستظل به المنظِّر.

إلى جانب هذه الاستنتاجات الأولية، نستنتج كذلك، وبشكل أولي، بعض الحلول لتعزيز القدرة التفسيرية للنظرية:

يُفترض في صياغتها، تحريرها من البراديغم، والتأسيس للجماعة العلمية العابرة للتخصصات، إلى جانب عزل المعرفة العلمية عن البراديغم الاجتماعي، وإعطاء أهمية للفلسفة تعويضًا عن البراديغم، وربط الفلسفة بالعلوم، وتعزيز فلسفة العلوم، والتفكير في كل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يُنتج في ظلها العلم، أي إعطاء أهمية لعلم اجتماع العلوم. وعلى غرار التأسيس لهذه الحقول العلمية، يمكن التأسيس للجماعة العلمية العابرة للتخصصات، والتي يمكن اعتبارها المؤسسة التي يمكنها أن تعترف وتُحكم قيمة وشأن نظرية ما، مع توسيع النقاش حول هذه النظرية، عبر طرحها للنقاش العمومي في الفضاء العلمي، عبر الندوات والأيام الدراسية، وفرق البحث…إلخ، من أجل تجويدها، عبر تعزيز جوانب النقص فيها.

اقتراح إدراج تخصصات تهتم بطرق إنتاج المعرفة الصحيحة داخل الجامعات، مثل التأسيس لحقل علمي يحمل اسم “علم تعدد التخصصات”، يمكنه أن يبحث في الطرق الممكنة حول دمج العلوم، وكيفية الاستفادة منها. إلى جانب تجديد التقاليد العلمية داخل الجامعات، وفرق البحث، وسيما تلك المتعلقة بطرق إنتاج النظريات، عبر الاهتمام بالنظرية المجذرة منهجًا.

في نهاية هذا المقال الذي يشكل مدخلًا، نختم بأهم استنتاج، يعتبر أن النظرية الجيدة في العلوم الاجتماعية، هي التي بوسعها أن تقدم المعرفة الصحيحة، عبر تفسيرها لكل أبعاد الظاهرة، أي أن تكون كلية التفسير. ولتجويدها عبر الارتقاء بها من الجزئية إلى الكلية في التفسير، تحتاج إلى أن تتحرر من البراديغم، شرطًا لازمًا لتحقيق تكامل سلس بين العلوم، وهو من وجهة نظرنا، المدخل الأساسي للترسيخ للجماعة العلمية العابرة للتخصصات.

المراجع

 (1) إدغار موران، المنهج- الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها، الجزء الرابع، ترجمة جمال شحيد، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، ص 314.

(2) توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة د. حيدر حاج اسماعيل، مراجعة د. محمد دبس، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية. الطبعة الأولى، بيروت، سبتمبر/أيلول 2007، ص 340، 341.

(3) إدغار موران، ص 342.

(4) نفسه، ص 316.

(5) نفسه، ص 314.

(6) نفسه، ص 315.

(7) نفسه، ص 316، 318.

(8) نفسه، ص 319.

(9) نفسه، ص 319، 320.

(10) توماس كون، بنية الثورات العلمية، ص 341.

(11) إدغار موران، ص 351.

(12) نفسه، ص 343.

(13) نفسه، ص 321.

(14) نفسه، ص 322.

(15) نفسه، ص 324، 325.

(16) نفسه، ص 323.

(17) التفسير والتأويل في العلم، تنسيق سالم يافوت، مرجع سابق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم 62، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1997، ص150.

(18) نفسه، ص 150، 151.

(19) موران، ص 325، 327.

(20) المرجع نفسه، ص 314.

(21) المرجع نفسه.

(22) المرجع نفسه، ص 326، 327.

(23) المرجع نفسه، ص 316.

(24) المرجع نفسه، ص 314.

(25) إدغار موران، ص 315، 316، 320.

(26) المرجع نفسه، ص 320، 322.

(27) المرجع نفسه، ص 324، 325.

(28) التفسير والتأويل في العلم، مرجع سابق، ص 152.

(29) المرجع نفسه، ص 149.

(30) المرجع نفسه، ص 152.

(31) المرجع نفسه، ص 154.

(32) المرجع نفسه، ص 152.

(33) المرجع نفسه، ص 151، 152.

(34) ريمون بودون، مرجع سابق، ص 79.

(35) المرجع نفسه، ص 41، 53.

(36) إدغار موران، مرجع سابق، ص333.

(37) المرجع نفسه، ص328.

(38)Philipp Frank, The Origin of the Separation between Science and Philosophy, May, 1952, Vol. 80, No. 2, Contributions to the Analysis and Synthesis of Knowledge 2 (May, 1952), pp. 115- 139 Published by: American Academy of Arts & Sciences Stable URL: https://www.jstor.org/stable/20023644. p. 129.

 (39) Ibid, p. 127, 120

(40) إدغار موران، مرجع سابق، ص 328.

(41) Philipp Frank, op. cit, p. 127

(42) إدغار موران، ص 349، 332.

(43) المرجع نفسه، ص 335.

(44) المرجع نفسه، ص 327.

(45) المرجع نفسه، ص 328.

(46) المرجع نفسه.

(47)  المرجع نفسه، ص 326.

(48) المرجع نفسه، ص 329، 331.

(49) ريمون بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة د. جورج سليمان، مراجعة سميرة ريش، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى: بيروت، يونيو/حزيران 2010، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، ص157.

(50) المرجع نفسه، ص 163.

(51) المرجع نفسه، ص 10.

(52) المرجع نفسه، ص 115.

(53)Vienni-Baptista, Bianca, Fletcher, Isabel and Lyall, Catherine. Foundations of Interdisciplinary and Transdisciplinary Research: A Reader, Bristol, UK: Bristol University Press, 2023. p. 30.

(54) بودون، ص 11، 12.

(55) المرجع نفسه، ص 107.

(56) المرجع نفسه، ص 36.

(57) المرجع بودون، ص 52.

(58) المرجع نفسه، ص 79، 80.

(59) المرجع نفسه، ص 80.

(60) المرجع نفسه، ص 43.

(61) نشر ليون فيستنجر نظرية التنافر المعرفي سنة 1957. وكانت نظريته واحدة من أكثر النظريات تأثيرًا في علم النفس الاجتماعي.

  1. Harmon-Jones, Cognitive Dissonance, Second Edition: Reexamining a Pivotal Theory in Psychology, 2019 by the American Psychological Association. http://dx.doi.org/10.1037/0000135-001

(62) Ibid, p. 3.

(63) Ibid. p. 4.

(64) Snow, David A. and D. Benford, Robert Master frames and cycles of protest, in Frontiers in social movement theory. Edited by Aldon D ; Morris and Carol McClurg Mueller. Yale University Press, New Haven and London. Aug 26, 1992. pp. 133- 155. p. 150, 151.

(65) ريمون بودون، ص 36 و37.

  (66) المرجع نفسه، ص 118.

(67) جوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات، ترجمة عادل زعيتر، دار العالم العربي، الطبعة الأولى، يناير/كانون الثاني 2012. ص 15، 17.

 (68) المرجع نفسه، ص 17، 18، 23.

(69) المرجع نفسه، ص 79، 80.

(70) المرجع نفسه، ص 104، 105، 106.

 (71) المرجع نفسه، ص 109، 111، 112، 113.

(72) إدغار موران، ص 9.

 (73) المرجع نفسه، ص 160.

(74) المرجع نفسه، ص 168، 169، 314.

(75) المرجع نفسه، ص 319.

(76) المرجع نفسه، ص 326.

(77) المرجع نفسه، صفحات 226- 237، ص341.

(78) المرجع نفسه، ص 343، 347.

(79) محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص24.

(80) المرجع نفسه، ص26.

 (81) المرجع نفسه.

(82) المرجمع نفسه.

(83) حوار مع رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، ساري حنفي، يحاوره الباحث/ عبد الكريم جندري، في دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية، حوارات، العدد 13، ربيع 2021 ، ص227.

 (84)جورج كانغيلام، دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها، ترجمة: محمد بن ساسين، مركز دراسات الوحدة العربية، مراجعة: د. محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى: بيروت، مايو/أيار 2007، ص266.

 (85)محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، مرجع سابق، ص24.

(86) المرجع نفسه، ص 26.

(87) حوار مع ساري حنفي، ص232.

(88) المرجع نفسه، ص 227.

(89) المرجع نفسه، ص 228.

(90) المرجع نفسه، ص 232.

(91) جورج كانغيلام، دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها، ترجمة د محمد بن ساسي، مراجعة د. محمد محجوب، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، ، الطبعة الأولى، بيروت، مايو/أيار 2007، ص266.

(92) محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، مرجع سابق، ص18.

(93) في 1965، نشر بارني جليسر (Barney G. Glaser) وأنسيليم ستراوس (Anselm, L. Strauss)، في كتابهما المعنون “إدراك الموت” (Awareness of dying)، ونتيجة للكثير من الأسئلة التي واجهتهما عن كيفية إجراء البحث، قررا أن يجيبا عن ذلك بكتاب. وهكذا، قدما النظرية المجذرة لأول مرة في كتابهما الشهير اكتشاف النظرية المجذرة (The discovery of grounded theory) في عام 1967 (باسم محمود، نحو علوم اجتماعية في السياق العربي: في الحاجة إلى النظرية المجذرة، مجلة عمران، العدد 26/ 7، خريف 2018، ص 94، 95).

(94) باسم محمود، نحو علوم اجتماعية في السياق العربي: في الحاجة إلى النظرية المجذرة، في مجلة عمران، العدد 26/ 7، خريف 2018.

(95) المرجع نفسه.

(96) المرجع نفسه.

(97) المرجع نفسه، ص 96، 97.

(98) المرجع نفسه، ص 98، 99.

(99) http://ciret-transdisciplinarity.org/chart.php.

(100) Jay Hillel Bernstein, Bernstein, J. H. (2014). Disciplinarity and transdisciplinarity in the study of knowledge. Informing Science: the International Journal of an Emerging Transdiscipline, 17, 2014. 241-273. Retrieved fro http://www.inform.nu/Articles/Vol17/ISJv17p241-273Bernstein0681.pdf, . p. 250

(101) والتي تمر من تغير المناخ العالمي إلى التكنولوجيا النانوية، إلى السلام والصراع؛ إذ يعد التعقيد بحد ذاته قضية ومعيارًا رئيسيين في البحث متعدد التخصصات. يجسد الميكاترونيك، الذي يجمع بين الميكانيكا والإلكترونيات، النهج المبتكر المطلوب في البحث والتعليم متعدد التخصصات (Ibid).

(102) عبد المنعم شحاتة، تكامل العلوم الاجتماعية، التحديات والآليات، في مجلة الفكر المعاصر، أبريل/نيسان 2017،, 2، 6: 103- 114، ص 1.

(103) نفسه، ص 2.

(104) نفسه، ص 3.

(105) نفسه، ص 3.

106)) نفسه، ص 4.

(107)Silvast, A., & Foulds, C. (2022). Sociology of interdisciplinarity: The dynamics of energy research (p. 125). Springer Nature. p114

(108)Vienni-Baptista, Bianca, Fletcher, Isabel and Lyall, Catherine. Foundations of Interdisciplinary and Transdisciplinary Research: A Reader, Bristol, UK: Bristol University Press, 2023. p. 24.

(109) Ibid, p. 30- 31

(110) Ibid, p.31

(111) Silvast, A., & Foulds, C. (2022). Sociology of interdisciplinarity: op. cit, p. 93.

 (112) Ibid, p. 112.

(113) Robert Frodeman,Pour un savoir soutenable: Une théorie de l’interdisciplinarité. (2019). France: Quae. p. 10.

(114) Vienni-Baptista, Bianca, Fletcher, Isabel and Lyall, Catherine. Foundations of Interdisciplinary and Transdisciplinary Research, p. 26.

 (115) Ibid, p 31.

(116) Silvast, A., & Foulds, C. (2022). Sociology of interdisciplinarity. op. cit. (p. 94).

(117) تتمثل في آثار التمويل، الثقافات المعرفية، الأجسام الحدودية، وتلاؤم التخصصات، المرونة التفسيرية، وأهمية التخصصات.

آثار تمويل البحث: تمويل البحث له آثار في إحداث بعض أنواع ممارسات العمل، وفرق البحث، ثم مخرجات البحث.

تنتج مشاريع الثقافات المعرفية بينية التخصصات (Epistemic cultures Interdisciplinary) المعرفة في ثقافات معرفية محددة -مجموعات موجهة نحو المعرفة من العلماء- الذين يتجاوزون التخصصات الأكاديمية الواسعة (على سبيل المثال الهندسة والفيزياء ومختلف بروتوكولات النقل الآمن للوصول الآمن للحواسيب عبر الشبكة SSH).

الأجسام الحدودية (Boundary objects): تنتقل المعرفة بين الثقافات المعرفية في مشاريع بينية التخصصات عبر أجسام حدودية خاصة (على سبيل المثال النماذج الحاسوبية، وحسابات المخاطر).

يمكن للمشاريع متعددة التخصصات أن تشمل التخصصات الأقوى التي تخصص أدوات وأساليب التخصصات الأخرى.

المرونة التفسيرية (Interpretative flexibility): تحدث المشاريع بينية التخصصات أرضية لمزيد من الخلافات حول كيف ينبغي أن تؤول “الحقائق” والتكنولوجيات. في حين أن بينية التخصصات (interdisciplinarity) مفضلة عبر تمويل الأفراد والباحثين كعلامة، هذا أيضًا يخفي المرونة التفسيرية الكبيرة للمفهوم نفسه.

أهمية التخصصات: استمرار أهمية التخصصات الأكاديمية التقليدية في السياقات بينية التخصصات) Silvast, A., & Foulds, C. (2022). (Sociology of interdisciplinarity: The dynamics of energy research, p. 95.

(118) Silvast, A., & Foulds, C. (2022). Sociology of interdisciplinarity: The dynamics of energy research, p. 99- 100.

(119) Ibid, p .95.

(120) Ibid, p112.

 (121) Moirano, R., Sánchez, M. A., & Štěpánek, L. (2020). Creative interdisciplinary collaboration: A systematic literature review. Thinking Skills and Creativity, 35, 100626 , p. 1.