ملخص
تبحث هذه الدراسة إعادة تموضع السياسة الأمنية الألمانية عقب الحرب الروسية على أوكرانيا، والتحول الذي طرأ على موقع ألمانيا داخل منظومة الأمن الأوروبي والأطلسي بعد عقود من تبني نموذج “القوة المدنية” القائم على ضبط النفس العسكري، والعمل متعدد الأطراف، وتغليب الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية. وتنطلق الدراسة من تحليل الخلفيات التاريخية والثقافية التي شكَّلت الإستراتيجية الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل أن تتناول انعكاسات الحرب على توجهات برلين الدفاعية، وسياسات الطاقة، والعلاقات مع روسيا، وبنية الصناعات العسكرية الألمانية. كما تناقش الدراسة أثر تصاعد الشكوك بشأن استدامة الضمانات الأمنية الأميركية في دفع ألمانيا نحو توسيع قدراتها الدفاعية وتعزيز دورها داخل أوروبا. وتخلص الدراسة إلى أن ألمانيا دخلت مرحلة إعادة تموضع إستراتيجي تتجاوز حدود الاستجابة الظرفية للحرب، إلا أن استدامة هذا التحول ستظل مرتبطة بقدرة الدولة الألمانية على التوفيق بين متطلبات الردع العسكري، والقدرة الاقتصادية، والتوازنات السياسية والاجتماعية الداخلية.
الكلمات المفتاحية: ألمانيا، الحرب الروسية على أوكرانيا، القوة المدنية، التحول التاريخي، الناتو، الأمن الأوروبي، إعادة التسلح، الاستقلال الإستراتيجي، أمن الطاقة.
Abstract
This study examines Germany’s strategic transformation following the Russian war on Ukraine by analysing the shifts in its security and defence policies and the reassessment of the “civilian power” model that shaped Germany’s role since the end of the Cold War. The study explores the historical foundations of German strategic culture and the changes introduced under the “Zeitenwende” framework, including rearmament, increased defence spending, and the expansion of Germany’s role within NATO and the broader European security architecture. It also analyses the impact of the war on German energy policy, German-Russian relations, and the reconstruction of Germany’s defence industrial base, alongside the growing doubts regarding the long-term reliability of US security guarantees that have encouraged Berlin to adopt a more autonomous security posture. The study concludes that Germany has entered a phase of redefining its strategic role in Europe, although the sustainability of this transformation will depend on Berlin’s ability to balance military expansion with economic sustainability and domestic political and social consensus.
Keywords: Germany, Russian war on Ukraine, civilian power, Zeitenwende, NATO, European security, rearmament, strategic autonomy, energy security.
مقدمة
في 27 فبراير/شباط 2022، ألقى المستشار الألماني السابق، أولاف شولتز، خطابًا أمام البرلمان الألماني بشأن موقف بلاده من الغزو الروسي لأوكرانيا، عُرف لاحقًا بخطاب “التحول التاريخي” (Zeitenwende-Rede)(1). وقد مثَّل هذا الخطاب نقطة انعطاف في السياسة الأمنية الألمانية؛ إذ أعلن نهاية مرحلة طويلة قامت خلالها الإستراتيجية الألمانية على ضبط النفس العسكري، وتغليب الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، والعمل عبر التحالفات والمؤسسات الدولية في إدارة التهديدات الأمنية. كما ارتبط هذا التوجه بنهج حذر تجاه استخدام القوة العسكرية خارج الحدود، وبشبكة واسعة من الاعتمادات الاقتصادية المتبادلة، خاصة مع روسيا في قطاع الطاقة.
لقد أحدث الغزو الروسي لأوكرانيا صدمة إستراتيجية دفعت برلين إلى مراجعة كثير من المسلَّمات التي حكمت سياستها الخارجية والأمنية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد وجدت ألمانيا نفسها أمام بيئة أمنية أوروبية مختلفة، تتراجع فيها فرضيات الاستقرار طويل الأمد، وتتصاعد فيها اعتبارات الردع والصراع الجيوسياسي والمنافسة بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، بدأت ألمانيا إعادة تعريف موقعها داخل المنظومة الأمنية الأوروبية وعبر الأطلسي، بما شمل زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الالتزامات العسكرية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإعادة النظر في سياسات الطاقة والعلاقات مع روسيا(2).
تتجاوز أهمية هذا التحول الإطار الوطني الألماني؛ فألمانيا تمثل أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، وتؤدي دورًا محوريًّا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. لذلك، فإن أي تحول في توجهاتها الأمنية والعسكرية ينعكس مباشرة على مستقبل الدفاع الأوروبي، وتوازنات الأمن الجماعي في القارة، وآليات تقاسم الأعباء داخل الحلف الأطلسي. كما يرتبط هذا التحول بالنقاشات الأوسع حول مستقبل القيادة الأوروبية، وحدود الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، وإمكانية بناء قدرة أوروبية أكثر استقلالًا في المجال الدفاعي.
تهدف هذه الدراسة إلى تقييم التحول الأمني الألماني وحدوده منذ عام 2022، وتحديدًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. وتتساءل عمَّا إذا كانت الإجراءات التي أعلنتها برلين -مثل إنشاء صندوق خاص لتحديث الجيش الألماني(3)، ورفع الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الالتزامات داخل الناتو، وإعادة توجيه سياسات الطاقة- تعكس تحولًا إستراتيجيًّا حقيقيًّا أم أنها لا تزال محكومة بقيود ثقافية وسياسية ومؤسسية تحد من تحول ألمانيا إلى فاعل إستراتيجي كامل.
وتتناول الدراسة بالتحليل مسار التحول في السياسة الأمنية الألمانية، وانعكاساته على النظام الأمني الأوروبي، كما تبحث في قدرة ألمانيا على الانتقال من قوة مدنية ذات نفوذ اقتصادي إلى فاعل إستراتيجي أكثر حضورًا في معادلات الأمن والدفاع في أوروبا. وتحاول الإجابة عن السؤال الآتي: ما مدى التحول الذي شهدته السياسة الأمنية الألمانية منذ خطاب “التحول التاريخي”؟ وما العوامل التي تدفع هذا التحول قُدمًا أو تحدُّ من مساره؟
أولًا: الأسس التاريخية للسياسة الأمنية الألمانية
- الإستراتيجية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية
تشكَّلت أسس السياسة الأمنية الألمانية الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة. فقد أفضت التجربة النازية وما خلَّفته الحرب الشاملة من دمار إلى ترسيخ رفض مجتمعي وسياسي عميق لاستخدام القوة العسكرية أداةً لسياسة الدولة. وفي هذا السياق، ارتبط مفهوم الأمن في الوعي السياسي الألماني بإعادة البناء الاقتصادي، وتحقيق الاستقرار السياسي، والاندماج في المؤسسات الغربية. وتبلور هذا التوجه ضمن ما يصفه الباحثون بـ”الثقافة الإستراتيجية” لألمانيا ما بعد الحرب، والتي اتسمت بمناهضة العسكرة، وتفضيل العمل متعدد الأطراف، والاعتماد على الدبلوماسية بدلًا من أدوات الإكراه العسكري.
انعكس هذا التوجه بوضوح في القانون الأساسي الألماني الصادر عام 1949، الذي -رغم عدم حظره إنشاء قوات مسلحة- فرض قيودًا صارمة على النشاط العسكري، وأخضع الجيش الألماني (البوندسفير) لرقابة برلمانية مشددة. وقد جعلت صدمة الماضي مسألة إعادة التسلح موضع جدل سياسي واسع، ولم يُقبل بها إلا في ظل ضغوط الحرب الباردة وتطوراتها الإستراتيجية. وفي هذا الإطار، انضمت ألمانيا الغربية إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عام 1955، وأُنشئ الجيش الألماني ضمن ترتيبات مؤسساتية هدفت إلى طمأنة الداخل والخارج معًا بأن القوة العسكرية الألمانية ستظل مقيدة ضمن بنية متعددة الأطراف.
أرست هذه المرحلة المبكرة ثلاث ركائز أساسية للثقافة الإستراتيجية الألمانية. تمثلت الركيزة الأولى في ضبط النفس العسكري، عبر حصر استخدام القوة في حالات الضرورة القصوى وضمن أطر التحالفات الدولية. وتمثلت الثانية في الشرعية متعددة الأطراف، مع التركيز على حلف الناتو، والمؤسسات الأوروبية، ثم الاتحاد الأوروبي لاحقًا، بوصفها الأطر الناظمة للسياسة الأمنية الألمانية. أما الركيزة الثالثة فتمثلت في ترسيخ مفهوم “القوة المدنية”، من خلال إعطاء الأولوية للدبلوماسية، والأدوات الاقتصادية، والتعاون القائم على القواعد. وقد ترسخت هذه المرتكزات تدريجيًّا داخل البنية السياسية والمؤسساتية الألمانية، واستمرت في توجيه السياسة الأمنية لألمانيا حتى بعد التحولات الجيوسياسية التي غيَّرت البيئة الدولية التي نشأت فيها.
- السياسة الأمنية الألمانية بين الحرب الباردة وإعادة التوحيد
احتلت ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة موقعًا متقدمًا في خطوط المواجهة بين المعسكرين الشرقي والغربي، إلا أن هذا الموقع لم يؤدِّ إلى تبني مقاربة عسكرية تقليدية بالمعنى الكامل. فقد استندت إستراتيجية حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدرجة كبيرة إلى القوات المتحالفة المتمركزة على الأراضي الألمانية، ولاسيما القدرات النووية والتقليدية الأميركية. وفي هذا السياق، تطور الجيش الألماني بوصفه قوة دفاعية ذات كفاءة عالية صُمِّمت أساسًا لحماية الأراضي الألمانية وردع التهديدات المحتملة أكثر من كونه أداة لإسقاط القوة خارج الحدود.
أكد المستشارون الألمان -من كونراد أديناور إلى هيلموت كول- أن الاندماج في التحالفات الغربية يمثل الركيزة الأساسية للأمن الألماني. وفي الوقت نفسه، فتحت “سياسة التقارب مع الشرق” (Ostpolitik) التي أطلقها فيلي برانت (Willy Brandt) مسارًا موازيًا للتواصل مع الكتلة السوفيتية ودول أوروبا الشرقية. وقد أسهم هذا النهج المزدوج، القائم على الجمع بين الردع والانخراط الدبلوماسي، في تعزيز الاستقرار داخل أوروبا الوسطى، ورسَّخ في الوعي الإستراتيجي الألماني فكرة إمكان تحقيق الأمن عبر الدبلوماسية والترابط الاقتصادي والسياسي، إلى جانب الترتيبات العسكرية الجماعية.
مثَّلت نهاية الحرب الباردة وإعادة توحيد ألمانيا، عام 1990، محطة مفصلية في تطور السياسة الأمنية الألمانية. فقد منحت الوحدة ألمانيا وزنًا جيوسياسيًّا أكبر داخل أوروبا والنظام الدولي، إلا أنها لم تدفعها إلى التخلي عن نهجها الإستراتيجي الحذر. على العكس من ذلك، حرصت القيادات السياسية الألمانية على تقديم ألمانيا الموحدة بوصفها قوة مسؤولة ملتزمة بالتكامل الأوروبي، والتعاون عبر الأطلسي، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي.
مع ذلك، أظهرت مرحلة التسعينات وجود فجوة متزايدة بين الثقافة الإستراتيجية التقليدية لألمانيا والتحولات التي شهدتها البيئة الأمنية الأوروبية بعد الحرب الباردة. فقد دفعت الحروب والنزاعات المسلحة في منطقة البلقان برلين إلى إعادة النظر في تحفظها الطويل تجاه المشاركة في العمليات العسكرية خارج نطاق الدفاع الإقليمي. وفي هذا السياق، شكَّل قرار المحكمة الدستورية الاتحادية، عام 1994، نقطة تحول مهمة، بعدما أجاز مشاركة القوات الألمانية في عمليات عسكرية خارجية ضمن أطر متعددة الأطراف وتحت تفويض دولي. وقد فتح هذا القرار المجال أمام انخراط ألماني أوسع في عمليات حفظ السلام وتحقيق الاستقرار، مع استمرار تقديم هذه المشاركات بوصفها استثناءات مرتبطة بظروف محددة، وليست تحولًا جذريًّا نحو تبني دور عسكري توسعي. وبذلك ظل مبدأ ضبط النفس عنصرًا مركزيًّا في الثقافة الإستراتيجية الألمانية، حتى مع اتساع نطاق الأدوار الأمنية التي بدأت برلين تؤديها بعد انتهاء الحرب الباردة.
- ترسخ نموذج “القوة المدنية” في السياسة الأمنية الألمانية
برزت ألمانيا، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بوصفها نموذجًا لما عُرف في الأدبيات السياسية والإستراتيجية بـ”القوة المدنية”(4)، وهو مفهوم يعكس توجه الدولة نحو التأثير في البيئة الدولية عبر الأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية، مع تقليص الاعتماد على القوة العسكرية. وقد ارتبط تطوير هذا المفهوم بأعمال عدد من الباحثين، وفي مقدمتهم هانز دبليو ماول (Hanns W. Maull)(5)، الذي رأى أن السياسة الخارجية الألمانية تميل إلى توظيف العمل متعدد الأطراف والشرعية القانونية والتعاون الاقتصادي أدواتٍ رئيسة لإدارة العلاقات الدولية. وفي هذا الإطار، برزت برلين داعمًا مهمًّا للأمن التعاوني ومنع النزاعات وحفظ السلام والمساعدات الإنمائية.
تعزز هذا التوجه بفعل مجموعة من العوامل الهيكلية والسياسية. فقد أدَّى تراجع التهديدات العسكرية المباشرة داخل أوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة إلى تقليص الحاجة المتصورة لزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي الوقت نفسه، اكتسب التعاون الاقتصادي موقعًا محوريًّا في السياسة الخارجية الألمانية، استنادًا إلى قناعة مفادها أن التبادل التجاري والانخراط الاقتصادي يسهمان في ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني. كما فرضت اعتبارات التحالفات الدولية، إلى جانب الحذر المجتمعي تجاه التدخلات العسكرية الخارجية، قيودًا واضحة على تطوير القدرات الدفاعية الألمانية وعلى توسيع نطاق الانتشار العسكري خارج الحدود.
أظهرت مشاركة ألمانيا في بعثات حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي بعد عام 1999 -في كوسوفو، وأفغانستان، ثم مالي لاحقًا- استعدادًا متزايدًا لاستخدام الأدوات العسكرية ضمن سياقات محددة، إلا أن هذه المشاركات اتسمت في معظمها بطابع إنساني ومتعدد الأطراف ومحدود النطاق، وقد نُفِّذت وفق قواعد اشتباك صارمة ركزت على مهام تحقيق الاستقرار والدعم اللوجستي والتدريب أكثر من تركيزها على العمليات القتالية المباشرة. كما عكس الدور الألماني في أفغانستان هذا النهج بوضوح؛ إذ ظل محكومًا باعتبارات سياسية وثقافية هدفت إلى تقليص المخاطر والحد من الانخراط القتالي المباشر.
بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تصاعدت النقاشات داخل أوروبا وحلف الناتو بشأن طبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به ألمانيا في البيئة الأمنية المتغيرة. فقد طالبت قوى غربية عديدة برلين بتحمل مسؤوليات أمنية أكبر في ظل تدهور العلاقات مع روسيا، وتصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط، وتزايد الضغوط المتعلقة بتقاسم أعباء الدفاع داخل الناتو. ورغم الدعوات المتكررة إلى تبنِّي سياسة أكثر حزمًا -ومن أبرزها خطاب الرئيس الألماني، يواخيم غاوك (Joachim Gauck)، خلال مؤتمر ميونخ للأمن، عام 2014- فإن التحول في المقاربة الإستراتيجية الألمانية ظل تدريجيًّا ومحكومًا بإرث طويل من الحذر السياسي والثقافي تجاه استخدام القوة العسكرية.
وهكذا، عشية ما عُرف لاحقًا بـ”التحول التاريخي” (Zeitenwende)، ظلت السياسة الأمنية الألمانية قائمة على مرتكزات القوة المدنية، وضبط النَّفْس العسكري، والتفضيل الواضح للحلول متعددة الأطراف. وقد أسهمت هذه الموروثات التاريخية والثقافية في تشكيل طبيعة الاستجابة الألمانية للتحولات الجيوسياسية الكبرى التي شهدتها أوروبا بعد عام 2022.
ثانيًا: التحول الإستراتيجي الألماني: الدوافع والسياقات السياسية
- الغزو الروسي لأوكرانيا صدمة إستراتيجية لألمانيا
شكَّل الغزو الروسي لأوكرانيا، في 24 فبراير/شباط 2022، نقطة تحول كبرى في البيئة الأمنية الأوروبية، وفرض تحديًا مباشرًا على الأسس التي قامت عليها السياسة الخارجية والأمنية الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد استندت برلين، طوال عقود، إلى قناعة مفادها أن الترابط الاقتصادي والحوار السياسي والانخراط الدبلوماسي قادر على دفع روسيا نحو سلوك أكثر تعاونًا واستقرارًا. وقد شكَّل هذا التصور أحد المرتكزات الأساسية لسياسة “التقارب مع الشرق” (Ostpolitik)، وتَعَزَّز عبر عقود من التعاون الاقتصادي، خاصة في قطاع الطاقة. إلا أن الغزو الروسي كشف حدود هذه المقاربة، وأظهر حجم الاختلالات التي نتجت عن اعتماد ألمانيا الكبير على واردات الطاقة الروسية، كما أبرز هشاشة الرهان الجيواقتصادي الذي حكم جزءًا مهمًّا من السياسة الألمانية تجاه موسكو.
قبل الحرب، كانت روسيا تزود ألمانيا بنحو 55% من وارداتها من الغاز الطبيعي، ونحو 50% من وارداتها من الفحم، وأكثر من ثلث وارداتها من النفط(6). وقد خلق هذا المستوى من الاعتماد حالة انكشاف إستراتيجية كبيرة، لاسيما أن الصناعة الألمانية ارتبطت بصورة عميقة بإمدادات الطاقة الروسية منخفضة الكلفة نسبيًّا. واستفادت قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والصلب والتصنيع، من هذه الميزة لعقود؛ الأمر الذي جعل الاضطراب المفاجئ في الإمدادات عاملًا ضاغطًا على النموذج الاقتصادي الألماني بأكمله.
أدَّى الانهيار المفاجئ لهذا النظام إلى ضغوط تضخمية واسعة، واضطرابات في القطاع الصناعي، ومخاوف متزايدة بشأن تنافسية القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وارتفع معدل التضخم في ألمانيا إلى أكثر من 7% خلال عام 2022، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ عقود، بالتزامن مع تراجع الإنتاج الصناعي في عدد من القطاعات الرئيسة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة(7). واستجابت الحكومة الألمانية بإطلاق حزم دعم واستقرار تجاوزت قيمتها 200 مليار يورو لحماية الأسر والشركات من تداعيات أزمة الطاقة، وهو ما عكس حجم الترابط بين التحديات الجيوسياسية والاستقرار الاقتصادي الداخلي(8).
جسَّد لجوء روسيا إلى استخدام القوة العسكرية واسعة النطاق لإعادة رسم الحدود بالقوة نمطًا من التهديدات كانت ألمانيا تعدُّه، إلى حدٍّ كبير، من بقايا حقبة تاريخية انتهت مع الحرب الباردة. وقد أدَّت سرعة العمليات العسكرية واتساع نطاقها إلى إطلاق عملية مراجعة إستراتيجية عاجلة داخل دوائر صنع القرار الألمانية. وفي هذا السياق، ألقى المستشار الألماني السابق، أولاف شولتز، خطابًا تاريخيًّا أمام البرلمان الألماني، في 27 فبراير/شباط 2022، كما سبق القول، أي بعد ثلاثة أيام فقط من بدء الغزو، أعلن فيه دخول ألمانيا مرحلة “التحول التاريخي”، في إشارة واضحة إلى القطيعة مع عدد من الافتراضات الإستراتيجية التي حكمت السياسة الألمانية لعقود. وقد تضمن الخطاب حزمة من التحولات الجوهرية، شملت إنشاء صندوق استثنائي لتحديث القوات المسلحة الألمانية، والالتزام برفع الإنفاق الدفاعي بما يتوافق مع معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتعزيز الوجود العسكري على الجناح الشرقي للحلف، إلى جانب توسيع نطاق الدعم العسكري المقدَّم لأوكرانيا(1).
من المنظور الإستراتيجي، مثَّل الغزو الروسي صدمة مزدوجة لألمانيا. فمن جهة أولى، كشف محدودية سياسة ضبط النفس والانخراط الاقتصادي التي تبنَّتها برلين تجاه موسكو، بعدما أخفقت هذه المقاربة في تحقيق الأهداف المرتبطة بترسيخ الاستقرار ومنع التصعيد. ومن جهة ثانية، أظهر الغزو حجم التحديات البنيوية التي تعانيها القدرات العسكرية الألمانية، في ظل تراجع الجاهزية القتالية للقوات المسلحة، وبطء عمليات التوريد والتحديث العسكري، واستمرار الفجوات الهيكلية في الإنفاق الدفاعي(9). وقد دفعت هذه التطورات ألمانيا إلى مواجهة التناقض القائم بين وزنها الاقتصادي الكبير وقدراتها العسكرية المحدودة؛ الأمر الذي أعاد فتح النقاشات المتعلقة بمستقبل الدور الألماني في منظومة الدفاع الأوروبية، ومدى قدرة برلين على الوفاء بالتزاماتها الأمنية داخل الناتو والاتحاد الأوروبي(10).
- ديناميكيات الائتلاف الحاكم وإعادة تشكيل الخيارات الإستراتيجية
تأثرت الاستجابة السياسية الداخلية لـ”التحول التاريخي” بدرجة كبيرة بالتوازنات والديناميكيات داخل الحكومة الائتلافية الألمانية السابقة، التي ضمَّت الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر. فقد دخلت هذه الأحزاب الائتلاف الحاكم بخلفيات إستراتيجية وتقاليد سياسية مختلفة؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على طبيعة النقاشات المتعلقة بوتيرة التحول الأمني وحدوده.
واجه الحزب الاشتراكي الديمقراطي -المرتبط تاريخيًّا بسياسة التقارب مع الشرق والتعاون مع روسيا- انقسامات داخلية واضحة بشأن طبيعة التحول المطلوب. فرغم تبني المستشار أولاف شولتز خطابًا يدعو إلى مراجعة المقاربة الإستراتيجية الألمانية، ظلت قطاعات داخل الحزب متحفظة تجاه التوسع السريع في الالتزامات العسكرية، ومتوجسة من التداعيات السياسية والاقتصادية لزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي المقابل، فاجأ حزب الخضر كثيرًا من المراقبين بتبنِّيه موقفًا أكثر تشددًا تجاه روسيا، ودفاعه عن تقديم دعم عسكري واسع لأوكرانيا، وهو تحول عَكَسَ تغيرًا تدريجيًّا في الرؤية السياسية للحزب، وانتقاله من مقاربات سلمية تقليدية إلى مقاربة تربط الأمن الأوروبي باعتبارات أخلاقية وإستراتيجية أوسع.
أما الحزب الديمقراطي الحر، فقد أبدى دعمًا واضحًا لتعزيز الإنفاق الدفاعي وتقوية دور ألمانيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أنه تمسك، في الوقت نفسه، بأولوية الانضباط المالي والقيود المفروضة على الإنفاق العام؛ الأمر الذي أوجد توترات داخل الائتلاف بشأن آليات تمويل الالتزامات الدفاعية الجديدة.
فرضت هذه التباينات على الحكومة الألمانية إدارة سياسية دقيقة للتحول الإستراتيجي الجاري. وقد تعرض نهج شولتز التدريجي والحذر في إدارة الأزمة لانتقادات داخلية وخارجية؛ إذ رأى عدد من الحلفاء والشركاء الغربيين أن برلين تتحرك بوتيرة أبطأ من متطلبات البيئة الأمنية الجديدة(11). ومع ذلك، فإن القرارات التي اتخذتها الحكومة -مثل تزويد أوكرانيا بالأسلحة الثقيلة، وتعزيز الوجود العسكري الألماني في ليتوانيا(10)، وإطلاق برامج تسليح وتحديث واسعة للقوات المسلحة الألمانية- عكست استعدادًا متزايدًا لتجاوز بعض القيود التاريخية التي حكمت السياسة الأمنية الألمانية لعقود طويلة.
كشفت النقاشات البرلمانية، بدورها، عن وجود دعم سياسي واسع -وإن ظل مشروطًا- لتوسيع الدور الأمني والعسكري لألمانيا. إلا أن هذه النقاشات أظهرت أيضًا استمرار المخاوف المرتبطة بمخاطر التصعيد مع روسيا، واستدامة مستويات الإنفاق العسكري المرتفعة، واحتمالات تراجع الأدوات الدبلوماسية التقليدية في السياسة الخارجية الألمانية. وقد عكست هذه المواقف استمرار تأثير الثقافة الإستراتيجية الألمانية التقليدية، حتى في ظل التحولات السريعة التي فرضتها الحرب في أوكرانيا.
- الرأي العام الألماني وتحولات الثقافة الإستراتيجية
شهد الرأي العام الألماني تحولات ملحوظة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وإن جاءت هذه التحولات بدرجات متفاوتة ولم تتخذ مسارًا خطيًّا ثابتًا. فقد أظهرت استطلاعات الرأي في الأشهر الأولى من عام 2022 وجود دعم شعبي واسع لتقديم المساعدة لأوكرانيا، وتقليص الاعتماد على روسيا في مجال الطاقة، وزيادة الإنفاق الدفاعي. كما أبدت قطاعات كبيرة من المجتمع الألماني تأييدًا للتوجهات التي طرحها خطاب “التحول التاريخي”، مع تصاعد الإدراك العام لأهمية قضايا الأمن القومي ومكانتها في السياسة الألمانية.
مع ذلك، ظل الرأي العام الألماني متأثرًا باعتبارات اقتصادية وسياسية وأخلاقية معقدة. فقد بقيت المخاوف المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة، واحتمالات التصعيد العسكري مع روسيا، والتداعيات الاقتصادية للحرب، عوامل مؤثرة في تشكيل المواقف العامة. كما شهدت بعض السياسات -مثل تزويد أوكرانيا بالأسلحة الثقيلة أو الاستمرار في العقوبات رغم انعكاساتها الاقتصادية- مستويات متفاوتة من التأييد الشعبي بمرور الوقت. وعكست هذه التباينات استمرار التوتر بين الدعم الأخلاقي والسياسي لأوكرانيا من جهة، والحذر التقليدي تجاه الحلول العسكرية من جهة ثانية.
في المقابل، أظهرت التحولات الجارية تغيرًا أوسع في الثقافة الإستراتيجية الألمانية. فقد اتجه الخطاب العام تدريجيًّا نحو الاعتراف بحدود نموذج “القوة المدنية” الذي هيمن طويلًا على السياسة الألمانية، وبالحاجة إلى بناء قدرة دفاعية أكثر فاعلية ومصداقية. وأشارت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات ألمانية، من بينها مؤسسة كوربر(11) ومجموعة فورشونغسغروب فالين(12)، إلى تراجع تدريجي في قوة الإجماع المجتمعي المناهض للعسكرة، الذي شكَّل إحدى السمات البارزة للثقافة السياسية الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
أسهمت التحولات الجيلية، بدورها، في إعادة تشكيل المواقف العامة تجاه قضايا الأمن والدفاع. فقد أظهر الألمان الأصغر سنًّا، خاصة الفئات ذات التوجهات الأوروبية، استعدادًا أكبر لتقبل دور ألماني أكثر فاعلية في المجالين، الأمني والعسكري، في حين حافظت الأجيال الأكبر سنًّا على مستويات أعلى من الحذر تجاه الانخراط العسكري. كما عززت التغطيات الإعلامية والنقاشات الفكرية المتزايدة حضور موضوعات الأمن القومي، والمرونة الإستراتيجية، والمسؤولية الجيوسياسية داخل المجال العام الألماني، وهي قضايا لم تكن تحظى سابقًا بالمستوى نفسه من الاهتمام داخل الثقافة السياسية الألمانية(13).
بصورة عامة، لم يُحدث “التحول التاريخي” تغيرًا شاملًا وفوريًّا في المزاج العام الألماني، إلا أنه أطلق عملية مراجعة مهمة للمسلَّمات التقليدية المرتبطة بالسياسة الأمنية والدفاعية. وقد أصبح الرأي العام أكثر تقبلًا لفكرة تعزيز الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الانخراط داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتعامل مع البيئة الدولية بوصفها ساحة تنافس إستراتيجي متزايد؛ الأمر الذي وفر مساحة سياسية -وإن ظلت متفاوتة ومحدودة أحيانًا- لإعادة توجيه السياسة الأمنية الألمانية نحو مقاربة أكثر صلابة وفاعلية.
ثالثًا: التحديث العسكري وإصلاح السياسات الدفاعية
- الصندوق الخاص لتحديث الجيش ومعضلة التنفيذ
شكَّل الإعلان عن إنشاء الصندوق الخاص لتحديث القوات المسلحة الألمانية أبرز تجليات “التحول التاريخي” على المستوى المالي والعسكري. وقد استهدف هذا الصندوق تسريع عملية تحديث الجيش الألماني بعد سنوات طويلة من ضعف الاستثمار الدفاعي، ومعالجة أوجه القصور في القدرات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية بما يتوافق مع متطلبات حلف شمال الأطلسي (الناتو).
شهدت ميزانية الدفاع في ألمانيا زيادة كبيرة بعد عام 2022؛ إذ ارتفع الإنفاق الدفاعي من نحو 47 مليار يورو عام 2021 إلى أكثر من 90 مليار يورو عند احتساب مخصصات الصندوق الخاص(14). وقد مكَّن هذا الارتفاع ألمانيا من بلوغ معيار الإنفاق الدفاعي المعتمد داخل الناتو والبالغ نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم تصل إليه البلاد منذ عقود. ونتيجة لذلك، أصبحت ألمانيا من أكبر الدول الأوروبية إنفاقًا على الدفاع من حيث إجمالي الإنفاق العسكري، إلى جانب كل من فرنسا والمملكة المتحدة، مع بقاء العبء الدفاعي الألماني ضمن مستويات معتدلة نسبيًّا قياسًا بحجم الاقتصاد الألماني الكبير.
كما تفرض النقاشات الجارية داخل حلف الناتو بشأن رفع أهداف الإنفاق الدفاعي على المدى الطويل -والتي تتراوح بين 3.5% و5% من الناتج المحلي الإجمالي- تحديات هيكلية كبيرة على ألمانيا. ففي ظل اقتصاد يتجاوز حجمه 4 تريليونات يورو، يعني الوصول إلى مستوى إنفاق دفاعي يعادل 5% تخصيص ما يزيد على 180 إلى 200 مليار يورو سنويًّا للدفاع(14)، وهو ما يتجاوز بكثير مستويات الإنفاق الحالية على قطاعات حيوية مثل التعليم والإسكان والبنية التحتية والنقل. ومن ثم، فإن الوصول إلى هذه المستويات يتطلب إعادة ترتيب واسعة لأولويات الموازنة العامة، وقد يفتح نقاشات تتعلق بزيادة الاقتراض، أو تعديل السياسات الضريبية، أو إعادة توزيع الإنفاق العام بين القطاعات المختلفة.
مع ذلك، أظهرت عملية التنفيذ أن تحويل الموارد المالية إلى قدرات عسكرية فعلية يواجه تحديات سياسية ومؤسساتية معقدة. فقد أسهمت البيروقراطية المرتبطة بآليات المشتريات العسكرية، وتشعب إجراءات الرقابة البرلمانية، وتباين أولويات الأفرع العسكرية المختلفة، في إبطاء وتيرة الإنفاق والتنفيذ. وبحلول عام 2024، ظل جزء محدود فقط من أموال الصندوق مرتبطًا بعقود ومشروعات تنفيذية فعلية؛ الأمر الذي أثار تساؤلات متزايدة بشأن قدرة ألمانيا على ترجمة الالتزامات المالية إلى جاهزية عملياتية حقيقية. كما تعرضت القدرة الفعلية للصندوق لضغوط إضافية ناجمة عن التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج والتسليح، فضلًا عن تزايد متطلبات الصيانة والاستدامة طويلة المدى؛ ما أدَّى عمليًّا إلى تراجع القيمة الشرائية الحقيقية للمخصصات المعلنة.
في الوقت نفسه، أسهمت التحولات المتسارعة في البيئة الإستراتيجية الأوروبية في زيادة الضغوط المرتبطة بالإنفاق الدفاعي. فقد تصاعدت داخل حلف الناتو النقاشات المتعلقة برفع سقف الإنفاق الدفاعي إلى ما يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعة بضغوط أميركية متزايدة، وبمخاوف غربية مرتبطة باستدامة الردع في مواجهة روسيا على المدى الطويل(14). ويمثل الوصول إلى مثل هذه المستويات من الإنفاق تحولًا بالغ العمق بالنسبة لألمانيا؛ إذ إن تبني التزامات دفاعية بهذا الحجم من شأنه إعادة تشكيل أولويات الميزانية الفيدرالية بصورة جوهرية، في ظل الضغوط المتزايدة بين متطلبات الدفاع، والإنفاق الاجتماعي، والاستثمارات المرتبطة بالتحول الأخضر، ودعم القطاعات الصناعية.
وتكتسب هذه الإشكالية حساسية خاصة في الحالة الألمانية، نظرًا إلى أن نموذج الدولة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية تأسَّس على أولوية الاستقرار المالي، وتوسيع منظومة الرعاية الاجتماعية، وتقليص النزعة العسكرية في إدارة الدولة والاقتصاد. ومن ثم، فإن الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنفاق الدفاعي لا يمثل مجرد استجابة ظرفية للحرب في أوكرانيا بل يعكس تحولًا هيكليًّا أعمق في طبيعة الدولة الألمانية وأولوياتها الإستراتيجية والاقتصادية.
- فجوات القدرات العسكرية وتحديات المشتريات
دخل الجيش الألماني هذه المرحلة الجديدة وسط تحديات بنيوية في الجاهزية والقدرات العسكرية، شملت نقص الذخائر، وضعف منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، ومحدودية القوات الآلية القابلة للانتشار، وتقادم عدد من المنصات البحرية والجوية. وقد أبرزت تقارير المفوض العسكري في البرلمان بصورة متكررة مشكلات مرتبطة بتوافر المعدات، ونقص الكوادر البشرية، وضعف البنية التحتية العسكرية(15).
في هذا السياق، اكتسب إصلاح منظومة المشتريات العسكرية أهمية مركزية ضمن مسار التحديث الدفاعي، إلا أن عملية الإصلاح واجهت تحديات مؤسساتية متشابكة، ارتبطت بتوزع الصلاحيات بين وزارة الدفاع، ووكالات المشتريات، والشركات الصناعية الدفاعية. وقد عكست برامجُ التسلح الكبرى -مثل اقتناء طائرات إف35، وطائرات النقل والمروحيات الثقيلة، ومشروعات رقمنة القوات البرية- حجمَ التقدم الذي تَحَقَّقَ من جهة، واستمرار العقبات الهيكلية والإدارية من جهة ثانية.
واتجه النقاش الإستراتيجي في ألمانيا تدريجيًّا نحو سؤال يرتبط بقدرة البلاد على التحول من قوة اقتصادية كبرى ذات حضور عسكري محدود إلى قوة تمتلك قدرات عسكرية متقدمة تتناسب مع موقعها القيادي داخل أوروبا. ويتطلب هذا التحول توسيع حجم القوات المسلحة، وتطوير البنية التحتية العسكرية، وتجديد المخزونات الإستراتيجية، وتعزيز الأمن السيبراني، ودعم القاعدة الصناعية الدفاعية، إلى جانب تحديث المعدات والأنظمة القتالية.
وتفرض هذه التحولات أعباء مالية وسياسية كبيرة على الدولة الألمانية، خاصة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع كلفة الالتزامات الاجتماعية المرتبطة بشيخوخة المجتمع، واتساع الضغوط على الموازنة العامة نتيجة تزايد متطلبات الإنفاق الدفاعي إلى جانب الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
كما تواجه ألمانيا صعوبة في تحقيق هدف الجيش الألماني المتمثل في رفع عدد القوات العاملة إلى نحو 203 آلاف جندي (21). ولا تزال تحديات التجنيد، والشيخوخة السكانية، والمنافسة مع سوق العمل المدني، تحُدُّ من قدرة القوات المسلحة على التوسع. وفي الوقت نفسه، تفرض متطلبات الجاهزية داخل حلف شمال الأطلسي على ألمانيا توفير وحدات قتالية عالية الجاهزية وقابلة للنشر السريع، إلى جانب تعزيز مخزونات الذخيرة، وتطوير القدرات اللوجستية والدعم العملياتي.
- الإنفاق الدفاعي الألماني ومستقبل الاعتماد على الولايات المتحدة
يعكس التزام ألمانيا برفع إنفاقها الدفاعي وتجاوز المعايير التقليدية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تحولًا واضحًا في أولوياتها الإستراتيجية بعد عقود من الحذر العسكري والمالي. فقد أسهم “الصندوق الخاص” لتحديث الجيش في دفع الإنفاق الدفاعي على المدى القصير، بالتوازي مع الزيادات المتواصلة في الميزانية الدفاعية الاعتيادية؛ الأمر الذي يضع ألمانيا في موقع الدولة الأعلى إنفاقًا عسكريًّا داخل أوروبا.
مع ذلك، يطرح الحفاظ على هذا المستوى من الإنفاق تحديات سياسية واقتصادية متزايدة، خاصة مع اقتراب استنفاد موارد الصندوق الاستثنائي. إذ يتطلب استمرار التوسع الدفاعي إعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة، واتخاذ قرارات حساسة تتعلق بالضرائب، وسياسات الديون، وتوزيع الموارد بين الإنفاق العسكري والالتزامات الاجتماعية والاستثمارات الاقتصادية طويلة المدى.
في الوقت نفسه، اكتسب العامل الأميركي أهمية متزايدة في إعادة تشكيل النقاش الدفاعي داخل ألمانيا. فقد أثارت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المتكررة -التي شكَّكت في مستوى التزام الولايات المتحدة تجاه الناتو، وألمحت إلى احتمال تقليص الدعم العسكري الأميركي لأوروبا- حالة من القلق داخل الأوساط السياسية والإستراتيجية الألمانية. كما عزَّزت النقاشات المتعلقة بإمكان خفض أعداد القوات الأميركية المنتشرة في ألمانيا(16)، إلى جانب تصاعد الشكوك بشأن استدامة تحمل الولايات المتحدة مسؤولية الدفاع عن القارة الأوروبية.
أدَّت هذه التطورات إلى تسريع المراجعة الألمانية لمسألة الاعتماد الإستراتيجي على الولايات المتحدة. فبرلين لا تزال تنظر إلى الناتو والتعاون عبر الأطلسي بوصفهما ركيزة أساسية للأمن الأوروبي، إلا أن دوائر صنع القرار الألمانية باتت أكثر اقتناعًا بأن الأمن الأوروبي طويل المدى يحتاج إلى قدرات دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا واستدامة. ومن هذا المنطلق، يرتبط التحول العسكري الألماني بالحرب الروسية على أوكرانيا من جهة، ويرتبط من جهة ثانية بتزايد الشكوك حول قابلية السياسة الأميركية للاستمرار على النهج نفسه تجاه أمن أوروبا في المستقبل.
رابعًا: ألمانيا وتحولات الأمن الأوروبي والأطلسي
- تعزيز الردع على الجناح الشرقي للناتو
عزَّزت ألمانيا مساهماتها في منظومة الردع التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة من خلال قيادتها لمجموعة القتال التابعة لقوات الانتشار المتقدم للحلف في ليتوانيا، إلى جانب التزامها بنشر قوة بحجم لواء لدعم دفاعات الجناح الشرقي. وتعكس هذه الخطوات توسع الدور الألماني في ترتيبات الردع والدفاع الجماعي داخل الناتو، سواء عبر الانتشار البري أو من خلال المشاركة في مهام الشرطة الجوية، والانتشار البحري، وقوات الاستجابة السريعة.
في المقابل، أصبح الجناح الشرقي للحلف ساحة رئيسة لاختبار مكانة ألمانيا الأمنية داخل أوروبا. فقد باتت دول مثل بولندا ودول البلطيق تقيِّم الدور الألماني استنادًا إلى مستوى الجاهزية العسكرية، والقدرات القابلة للانتشار، والالتزامات الدفاعية طويلة المدى، أكثر من ارتباطه بالثقل الاقتصادي الألماني وحده. ومن ثم، ارتبطت مصداقية ألمانيا الأوروبية بصورة متزايدة بقدرتها على أداء دور عسكري وعملياتي فاعل داخل منظومة الردع الغربية.
- مسار بناء الدفاع الأوروبي
وسَّعت ألمانيا دورها داخل مبادرات الدفاع الأوروبية خارج إطار الناتو، وإن ظل هذا الدور محكومًا بدرجة من الحذر السياسي والإستراتيجي. وشمل ذلك دعم “البوصلة الإستراتيجية” للاتحاد الأوروبي(17)، والمشاركة في مبادرة “الدرع الجوية الأوروبية” (ESSI)، وتعزيز التعاون الدفاعي مع دول أوروبا الوسطى والشرقية. ومع ذلك، لا تزال القيادة الألمانية تواجه تباينات داخل الاتحاد الأوروبي تتعلق بتقدير التهديدات، وحدود الالتزامات الدفاعية، ومستوى الثقة في قدرة برلين على الاضطلاع بدور قيادي مستدام.
في المقابل، تنظر ألمانيا بصورة متزايدة إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية بوصفه أداةً لتقليص الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة في ظل تنامي عدم اليقين المرتبط بالسياسات الأميركية المستقبلية. فقد دفعت المخاوف المتعلقة بإمكان تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، أو تراجع الالتزام الأميركي تجاه الناتو، أو تركيز واشنطن بصورة أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى تنامي التأييد داخل ألمانيا لبناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا وفاعلية.
ولا يزال نحو 35 ألف جندي أميركي متمركزين في ألمانيا، إلى جانب بنية تحتية واسعة تشمل مراكز القيادة والإمداد والاستخبارات والنقل الجوي، وهي عناصر أساسية في العمليات العسكرية لحلف الناتو (23). ومن ثم، فإن أي تقليص جوهري للوجود العسكري الأميركي لن يقتصر تأثيره على القدرات العملياتية للحلف بل سيمتد إلى البُعد السياسي والرمزي المرتبط بمستوى الالتزام الأميركي تجاه أمن أوروبا(25). وفي هذا السياق، باتت دوائر صنع القرار الألمانية تنظر إلى التحديث العسكري الجاري بوصفه استجابة للتهديد الروسي من جهة، وتحوطًا إستراتيجيًّا تجاه احتمالات تغير السياسات الأميركية مستقبلًا من جهة ثانية.
ومع ذلك، يختلف التصور الألماني عن المقاربة الفرنسية لمفهوم “الاستقلال الإستراتيجي”. فبرلين تميل إلى تعزيز القدرات الأوروبية داخل إطار الناتو والتعاون عبر الأطلسي، في حين تدفع باريس باتجاه توسيع هامش الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة في المجالين الدفاعي والإستراتيجي.
- الشراكة الألمانية الفرنسية وإشكالية الاستقلال الدفاعي الأوروبي
تظل الشراكة الألمانية/الفرنسية محورًا رئيسًا في مستقبل السياسة الدفاعية الأوروبية، رغم استمرار الخلافات بين الطرفين في عدد من الملفات، خاصة ما يتعلق بالصناعات العسكرية المشتركة، والردع النووي، وحدود الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي في علاقته بحلف الناتو(18). وتعكس مشروعات مثل “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS)(19)، و”نظام القتال الأرضي الرئيسي” (MGCS)(20)، في الوقت نفسه، حجم الطموح المشترك، وعمق التباينات السياسية والصناعية بين البلدين.
أسهم “التحول التاريخي” الألماني في زيادة التقارب مع فرنسا في مجالات تطوير القدرات الدفاعية بعيدة المدى، إلا أن التباينات الهيكلية المتعلقة بالأولويات الصناعية والإستراتيجية لا تزال تعقِّد مسار التعاون المشترك. وفي هذا السياق، عزَّزت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض المخاوف الأوروبية المرتبطة باستقرار العلاقة عبر الأطلسي. فقد أسهمت الخلافات المتعلقة بتقاسم أعباء الناتو، والسياسات التجارية، وتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط -بما في ذلك الحرب على إيران- في ترسيخ قناعة متزايدة داخل برلين وباريس بضرورة امتلاك أوروبا هامشًا أوسع من المرونة الإستراتيجية.
كما بات صُنَّاع القرار الألمان أكثر اقتناعًا بأن التحولات الجيوسياسية المرتبطة بالولايات المتحدة تحمل تأثيرات مباشرة على الأمن الأوروبي والمصالح الاقتصادية للقارة؛ الأمر الذي يدفع نحو توسيع التنسيق الدفاعي الأوروبي وتعزيز قدراته الذاتية.
خامسًا: الاستقلال الإستراتيجي وأمن الطاقة والتحولات الجيواقتصادية
لم يقتصر “التحول التاريخي” الألماني على إعادة بناء السياسة الدفاعية بل امتد ليشمل مراجعة أوسع للأسس الجيواقتصادية التي قامت عليها القوة الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا هشاشة عدد من الركائز التي اعتمد عليها النموذج الألماني، وفي مقدمتها الاعتماد الواسع على الطاقة الروسية، وضعف الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، وتراجع القدرة الصناعية الدفاعية. وفي هذا السياق، اتجهت ألمانيا إلى إعادة صياغة إستراتيجيتها في ثلاثة مسارات مترابطة: العلاقة مع روسيا، وأمن الطاقة، والقاعدة الصناعية الدفاعية.
- التحول الإستراتيجي في العلاقات مع روسيا
قامت السياسة الألمانية تجاه روسيا، لعقود طويلة، على افتراض أن الترابط الاقتصادي والانخراط التجاري قادران على دفع موسكو نحو سلوك أكثر تعاونًا واستقرارًا، وهو التصور الذي ارتبط بإرث “السياسة الشرقية” ومفهوم “التغيير عبر التجارة”. إلا أن الحرب على أوكرانيا دفعت ألمانيا إلى مراجعة جذرية لهذا النهج، بعدما بدا أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل لم يمنع التصعيد العسكري الروسي.
في هذا الإطار، اتخذت برلين سلسلة خطوات مثَّلت قطيعة واضحة مع سياساتها السابقة، شملت تعليق مشروع “نورد ستريم 2″، وإنهاء عدد من عقود الغاز طويلة الأجل، والانخراط في منظومة العقوبات الغربية التي استهدفت قطاعات الطاقة والتمويل والتكنولوجيا الروسية(22). كما توسَّع الدعم الألماني لأوكرانيا عسكريًّا وسياسيًّا، بالتوازي مع تعزيز الدور الألماني داخل الناتو ومنظومة الردع الأوروبية.
ومع ذلك، لا تزال داخل ألمانيا تيارات سياسية، خاصة داخل بعض أوساط اليسار والحزب الاشتراكي الديمقراطي، تدعو إلى الحفاظ على قدر من الانخراط في التعامل مع روسيا. وتعكس هذه المواقف استمرار تأثير المدرسة التقليدية التي رأت في الحوار والاعتماد الاقتصادي المتبادل أساسًا للاستقرار الأوروبي. لكن الاتجاه الغالب داخل الدولة الألمانية بات ينظر إلى روسيا بوصفها مصدر تهديد إستراتيجيًّا، لا شريكًا طويل المدى كما كانت الحال خلال العقود السابقة.
- أمن الطاقة وتحولات الاعتماد الإستراتيجي
فرض تراجع واردات الطاقة الروسية على ألمانيا إعادة هيكلة سريعة لسياسة الطاقة. فقد سارعت برلين إلى إنشاء محطات لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، بما أتاح تعويض جزء كبير من الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب. كما كثفت الاستثمارات في الطاقة المتجددة، والبنية التحتية للهيدروجين، وتحديث شبكات الكهرباء، وإعادة تشغيل بعض محطات الفحم، لضمان استقرار الإمدادات خلال المرحلة القادمة.
غير أن هذا التحول لم يُنهِ مواطن الهشاشة الإستراتيجية بصورة كاملة؛ إذ لا تزال أسعار الطاقة المرتفعة تضغط على القدرة التنافسية للصناعة الألمانية. كما تواجه عملية التحول نحو الطاقة المتجددة تحديات مرتبطة بإجراءات الترخيص، وتطوير شبكات الكهرباء، وارتفاع كلفة الاستثمار، ومتطلبات التوسع السريع في البنية التحتية. وفي الوقت نفسه، أدَّى تقليص الاعتماد على روسيا إلى توسيع الارتباط بأسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية، وبشبكات توريد ترتبط بصورة متزايدة بالولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط؛ الأمر الذي أبقى الاقتصاد الألماني معرضًا لتقلبات البيئة الجيوسياسية الدولية، وإن ضمن أنماط مختلفة عن السابق.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة أوضح في ظل التوترات المرتبطة بالحرب على إيران وما أسفرت عنه من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وما حملته من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وأسعارها. فمثل هذه التطورات تضيف أعباء جديدة على الاقتصاد الألماني الذي يواجه بالفعل تحديات مرتبطة بكلفة الطاقة والتحول الصناعي.
كما أن تنويع مصادر واردات الطاقة فرض تكاليف اقتصادية مرتفعة. فقد أسهم ارتفاع أسعار الطاقة في تصاعد الضغوط التضخمية، وتراجع أداء القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي. وشهد الاقتصاد الألماني حالة جمود نسبي خلال الفترة 2023-2024، بالتوازي مع تراجع ملحوظ في الإنتاج الصناعي، خاصة في قطاعات الكيماويات والمعادن والصناعات الثقيلة(32). كما بقيت أسعار الكهرباء الصناعية في ألمانيا بعد عام 2022 من بين الأعلى في أوروبا(33)؛ الأمر الذي أثار قلقًا متزايدًا بشأن القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني على المدى الطويل، واحتمالات انتقال بعض الاستثمارات الصناعية إلى أسواق أقل كلفة.
وقد دفعت هذه الضغوط إلى تصاعد النقاشات المتعلقة بقدرة ألمانيا على تمويل التوسع العسكري، والحفاظ في الوقت نفسه على تنافسية اقتصادها الصناعي، واستمرار نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي يمثل إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الداخلي(35). وتزداد هذه التحديات تعقيدًا في ظل ارتفاع النفقات المرتبطة بالشيخوخة السكانية، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، وسياسات التحول في قطاع الطاقة والمناخ(36).
كما تتقاطع هذه الضغوط مع التوسع المتواصل في الإنفاق الدفاعي. فزيادة الموارد المخصصة لتحديث الجيش تفرض ضغوطًا متزايدة على الموازنة العامة، في ظل الحاجة إلى الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي، والاستثمارات المرتبطة بتحول قطاع الطاقة وخفض الانبعاثات، ودعم القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني. وتكتسب هذه المفاضلات حساسية خاصة داخل الثقافة السياسية الألمانية التي منحت، تاريخيًّا، أولوية واضحة للاستقرار المالي ونموذج اقتصاد السوق الاجتماعي.
- إعادة بناء القدرة الصناعية الدفاعية
دفعت الحرب الروسية على أوكرانيا ألمانيا إلى إعادة تقييم وضع صناعتها الدفاعية وقدرتها على تلبية الاحتياجات العسكرية المتزايدة. فبعد عقود من محدودية الاستثمار، تركزت الصناعة الدفاعية الألمانية في عدد محدود من الشركات، ضمن طاقات إنتاجية لا تتناسب مع متطلبات الحروب الممتدة أو إعادة التسلح السريع. وقد كشفت الحرب عن قصور واضح في إنتاج الذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي، والمركبات المدرعة، وقطع الغيار؛ الأمر الذي صعَّب تلبية احتياجات الجيش الألماني بالتوازي مع دعم أوكرانيا.
استجابة لذلك، اتجهت برلين إلى تحفيز الصناعات الدفاعية عبر عقود شراء طويلة المدى، وتوسيع التعاون الأوروبي المشترك في مشروعات مثل “نظام القتال الجوي المستقبلي” و”نظام القتال الأرضي الرئيسي”، إلى جانب تعزيز التنسيق الدفاعي الأوروبي من خلال مبادرات مثل “الدرع الجوي الأوروبي”. ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود تواجه تحديات مرتبطة ببطء إجراءات المشتريات، وتجزئة الأسواق الدفاعية الأوروبية، والتردد السياسي في الالتزام بطلبات تسليح طويلة الأجل.
ويشير هذا المسار إلى أن صعود ألمانيا بوصفها قوة عسكرية أوروبية يفرض إعادة بناء تدريجية لقدرتها الصناعية الدفاعية، بما يجعل التحول العسكري مرتبطًا بتحولات اقتصادية وصناعية أوسع. ومن ثم، تواجه ألمانيا تحديًا إستراتيجيًّا مركبًا يتمثل في قدرتها على الجمع، في آن واحد، بين الحفاظ على تنافسية اقتصادها الصناعي، واستقرارها الاجتماعي، وأهداف التحول نحو الطاقة النظيفة، ومتطلبات التوسع العسكري المتصاعد.
ومنذ عام 2022، وسَّعت شركات دفاع ألمانية، مثل “راينميتال” (Rheinmetall)، و”هينسولدت” (Hensoldt)، و”كي إن دي إس دويتشلاند” (KNDS Deutschland)، قدراتها الإنتاجية بصورة ملحوظة، خاصة في مجالات الذخائر، والمركبات المدرعة، وتقنيات الدفاع الجوي(34). كما أعلنت شركة “راينميتال” عن خطط استثمارية بمليارات اليوروهات لتوسيع خطوط الإنتاج وزيادة إنتاج قذائف المدفعية، استجابةً للطلب المتزايد داخل ألمانيا وأوروبا(37). ومع ذلك، ترى تقديرات إستراتيجية أوروبية أن القدرات الإنتاجية الحالية للصناعات الدفاعية الأوروبية لا تزال غير كافية للتعامل مع سيناريوهات الصراعات الممتدة وعالية الكثافة(38). ولذلك، تواجه ألمانيا ضغوطًا متزايدة لا تقتصر على رفع الإنفاق العسكري، بل تشمل أيضًا بناء قدرة صناعية دفاعية قادرة على الاستمرار والتوسع على المدى الطويل.
سادسًا: تأثير حكومة ميرتز في التحول الأمني الألماني
مع تولي فريدريش ميرتز (Friedrich Merz) منصب المستشار وتشكيل حكومة جديدة، عام 2025، دخلت ألمانيا مرحلة سياسية جديدة في توقيت حاسم لإعادة صياغة سياستها الأمنية والدفاعية بعد التحولات التي أطلقتها الحرب الروسية على أوكرانيا. وقد اتجهت الحكومة الجديدة منذ أشهرها الأولى إلى تبني مقاربة أكثر وضوحًا في ما يتعلق بتوسيع القدرات العسكرية، وتعزيز الإنفاق الدفاعي، وترسيخ الدور الألماني داخل منظومة الأمن الأوروبي والأطلسي.
ومن أبرز الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة التوجه نحو تخفيف القيود الدستورية المرتبطة بسياسة “كبح الديون” بما يسمح بزيادة الإنفاق الاستثماري والدفاعي على المدى الطويل(39). كما طرحت الحكومة مشروع إنشاء صندوق استثماري واسع النطاق تُقدر قيمته بنحو 500 مليار يورو لتمويل مشروعات إستراتيجية مرتبطة بالبنية التحتية، والتحديث الاقتصادي، والقدرات الدفاعية خلال السنوات المقبلة. وتعكس هذه الخطوات انتقالًا واضحًا نحو مقاربة أكثر مرونة في إدارة السياسة المالية، بما يتناسب مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها ألمانيا.
وفي المجال الإستراتيجي، أطلقت حكومة ميرتز خطابًا أكثر صراحة بشأن موقع ألمانيا داخل منظومة الدفاع الأوروبية. ففي أول بيان حكومي له، أكد ميرتز أن حكومته ستعمل على توفير الموارد اللازمة لبناء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”(40). كما أبدى دعمًا لتوسيع الخدمة الوطنية التطوعية، وطرح أفكارًا تتعلق بإعادة تنشيط بعض أشكال الخدمة العسكرية والمدنية، في ظل التحديات المرتبطة بالتجنيد وتوفير الكوادر البشرية للقوات المسلحة.
كذلك، عزَّزت الحكومة الجديدة التوجه نحو رفع الإنفاق الدفاعي بصورة تدريجية تتجاوز الحد الأدنى المعتمد داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وارتبط هذا التوجه بتصاعد القناعة داخل برلين بأن البيئة الأمنية الأوروبية دخلت مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، وبأن الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الأميركية لم يعد خيارًا مضمونًا على المدى البعيد. وفي هذا السياق، شدَّد ميرتز في أكثر من مناسبة على ضرورة امتلاك أوروبا قدرات دفاعية أكثر استقلالًا وفاعلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشراكة عبر الأطلسي(41).
على المستوى العملياتي، اتخذت الحكومة الألمانية خطوات عملية لتوسيع الحضور العسكري الألماني على الجناح الشرقي للناتو. فقد شرعت برلين في نشر لواء عسكري دائم في ليتوانيا، في أول انتشار دائم واسع النطاق للقوات الألمانية خارج البلاد منذ الحرب العالمية الثانية(42). ويعكس هذا القرار تحولًا مهمًّا في طبيعة الدور العسكري الألماني، وانتقاله من التركيز على الدعم اللوجستي والمشاركة المحدودة إلى التزامات ردعية أكثر وضوحًا واستدامة.
كما أسهمت الإصلاحات المالية والمؤسساتية التي تبنَّتها حكومة ميرتز في إزالة عدد من القيود التي أعاقت، خلال السنوات السابقة، تحديث المؤسسة العسكرية الألمانية. فقد وفرت هذه الإصلاحات مسارًا ماليًّا أكثر استقرارًا لبرامج التسلح، والاستثمار الصناعي الدفاعي، وتطوير القدرات العسكرية طويلة المدى، وهو ما يعزِّز احتمالات استمرار التحول الدفاعي الألماني خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، باتت ألمانيا تميل بصورة متزايدة إلى تقديم نفسها بوصفها فاعلًا أمنيًّا رئيسًا داخل أوروبا، لا يقتصر دوره على القوة الاقتصادية والدبلوماسية بل يمتد أيضًا إلى المساهمة العسكرية المباشرة في الدفاع الجماعي الأوروبي(43). وقد انعكس ذلك في اتساع النقاشات المتعلقة بتطوير القاعدة الصناعية الدفاعية، وزيادة إنتاج الذخائر، وتوسيع الاستثمارات المرتبطة بالدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والقدرات اللوجستية.
ومع ذلك، لا تزال هذه التوجهات تواجه جملة من القيود والتحديات. فمن الناحية الداخلية، يثير توسيع الإنفاق الدفاعي وتخفيف القيود المالية مخاوف تتعلق باستدامة المالية العامة، خاصة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم. كما أن قطاعات من الرأي العام والقوى السياسية الألمانية لا تزال متحفظة تجاه التحول نحو دور عسكري أكثر اتساعًا، انطلاقًا من الإرث التاريخي والثقافة السياسية التي تفضِّل الحذر في استخدام القوة العسكرية.
أما على المستوى العملي، فإن تحويل الموارد المالية إلى قدرات عسكرية جاهزة يظل عملية معقدة وطويلة الأمد. فالتحديات المرتبطة بالمشتريات العسكرية، ونقص الكوادر البشرية، وضغوط سلاسل التوريد، والاعتماد على المواد الخام والتكنولوجيا، لا تزال تحد من سرعة التحول الدفاعي. كما أن تباين المصالح بين الدول الأوروبية يفرض صعوبات إضافية أمام بناء سياسة دفاعية أوروبية أكثر تكاملًا، خاصة في ما يتعلق بالمشتريات المشتركة وتنسيق الصناعات العسكرية.
بصورة عامة، عزَّزت حكومة ميرتز احتمالات استمرار وتعميق التحول الأمني الألماني بعد “التحول التاريخي”. فقد وفرت موارد مالية أكبر، ودفعت باتجاه توسيع الالتزامات العسكرية، ورسَّخت خطابًا سياسيًّا أكثر وضوحًا بشأن الدور الأمني الألماني داخل أوروبا. إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة ألمانيا على الحفاظ على التوازن بين متطلبات التوسع العسكري، والاستقرار الاقتصادي، والتوافق السياسي والاجتماعي الداخلي، إلى جانب قدرتها على تحويل الطموحات الإستراتيجية إلى قدرات عملياتية مستدامة وفاعلة.
سابعًا: تقييم مدى التحول الإستراتيجي الألماني
كثيرًا ما يُوصَف التحول الذي شهدته السياسة الأمنية الألمانية منذ عام 2022 بأنه تحول تاريخي، إلا أن تقييم عمقه الفعلي ومدى استدامته لا يزال محل نقاش داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية. ويقتضي هذا التقييم التمييز بين التحولات الخطابية، والتغييرات المؤسسية، والقدرة على تحويل القرارات السياسية إلى قدرات إستراتيجية وعسكرية مستدامة.
- الاستمرارية والتغير في الثقافة الإستراتيجية الألمانية
رغم التحولات المهمة التي شهدتها السياسة الدفاعية الألمانية، لا يزال عدد من السمات التقليدية للثقافة الإستراتيجية الألمانية حاضرًا بقوة. فلا تزال الدبلوماسية، والعمل عبر التحالفات والمؤسسات الدولية، والحذر تجاه استخدام القوة العسكرية، تشكِّل عناصر أساسية في التفكير الإستراتيجي الألماني. ومن ثم، فإن “التحول التاريخي” لا يعكس قطيعة كاملة مع الموروث الإستراتيجي السابق بقدر ما يمثل عملية تكيف مع بيئة أمنية أوروبية أكثر اضطرابًا.
مع ذلك، أظهرت التطورات الأخيرة تحولات واضحة في طبيعة الدور الذي بات يُنتظر من ألمانيا أن تؤديه داخل أوروبا. فعلى مدى عقود، ارتبط النفوذ الألماني بصورة رئيسة بالقوة الاقتصادية، والقدرة التنظيمية، والدور الدبلوماسي الوسيط. أما اليوم، فقد أصبحت القيادة الأوروبية ترتبط بصورة متزايدة بالقدرة على المساهمة العسكرية والأمنية المباشرة. وبذلك، تواجه ألمانيا تحولًا مهمًّا في تصورها لدورها الإقليمي؛ إذ لم يعد يُنتظر منها تمويل الاستقرار الأوروبي فحسب بل المساهمة أيضًا في حمايته عسكريًّا ضمن ترتيبات الردع الجماعي.
كما كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا حدود النموذج الذي اعتمد بصورة كبيرة على الترابط الاقتصادي والانخراط السياسي بوصفهما أدوات لتحقيق الاستقرار. وقد دفع ذلك قطاعات واسعة داخل النخب السياسية والإستراتيجية الألمانية إلى إعادة تقييم العلاقة بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية، وإلى تبني رؤية أكثر استعدادًا لاستخدام أدوات الردع والدفاع في إدارة التحديات الجيوسياسية.
- بين الخطاب السياسي وبناء القدرات الفعلية
يتطلب تقييم التحول الألماني النظر إلى المخرجات الفعلية للسياسات، لا الاكتفاء بالخطابات السياسية أو الالتزامات المعلنة. فمنذ عام 2022، اتخذت ألمانيا خطوات مهمة في مجالات رفع الإنفاق الدفاعي، وتحديث القوات المسلحة، وتوسيع الانتشار العسكري داخل الناتو، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من هذه التحولات في طور التنفيذ، ولم يتحول بالكامل بعد إلى قدرات عملياتية مكتملة.
كما أن الفجوة الزمنية بين تخصيص الموارد المالية وبناء القدرات العسكرية تمثل تحديًا أساسيًّا أمام صنَّاع القرار الألمان. فبرامج التسلح الكبرى تحتاج إلى سنوات من التطوير والتصنيع والتدريب، في حين تواجه منظومة المشتريات العسكرية مشكلات مرتبطة بالبيروقراطية، وتعقيد الإجراءات، ونقص الكوادر الفنية والإدارية. وتضاف إلى ذلك التحديات المرتبطة بالتجنيد، والجاهزية القتالية، وتوفير الذخائر والمعدات والقدرات اللوجستية على نطاق واسع.
وفي الوقت نفسه، تواصل الرقابة البرلمانية الصارمة والاعتبارات السياسية الداخلية فرض قيود على سرعة التحول العسكري الألماني. فرغم اتساع التوافق السياسي نسبيًّا حول أهمية تعزيز القدرات الدفاعية، لا تزال هناك تباينات تتعلق بحجم الإنفاق المطلوب، وطبيعة الدور العسكري الذي ينبغي أن تضطلع به ألمانيا، وحدود الانخراط في الصراعات الدولية.
كما يرتبط التحول الألماني بعامل إستراتيجي مزدوج يتمثل في مواجهة التهديد الروسي من جهة، والتعامل مع احتمالات تراجع الالتزام الأميركي طويل الأمد بأمن أوروبا من جهة ثانية. وقد دفع هذا الواقع ألمانيا إلى تبني مقاربة أكثر اهتمامًا ببناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة نسبيا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مركزية حلف شمال الأطلسي (الناتو) في منظومة الأمن الأوروبي.
- حدود التحول الإستراتيجي الألماني
رغم التحولات الجارية، لا تزال ألمانيا تواجه مجموعة من القيود البنيوية التي تحد من سرعة التحول الأمني والعسكري. فمن الناحية الداخلية، تفرض طبيعة النظام السياسي الائتلافي، والقيود المالية، والبيروقراطية الإدارية، والحذر المجتمعي تجاه استخدام القوة العسكرية، حدودًا واضحة على إمكانات التحول السريع نحو دور عسكري أوسع.
كما يرتبط الاقتصاد الألماني بصورة عميقة بسلاسل التوريد العالمية والأسواق الخارجية؛ الأمر الذي يخلق توترات متزايدة بين متطلبات الأمن القومي والحفاظ على الانفتاح الاقتصادي والتنافسية الصناعية. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتزايد الأعباء المرتبطة بالتحول الديمغرافي والرعاية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري يتعلق بقدرة ألمانيا على تحمل التكاليف المالية والسياسية المترتبة على التحول نحو قوة عسكرية أوروبية كبرى. فالوصول إلى مستويات إنفاق دفاعي مرتفعة على المدى الطويل سيؤدي إلى إعادة تشكيل أولويات الموازنة العامة، وقد يفرض ضغوطًا على الإنفاق الاجتماعي، والاستثمارات الاقتصادية، وبرامج التحول في قطاع الطاقة والمناخ.
ومن ثم، تواجه ألمانيا معادلة إستراتيجية معقدة: إذ تتزايد التوقعات الأوروبية والغربية بأن تؤدي دورًا عسكريًّا أكثر فاعلية في حين أن توسيع هذا الدور يحمل أعباء اقتصادية وسياسية ومجتمعية قد تؤثر في الأسس التي قامت عليها القوة الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولذلك، سيظل مستقبل “التحول التاريخي” الألماني مرتبطًا بقدرة الدولة الألمانية على تحقيق توازن مستدام بين متطلبات الردع العسكري، والاستقرار الاقتصادي، والتماسك السياسي والاجتماعي الداخلي.
خاتمة
يمثل “التحول التاريخي” الألماني نقطة انعطاف مهمة في تطور السياسة الخارجية والأمنية لألمانيا بعد الحرب الباردة. فقد دفعت الحرب الروسية على أوكرانيا برلين إلى مراجعة عدد من المرتكزات التي قامت عليها إستراتيجيتها لعقود، وفي مقدمتها الاعتماد الواسع على الترابط الاقتصادي مع روسيا، ومحدودية الإنفاق الدفاعي، والحذر التقليدي تجاه الانخراط العسكري الواسع. وفي هذا السياق، بدأت ألمانيا إعادة صياغة موقعها داخل منظومة الأمن الأوروبي والأطلسي، عبر توسيع قدراتها العسكرية، وزيادة مساهمتها في الردع الجماعي، وإعادة بناء صناعتها الدفاعية، وتعزيز حضورها داخل ترتيبات الأمن الأوروبي.
كما ارتبط هذا التحول بتصاعد القلق داخل ألمانيا بشأن مستقبل الضمانات الأمنية الأميركية، في ظل تزايد النقاشات داخل الولايات المتحدة حول تقاسم أعباء الدفاع، واحتمالات تقليص الالتزامات العسكرية تجاه أوروبا. وقد دفع ذلك برلين إلى التعامل بصورة أكثر جدية مع فكرة بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا واستدامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مركزية حلف شمال الأطلسي (الناتو) في منظومة الأمن الأوروبي.
ومع ذلك، فإن التحول الألماني لا يزال يواجه جملة من القيود والتحديات البنيوية. فمن جهة، يتطلب بناء قوة عسكرية أكثر فاعلية استثمارات مالية ضخمة وإصلاحات مؤسساتية طويلة الأمد، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني ضغوطًا مرتبطة بتباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف الطاقة، والتحولات الديمغرافية، ومتطلبات التحول الاقتصادي والبيئي. ومن جهة ثانية، لا تزال الثقافة السياسية الألمانية متأثرة بإرث تاريخي يدفع نحو الحذر في استخدام القوة العسكرية؛ الأمر الذي يحد من إمكانات التحول السريع نحو دور عسكري أكثر اتساعًا.
لذلك، فإن مستقبل “التحول التاريخي” سيظل مرتبطًا بقدرة ألمانيا على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الردع والدفاع، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، إلى جانب قدرتها على تحويل الالتزامات السياسية والمالية إلى قدرات عسكرية وصناعية مستدامة. كما أن نجاح هذا المسار أو تعثره لن يقتصر تأثيره على مكانة ألمانيا داخل أوروبا، بل سيمتد إلى مستقبل التوازنات الأمنية الأوروبية، وطبيعة العلاقة عبر الأطلسي، وشكل النظام الأمني في القارة خلال السنوات المقبلة.
المراجع
(1) “Regierungserklärung von Bundeskanzler Olaf Scholz am 27. Februar 2022”, Federal Government of Germany, 27 February 2022, (accessed November 3, 2025):
[https://www.bundesregierung.de/breg-de/suche/regierungserklaerung-von-bundeskanzler-olaf-scholz-am-27-februar-2022-2008356](https://www.bundesregierung.de/breg-de/suche/regierungserklaerung-von-bundeskanzler-olaf-scholz-am-27-februar-2022-2008356)
(2) Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP), “SWP-Podcast Spezial: Zeitenwende in der Sicherheitspolitik – Die Neuaufstellung von NATO und Bundeswehr”, SWP, 2022, (accessed November 2, 2025):
[https://www.swp-berlin.org/publikation/swp-podcast-spezial-zeitenwende-in-der-sicherheitspolitik-die-neuaufstellung-von-nato-und-bundeswehr](https://www.swp-berlin.org/publikation/swp-podcast-spezial-zeitenwende-in-der-sicherheitspolitik-die-neuaufstellung-von-nato-und-bundeswehr)
(3) Deutscher Bundestag, “Bundestag beschließt das Sondervermögen für die Bundeswehr”, 3 June 2022, (accessed November 3, 2025):
[https://www.bundestag.de/dokumente/textarchiv/2022/kw22-de-sondervermoegen-897614](https://www.bundestag.de/dokumente/textarchiv/2022/kw22-de-sondervermoegen-897614)
(4) Harnisch, S., and Maull, H. W. (eds.), Germany as a Civilian Power? The Foreign Policy of the Berlin Republic, (Manchester: Manchester University Press, 2001), p. 26.
(5) Kirste, K., and Maull, H. W., “Zivilmacht und Rollentheorie”, Zeitschrift für Internationale Beziehungen, Vol. 3, No. 2 (1996), pp. 283-312.
(6) انظر المرجع رقم (1).
(7) Mölling, C., Schütz, T., and Hellmonds, S., “Zeitschleife statt Zeitenwende: Die Bundeswehr bleibt in struktureller Unterfinanzierung”, DGAP, 15 June 2023, (accessed November 3, 2025):
[https://dgap.org/de/forschung/publikationen/zeitschleife-statt-zeitenwende](https://dgap.org/de/forschung/publikationen/zeitschleife-statt-zeitenwende)
(8) IISS, “Germany’s New Defence-Policy Guidelines”, Military Balance Online Analysis, 14 November 2023, (accessed November 3, 2025):
[https://www.iiss.org/online-analysis/2023/11/germanys-new-defence-policy-guidelines](https://www.iiss.org/online-analysis/2023/11/germanys-new-defence-policy-guidelines)
(9) Stelzenmüller, C., “Germany Must Shake Off Its Habit of Finding Excuses for Inaction”, Brookings, 16 September 2022, (accessed November 3, 2025):
[https://www.brookings.edu/articles/germany-must-shake-off-its-habit-of-finding-excuses-for-inaction/](https://www.brookings.edu/articles/germany-must-shake-off-its-habit-of-finding-excuses-for-inaction/)
(10) Bundeswehr, “Bundeswehr in Lithuania – Germany Leads a Multinational eFP Battlegroup”, Bundeswehr official page, 2023, (accessed November 4, 2025):
[https://www.bundeswehr.de/en/news/bundeswehr-lithuania](https://www.bundeswehr.de/en/news/bundeswehr-lithuania)
(11) Körber-Stiftung, The Berlin Pulse — Special Survey 2022: German Public Opinion on Foreign Policy After Russia’s Invasion of Ukraine, (Körber-Stiftung / Kantar, March-August 2022), (accessed November 4, 2025):
[https://koerber-stiftung.de/en/projects/the-berlin-pulse/special-survey-2022/](https://koerber-stiftung.de/en/projects/the-berlin-pulse/special-survey-2022/)
[https://koerber-stiftung.de/site/assets/files/25084/theberlinpulse2022_2023.pdf](https://koerber-stiftung.de/site/assets/files/25084/theberlinpulse2022_2023.pdf)
(12) Forschungsgruppe Wahlen, Politbarometer (April-September 2022 Surveys on Public Support for Weapons Deliveries and Defence Measures), Forschungsgruppe Wahlen – Politbarometer Archive, 2022, (accessed November 4, 2025):
[https://www.forschungsgruppe.de/Umfragen/Politbarometer/Archiv/Politbarometer_2022/](https://www.forschungsgruppe.de/Umfragen/Politbarometer/Archiv/Politbarometer_2022/)
(13) Center for Strategic and International Studies (CSIS), “A Continent Forged in Crisis: Assessing Europe One Year After the War”, CSIS Europe Program, 16 February 2023, (accessed November 4, 2025):
[https://www.csis.org/analysis/continent-forged-crisis-assessing-europe-one-year-war](https://www.csis.org/analysis/continent-forged-crisis-assessing-europe-one-year-war)
(14) McGerty, F., and Dewey, K., “Global Defence Spending Continues to Grow amid Geopolitical Uncertainty”, The International Institute for Strategic Studies (IISS), 24 February 2026, (accessed May 11, 2026):
[https://www.iiss.org/online-analysis/military-balance/2026/02/global-defence-spending-continues-to-grow-amid-geopolitical-uncertainty/](https://www.iiss.org/online-analysis/military-balance/2026/02/global-defence-spending-continues-to-grow-amid-geopolitical-uncertainty/)
(15) Deutscher Bundestag / Wehrbeauftragter, Jahresbericht der Wehrbeauftragten 2023, 12 March 2024, (accessed November 5, 2025):
[https://www.bundestag.de/resource/blob/993038/jahresbericht_2023_ebook.epub](https://www.bundestag.de/resource/blob/993038/jahresbericht_2023_ebook.epub)
(16) Matza, M., “US to Cut Troop Levels in Germany by 5,000 amid Trump Spat with Merz”, BBC, 2 May 2026, (accessed May 11, 2026):
[https://www.bbc.com/news/articles/c0729d374mxo](https://www.bbc.com/news/articles/c0729d374mxo)
(17) European External Action Service (EEAS), A Strategic Compass for Security and Defence – For a European Union that Protects Its Citizens, Values and Interests and Contributes to International Peace and Security, 24 March 2022, (accessed November 5, 2025):
[https://www.eeas.europa.eu/sites/default/files/documents/strategic_compass_en3_web.pdf](https://www.eeas.europa.eu/sites/default/files/documents/strategic_compass_en3_web.pdf)
(18) Puglierin, J., “Germany’s ‘Zeitenwende’ and Its Implications for the European Security Architecture”, IEP Berlin Perspectives Paper, BP 01/2023, (accessed November 27, 2025):
[https://iep-berlin.de/site/assets/files/2370/iep_paper_bp_zeitenwende.pdf](https://iep-berlin.de/site/assets/files/2370/iep_paper_bp_zeitenwende.pdf)
(19) “FCAS – Future Combat Air System”, Bundeswehr, 23 May 2022, (accessed May 11, 2026):
[https://www.bundeswehr.de/de/organisation/luftwaffe/aktuelles/fcas-future-combat-air-system](https://www.bundeswehr.de/de/organisation/luftwaffe/aktuelles/fcas-future-combat-air-system)
(20) “Es geht auch künftig darum, schnell eine große Feuerkraft an den Feind zu bringen”, Bundeswehr, 26 April 2024, (accessed May 11, 2026):
[https://www.bundeswehr.de/de/meldungen/mgcs-wo-steht-deutsch-franzoesisches-panzerprojekt-5774964](https://www.bundeswehr.de/de/meldungen/mgcs-wo-steht-deutsch-franzoesisches-panzerprojekt-5774964)
(21) Mölling, C., and Schütz, T., Zeitenwende in der Verteidigungspolitik: Bundeswehr-Sondervermögen effektiv und nachhaltig ausgeben, DGAP Policy Brief, No. 16, May 2022, (accessed November 6, 2025):
[https://dgap.org/de/forschung/publikationen/zeitenwende-der-verteidigungspolitik](https://dgap.org/de/forschung/publikationen/zeitenwende-der-verteidigungspolitik)
(22) Matza, M., “US to Cut Troop Levels in Germany by 5,000 amid Trump Spat with Merz”, BBC, 2 May 2026, (accessed May 11, 2026):
[https://www.bbc.com/news/articles/c0729d374mxo](https://www.bbc.com/news/articles/c0729d374mxo)
(23) Lippert, B., and Mair, S. (eds.), With, Without, Against Washington: Redefining Europe’s Relations with the United States, SWP Research Paper 2026/RP 05, (Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik, 27 March 2026), pp. 1-81, (accessed May 22, 2026):
[https://www.swp-berlin.org/publikation/with-without-against-washington-redefining-europes-relations-with-the-united-states](https://www.swp-berlin.org/publikation/with-without-against-washington-redefining-europes-relations-with-the-united-states)
(24 (Cole, D., “German Troops Start First Permanent Foreign Deployment Since Second World War”, The Guardian, 22 May 2025, (accessed November 7, 2025):
[https://www.theguardian.com/world/2025/may/22/germany-anti-russian-defence-nato-lithuania-friedrich-merz](https://www.theguardian.com/world/2025/may/22/germany-anti-russian-defence-nato-lithuania-friedrich-merz)
(25) Wolff, S., “Germany Steps up to Replace ‘Unreliable’ US as Guarantor of European Security”, The Conversation, 29 May 2025, (accessed November 9, 2025):
[https://theconversation.com/germany-steps-up-to-replace-unreliable-us-as-guarantor-of-european-security-257735](https://theconversation.com/germany-steps-up-to-replace-unreliable-us-as-guarantor-of-european-security-257735)
(26) “Press: Gross Domestic Product Down 0.2% in 2024”, Statistisches Bundesamt, (accessed May 22, 2026):
[https://www.destatis.de/EN/Press/2025/01/PE25_019_811.html](https://www.destatis.de/EN/Press/2025/01/PE25_019_811.html)
(27) “Managing the Energy Crisis in Solidarity, Shaping the New Reality”, Annual Report 2022/23, German Council of Economic Experts, (accessed May 22, 2026):
[https://www.sachverstaendigenrat-wirtschaft.de/en/annualreport-2022.html](https://www.sachverstaendigenrat-wirtschaft.de/en/annualreport-2022.html)
(28) Bundesbank, “Monthly Report – May 2025”, Public Finances Section, 22 May 2025, (accessed May 22, 2026):
[https://publikationen.bundesbank.de/publikationen-en/reports-studies/monthly-reports/monthly-report-may-2025-957960?article=public-finances-957534](https://publikationen.bundesbank.de/publikationen-en/reports-studies/monthly-reports/monthly-report-may-2025-957960?article=public-finances-957534)
(29) Karg, D., “How the Zeitenwende Changes the Labour Market in Germany”, Aerospace and Defence, 20 May 2026, (accessed May 22, 2026):
[https://www.aerospace-and-defence.com/zeitenwende-germany-labour-market-skilled-worker-shortage-a-eeb7a79e484694fab23776e6cb8ed4e2/](https://www.aerospace-and-defence.com/zeitenwende-germany-labour-market-skilled-worker-shortage-a-eeb7a79e484694fab23776e6cb8ed4e2/)
(30) “Press: Gross Domestic Product Down 0.2% in 2024”, Statistisches Bundesamt, (accessed May 22, 2026):
[https://www.destatis.de/EN/Press/2025/01/PE25_019_811.html](https://www.destatis.de/EN/Press/2025/01/PE25_019_811.html)
(31) “Managing the Energy Crisis in Solidarity, Shaping the New Reality”, Annual Report 2022/23, German Council of Economic Experts, (accessed May 22, 2026):
[https://www.sachverstaendigenrat-wirtschaft.de/en/annualreport-2022.html](https://www.sachverstaendigenrat-wirtschaft.de/en/annualreport-2022.html)
(32) Chovačík, M., and Krpec, O., “Defence Industrial Patterns in Dependent Market Economies”, Defence and Peace Economics, 18 February 2026, pp. 1-26, (accessed May 22, 2026):
[https://doi.org/10.1080/10242694.2026.2630900](https://doi.org/10.1080/10242694.2026.2630900)
(33) Bundesbank, “Monthly Report – May 2025”, Public Finances Section, 22 May 2025, (accessed May 22, 2026):
[https://publikationen.bundesbank.de/publikationen-en/reports-studies/monthly-reports/monthly-report-may-2025-957960?article=public-finances-957534](https://publikationen.bundesbank.de/publikationen-en/reports-studies/monthly-reports/monthly-report-may-2025-957960?article=public-finances-957534)
(34) Karg, D., “How the Zeitenwende Changes the Labour Market in Germany”, Aerospace and Defence, 20 May 2026, (accessed May 22, 2026):
[https://www.aerospace-and-defence.com/zeitenwende-germany-labour-market-skilled-worker-shortage-a-eeb7a79e484694fab23776e6cb8ed4e2/](https://www.aerospace-and-defence.com/zeitenwende-germany-labour-market-skilled-worker-shortage-a-eeb7a79e484694fab23776e6cb8ed4e2/)
Cook, E., “Germany Overtakes US in Ammunition Production Capacity”, Newsweek, 28 April 2026, (accessed May 22, 2026):
[https://www.newsweek.com/germany-overtakes-us-in-ammunition-production-capacity-11886409](https://www.newsweek.com/germany-overtakes-us-in-ammunition-production-capacity-11886409)
(35) Scheffer, J., “Germany Overtakes US in Ammo Production amid EU Rearmament Push”, Hungarian Conservative, 30 April 2026, (accessed May 22, 2026):
[https://www.hungarianconservative.com/articles/current/germany-us-ammunition-production-rheinmetall-rearmament/](https://www.hungarianconservative.com/articles/current/germany-us-ammunition-production-rheinmetall-rearmament/)
(36) Bauer, R., and Sklenár, M., “Spending More on Defence Is Not Enough to Keep Europe Safe”, Defence24, 20 May 2026, (accessed May 22, 2026):
[https://defence24.com/defence-policy/spending-more-on-defence-is-not-enough-to-keep-europe-safe](https://defence24.com/defence-policy/spending-more-on-defence-is-not-enough-to-keep-europe-safe)
(37) “CDU’s Friedrich Merz Secures Billion-Euro Deal for Germany’s Military and Infrastructure”, Euronews, 4 March 2025, (accessed November 7, 2025):
[https://www.euronews.com/my-europe/2025/03/04/cdus-friedrich-merz-secures-billion-euro-deal-for-germanys-military-and-infrastructure](https://www.euronews.com/my-europe/2025/03/04/cdus-friedrich-merz-secures-billion-euro-deal-for-germanys-military-and-infrastructure)
(38) “First Government Statement: Responsibility for Germany”, The Federal Government, 14 May 2025, (accessed November 7, 2025):
[https://www.bundesregierung.de/breg-en/news/first-government-statement-chancellor-merz-2347710](https://www.bundesregierung.de/breg-en/news/first-government-statement-chancellor-merz-2347710)
(39) “Germany’s Merz Says Europe Must End US Defense ‘Free-Ride’”, DW, 23 June 2025, (accessed November 7, 2025):
[https://www.dw.com/en/germanys-merz-says-europe-must-end-us-defense-free-ride/live-73003399](https://www.dw.com/en/germanys-merz-says-europe-must-end-us-defense-free-ride/live-73003399)
(40) Cole, D., “German Troops Start First Permanent Foreign Deployment Since Second World War”, The Guardian, 22 May 2025, (accessed November 7, 2025):
[https://www.theguardian.com/world/2025/may/22/germany-anti-russian-defence-nato-lithuania-friedrich-merz](https://www.theguardian.com/world/2025/may/22/germany-anti-russian-defence-nato-lithuania-friedrich-merz)
(41) Wolff, S., “Germany Steps up to Replace ‘Unreliable’ US as Guarantor of European Security”, The Conversation, 29 May 2025, (accessed November 9, 2025):
[https://theconversation.com/germany-steps-up-to-replace-unreliable-us-as-guarantor-of-european-security-257735](https://theconversation.com/germany-steps-up-to-replace-unreliable-us-as-guarantor-of-european-security-257735)
