ملخص

يُقدِّم الكتاب رؤية نقدية حول الترابطات القائمة بين مفاهيم القوة والسيادة والحضارة في عالم متصدع، تحركه ديناميات جديدة تتجاوز التعبيرات التقليدية للقوة الصلبة إلى توظيف آليات ناعمة لتعظيم النفوذ الإستراتيجي، كمنصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وصناعة الاستشارات، والاستعمالات الاستعمارية لجيوبوليتيك الماء والغذاء والديون؛ حيث يتناول الكاتب المتغيرات الجديدة للنظام الدولي وفق قراءة تقاطعية بين ظواهر تبدو منفصلة لكنها مترابطة من المنظور الجيوسياسي، كالأزمات المالية والصراعات الإقليمية والثورة الرقمية وإدارة معضلات الهجرة والمناخ.

تخلص الدراسة إلى أن انهيار نموذج احترام حقوق الإنسان، وتراجع دور الأمم المتحدة في ضبط النزاعات الدولية، قد أفضى إلى دخول النظام الدولي في حالة من الفوضى المنظمة كرَّست تطبيعًا غير مسبوق مع الحرب المتوحشة، في ضوء الصراع الروسي-الأوكراني، والعدوان الإسرائيلي على غزة، الذي يندرج، بحسب الكاتب، ضمن النزوع الإمبريالي الصهيوني لإعادة تشكيل شرق أوسط جديد.

في ضوء ذلك، يوصي الكاتب بضرورة استعادة النموذج الدولي لحقوق الإنسان والمهام التاريخية للأمم المتحدة في التحكيم بين مكونات النظام الدولي مستشرفًا حوكمة عالمية متعددة الأقطاب، استنادًا على الدور الصاعد لمجموعة البريكس التي يمكن الرهان عليها في كبح الهيمنة الأميركية، وفي تدعيم التوازن بين مناطق الحضارة.

الكلمات المفتاحية: الجغرافية السياسة، مناطق الحضارة، آليات التدافع، الهيمنة، ما بعد الحداثة.

Abstract

Catapultas de la geopolítica posmoderna offers a critical examination of the interconnections among the concepts of power, sovereignty and civilisation in a fractured world driven by emerging dynamics that transcend the traditional expressions of hard power. It explores the growing reliance on soft mechanisms to enhance strategic influence, such as social media platforms, artificial intelligence, the consulting industry, and the neo-colonial uses of the geopolitics of water, food and debt. Revéiz analyses recent transformations in the international system through a cross-sectoral reading of phenomena that may appear distinct but are deeply interrelated from a geopolitical perspective, including financial crises, regional conflicts, the digital revolution, and the management of migration and climate challenges.

The book finds that the erosion of the human rights model and the declining role of the United Nations in managing international conflicts have plunged the world order into a state of “organised chaos”, marked by an unprecedented normalisation of violent and complex wars—exemplified by the Russia-Ukraine conflict and the Israeli war on Gaza—which the author interprets as part of a broader imperial tendency to reshape the Middle East. In this context, he calls for a revival of the international human rights framework and the restoration of the United Nations’ historical function in mediating global power relations, envisioning a multipolar world governance structure anchored in the rising role of BRICS as a potential counterbalance to US hegemony and a means to foster equilibrium among world civilisations.

Keywords: geopolitics, civilisational regions, dynamics of contestation, hegemony, postmodernity.

عنوان الكتاب

آليات التدافع في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة

Catapultas de la geopolítica posmoderna

المؤلف: إدغار ريفيس (Édgar Revéiz)

دار النشر: الأكاديمية الكولومبية للعلوم الاقتصادية (ACCE).

تاريخ النشر: يونيو /حزيران 2025

مكان النشر: بوغوتا (Bogotá)

اللغة: الإسبانية

الطبعة: الأولى

عدد الصفحات: 506

يتسم المسار الأكاديمي للمفكر الكولومبي، إدﻏﺎر ريفيس، بتميز لافت، لجمعه بين تخصصات معرفية متنوعة كالهندسة المعمارية والاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي والتعاون الدولي ولمراكمته لتجارب متعددة، رئيسًا لوحدة الدراسات الإقليمية بإدارة التخطيط الوطني (1968-1971)، ثم عميدًا لكلية الاقتصاد بجامعة لويس أنديس (1978-1986)، قبل أن يشغل منصب الأمين العام للأكاديمية الكولومبية للعلوم الاقتصادية (2011-2019) التي ترأَّسها خلال الفترة الفاصلة بين 2019 و2023. ولم يقتصر تأثيره على كولومبيا، بل امتد إلى نطاق عالمي؛ حيث عمل مستشارًا فنيًّا للأمم المتحدة بإفريقيا جنوب الصحراء وأميركا الوسطى (1987-1994)، كما يُعَدُّ الرئيس المؤسس لمجلة التنمية والمجتمع (Desarrollo y Sociedad) التي مثَّلَت منبرًا للنقاشات الأكاديمية حول التحديات والظواهر الاقتصادية والاجتماعية بأميركا اللاتينية والبلدان النامية. كما يعرف إدغار ريفيس بدفاعه المستميت عن القضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من خلال مساهمته، عبر مؤلفاته ونشاطاته، في تفكيك السردية الصهيونية، وفي دعم النضال الفلسطيني؛ حيث يَعُدُّ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجردَ ردِّ فعل عن حوالي سبعة عقود من الغطرسة الإسرائيلية والفصل العنصري تجاه الشعب الفلسطيني.

تتمحور الاهتمامات البحثية للكاتب حول تأثير الفساد على السياسات العامة وموقع الدولة في ظل التحولات الراهنة المعاصرة، مع تركيز خاص على تحليل التعقيدات الجيوسياسية التي تعرفها العلاقات الدولية، وغيرها من المواضيع التي عالجها من خلال عدة أعمال، من بينها: “منطق التنمية الرأسمالية: كارتل الشركات ومركزية رأس المال”(1)، و”اقتصاد الواحد في المئة”(2)، و”الحكومات وتخطيط التنمية”، الذي صدر مجلده الأول في 2022 والثاني في 2024(3)، وانتهاء بكتابه الأخير موضوع المراجعة “آليات التدافع في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة”(4)، الذي خصصه لتحليل أصول وتداعيات التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم منذ سقوط جدار برلين مرورًا بالعولمة النيوليبرالية، وصولًا إلى مرحلة الوحشية الحربية، كما تتمظهر في الحرب الإسرائيلية على غزة ودول الطوق العربي في أعقاب طوفان الأقصى.

يضم الكتاب -فضلًا عن مدخل نظري موسَّع- سبعة فصول يناقش من خلالها عوامل ضمور نموذج حقوق الإنسان في الممارسة الدولية، وتحليل اتجاهات الهيمنة فيما بين مناطق الحضارة، واختبار الصلاحية التفسيرية للنظريات التقليدية للعلاقات الدولية في فهم التعقيدات الجديدة للنظام العالمي، إضافة إلى تناول الإشكالات ذات الصلة بإدارة المخاطر بين أقطاب القوة، وسياقات تحول الممارسة الديمقراطية، وكذا تحديات السيادة الاقتصادية في السياق النيوليبرالي، مع التركيز على الديناميات التسع للصراعات الجيوسياسية لما بعد الحداثة، والمتمثلة في توزيع الثروة والسلطة والجريمة المنظمة والحروب المعقدة والقوة الاقتصادية والمالية والعسكرية، إضافة إلى البنى التحتية الإستراتيجية وتغير المناخ وإدارة النفايات وأديان الدولة، وكذا السيطرة على السرديات الثقافية والدول الفاشلة وشبكات تهريب المخدرات وأزمات الهجرة.

آليات التدافع وإعادة تعريف القوة

ينطلق الكاتب من فرضية أساسية مفادها أن تحولات ما بعد الحداثة قد أفضت إلى إعادة تعريف علاقات القوة في ظل الثقل الكبير لعناصر “غير سياسية” في تسويغ نزعات الهيمنة وفبركة التحالفات الجيوسياسية، كالتحصن بالخصوصيات الثقافية وفرض الدين الرسمي للدولة أدواتٍ لشرعنة الحروب المقدسة ولتبرير الاستيلاء على أراضي وموارد الشعوب، على غرار القومية الهندوسية في الهند وتكريس يهودية الدولة بإسرائيل. كما يفترض أن الصراعات الحالية ليست حروبًا دينية بل هي “حروب خطوط الصدع” (Fault Line Wars) بين قوى قد تبدو متجانسة من حيث جذورها الحضارية لكنها في العمق كيانات متشققة بفعل التناقضات المصلحية.

يستند الكاتب في إطاره التحليلي على حزمة مفاهيم، كمفهوم “اﻟﺘﺪﻫﻮر اﻟﺤﻀﺎري” (Decivilization) الذي وظَّفه لتفسير خلفيات وتبعات تراجع القيم اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ والديمقراطية(5) ومفهوم الأمة الاقتصادية في سياق رصده للمجالات الحاسمة للأمن الاقتصادي في السياق الجيوسياسي الراهن(6)، إضافة إلى مفهوم آليات التدافع (Catapultas) الذي استعمله في سياق استعاري بغية الإحاطة بالعوامل التي تغذِّي الصراعات وتُحدِّد التسلسل الهرمي بين ﻣﻨﺎﻃﻖ اﻟﺤﻀﺎرة. كما استعار مفهوم المناطق الحضارية  (Civilizational Zones)من صموئيل هنتنغتون، الذي يعد أول من استعمل هذا التوصيف في مقالته الشهيرة(7) وكتابه حول صِدام الحضارات وإعادة صُنع النظام العالمي(8)، مع إعادة توظيفه وفق منظور جديد لفهم ديناميات القوة والمخاطر بين الأقطاب المهيمنة في سعيها لتعديل موازين النفوذ الإقليمية والدولية.

منذ البداية، يقدم ريفيس نظرة قاتمة حول الوضع العالمي الحالي الذي انتقل من حالة الأزمة إلى الفوضى المنظمة أو “الأنتروبيا”(9)، أمام التداعي التدريجي لنموذج حقوق الإنسان في ضوء تبعات حرب روسيا-أوكرانيا، والعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وما رافق ذلك من تكريس مُريع لازدواجية المعايير (Double standards)، بين حالة التعاطف المطلق مع أوكرانيا وحالة التواطؤ المنهجي للدول الغربية تجاه الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بفلسطين المحتلة؛ حيث انتقل الدعم الغربي من مجرد الإسناد العسكري واللوجستي والإعلامي لآلة القتل الإسرائيلية إلى محاصرة التظاهرات الشعبية المُطالِبة باحترام القانون الدولي. وهو ما يؤكد وجاهة الفرضية التي تزعم بأن الموقف الأميركي والأوروبي لا يعبِّر عن مجرد التماهي مع خيارات حليف وظيفي يخدم مصالحها الإستراتيجية بالشرق الأوسط، بل إنه يجد أصوله “العقدية” ضمن استحقاقات التكفير عن الهولوكوست المنغرسة في المخيال الغربي.

ضمن هذا السياق، حاول المفكر الكولومبي فضح الخداع الإعلامي للدول الغربية التي تسعى جاهدة لإعادة إنتاج سردية معاداة السامية بجعلها تشمل كل التعبيرات المناهضة للصهيونية وللسياسات التوسعية الإسرائيلية. كما سعى إلى كشف محاولات توظيف الاعتبارات الإنسانية للتلاعب بالرأي العام ولجعل النقد المُوجَّه لإسرائيل ضمن حدود “محتشِمَة”؛ حيث انطلق من مفهوم “سعر الصرف الأخلاقي” (Moral Exchange Rate)، لرصد خلفيات التحول النسبي في مواقف القوى الغربية التي ارتبطت بمعادلة السعر النسبي للإنسان الإسرائيلي مقارنة بالفلسطيني، حيث لم يبدأ الغرب في إبداء بعض الاعتراضات الطفيفة إلا انطلاقًا من أبريل/نيسان 2024 بعدما بلغت أعداد الشهداء الفلسطينيين 32.800 شهيد مقابل 1200 قتيل إسرائيلي، بما يعني أن قيمة كل إسرائيلي تساوي قيمة 27 فلسطينيًّا في نظر الحكومات الغربية. وحتى في ظل هذا الخرق الفادح لمبدأ التناسب (Principle of Proportionality)، فإن ردود الفعل ظلت حبيسة بعض التصريحات مع استمرار مختلف أشكال الدعم السياسي والمالي والأمني(10).

من زاوية الجيوبوليتيك، فإن الفهم العميق لارتدادات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ولبنان وسوريا لن يتحقق إلا بالرجوع إلى جذور وتداعيات الموجة الجديدة للغطرسة الغربية التي انطلقت منذ الغزو الأميركي للعراق، في سياق تنفيذ “عقيدة بوش”  (Bush Doctrine) لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، والتي أفضت -بحسب الباحث- إلى تدمير العراق وليبيا وسوريا تحت تأثير المجمع الصناعي العسكري، الذي يسعى باستمرار إلى تعزيز استفادته المزدوجة من تأجيج اقتصاد الحرب بتعظيم عوائده من بيع الأسلحة ومن عقود إعادة الإعمار، موظِّفًا في ذلك خدمات المجمع الفكري والإعلامي للتكفل بعمليات التسويق والتبرير، ومستفيدًا من سياقات دولية اتسمت بتراجع الديموقراطية وضمور الضمير الدولي الإنساني وفقدان العالم للبوصلة الأخلاقية.

اليهمنة الإمبريالية وإعادة تشكيل مناطق الحضارة

في إطار تحليل الديناميكيات الجديدة للإمبريالية، يميز إدغار ريفيس بين ثلاثة مستويات رئيسة تمارس من خلالها القوى الكبرى هيمنتها على مقدرات الأمم الأخرى. يتمثل المستوى الأول في الهيمنة المالية التي تعتمد على توظيف مؤسسات الإقراض الدولية لترسيخ علاقات التبعية الاقتصادية. أما المستوى الثاني فهو الهيمنة الاقتصادية التي تقوم على التحكم في مصادر الطاقة والمياه والمعادن النادرة والأراضي الخصبة بما يضمن استمرار تدفق الموارد. في حين يتمثل المستوى الثالث في الهيمنة المعرفية والثقافية التي تستخدم الصناعات الثقافية والتكنولوجية والإعلامية لإعادة تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه أنماط السلوك والاستهلاك على نحو يخدم مصالح القوى المهيمنة ويعزز نفوذها العسكري والاقتصادي. وإلى جانب هذه المستويات، تعتمد الدول المهيمنة على توظيف الأزمات المالية والفساد والتهريب وتوطين الصناعات الملوِّثة والهجرة غير النظامية كأدوات إضافية لترسيخ سطوتها الجيوسياسية على الدول الصاعدة.

لتعزيز هذا الفهم، استعان الباحث ببعض الأطر النظرية للإحاطة بتعقيدات العلاقات الدولية، فانطلاقًا من نظرية ﺟﻮن ﻣﻴﺮﺷﺎﻳﻤﺮ (John Mearsheimer) حول الهيمنة الدولية(11)، يرى أن كل دولة تسعى للتحول إلى قوة عظمى تبدأ نزوعها نحو الهيمنة من محيطها الإقليمي، بالتعامل مع دول الجوار كحديقة خلفية يتم الانطلاق منها في توسيع حيز النفوذ الإستراتيجي، على غرار علاقة الولايات المتحدة الأميركية بدول أميركا اللاتينية، وعلاقة الصين بجيرانها بمنطقة جنوب شرق آسيا، وتشبث روسيا ببسط سيطرتها على أوكرانيا رَدَّ فعلٍ على الاستفزاز الذي مارسته الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون من خلال سياسة توسيع الناتو باتجاه الشرق.

يتفق الكاتب بشكل حذر مع المواقف الأخيرة لفرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) التي أَقَرَّ فيها بنهاية صلاحية نظريته حول نهاية التاريخ، لكنه بالرغم من ذلك، ما زال يعده نموذجًا للمحاولات الفكرية التي تسعى للشرعنة الأيديولوجية للنهج النيوليبرالي، كما أن تشبع فوكوياما بالمركزية الغربية جعله يستبعد في تحليلاته بعض النماذج الناجحة في الجنوب العالمي (The Global South) التي تمكنت من المواءمة بين الاشتراكية واقتصاد السوق مثل الصين. صحيح أن فوكوياما قد حاول تدارك هذه النظرة في كتابه الأخير “الليبرالية ونُقَّادها الساخطون”(12)، الذي اعترف فيه بفشل ﺗﻌﻤﻴﻢ اﻟﻨﻤﻮذج اﻟﻨﻴﻮﻟﻴﺒﺮاﻟﻲ وبضرورة بلورة حوكمة مبتكرة لتوفير الخدمات العامة وللحد من عدم المساواة، لكنه يظل -بحسب ريفيس- “تصحيحًا انتهازيًّا” لنظريته الشهيرة حول نهاية التاريخ، ومحاولة يائسة لإعادة إحياء الطروحات النيوليبرالية بمفردات جديدة.

في تحليله لمحاولات إعادة إنتاج النزعة الإمبريالية، وظَّف إدغار ريفيس نظرية ريمون أرون (Raymond Aron) حول “اﻟﺠﻤﻬﻮرﻳﺔ اﻹﻣﺒﺮﻳﺎﻟﻴﺔ”(13)، مُنطلِقًا من الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت تتصرف ﻛﺈﻣﺒﺮاﻃﻮرﻳﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﺟﻤﻬﻮرﻳﺔ، أمام تدهور الحقوق المدنية وتآكل مؤسساتها اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ وتزايد الفجوات الاقتصادية والاجتماعية. وفي مقابل ذلك، فإن تزايد تدخلها العسكري بالخارج قد حوَّلها بالفعل إلى قوة عظمى مارقة (Rogue Superpower) ﺗﺴﺘﺨﺪم اﻟﻘﻮة اﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ بدون قيود، بينما تعاني في الداخل من استقطاب سياسي حاد ينذر بنشوب حرب أهلية. على عكس ذلك، يرى الباحث أن الجمهورية في السياق الفرنسي قد مثَّلت عنصرًا كابحًا للنزعة الإمبريالية، منذ التخلي عن حلم “الجزائر الفرنسية” في بداية الستينات مرورًا بسحب القوات العسكرية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو (2022)، وانتهاء بتعليق التعديل الدستوري بخصوص كاليدونيا الجديدة (2024) بسبب حدة المظاهرات المطالِبة بالاستقلال.

غير أن هذا التحليل يبدو غير مُلِمٍّ بما فيه الكفاية بملابسات تحول علاقة فرنسا بإفريقيا، التي انتقلت من السيطرة المباشرة إلى استعمار جديد (néocolonialisme)، في إطار “إمبراطورية غير مرئية” سمحت لها بمواصلة استغلال موارد الدول الإفريقية التي تدور في فَلَكها (Françafrique)(14). أما تراجع النفوذ الفرنسي بمنطقة الساحل والصحراء فلا يمكن أن يُفسَّر من منظور “الجمهورية الكابحة” الراغبة في التخلص من نزوعها الإمبريالي، بل مرتبط بتحولات مربكة في الوضع السياسي الداخلي، وبتضافر عوامل النفوذ الجيوسياسي البديل مع الفشل البنيوي للنموذج الاقتصادي الفرنسي في تحقيق التنمية بالمناطق الإفريقية التي طالما شكَّلت مراكز للنفوذ الفرنسي بالقارة طيلة عقود طويلة، كمنطقة الساحل والصحراء؛ الأمر الذي غذَّى النزعة القومية الإفريقية الرافضة للوصاية العسكرية والأخلاقية الفرنسية، وهو الوضع الذي استغلته الصين لتعزيز نفوذها الاقتصادي عبر استثمارات ضخمة بالنظر للموقع الإستراتيجي للمنطقة ضمن مبادرة الحزام والطريق (BRI)، كما منح الفرصة لروسيا لتكوين جيوب إستراتيجية بالمنطقة، باستعمال مختلف أشكال الدعم السياسي والعسكري(15).

اعتمادًا على تصنيف صموئيل هنتنغتون للمناطق الحضارية (ZC)، حاول الكاتب إبراز أهم المعضلات الجيوسياسية التي تواجه مختلف المناطق. فمنطقة أميركا اللاتينية والكاريبي لا تزال تتأرجح بين محاولة الانفكاك من أسر الإمبريالية الأميركية والوقوع في أسر حكومات شعبوية عاجزة عن تحصين مصالحها الإستراتيجية. أما منطقة الحضارة الغربية فقد بدأت تتفكك أمام تغلغل التوجه الانفرادي للولايات المتحدة الأميركية على نحو يخل بمتطلبات التوازن بين القطب الأميركي والأوروبي.

في هذا الصدد، أصبح الاتحاد الأوروبي مهدَّدًا بالانشقاق بعدما كان يطمح إلى تحقيق اتحاد فيدرالي حقيقي، وذلك بسبب توالي الأزمات الاقتصادية وصعود النزعة القومية واليمين المتطرف. كما أن تبعيته الأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية قد أفقدته هويته السياسية وجعلته مرتهنًا للمصالح الأميركية. وهو ما ترتب عليه كلفة باهظة، ليس فقط من الناحية المالية أمام تزايد معدلات التضخم والرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة، بل أيضًا على المستوى الأخلاقي، في ظل تراجع منسوب حريات الإعلام والتعبير ودعم الأنظمة السلطوية. نفس التَّوصيف ينطبق على الدول الناطقة بالإنجليزية؛ فالمملكة المتحدة فقدت أﻫﻤﻴﺘﻬﺎ الإستراتيجية ﺑﻌﺪ ﺧﺮوﺟﻬﺎ ﻣﻦ اﻻﺗﺤﺎد اﻷوروﺑﻲ لتصبح ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﻮﻻﻳﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة الأميركية. أﻣﺎ بقية اﻟﺪول التابعة للتاج البريطاني، مثل أستراليا وكندا، ﻓﺘﻮاﺟﻪ معضلة الموازنة بين تطوير علاقاتها التجارية مع منطقة الحضارة الصينية وجنوب شرق آسيا وبين الالتزام بولائها الأيديولوجي للمعسكر الغربي.

بالنسبة لمنطقة اﻟﺤﻀﺎرة اﻷرﺛﻮذﻛﺴﻴﺔ، ﻳﺤﻠِّﻞ ريفيس هواجس ومآلات ﻃﻤﻮح روﺳﻴﺎ-بوتين إلى استعادة عمقها الحيوي بالجيوب الإستراتيجية السابقة للاتحاد السوفيتي منذ ضمها للقرم في 2014 إلى غزو أوكرانيا في 2022. وهو الطموح الذي جعلها عالقة بين التشبث بالحلم الإمبراطوري والبحث عن موقع آمن في أوروبا، في مواجهة الإصرار الأوروبي/الأميركي على تحويل أوكرانيا إلى حصن لمحاصرة النفوذ الروسي. ونتاج ذلك فقد أتى نزوعها التوسعي بنتائج عكسية؛ فبعدما كانت تأمل في وجود “أقل للناتو” (less NATO) على حدودها فقد وجدت نفسها أمام “ناتو أكثر” (More NATO)، خاصة بعد انضمام فنلندا (2023) والسويد (2024) إلى الحلف.

ضمن مناطق الحضارة “الكامنة”، تنامى التأثير الدولي لبعض القوى الصاعدة، على غرار الصين في سعيها لترسيخ تموقعها ليس فقط بجنوب شرق آسيا، بل أيضًا كقطب عالمي، مستفيدة في ذلك من مشروع الحزام والطريق لتحقيق طموحاتها التوسعية الناشئة. كذلك الحال مع الهند التي تحاول جاهدة الموازنة بين تقوية تحالفاتها مع القوى الكبرى، وبين تجاوز المعضلات الداخلية التي تعيق تقدمها، وفي مقدمتها استمرار تأثير نظام الطبقات رغم حظره رسميًّا، واتساع حجم العمالة غير الرسمية التي تمثل إحدى أكبر المشكلات الهيكلية في اقتصادها نتيجة العجز عن خلق فرص عمل لائقة، فضلًا عن الفساد المستشري الذي يعرقل تنفيذ إصلاحات طويلة الأمد. بينما تسعى اليابان لإثبات موقعها في النظام العالمي الجديد بعد فترة طويلة من الدوران في فلك الوصاية الأميركية.

أما بقية المناطق فهي ضحية لتقلُّب موازين القوى بين القوى التقليدية والصاعدة. فالمنطقة الإفريقية تشهد مخاضًا للخروج من وضع الإلحاق بالدول الغربية مستندة في ذلك على إعادة تدوير الفوائض المالية الصينية لتحفيز التنمية، وعلى الدعم العسكري والسياسي الروسي للأنظمة المناوئة للغرب. أما منطقة الشرق الأوسط، فهي تعرف تنافسًا غير مسبوق بين أربعة مشاريع جيوسياسية تسعى للهيمنة على المنطقة، والمتمثلة في تركيا وإيران والسعودية، إلى جانب إسرائيل الساعية نحو التحول من “دولة الشعب المختار” إلى قوة إمبريالية مهيمنة بالشرق الأوسط الجديد.

يرى مؤلف الكتاب أن مناطق الحضارة المختلفة تشهد حالة من التدهور الأخلاقي العميق نتيجة ارتهانها لنزعات الزعماء على حساب القيم المؤسِّسة، في ظل صعود جيل جديد من القادة الذين يَعُدُّهم أقل كفاءة وأكثر ميلًا إلى الفساد والشعبوية والعدوانية. ويشير إلى أن هؤلاء القادة يوظِّفون السياسة في إشعال أو إخماد النزاعات الإقليمية والدولية خدمةً لطموحات شخصية أو مصالح ضيقة مع ما يصاحب ذلك من تراجع لاحترام قواعد القانون الدولي وضعف الثقة في منظومة الأمم المتحدة. ويستشهد المؤلف في هذا السياق بعدد من النماذج، من بينهم: دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وناريندرا مودي وفلاديمير بوتين وخافيير ميلي ونيكولاس مادورو، ممن يرى أن أدوارهم تجاوزت حدود إضفاء الطابع المؤسسي على الفساد وتغذية الانقسامات الداخلية إلى الإسهام في نشوء صراعات دولية يصعب احتواؤها(16).

ارتباطًا بالمستوى القيمي، يناقش الكاتب اﻟﺘﺤﻮﻻت العميقة التي مسَّت منظومة القيم السائدة بمختلف ﻣﻨﺎﻃﻖ اﻟﺤﻀﺎرة انطلاقًا من ثلاثة مستويات تتمثل في: تآكل القيم اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ بسبب إضرار التيارات الشعبوية بالمؤسسات التمثيلية، وتفاقم مظاهر عدم المساواة والفقر. إضافة إلى انقلاب القيم؛ حيث تُحوَّل القيم النبيلة إلى نقيضها في الممارسة الفعلية للسلطة. فالقادة والسياسيون يعلنون التزامهم بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنهم يتصرفون في الواقع بطرق تخدم مصالحهم الخاصة أو تسمح بأعمال العنف والتطهير العرقي.

بالموازاة، يقدم ريفيس إطارًا تحليليًّا لقياس الأداء التنموي بمناطق الحضارة استنادًا على العامل الديمغرافي؛ حيث يؤثر حجم السكان وتركيبتهم العمرية ومعدلات نموهم على ديناميكيات القوة والتنمية. وهكذا فمناطق مثل الصين والهند وإفريقيا تمتلك “عائدًا ديمغرافيًّا” مُهمًّا بينما تواجه مناطق أخرى تحدي شيخوخة الهرم السكاني مثل اليابان وأوروبا. كما اعتمد الكاتب على مؤشر توافق التنمية (ICD) مقياسًا تركيبيًّا يتألف من أربعة مؤشرات فرعية تتمثل في: مؤشر التنمية البشرية المعدَّل بعامل عدم المساواة (IDH-I) الذي يقيس التفاوت في توزيع الموارد. ومؤشر المرونة الداخلية والخارجية لقياس القدرة على مقاومة الأزمات والتكيف مع التحولات العالمية مثل: تقلبات التضخم والاستثمار الأجنبي المباشر والاستقرار المؤسسي. ومؤشر العلوم والتكنولوجيا والابتكار (CTI) لقياس إنتاج المعرفة والقدرات التكنولوجية انطلاقًا من متغيرات دقيقة كأعداد الباحثين وبراءات الاختراع ونسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج المحلي الإجمالي. إضافة الى مؤشر الامتثال للشهادات الخمس لتقييم مستوى الالتزام بالمعايير العالمية في خمسة مجالات حيوية تشمل: الحكامة المالية وحماية حقوق الإنسان والبيئة ومكافحة الفساد والمخدرات.

من خلال تحليل البيانات ذات الصلة بهذه المؤشرات يُبرز الكاتب وجود تباين كبير ﻓﻲ أداء ﻣﻨﺎﻃﻖ اﻟﺤﻀﺎرة حيث يتصدر الغرب واليابان المركز الأول في جميع المؤشرات فيما تتميز المجموعة الأنجلوفونية بترتيب أفضل في المرونة واستيفاء الشهادات. بالنسبة لمنطقة الصين وجنوب شرق آسيا، فرغم احتلالها المركز الرابع إجمالًا، لا تزال تعاني من نقاط ضعف في مجالات التنمية البشرية المعدلة بحسب عدم المساواة (IDH-I) والامتثال للشهادات الخمس. أما بقية المناطق فعزا ترتيبها إلى تسجيل مؤشرات متدنية في المساواة والشفافية (الهند)، والمرونة والعلوم والتكنولوجيا والابتكار (أميركا اللاتينية والشرق الأوسط)، والامتثال للشهادات الخمس (الأرثوذكسية). في حين تحتل المنطقة الإفريقية المرتبة الأخيرة في جميع المؤشرات بسبب تحديات هيكلية في مجالات الحكامة والقدرة المؤسسية.

تأسيسًا على التحليلات السابقة، انبرى إدغار ريفيس للإجابة عن الإشكالية المضمرة بالعنوان والمتعلقة بآليات الصراع الجيوسياسي في السياق الراهن، بالانتقال من التركيز التقليدي ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮة اﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ والاقتصادية إلى مجالات متنوعة أصبحت ساحات جديدة للمنافسة والصراع كالتكنولوجيا والبيئة والهجرة، في إطار ما سماه “آليات التدافع” أو أحزمة نقل القوة بين مناطق الحضارة، والتي أجملها في تسع ديناميات تلعب وستلعب في المستقبل القريب دورًا حاسمًا في ترجيح قوى وتنحية أخرى. فإلى جانب الدور المركزي للجيوش النظامية، يشير المؤلف إلى الاستعمالات المستحدثة للقوة العسكرية أمام جيل جديد من الحروب المعقدة التي تُصنع على مهل في “مختبرات” الدول الكبرى؛ حيث لم تعد الحروب في السياق الراهن تقتصر على الجيوش النظامية؛ فقد انتقل نمط الصراع إلى الاعتماد على وكلاء وأطراف ثالثة بما في ذلك شبكات إجرامية عابرة للحدود وشركات مرتزقة ومجموعات إرهابية وتشكيلات محسوبة على جهات محلية تُجنَّد لتنفيذ مهام قذرة خدمةً لمصالح القوى الكبرى، مع استهانة متزايدة بقواعد القانون الدولي وتحوُّل ساحات النزاع إلى مساحات لعب تكتيكي تُدار خلف واجهات قانونية وسياسية تفتقد إلى الشفافية.

كذلك يُستخدم النفوذ الاقتصادي لتوسيع دائرة الدول الفاشلة عبر توظيف البنوك النظامية للدول الصناعية والمؤسسات المالية الدولية لإضعاف سيادة الدول الأخرى؛ حيث إن إغراق هذه الدول بالديون وفوائدها يرسِّخ تبعيتها المالية ويجبرها على تكييف سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وفق شروط الجهات المانحة؛ الأمر الذي يترتب عليه تراجع دور الدولة في تنظيم الاقتصاد لصالح جماعات مصالح محلية مرتبطة بالنهج النيوليبرالي وتهديد الاستقرار السياسي والاقتصادي من خلال تعميق الفوارق الاجتماعية التي تهيئ لسلوكيات عنفية تسعى لإعادة توزيع الثروة.

من بين مجالات القوة الاقتصادية الأكثر حيوية في السياق الراهن يبرز الرهان على البنى التحتية العابرة للدول في تحصين مناطق النفوذ الإستراتيجي، مثل كابلات الإنترنت البحرية وسلاسل التوريد العالمية وشركات الشحن والموانئ الضخمة، التي أصبحت تشكل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي ومنافذ مؤثرة في التحكم بمسارات التجارة الدولية. كما يبرز “جيوبوليتيك الماء” بتحول الموارد المائية إلى أداة لتوسيع العمق الإستراتيجي، كما في حالة سيطرة إسرائيل على نحو 60 بالمئة من حوض نهر الأردن وروافده، وافتعال صراعات معقدة حول منابع الأنهار. ويضاف إلى ذلك بُعد جديد يتمثل في تحويل “الماء الافتراضي” -أي كمية المياه المستعملة في إنتاج السلع الزراعية والغذائية المتبادلة تجاريًّا بين الدول- إلى سلعة تُستغل داخل السوق الرأسمالية؛ حيث تُوظّفه الدول الكبرى للتحكم في اقتصادات الدول الضعيفة عبر دفعها إلى إنتاج محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه لتلبية حاجات السوق العالمية؛ مما يؤدي إلى استنزاف مواردها المائية وإضعاف استقلالها الاقتصادي.

إضافةً إلى عناصر القوة الصلبة، يلفت المؤلف الانتباه إلى وجود مؤثرات جديدة تلعب دورًا هيكليًّا في موازين القوى الجيوسياسية، من بينها تحوُّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدوات حاسمة في الحروب المعقَّدة. ويشير في هذا السياق إلى أن الشركات التكنولوجية الخمس الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية، المعروفة اختصارًا بـ”غافام” (GAFAM)، تجاوزت في نظره إطار النشاط التجاري البحت لتصبح جزءًا من منظومة تخدم المصالح القومية الأميركية، من خلال التأثير في تشكيل الرأي العام العالمي عبر نشر ما يسميه “الأخبار الكاذبة” (Fake News) و”القصص الفيروسية” (Viral Stories) كوسائل للهيمنة في “الحروب المعقدة”. كما يرى أن الصين أصبحت أكثر وعيًا بالأثر الجيوسياسي لتطبيقات التواصل الحديثة بالنظر إلى دورها في التحكم في البيانات، وهو ما يفسِّر -بحسب المؤلف- حالة التوتر المستمرة بين الولايات المتحدة والصين بشأن تطبيق “تيكتوك” (TikTok) وتأثيره المحتمل على الأمن القومي الأميركي عبر استغلال البيانات المجمَّعة من نحو 170 مليون مستخدم لأغراض استخباراتية(18).

يرى المؤلف، في تحليله لتطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أن هذا المجال مرشح لأن يُسهم في إعادة تشكيل خريطة التنمية العالمية من خلال احتمال تعميق الفجوات التنموية بين الدول. فتركيز الإنتاج العلمي والاستثمارات الكبرى في الذكاء الاصطناعي داخل مناطق حضارية محددة -مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والصين واليابان- قد يؤدي، بحسب المؤلف، إلى تقدم هذه الدول في توظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة، مقابل بطء محتمل في اندماج مناطق أخرى كأميركا اللاتينية وإفريقيا والدول الإسلامية في هذا المسار. ويشير كذلك إلى أن توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون له آثار متفاوتة على الاقتصاد والعمالة؛ إذ تُقدِّر بعض الدراسات أن نحو 40 بالمئة من الوظائف عالميًّا قد تتأثر به، بينما قد يصل التأثير في الاقتصادات المتقدمة إلى حدود 60 بالمئة من الوظائف، مع احتفاظ هذه الاقتصادات بقدرة أكبر على خلق فرص عمل جديدة مقارنة بالاقتصادات الناشئة أو منخفضة الدخل(19).

يرى المؤلف أن من بين مجالات القوة الناعمة المعاصرة ما يسميه “جيوبوليتيك صناعة الاستشارات”، أي الدور المتنامي الذي تؤديه الشركات الاستشارية متعددة الجنسيات في صياغة توجهات السياسات العامة للدول. ويشير إلى أن هذه الشركات لم تعد تقتصر، في رأيه، على تقديم الخبرة الفنية التقليدية، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في توجيه السياسات الوطنية للدول المتعاقدة، بما يتقاطع مع الأجندات الإستراتيجية للقوى الاقتصادية الكبرى. ووفقًا لبعض الدراسات الاستقصائية التي يستشهد بها المؤلف، فإن نحو 96 بالمئة من إيرادات شركات الاستشارات تتركز في أميركا الشمالية وأوروبا، كما أن 47 شركة من أصل أكبر 50 شركة استشارية في العالم هي ذات منشأ أميركي، من بينها شركات كبرى مثل ماكينزي (McKinsey)، وديلويت (Deloitte)، وأوليفر ويمان (Oliver Wyman)، التي يصفها المؤلف بأنها باتت مؤثرة في عمليات التخطيط والإصلاح داخل مؤسسات حكومية وبرامج تنموية في عدد من الدول.

ويذهب المؤلف إلى أن تنامي نفوذ الشركات الاستشارية متعددة الجنسيات قد يُفضي، في نظره، إلى تقليص الطابع الديمقراطي في مسار إعداد وتقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؛ إذ يرى أن هذا الواقع يشبه في بعض الحالات نوعًا من تفويض إدارة الشأن السيادي لجهات خارجية تموَّل من المال العام. ويرى أن لذلك تبعات على استقلالية القرار الوطني وقدرة الحكومات والمؤسسات العمومية على توجيه السياسات في المجالات الحيوية، بحجة التكيُّف مع التحولات الدولية والتحكم في المؤشرات الماكرواقتصادية. كما يشير المؤلف إلى أن بعض شركات الاستشارات العالمية قد تقدِّم، وفقًا لتقارير دولية، خدمات مجانية أو بأسعار منخفضة للدول النامية، لافتًا إلى أن هذه الدول تُوجَّه في أحيان كثيرة إلى التعامل مع تلك الشركات في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي التي تشرف عليها مؤسسات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

يخلص المؤلف، من خلال تحليله لموضوعات الكتاب، إلى أن هيمنة منطق القوة الصلبة في إدارة الصراعات حول مناطق النفوذ أدت إلى بروز ثلاثة أنماط رئيسة من الفاعلين في النظام الدولي: دول مستفيدة تمتلك أدوات متعددة لحماية مصالحها الإستراتيجية وتعزيز نفوذها، ودول متآكلة السيادة تعاني هشاشة اقتصادية أو فسادًا سياسيًّا أو اضطرابات داخلية تجعلها أكثر قابلية للخضوع لتأثير القوى الكبرى، وقوى غير نظامية تمارس أدوارًا وسيطة في الصراعات الدولية والإقليمية، من خلال شبكات التهريب والجريمة المنظمة وشركات الأمن الخاصة ومجموعات الأوليغارشية الاقتصادية التي تتحكم في موارد أولية وبنى تحتية إستراتيجية.

مآلات الصراع الجيوسياسي وسيناريوهات النظام الدولي

على سبيل الاستشراف، يعرض المؤلف أربعة سيناريوهات محتملة لمآلات الصراع الجيوسياسي العالمي.
يفترض السيناريو الأول استمرار هيمنة القطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، استنادًا إلى تحكمها في مفاصل القوة المالية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية والتكنولوجية، مع ميلها إلى توظيف هذه الأدوات لترسيخ توجهاتها الإمبراطورية. ويستند هذا السيناريو إلى استمرار توجيه الولايات المتحدة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بما يخدم مصالحها الإستراتيجية ويعزز تحالفاتها، فضلًا عن تعبئة مؤسسات “بريتون وودز” لتكريس النموذج النيوليبرالي على نطاق عالمي. غير أن المؤلف يلاحظ في المقابل بوادر تصدع داخل القطب الغربي ذاته، نتيجة تنامي القلق الأوروبي من النزعة الحمائية الأميركية، وحالة عدم اليقين التي تحيط بالموقف الأميركي من دعم أوروبا في الحرب الروسية-الأوكرانية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تشكُّل نظام عالمي متعدد الأقطاب (Multipolar World)، بفعل تزايد تأثير مجموعة “البريكس” الموسعة (+BRICS)، التي تجمع قوى اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية كبرى مثل الصين وروسيا، وتجد دعمًا من قوى إقليمية صاعدة كالهند والبرازيل وتركيا والمملكة العربية السعودية. ويرى المؤلف أن تعزيز الانسجام بين مكونات هذه المجموعة قد يحوِّلها إلى صيغة حديثة من حركة عدم الانحياز تسهم في إرساء توازن جديد داخل النظام الدولي.

أما السيناريو الثالث، فيتناول احتمال بروز وضع دولي يشبه “حربًا باردة جديدة” تتجه فيه العلاقات العالمية نحو قطبية ثنائية (Bipolarity)، بحيث تتشكل جبهتان متنافستان: الأولى تضم الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين وتستند إلى أطر تعاون أمني مثل مجموعة الكواد (Quad) التي تجمع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند لتعزيز الأمن في منطقة المحيطين، الهندي والهادئ، والثانية تضم الصين وروسيا والدول القريبة منهما. ويرى المؤلف أن هذا التنافس قد يمتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية بما يعيد إلى الأذهان ملامح الصراع العالمي الذي ساد خلال القرن العشرين بين المعسكرين، الغربي والشرقي.

ويطرح المؤلف في السيناريو الرابع تصورًا أكثر تفاؤلًا، يتمثل في قيام نظام متعدد الأقطاب محكوم (Multipolar World with Governance) تُستعاد فيه وظيفة الأمم المتحدة التاريخية في تنظيم العلاقات بين القوى الكبرى والتحكيم في النزاعات الدولية بما يسهم في احتواء الفوضى و”الوحشية الحربية” التي تميِّز المشهد العالمي الراهن. غير أن المؤلف يُقرُّ بصعوبة تحقيق هذا السيناريو في المدى القصير، نظرًا لتراجع قدرة المنظمة الأممية على إدارة الأزمات وتفعيل آليات الوساطة الفاعلة، مع إشارته إلى أن بروز تعددية قطبية منظَّمة قد يفتح، على المدى البعيد، أفقًا لحوكمة دولية أكثر توازنًا تضطلع فيها الأمم المتحدة بدور محوري في ضبط العلاقات بين القوى الكبرى.

في المحصلة، يشكِّل الكتاب إسهامًا مميزًا في حقل الدراسات الجيوسياسية المعاصرة؛ إذ يتجاوز العرض الوصفي للنظريات السائدة في تحليل الجغرافيا السياسية العالمية، نحو قراءة نقدية تختبر مدى قدرتها على تفسير التحولات الدولية المتسارعة. ويخلص إدغار ريفيس إلى أن أي إطار نظري منفرد لا يستطيع الإحاطة بتعقيد النظام الدولي الجديد، داعيًا إلى اعتماد مقاربة تركيبية تجمع بين مختلف الاتجاهات النظرية لفهم هذا الواقع المتشابك. ويرى بعض النقاد أن مقاربة المؤلف تنطوي على قدر من المخاطرة المعرفية بسبب اعتماده الجزئي على تصور صموئيل هنتنغتون لمناطق الحضارة، رغم التعديلات الجوهرية التي أدخلها عليه. ومع ذلك، يبرز تميُّز ريفيس في تجاوزه لأطروحة فرانسيس فوكوياما، من خلال طرح نموذج تفسيري أكثر واقعية يقوم على مفهوم “حروب خطوط الصدع، التي تحركها المصالح وموازين القوة أكثر مما تحركها الانتماءات الهوياتية؛ مما يمنح الكتاب قيمة تحليلية تضيف عمقًا إلى النقاش الفكري حول مآلات النظام الدولي الآخذ في التشكل.

المراجع

 (1)Revéiz, Édgar. La lógica del desarrollo capitalista: cartelización de empresas y centralización del capital. Bogotá: FICA, 1987.

 (2)Revéiz, Édgar. La economía del 1%. Bogotá: Fondo de Cultura Económica, 2011.

 (3)evéiz, Édgar. Gobiernos y planes de desarrollo. Vol. 2. Bogotá: Academia Colombiana de Ciencias Económicas, 2024.

 (4)evéiz, Édgar. Catapultas de la geopolítica posmoderna. Bogotá: Academia Colombiana de Ciencias Económicas, 2025.

(5) يتجلى التدهور الحضاري -حسب ريفيس- في انهيار نموذج حقوق الإنسان إطارًا أخلاقيًّا عالميًّا بحيث أدى تقييد سلطات الأمم المتحدة في ضبط النزاعات الدولية إلى تكريس حالة من “الفوضى المنظمة” (Caos Organizado).

 (6)Perroux, François. Indépendance de la nation. Paris: Éditions Aubier Montaigne, 1969, pp. 22–23.

 (7)Huntington, Samuel P. “The Clash of Civilizations?” Foreign Affairs 72, no. 3 (Summer 1993): 22–49.

 (8) Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996.

(9) يشير الكاتب من خلال هذا التوصيف إلى حالات الاضطراب التي اعترت النظام الجيوسياسي الدولي وجعلته منفلتًا من الضوابط التي أطَّرت العلاقات الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن تجليات ذلك عجز المنظومة الأممية عن إيقاف الإبادة الجماعية في غزة، وتغذية حرب الاستنزاف بين روسيا وأوكرانيا.

(10)  Revéiz, Catapultas de la geopolítica, p. 41.

 (11) Mearsheimer, John J. The Tragedy of Great Power Politics. New York: W. W. Norton & Company, 2001, p. 5.

(12) Fukuyama, Francis. Liberalism and Its Discontents. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2022.

 (13) Aron, Raymond. République impériale: Les États-Unis dans le monde (1945–1972). Paris: Calmann-Lévy, 1973.

(14)  Deltombe, Thomas. L’Afrique d’abord! Quand François Mitterrand voulait sauver l’Empire français. Paris: La Découverte, 2024, p. 423.

(15) Pigeaud, Fanny, et Ndongo Samba Sylla. De la démocratie en Françafrique: Une histoire de l’impérialisme électoral. Paris: La Découverte, 2024, p. 292.

 (16)Revéiz, Catapultas de la geopolítica, p. 19.

(17) يرمز اختصار “غافام” (GAFAM) إلى شركات فيسبوك وآبل وغوغل وأمازون ومايكروسوفت، التي تمثل -حسب الكاتب- رأس حربة رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism)، والذراع التكنولوجية للولايات المتحدة الأميركية في سعيها للسيطرة على البيانات الضخمة والحوكمة الرقمية.

(18) Doe, John. “Geopolitics of Platforms: The TikTok Challenge.” Policy Review 15, no. 3 (2024): 4. ttps://doi.org/10.14763/2021.2.1557

 (19)Revéiz, Catapultas de la geopolítica, pp. 432–433.