ملخص

يشهد الغرب منذ نهاية الحرب الباردة تراجعًا تدريجيًّا في هيمنته السياسية والاقتصادية والثقافية، نتيجة تراكم أزمات داخلية تتعلق بالانقسامات الاجتماعية وضعف المؤسسات وتآكل القيم المشتركة، وهو ما تناوله العديد من الدراسات الغربية التي صاغت سرديات تلمِّح إلى تحولات عميقة قد تنذر بأفول الغرب وتزايد هشاشته الداخلية. وتتداخل هذه التحولات مع صعود قوى دولية منافسة؛ ما يجعل التراجع الغربي عملية تراكمية ومعقدة لا مجرد مرحلة عابرة. كما تشير التحولات الديمغرافية والاقتصادية إلى تراجع قدرة الغرب على فرض سرديات عالمية مهيمنة كما في السابق، مع فقدان تدريجي لاحتكاره الرمزي والسياسي. وقد أبرزت الصدمات الجيوسياسية الأخيرة، مثل الحرب في أوكرانيا وغزة والتنافس الأميركي-الصيني، هشاشة أنماط الهيمنة التقليدية وأعادت طرح فكرة التعددية القطبية. وفي المقابل، يبرز صعود الجنوب العالمي والتحالفات الإقليمية عاملًا لإعادة توزيع القوة دوليًّا؛ ما يوحي بأن تراجع الغرب لا يعني انهيارًا كاملًا بقدر ما يعكس إعادة تموضع للهيمنة داخل نظام دولي أكثر تعقيدًا وتعددًا، ويفتح المجال لتحليل سرديات أفول الغرب وانعكاساتها على مستقبل النظام الدولي وصعود قوى جديدة.

كلمات مفتاحية: تراجع الغرب، التعددية القطبية، إعادة توزيع القوة، أزمة الهيمنة، النظام الدولي.

Abstract

The West has experienced a gradual decline in its political, economic and cultural hegemony since the end of the Cold War as a result of accumulating internal crises related to social divisions, weakening institutions and the erosion of shared values. Numerous Western studies have examined these dynamics, constructing narratives that suggest profound transformations that may signal the West’s decline and growing internal fragility. These developments intersect with the rise of competing international powers, making Western decline a cumulative and complex process rather than a temporary phase.

Demographic and economic shifts also indicate a diminishing capacity of the West to impose globally dominant narratives as it once did, alongside a gradual loss of its symbolic and political monopoly. Recent geopolitical shocks—such as the wars in Ukraine and Gaza and the intensifying US–China rivalry—have further exposed the fragility of traditional patterns of hegemony and revived debates on emerging multipolarity. At the same time, the rise of the Global South and regional alliances is becoming an important factor in the redistribution of power at the international level. This suggests that the decline of the West does not necessarily imply a complete collapse, but rather reflects a repositioning of hegemony within a more complex and plural international order, opening the way for the analysis of narratives of Western decline and their implications for the future of the international system and the rise of new powers.

Keywords: Western decline, multipolarity, redistribution of power, hegemonic crisis, international order.

 

مقدمة

يشهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات بنيوية عميقة تعكس إعادة تشكل تدريجية لموازين القوة على الصعيد العالمي، في ظل صعود قوى جديدة وتنامي أدوار الفاعلين الدوليين خارج المجال الغربي التقليدي. وقد وضعت هذه التحولات أنماط الهيمنة الغربية أمام اختبار متزايد يتعلق بقدرتها على التكيف مع بنية دولية أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز التأثير؛ حيث لم يعد التفوق العسكري أو النفوذ الاقتصادي كافيين وحدهما لضمان استمرار القيادة العالمية. وتعكس التطورات الراهنة انتقال النظام الدولي من مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة إلى بنية أكثر ديناميكية تتوزع فيها مجالات النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري بين قوى كبرى ضمن شبكة متداخلة من المصالح والتفاعلات.

وفي هذا السياق، برزت مجموعة البريكس والتحالفات الاقتصادية الإقليمية أطرًا مؤسسية تسهم في إعادة توزيع النفوذ على المستوى الدولي، بالتوازي مع تنامي دور دول الجنوب فاعلًا صاعدًا يسعى إلى توسيع استقلاله الإستراتيجي وتعزيز مشاركته في آليات صنع القرار ضمن بنية النظام العالمي. وتتجلى هذه الدينامية في تبني سياسات اقتصادية وتنموية بديلة، وفي محاولات متزايدة لإعادة تعريف بعض قواعد الحوكمة العالمية المرتبطة بالتنمية والسيادة الوطنية. وتعكس هذه التحولات مرحلة جديدة من التنافس الدولي تتداخل فيها أدوات القوة التقليدية مع أنماط متجددة من النفوذ المالي والتكنولوجي والرمزي(1). وفي ضوء ذلك، يتوقف مستقبل النظام الدولي على قدرة الفاعلين الرئيسيين على إدارة التوازن بين عناصر القوة المادية ومصادر النفوذ غير المباشر، في سياق يتجه نحو تعددية دولية أكثر رسوخًا تعكس تعقيد المصالح وتحول مراكز القوة بين الشرق والغرب والجنوب. ومن ثم، تكتسب دراسة هذه التحولات أهمية خاصة لفهم ديناميات السياسة الدولية واستشراف مآلات الاستقرار في النظام العالمي.

وتبرز أهمية الدراسة في قدرتها على تقديم تقييم علمي معمق للانتقال البنيوي في النظام الدولي، من خلال رصد مؤشرات تآكل القوة الغربية وحدود القدرة على الحسم الإستراتيجي، وفهم أدوات القوى الناشئة في تعزيز استقلاليتها الاقتصادية والسياسية. وعليه، تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية المحورية التالية: كيف يعيد تراجع الهيمنة الغربية تشكيل النظام الدولي؟ وما طبيعة القوى والصيغ الجديدة التي تحدد التوازن العالمي؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة، منها: ما أبرز مؤشرات التآكل البنيوي للهيمنة الغربية؟ وكيف انعكست على قدرتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية؟ وكيف كشفت الصدمات الجيوسياسية الأخيرة حدود النفوذ الغربي؟ وما مدى فاعلية التحالفات الاقتصادية والسياسية البديلة في إعادة توزيع النفوذ الدولي بعيدًا عن السيطرة الغربية التقليدية؟ وكيف يسهم صعود دول الجنوب العالمي في إعادة تعريف المعايير والشرعية الدولية؟ وما انعكاس ذلك على مستقبل النظام الدولي متعدد الأطراف؟

وتقترح هذه الدراسة ثلاث فرضيات مركزية:

  1. تتجه الهيمنة الغربية في المرحلة الراهنة نحو التحول من نموذج القوة الصلبة إلى نمط أكثر شبكية يقوم على إدارة التحالفات المرنة وبناء التوافقات داخل بنية النظام الدولي.
  2. صعود البريكس والتحالفات الاقتصادية الإقليمية الأخرى يحد من القدرة الغربية على التحكم الأحادي بالنظام الدولي ويخلق مراكز نفوذ بديلة.
  3. التعددية القطبية الجديدة تمنح الفاعلين الناشئين مساحة أوسع لممارسة السيادة الاقتصادية والسياسية، ما يعيد صياغة معايير القوة والشرعية الدولية.

ولتحليل هذه التحولات، سنوظف المنهج البنيوي-الوظيفي لدراسة توزيع القوة الاقتصادية والعسكرية والأطر المؤسسية الدولية والبديلة، والمنهج التحليلي-النقدي لفحص سرديات الهيمنة الغربية ومقارنتها بالممارسات الواقعية على الأرض، ثم المنهج المقارن لمقارنة التجارب السابقة للهيمنة الغربية مع التحولات الراهنة وربط الصدمات الجيوسياسية بمسارات إعادة تموضع القوى في النظام الدولي.

 

أولًا: الأسس النظرية لسردية الهيمنة الغربية

بعد نهاية الحرب الباردة، سيطرت سرديات تفوُّق الغرب على حقل العلاقات الدولية، مثبتة القيادة الغربية عبر أطر فلسفية وحضارية واقتصادية وثقافية متكاملة. وعليه، يتيح تفكيك البنية الفكرية والشرعية لهذه السرديات فهم كيف تحولت الهيمنة من قوة مادية إلى سلطة معيارية ورمزية عالمية، كما تكشف دراسة إسهامات أبرز المنظِّرين، من فوكوياما إلى جوزيف ناي، الأسس التي أضفت شرعية واستدامة التفوق الغربي في النظام الدولي.

  1. الحتمية الليبرالية وإعلان اكتمال المسار التاريخي

شكَّل انهيار المعسكر الاشتراكي في أعقاب الحرب الباردة لحظة إبستمولوجية حاسمة أعادت تعريف موقع الغرب في التاريخ المعاصر بوصفه المنتصر في صراع النماذج الكبرى؛ حيث فُسِّر هذا الحدث بوصفه تحولًا يتجاوز مجرد إعادة ترتيب موازين القوة المادية، ليحمل دلالة فلسفية تتعلق بترجيح النموذج الليبرالي بوصفه أفقًا نهائيًّا لتطور النظم السياسية الحديثة. وفي هذا السياق، قدَّم “فرانسيس فوكوياما” أطروحته في نهاية التاريخ والإنسان الأخير، معتبرًا أن الديمقراطية الليبرالية تمثل المرحلة الأكثر نضجًا في مسار النظم السياسية، لكونها توفق بين الحرية الفردية ومتطلبات الاعتراف الاجتماعي، وتوفر إطارًا مؤسسيًّا قادرًا على تحقيق قدر مرتفع من الاستقرار السياسي. وقد أسهم هذا التصور في إضفاء بعد فلسفي على التحولات التي أعقبت الحرب الباردة، من خلال تقديم النموذج الغربي بوصفه الأفق المرجعي للتطور السياسي العالمي(2).

وتتجلى الأبعاد الأيديولوجية لهذه الأطروحة في إعادة صياغة مفهوم الشرعية الدولية، بحيث غدا تقييم الدول مرتبطًا بدرجة اقترابها من القيم والمبادئ الليبرالية. وفي ضوء ذلك، اكتسبت الهيمنة الغربية بُعدًا يتجاوز التفوق المادي ليشمل سلطة معيارية ومعرفية تمنح الغرب موقعًا مهيمنًا في تفسير مسار التاريخ وتحديد اتجاهاته(3). وهكذا، أصبح التدخل السياسي والاقتصادي في العالم مسوغًا أخلاقيًّا وشرعيًّا، لا مجرد ممارسة قوة؛ الأمر الذي أسس لإطار فكري يدعم الأحادية القطبية ويشرعن استمرار القيادة الغربية في النظام الدولي.

  1. العولمة الليبرالية وإعادة إنتاج التفوق الاقتصادي

تجسدت الهيمنة الغربية بعد الحرب الباردة في البنية الاقتصادية العالمية عبر تعميم نموذج العولمة الليبرالية الذي فرض قواعد السوق المفتوحة والتجارة الحرة، وأعاد تنظيم سلاسل الإنتاج والقيمة بما يخدم مصالح القوى الكبرى. وقد شكَّل هذا التوجه مشروعًا منهجيًّا لتعزيز التفوق البنيوي للغرب؛ حيث أصبح الانخراط في الاقتصاد الدولي مرتبطًا بتبني السياسات المالية والمؤسسية الغربية. ولعبت المؤسسات الدولية، من البنك الدولي إلى صندوق النقد، دورًا محوريًّا في ترسيخ هذا الترتيب؛ ما حوَّل الهيمنة الاقتصادية إلى عملية نظامية طويلة المدى تتجاوز مجرد التأثير المؤقت. وبهذا، لم يعد التفوق الغربي محصورًا في القوة العسكرية أو التكنولوجيا، بل اتسع ليشمل إعادة صياغة آليات التنمية العالمية وفق رؤيته، مع تعزيز اعتماد الدول النامية على المركز الغربي ضمن شبكة العلاقات الاقتصادية الدولية(4).

وفي هذا الإطار، أعاد “توماس فريدمان” في كتابه “العالم مسطَّح” تقديم العولمة بوصفها خطابًا يمنح الشرعية للهيمنة الغربية من خلال تصوير العالم مستوى متكافئًا يوفر فرصًا متساوية للدول جميعها. إلا أن التحليل النقدي يشير إلى أن هذا التصوير يخفي استمرار تركيز القوة المالية والتكنولوجية في الغرب؛ ما يحوِّل العولمة إلى أداة لإدامة التراتبية الدولية بشكل غير مباشر. وتعمل الشركات متعددة الجنسيات، والتقدم التكنولوجي، والتمويل الدولي آلياتٍ للحفاظ على تبعية الدول المتأخرة للاعتماد على المعايير الغربية في إدارة اقتصادها الوطني. وبهذه الطريقة، يصبح الاقتصاد العالمي فضاء لتثبيت الهيمنة ضمن أطر غير مباشرة، بينما تمنح الأطروحات الليبرالية الصبغة العلمية والفلسفية التي تبررها؛ ما يبرز الترابط الوثيق بين المعرفة والسلطة في إنتاج خطاب التفوق الغربي(5).

3.الهيمنة الغربية بعد الحرب الباردة بين المركزية الثقافية والقوة الناعمة

امتدت الهيمنة الغربية بعد الحرب الباردة لتشمل المجال الرمزي والثقافي؛ حيث أصبح إنتاج القيم والمعايير الثقافية أداة رئيسية لتثبيت موقع الغرب مرجعية عالمية؛ إذ لعبت الصناعات الثقافية والإعلامية والسينمائية دورًا فاعلًا في إعادة صياغة الواقع، مجسدة الغرب أفقًا للحداثة والتقدم. وانتشرت عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية مفاهيم مثل الديمقراطية والفردانية وحقوق الإنسان، ليس كنموذج سياسي فقط، بل كقيم معيارية تُستخدم لتقييم التجارب السياسية والحضارية على مستوى عالمي؛ ما جعل التجربة الغربية إطارًا مرجعيًّا لقياس التقدم الحضاري والسياسي(6).

وقد منح هذا الامتداد الرمزي الغرب شرعية مضمرة لإعادة إنتاج سلطته دون استخدام القوة الصلبة، فالثقافة واللغة وأسلوب الحياة أصبحت مؤشرات على التقدم والحداثة، والنماذج الغربية تحولت إلى معيار معرفي عالمي يقارن به الآخرون، لتصبح الهيمنة أكثر رسوخًا لأنها تتغلغل في الممارسات اليومية والوعي الجماعي، فتتحول القيم الغربية إلى أدوات ضبط توجيهية للسياسات الدولية والسلوكيات الاجتماعية والاقتصادية للدول الأخرى؛ ما يعكس قوة أعمق من النفوذ العسكري التقليدي ويبرهن كيف يتم إنتاج التفوق الغربي على مستويات متعددة من المعرفة والسلطة(7).

ويُظهر مفهوم القوة الناعمة الذي قدمه “جوزيف ناي” كيف أصبح التأثير على الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيمية أداة إستراتيجية للهيمنة الغربية، مكملة القوة العسكرية والاقتصادية. وتعتمد القوة الناعمة على الثقافة، والسياسات التعليمية، والدبلوماسية العامة لتشكيل تفضيلات الفاعلين الدوليين؛ حيث تتحول المؤسسات الأكاديمية والوسائط الإعلامية والمنتجات الثقافية إلى منصات لإعادة إنتاج الشرعية الغربية عالميًّا. كما تكمل القوة الناعمة الأدوات الصلبة من خلال خلق قبول طوعي للنفوذ الغربي وتوجيه السياسات الدولية نحو مصالحه(8).  ومن الناحية الجيوبوليتيكية، تتيح القوة الناعمة للغرب توسيع هيمنته بتكلفة منخفضة وأثر مستدام؛ إذ تُشكِّل قواعد السلوك والتفضيلات الدولية عبر الجاذبية بدل الإكراه المباشر؛ ما يبرز التداخل بين العوامل الرمزية والثقافية والاقتصادية والسياسية في إنتاج نفوذ متعدد المستويات. كما تعزز القوة الناعمة الأحادية القطبية وتشرعن استمرار القيادة الغربية ضمن النظام الدولي، وتكشف عن إستراتيجيات غير مباشرة لضبط المنافسين الإقليميين؛ حيث تُنتج تفضيلات تحافظ على المركزية الغربية وتخلق بيئة شبه توافقية للسياسات والقيم دون اللجوء إلى النزاع العسكري المباشر، مؤكدة التحول في طبيعة الهيمنة من الصرامة المادية إلى نفوذ إستراتيجي ذكي ومتعدد الأبعاد(9).

بناء على ما ذُكر، توضح مراجعة كل الركائز السابقة -الحتمية الليبرالية، والمركزية الحضارية، والعولمة الاقتصادية، والهيمنة الرمزية، والقوة الناعمة- أن الهيمنة الغربية بعد الحرب الباردة تشكل منظومة متكاملة ومتعددة المستويات، تتجاوز مجرد امتداد للقوة المادية. فكل بُعد من هذه الأبعاد يعزز الآخر؛ إذ تشرِّع الفلسفة التاريخية الهيمنة، وتبرز الحضارة المركزية الرمزية، ويعيد الاقتصاد إنتاج التبعية، وتؤثر الثقافة في الوعي الجمعي، فيما تتيح القوة الناعمة ضبط تفضيلات الفاعلين الدوليين. ويجعل هذا التكامل البنيوي الهيمنة الغربية أكثر استدامة ومرونة مقارنة بأي نموذج أحادي البعد؛ إذ تتعامل مع المقاومة المحتملة من خلال إعادة إنتاج قواعد اللعبة على المستويين، المعرفي والرمزي، وليس عبر القوة المباشرة فقط.

ومع ذلك، يواجه هذا الهيكل المتكامل تحديات هيكلية على المستوى الدولي، تتعلق بصعود قوى غير غربية، وارتفاع النزعات السيادية، وظهور نماذج تنموية بديلة، بالإضافة إلى توترات داخل منظومة العولمة نفسها(10). وتفتح هذه التحولات المجال لتحليل نقدي لسرديات أفول الغرب؛ إذ يثار التساؤل حول مدى صلابة هذه الهيمنة أمام التحولات الجديدة، وإمكانية اعتبارها مجرد إعادة تموضع إستراتيجي ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب في طور التشكل. ومن ثم، يصبح من الضروري الانتقال من دراسة البنية الفكرية والشرعية للهيمنة الغربية إلى استكشاف أبعاد هشاشتها المحتملة والآليات التي قد تمهد لظهور سرديات بديلة لقيادة النظام الدولي.

ثانيًا: قراء في سرديات أفول الغرب

تزايدت الكتابات والتحليلات التي تصور تراجع الهيمنة الغربية على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، لتشكِّل ما يُعرف بـ”سرديات أفول الغرب”، والتي تركز على الأزمات الداخلية، وضعف التماسك الاجتماعي، وفقدان النفوذ الرمزي والقدرة على صياغة سرديات عالمية مقنعة. ويشير العديد من المؤلفين والمحللين إلى أن الغرب فقد الاحتكار التقليدي للقيادة، وأن هذا التراجع يمثل عملية تراكمية ومعقدة تتداخل فيها الأبعاد البنيوية والحضارية والديمغرافية. كما تؤكد الدراسات أن فهم هذا التراجع يستلزم ربط التحولات الداخلية بالأحداث الدولية واستكشاف تفاعل الهشاشة الداخلية مع صعود قوى منافسة. ويشير هذا المنظور إلى أن التراجع الغربي يمثل تحولًا متعدد الأبعاد في النظام الدولي، يتيح فهم التحديات المعاصرة التي تواجه الهيمنة الغربية.

وفي هذا الإطار، تُظهر قراءة كتاب بيار تويي، الانفجار الأكبر: تقرير حول انهيار الغرب 1999–2002 أن تراجع الهيمنة الغربية ليس مجرد حدث عابر أو نتيجة صعود قوى منافسة، بل هو انهيار داخلي بنيوي يبدأ من صميم المجتمع الغربي نفسه. ويركز تويي على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتراكمة، بما فيها ضعف مؤسسات الدولة، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة، وانحدار القيم المشتركة، ليخلص إلى أن الغرب أصبح عاجزًا عن فرض نفوذه العالمي بنفس الطريقة التي عهدها العالم خلال القرن العشرين. ويؤكد أن القوة الغربية كانت تعتمد على تماسك داخلي وحيوية مؤسساتية أكثر من اعتمادها على تفوق عسكري أو اقتصادي فحسب، وأن فقدان هذه الأسس يقود بالضرورة إلى فقدان الهيمنة الخارجية، وهو ما يجعل قراءة تراجع الغرب مسألة معقدة تجمع بين السياسة، والاقتصاد، والثقافة في وقت واحد(11).

من جهته، يضيف حسن أوريد، في كتابه أفول الغرب، بُعدًا حضاريًّا وفكريًّا مهمًّا لفهم هذا التراجع؛ حيث يرى أوريد أن الهيمنة الغربية لم تعد مطلقة بسبب ضعف الإبداع الفكري والانقسامات الداخلية؛ مما جعل الغرب أقل قدرة على صياغة سردية عالمية مقنعة وصياغة القيم التي كانت تربطه بالنظام الدولي. ويعزز هذا التوجه الفكرة التي طرحها تويي، مع التركيز على الأبعاد الرمزية والثقافية للهيمنة، مؤكدًا أن أي تحليل لتراجع الغرب يجب أن يشمل القوة المادية وقدرة الحضارة الغربية على إنتاج أفكار وقيم تمثلها على المستوى العالمي(12). ويبرز الانتقال من تويي إلى أوريد كيف يعكس التراجع الغربي تراكمات حضارية وفكرية، تظهر هشاشة النظام الغربي داخليًّا وخارجيًّا، متجاوزًا الأبعاد الاقتصادية والسياسية وحدها.

ويأتي كتاب باتريك بوكنان، موت الغرب ليضيف منظورًا ديمغرافيًّا وحضاريًّا للتفسير؛ حيث يركز على الانحدار السكاني وشيخوخة المجتمعات الغربية كعامل يضعف الهيمنة العالمية. ويربط بوكنان بين التغيرات الاجتماعية والتحولات الأخلاقية وبين فقدان القدرة على التأثير الدولي، مؤكدًا أن ضعف الهوية الثقافية والانسجام المجتمعي يؤدي إلى أزمة طويلة المدى في نفوذ الغرب(13). ويتكامل هذا التحليل مع ما عرضه تويي وأوريد، مضيفًا أبعادًا ديمغرافية واقتصادية واجتماعية؛ ما يوضح أن التراجع مرتبط بمؤشرات داخلية متعددة تعمل جميعها على إضعاف الهيمنة الغربية تدريجيًّا، ولا يقتصر على البُعد السياسي أو الحضاري.

في حين، يسلِّط كتاب إيمانويل تود، هزيمة الغرب الضوء على العيوب الإستراتيجية والأيديولوجية للهيمنة الغربية، مشيرًا إلى فقدان القدرة على إدارة النظام الدولي الذي أسسته القوى الغربية، وأن التناقض بين خطاب الليبرالية والممارسات الواقعية يقلِّل من مصداقيتها أمام شركائها الدوليين. بالإضافة إلى ذلك، يشير تود إلى أن تفكك التحالفات الدولية وتراجع التفوق الصناعي يجعل الغرب أقل قدرة على قيادة العالم بشكل أحادي، وهو ما يربط بين التراجع الداخلي والتحولات العالمية. ويُبرز الانتقال هنا العلاقة بين ضعف البنية الداخلية والهشاشة الإستراتيجية الخارجية، مؤكدًا على أن التراجع الغربي بنيوي وإستراتيجي في آن واحد، وليس مجرد مرحلة عابرة(14).

ويكمل بانكاج ميشرا، في كتابه أفول إمبراطورية الغرب هذا المنظور التاريخي والتحليلي، مشيرًا إلى أن الهيمنة الغربية أفرزت ردود فعل عالمية متراكمة أدَّت تدريجيًّا إلى تراجع سلطة الغرب. ويربط ميشرا بين فقدان السيطرة الرمزية والمعرفية وصعود قوى جديدة في الجنوب والشرق، موضحًا أن الغرب لم يعد يحتكر الحكم على القيم والمعايير الدولية(15). وتعزز هذه الفكرة ما سبق من تحليلات حول هشاشة الهيمنة الغربية، وتظهر كيف أن ردود الفعل التاريخية والثقافية على هذه الهيمنة شكَّلت قوة مضادة أدَّت إلى إعادة توزيع السلطة العالمية تدريجيًّا.

ويقدِّم هشام جعفر في دراسته الموسومة عالم ما بعد الغرب والتفكير بالتمني تحليلًا يوضح أن مفهوم “ما بعد الغرب” يمثل إعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي، وليس سقوطًا حضاريًّا. ويشير جعفر إلى أن صعود روسيا والصين والهند يتطلب فهمًا نقديًّا للتعددية القطبية الجديدة، مع التأكيد على أن التراجع الغربي يرتبط بفقدان الاحتكار التقليدي للقيادة، دون أن يفقد تأثيره أو أهميته على المستوى الدولي(16). في حين، يؤكد تشو شوتشون في مقاله حول أفول المركزية الغربية: نهاية حتمية أم بداية عالم متعدد الأقطاب؟ أن المركزية الغربية لم تعد قادرة على احتكار القوة الاقتصادية أو المعرفية، وأن صعود القوى المنافسة يعيد صياغة الشرعية الدولية. ويربط المقال بين الأزمات الداخلية في الغرب وتسارع التراجع، موضحًا أن هذا التحول يشير إلى بداية نظام متعدد الأقطاب، دون الإشارة إلى نهاية الحضارة الغربية(17)؛ ما يعزز ما طرحه جعفر ويؤكد تطور الفكر من قراءة التراجع إلى تقييم تأثيره على النظام الدولي المستقبلي.

وبالموازاة مع ذلك، يقدم فريد زكريا، في دراسته المعنونة بالاندثار الحضاري بأميركا منظورًا مكملًا يركز على الأزمة المؤسسية والحضارية في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن التهديد الحقيقي للقيم الغربية يكمن في ضعف المؤسسات والسلطة المطلقة للدولة على حساب المجتمع المدني، وليس في أوروبا كما يعتقد البعض(18). ووفقًا لجمال عبد الجواد في مقاله “الديمقراطية الأميركية تحت الاختبار”، وضع فوز “جو بايدن” وهزيمة “دونالد ترامب” الولايات المتحدة في أزمة ديمقراطية متزايدة، تمثلت في تآكل الثقة بالمؤسسات وتصاعد الاستقطاب السياسي والتشكيك في نتائج الانتخابات؛ ما أعاد النقاش حول هشاشة النظام الديمقراطي الأميركي(19). وبالتالي تُظهر هذه الأفكار أن تراجع الهيمنة الغربية يجب فهمه عبر مجموعة متكاملة من الأبعاد البنيوية، والحضارية، والديمغرافية، والمؤسسية؛ مما يبرز الصورة الشاملة للتراجع الغربي وتعددية القوى الجديدة في النظام الدولي.

 

ثالثًا: الصدمات الجيوسياسية الكاشفة لدواعي تراجع الهيمنة الغربية

تُظهر الصدمات الجيوسياسية الأخيرة مدى محدودية قدرة الغرب على ضبط مسار النظام الدولي وتحقيق أهدافه الإستراتيجية بصورة أحادية؛ إذ تكشف هذه الأزمات عن هشاشة سرديته الموحدة في القيادة العسكرية والسياسية والاقتصادية، فضلًا عن التباينات العميقة بين حلفائه في معالجة التحديات العالمية. كما تؤكد هذه التحولات إعادة تشكيل ميزان القوة الدولي نحو تعددية الأطراف؛ مما يضعف الهيمنة الغربية التقليدية ويبرز الحاجة الملحَّة لإعادة تموضع إستراتيجي وسياسي شامل.

 

  1. الحرب الأوكرانية فضاءً لكشف حدود الردع الأوروبي والغربي

مثَّلت الحرب الروسية-الأوكرانية، منذ اندلاعها سنة 2022، نقطة انعطاف بنيوية في اختبار فاعلية منظومة الردع الغربي، على صعيد القدرة العسكرية المباشرة وكذلك في ما يتعلق بقدرة الغرب على فرض معادلات الحسم الإستراتيجي عبر أدواته المركبة، مثل العقوبات والعزل المالي والحرب بالوكالة. وقد انخرطت الولايات المتحدة والدول الأوروبية في أوسع عملية دعم عسكري لكييف منذ نهاية الحرب الباردة؛ حيث تجاوزت قيمة تعهدات المساعدات العسكرية والمالية -وفق تقرير معهد كيل للاقتصاد العالمي لعام 2024- أكثر من 170 مليار دولار تعهدات إجمالية(20)، إلى جانب تزويد أوكرانيا بمنظومات متقدمة مثل HIMARS وPatriot ودبابات Leopard وAbrams(21). ومع ذلك، لم تُفضِ هذه التعبئة إلى انهيار عسكري روسي أو استعادة أوكرانيا لكامل أراضيها، بل تحولت الحرب إلى صراع استنزاف طويل الأمد، أعاد تعريف حدود الفاعلية العملياتية الغربية في مواجهة قوة نووية كبرى خارج المجال الأطلسي المباشر.

كما كشفت الحرب عن تحولات أعمق في بنية الردع الدولي، فالعقوبات الاقتصادية التي وُصفت، عام 2022، بأنها “الأشد في التاريخ الحديث” لم تحقق هدفها الإستراتيجي المعلن بإخضاع الاقتصاد الروسي(22)؛ إذ أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي لسنة 2024 عودة الاقتصاد الروسي للنمو بنسبة تقارب 3%، مدفوعًا بإعادة توجيه صادرات الطاقة نحو آسيا، خاصة الصين والهند في وقت الحرب(23). كما أبرزت الحرب محدودية القدرة الأوروبية الذاتية على إدارة صراع ممتد عالي الكثافة، بعد أن أقرَّ حلف الناتو في تقاريره لسنة 2023 بانخفاض مخزونات الذخيرة الإستراتيجية لدى عدة دول أعضاء(24). وأعاد هذا الواقع طرح مسألة الاعتماد البنيوي الأوروبي على الولايات المتحدة، وكشف أن التفوق العسكري الغربي أصبح مقيدًا بتوازنات الردع النووي والتشابكات الاقتصادية وصعود قوى قادرة على امتصاص الضغط، لتتحوَّل أوكرانيا إلى مختبر جيوسياسي يوضح حدود الهيمنة العسكرية الغربية.

  1. غزة وانكشاف ازدواجية المعايير الغربية

أعادت الحرب على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إثارة إشكالية الشرعية الأخلاقية للهيمنة الغربية في أكثر صورها حساسية؛ إذ كشفت التباين البنيوي بين الخطاب القيمي الذي تبنَّاه الغرب منذ نهاية الحرب الباردة والممارسة الفعلية في إدارة الأزمات الدولية. ففي الوقت الذي فرض فيه الغرب عقوبات مالية وتجارية وعزلًا دبلوماسيًّا على روسيا بدعوى انتهاك القانون الدولي في أوكرانيا، اتسمت مواقفه من العمليات العسكرية في غزة بتساهل سياسي ودعم عسكري، رغم ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين بشكل غير مسبوق. وتشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024 إلى أن عدد القتلى تجاوز عشرات الآلاف، مع دمار واسع للبنية التحتية المدنية(25)؛ ما أعاد طرح تساؤلات حول الانتقائية في تطبيق المعايير الإنسانية.

وامتدت تداعيات الحرب إلى الرأسمال الرمزي الذي يعد أحد أعمدة الهيمنة الغربية؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي الدولية، مثل تقارير Pew Research وAfrobarometer  لعام 2024، تراجعًا ملحوظًا في مستويات الثقة بالقيادة الغربية داخل دول الجنوب العالمي مقابل تصاعد تصورات ترى أن النظام الدولي منحاز بنيويًّا(26). كما شهدت عواصم غربية كبرى احتجاجات جماهيرية وانتقادات أكاديمية وإعلامية للسياسات الحكومية؛ ما عكس تصدع الإجماع الداخلي حول سردية “التفوق القيمي”. وهذا التآكل في الشرعية المعيارية لا يقل خطورة عن التراجع المادي، لأنه يُضعف قدرة الغرب على حشد التأييد الدولي لمبادراته السياسية والعسكرية مستقبلًا(27). وهكذا تحولت غزة إلى صدمة معيارية كاشفة، أسهمت في تسريع تراجع جاذبية النموذج الغربي، وأعادت فتح المجال أمام فاعلين دوليين لتقديم أنفسهم بدائل أخلاقية وسياسية.

  1. التنافس الأميركي-الصيني وإضعاف الهيمنة الغربية

لا يمكن فهم عودة سرديات أفول الهيمنة الغربية دون تحليل البنية العميقة للتنافس الأميركي-الصيني، بوصفه انتقالًا تدريجيًّا من نظام أحادي القطبية إلى توازن قوى مركب متعدد المراكز. فمنذ إدراج الصين رسميًّا في الإستراتيجيتين الأمنيتين القوميتين الأميركيتين لعامي 2017 و2022 بوصفها “التحدي الإستراتيجي الأول”، تجاوز التنافس المجال التجاري ليشمل التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والفضاء السيبراني، والتموضع العسكري في منطقة الهندو-باسيفيك(28). وقد أظهرت بيانات البنك الدولي لسنة 2024 أن الصين باتت تمثل نحو 18% من الناتج الإجمالي العالمي، مقابل تراجع نسبي للحصة الأميركية مقارنة بذروة ما بعد الحرب الباردة(29)، كما أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة وفق تقارير الأونكتاد لسنة 2023 خاصة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية؛ ما يعكس تحول مركز الجاذبية الاقتصادية عالميًّا نحو آسيا(30).

وتكمن دلالة هذا التنافس في كونه يقوِّض احتكار الغرب لآليات تشكيل النظام الدولي، فالحرب التكنولوجية التي تجلَّت في قيود تصدير أشباه الموصلات الأميركية 2022–2024 لم تمنع بيجين من تسريع برامج الاكتفاء الذاتي؛ حيث ارتفع الإنفاق الصيني على البحث والتطوير إلى أكثر من 2.5% من الناتج المحلي وفق التقرير السنوي للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) لعام 2024، مع احتلالها مراتب متقدمة في تسجيل براءات الاختراع عالميًّا(31). كما عززت الصين حضورها العسكري البحري، لتصبح صاحبة أكبر أسطول بحري عدديًّا وفق تقارير البنتاغون لسنة 2023(32). وتعكس هذه التحولات انتقال الهيمنة الأميركية من تفوق أحادي مريح إلى تنافس متماثل عالي الكلفة، وهو ما يغذِّي سرديات التراجع ويضعف استدامة القيادة الغربية المنفردة.

  1. الصعود الصيني والتنمية متعددة الأطراف بدائل للهيمنة الغربية

برزت الصين منذ بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لاعبًا أساسيًّا في إعادة تعريف مصادر الشرعية الدولية، عبر تقديم نموذج موازٍ يقوم على “السلام والتنمية مقابل التعاون”، إلى جانب تأثيرها الاقتصادي، بديلًا لسردية الهيمنة الغربية التقليدية(33)؛ حيث استثمرت بيجين بشكل إستراتيجي في مشاريع البنية التحتية الكبرى ضمن مبادرة الحزام والطريق؛ ما عزَّز حضورها في آسيا وإفريقيا وأوروبا، وخلق شبكة مصالح اقتصادية متشابكة تقلِّل من القدرة الغربية على الاحتكار النفوذي(34).

وفي سنتي 2025–2026، واصلت الصين توسيع حضورها الاستثماري خاصة في أوروبا، مسلطة الضوء على مشاريع المصانع الكهربائية وصناعة البطاريات (EV) في المجر وإسبانيا، إلى جانب استثمارات بارزة في قطاع الطاقة النظيفة والنقل(35). وقد أشارت مصادر الاتحاد الأوروبي إلى أن التدفقات الاستثمارية الصينية المباشرة بلغت نحو 10.8 مليارات دولار في سنة 2024، مع تأثير ملموس على القدرة الإنتاجية والابتكار في هذه القطاعات(36).

 ويعكس التوجه الإستراتيجي لبيجين سعيها لبناء شبكة اقتصادية دولية متعددة الأبعاد وطويلة الأجل تهدف إلى إعادة تشكيل بعض ديناميات العلاقات الاقتصادية في القارة الأوروبية وتقليل هيمنة الغرب على النفوذ المالي والتجاري. وتعزز الصين من خلال هذه الاستثمارات موقعها فاعلًا اقتصاديًّا رئيسيًّا يسهم في توسيع نفوذها الإقليمي والدولي، مستفيدة من قوتها الاقتصادية لتعميق تفاعلها مع الأسواق الأوروبية دون الاعتماد الكامل على نماذج الهيمنة الغربية التقليدية.

وقد تجلَّى أثر هذه الإستراتيجية على أوروبا بشكل ملموس، خاصة في ظل تزايد الخلافات مع الولايات المتحدة حول إدارة الحروب والنزاعات، ولاسيما في أوكرانيا؛ حيث أبدت بعض العواصم الأوروبية، على رأسها ألمانيا وفرنسا، رغبة واضحة في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين عبر اتفاقيات استثمارية وتمويلية ضخمة(37)، وهو توجه ظهر بقوة في زيارات قادة أوروبيين لبيجين في أوائل سنة 2026؛ ما يعكس سعي هذه الدول إلى تطوير شراكات اقتصادية متوازنة تدعم استقلالية قراراتها الاقتصادية ضمن إطار التفاعل مع كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية.

وفي الوقت ذاته، عزَّزت الصين حضورها الدبلوماسي في الأمم المتحدة ومنتديات التعاون جنوب-جنوب(38)؛ ما منحها قدرة على موازنة النفوذ الغربي داخل المؤسسات الدولية. وعليه، تُظهر هذه التحولات أن الصعود الصيني يشمل القوة المادية والتكنولوجية إلى جانب بناء سردية سياسية واقتصادية وقيمية تتحدى الهيمنة الغربية، مسلطة الضوء على عملية إعادة تموضع تدريجي داخل النظام الدولي متعدد الأقطاب؛ حيث تصبح الصين بديلًا إستراتيجيًّا يعتمد عليه عدد متزايد من الدول الأوروبية والجنوبية على حدٍّ سواء.

  1. أزمات الطاقة والممرات الحيوية وتأثيرها على النفوذ الغربي

كشفت صدمات الطاقة منذ عام 2022 هشاشة البنية التي قامت عليها مركزية الغرب في ضبط الاقتصاد العالمي؛ إذ أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لاختلال جيوسياسي إقليمي إعادة رسم خرائط التدفقات الطاقية العالمية. فقد أدت العقوبات الغربية على روسيا إلى اضطراب واسع في أسواق الغاز، نتيجة تقليل الواردات الروسية وتعطل أنابيب الإمداد، مع ارتفاع الأسعار الأوروبية إلى مستويات قياسية خلال سنة 2022؛ ما دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى البحث السريع عن بدائل شملت الغاز الأميركي المسال واتفاقيات مع دول الشرق الأوسط وإفريقيا. وأظهر هذا التحول عمق الاعتماد البنيوي الأوروبي على الطاقة الروسية، الذي تجاوز 40% من واردات الغاز قبل الحرب وفق بيانات المفوضية الأوروبية لعام 2021؛ مما قلَّل القدرة التفاوضية الأوروبية وأبرز حدود الاستقلال الإستراتيجي الطاقي(39).

امتدت صدمة الطاقة إلى الممرات الحيوية والموارد النادرة؛ إذ أدى تصاعد التوتر في البحر الأحمر منذ عام 2023 إلى اضطراب أحد أهم الشرايين التجارية العالمية(40)، بينما أثَّرت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران على الأمن الملاحي في مضيق هرمز؛ مما رفع تكاليف الشحن وأجبر السفن على التوقف أو إعادة توجيه مساراتها. كما برز التنافس على المعادن الإستراتيجية -الليثيوم، والكوبالت، والنيكل- بوصفها عصب الاقتصاد الأخضر؛ حيث تسيطر الصين على نسب مرتفعة من سلاسل تكريرها عالميًّا وفق وكالة الطاقة الدولية لسنة 2024(41). وتؤكد هذه المعطيات أن السيطرة الغربية لم تعد مطلقة على مفاصل الاقتصاد المادي للنظام الدولي، وأن أمن الطاقة والممرات أصبح موزعًا بين فاعلين متعددين؛ مما يقلِّل قدرة الغرب على توظيف الاقتصاد سلاحَ هيمنةٍ حاسمًا كما كان بعد الحرب الباردة.

  1. تآكل الثقة بين الحلفاء الأوروبيين وأزمات حلف الناتو

تجلَّت أزمات الثقة بين الحلفاء الغربيين في السنوات الأخيرة على مستويات متعددة تتجاوز الخلافات داخل حلف الناتو؛ إذ شهدت أوروبا تباينات حادة بين العواصم الغربية حول سياسات الردع والعقوبات الاقتصادية بعد عام 2022. واختلفت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا عن الولايات المتحدة بشأن تكاليف دعم أوكرانيا والمخاطر المرتبطة بالتصعيد مع روسيا، بينما أثارت قضايا التجارة والطاقة خلافات إضافية، بما في ذلك الجدل حول استيراد الغاز الروسي قبل اندلاع الحرب وتباين المواقف بشأن أمن الإمدادات؛ ما أبرز فجوة في الأولويات الإستراتيجية بين الحلفاء الأوروبيين.

وفي سياق موازٍ، أسهمت الصفقات الدفاعية الثنائية، مثل اتفاق فرنسا-أستراليا لعام 2021 حول الغواصات وما أعقبها من توترات سياسية وإستراتيجية، في تعزيز شعور بعدم الثقة بين الحلفاء التقليديين؛ إذ أبرزت أولوية المصالح الوطنية على الالتزامات الجماعية وأضعفت الانسجام والتحالفات المبنية على الثقة المتبادلة(42). كما كشفت هذه الخلافات المترابطة عن بداية تآكل الثقة الغربية على المستويين الاقتصادي والأمني، مكوِّنة خلفية بنيوية أفسحت المجال لأزمات لاحقة داخل التحالفات الغربية، وأظهرت محدودية قدرة هذه الدول على التوافق في مواجهة التحديات العالمية المشتركة.

وانعكست هذه الخلافات على البنية العملياتية والتحالفية للناتو بشكل واضح خلال السنوات 2022-2026، خاصة في سياق الحرب الروسية-الأوكرانية. فقد أظهرت المعطيات أن الاستنزاف السريع للمخزون الأوروبي من الأسلحة والذخائر أدَّى إلى إعادة اعتماد شبه كامل على القدرة الأميركية في التموين والتسليح؛ ما كشف محدودية الاستقلالية الإستراتيجية الأوروبية(43). كما برزت توترات تركيا حول ملفات إقليمية مثل الملف السوري والشمال الإفريقي، بالإضافة إلى خلافاتها حول انضمام السويد وفنلندا عامي 2023 و2024؛ ما أضاف أبعادًا جيوسياسية معقدة تؤثر على آليات اتخاذ القرار الموحد داخل الحلف(44).

علاوة على ذلك، ظهرت فجوة كبيرة في الالتزام بالإنفاق الدفاعي؛ إذ التزم عدد محدود من الدول بالهدف المتفق عليه، 2% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ما يعكس تفاوت الأولويات الوطنية الأوروبية وغياب رؤية موحدة للأمن الجماعي(45). وتؤكد هذه التجليات أن أزمات الناتو تعكس تآكلًا بنيويًّا في الثقة بين الحلفاء، مع تبعات مباشرة على قدرة الغرب على الحفاظ على سردية التفوق العسكري والسياسي وإعادة توزيع أعباء الأمن على الولايات المتحدة؛ ما يحد من نفوذ الغرب الموحد على الصعيد الدولي.

من جهة أخرى، تعكس التوترات المستمرة بين فرنسا وإيطاليا، بما في ذلك تأجيل قمتهما الثنائية إلى ما بعد قمة “مجموعة السبع”، أزمة هيكلية عميقة داخل الاتحاد الأوروبي تتجاوز الخلافات الشخصية بين الزعيمين(46). ويمثل النزاع الحالي مؤشرًا على تحديات جوهرية تواجه توحيد الرؤية الإستراتيجية الأوروبية، سواء على الصعيد الدفاعي أو الاقتصادي؛ إذ يوضح تعثر مشروع الطائرة القتالية المشتركة وتعطُّل برامج الدفاع الصاروخي الأوروبية المستقلة ضعف القدرة على تحقيق التكامل الصناعي العسكري الضروري لاستقلالية إستراتيجية حقيقية. كما تعكس الخلافات بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا تصادم الأولويات الاقتصادية والسياسات المالية، بما في ذلك الاستدانة الجماعية والاستثمارات الدفاعية؛ ما يعيق اتخاذ قرارات موحدة ويحد من الديناميكية القيادية التقليدية لفرنسا وألمانيا داخل التكتل(47).

إلى جانب ذلك، تعكس التحركات الإيطالية، من خلال التقارب مع المستشار الألماني المحافظ “فريدريش ميرتس” واعتماد نهج مزدوج تجاه واشنطن، محاولة لإعادة رسم التحالفات الداخلية والتأثير على ميزان القوى الأوروبي؛ مما يهدد القيادة الفرنسية ويؤكد هشاشة التحالفات التقليدية(48). وبهذا، يتضح أن الأزمة بين الحلفاء الأوروبيين تعكس صراعًا بنيويًّا على القيادة والرؤية الإستراتيجية داخل الاتحاد؛ ما يستدعي مراجعة شاملة لأطر التعاون السياسي والدفاعي والاقتصادي، وإعادة النظر في آليات ضمان الاستقرار الأوروبي في مواجهة تصاعد السياسات القومية وتباين المصالح الوطنية الكبرى.

  1. الانتقال إلى المواجهة الأميركية-الأوروبية

وضعت سياسات “دونالد ترامب” خلال فترة رئاسته الثانية (2025–2029) أوروبا أمام احتمالات هيكلية جديدة في النظام الدولي؛ إذ مثَّلت عوامل ضغط إستراتيجية قادت إلى إعادة التفكير في مفهوم السيادة الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية، ولا يمكن تفسيرها كمجرد ردود أفعال مؤقتة على إجراءات أميركية غير تقليدية. فقد جسَّدت أزمة جزيرة غرينلاند تقاطع القوة والسيادة والمصالح الجيواقتصادية؛ حيث ربطت الإدارة الأميركية إمكانية التقدم بشأن الجزيرة بفرض رسوم جمركية على الواردات الأوروبية؛ ما أبرز استخدام أدوات السيادة الاقتصادية أذرعَ ضغط سياسية وفق رؤية “ترامب”(49). وقد وضع هذا الربط غير المسبوق أوروبا في موقع صراع داخلي بين الحفاظ على التكامل الاقتصادي والتحوط ضد التبعية الاقتصادية‑التكنولوجية لأكبر قوة اقتصادية في العالم.

ومن زاوية أعمق، دفعت التوترات الاقتصادية، بما فيها تهديدات الرسوم الجمركية الأميركية على أوروبا المرتبطة بملف غرينلاند، إلى إعادة صياغة أطر السيادة الرقمية الأوروبية، متجاوزة مجرد إعادة التفاوض على شروط التجارة. إذ أصبحت السيادة الرقمية محورًا جوهريًّا لمقاومة النفوذ الأجنبي، من خلال إنشاء بنى تحتية رقمية وسيبرانية مستقلة، وتطوير أنظمة بيانات وأمن رقمي لا تعتمد على المعايير أو المنصات الأميركية، متجاوزة نموذج التعاون التقليدي القائم على المصالح المشتركة(50). وهكذا، تتجلى قناعة إستراتيجية جديدة بأن السيادة في القرن الحادي والعشرين تقوم على القوة العسكرية والاقتصادية التقليدية إلى جانب القدرة على التحكم في مسارات البيانات والتكنولوجيا الأساسية؛ مما يشير إلى أن السياسات الأميركية خلال فترة “ترامب” أشعلت تحولًا طويل الأمد في الفهم الأوروبي للأبعاد السيادية للاقتصاد والتكنولوجيا.

وفي البعد المؤسسي، تمثل مبادرة “مجلس السلام” التي طرحها البيت الأبيض، في يناير/كانون الثاني 2026، إعادة تموضع في منطق العلاقات الدولية؛ إذ تهدف إلى إنشاء آلية لإدارة التعاون الدولي أكثر مرونة وأقل مركزية، تستند إلى شبكات نفوذ مختلفة عن بنى الهيمنة التقليدية. وقد واجهت المبادرة ترددًا واضحًا من بعض الدول الأوروبية في الانضمام إلى المجلس نتيجة مخاوف تتعلق بالسيادة واستقلال القرار الوطني، بالإضافة إلى القلق من استبدال علاقات أكثر شبكية ومرونة بآليات مؤسسية قائمة(51). وتعكس المبادرة تحولًا في بنية السلطة؛ إذ تكشف عن ديناميكية جديدة تعيد توزيع النفوذ بين القوى الدولية وتعيد تعريف الأطر المؤسسية للتعاون العالمي.

يتضح أن هذه المبادرات، رغم نشأتها خلال إدارة “دونالد ترامب” التي تمثل حالة “فوران سياسي مؤقتة”، تؤثر بشكل ملموس على مفهوم الهيمنة الأحادية أو الثنائية المركز، وتعزز الانتقال نحو منطق تعددي الشبكات في السياسة الدولية. كما تشكِّل رئاسة ترامب الثانية لحظة صدمة إستراتيجية؛ حيث أطلقت ديناميات هيكلية عميقة أعادت تشكيل السياسات الأوروبية لبناء قدرات مستقلة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والرقمية، وأعادت رسم أطر التعاون الدولي بعيدًا عن نماذج ما قبل سنة 2025. وتستمر تأثيرات هذه الصدمة كقوة تأسيسية تحدد مسار اللحظة المفصلية في تطور النظام الدولي الحديث، حتى بعد انتهاء عهد ترامب.

  1. التحولات في الإدراك الإستراتيجي الغربي

شهد الغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات إدراكية جوهرية في فهم الأمن والدور الدولي؛ إذ لم تعد مفاهيم التفوق العسكري والسيطرة المطلقة على النظام الدولي معيارًا وحيدًا لتقييم القوة. فقد ركزت الإستراتيجية الوطنية الأميركية 2022–2024 على ضرورة تحمُّل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها الذاتي(52)، بينما تؤكد الإستراتيجية الجديدة لعام 2025 على ضرورة التزام الدول الأوروبية برفع مستوى الإنفاق الدفاعي وتطوير قدراتها المستقلة، مع مراعاة مبدأ “من يدفع أكثر ويحمل عبئًا أكبر يحظى بالتزام أقوى” مقابل الدعم الأميركي. وتضع الوثيقة أوروبا أمام اختبار عملي للقدرات الذاتية، بما في ذلك تطوير برامج صاروخية، وتعزيز التعاون السيبراني، والاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية لضمان استقلالية إستراتيجية حقيقية. كما تشير الإستراتيجية إلى أن أي تباين في الالتزام الأوروبي قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية تجاه القارة؛ ما يستلزم من الدول الأوروبية التكيف مع هذه الرؤية لضمان استقرار التحالف الغربي(53).

من جانب آخر، تجلَّى هذا التحول الإدراكي في مداولات مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026، الذي انعقد وسط قلق واضح لدى القيادات الأوروبية بشأن اتساع فجوة القدرات الدفاعية مع الولايات المتحدة. ودعا المؤتمر إلى تعزيز الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي عبر تطوير برامج مشتركة للدفاع الصاروخي، وتعزيز القدرات السيبرانية، وإنشاء وحدات تكتيكية أوروبية متكاملة تعمل بدرجة أقل من الاعتماد على التسليح والإسناد خارج القارة. وأكدت الوثيقة الختامية للمؤتمر على ضرورة أن تكون أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها في أوقات الأزمات دون انتظار التنسيق الكامل مع واشنطن؛ مما يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هيكلية التحالف التقليدية التي اعتمدت الولايات المتحدة مزودًا رئيسيًّا للقدرات الثقيلة(54).

كما انعكس هذا التوجه في سياسات الدول الأوروبية الفردية؛ إذ توقَّعت القيادة الفرنسية في تصريحاتها الرسمية من قادة الاتحاد الأوروبي أن “لا يكون الدعم الأميركي الضمان الوحيد للاستقرار”؛ ما دفع باريس إلى توقيع اتفاقيات دفاعية مستقلة مع دول من جنوب المتوسط وجنوب شرق آسيا تشمل التدريب العسكري المتقدم وتبادل المعلومات الاستخباراتية الحيوية والتعاون التكنولوجي(55). وفي المقابل، ركَّزت ألمانيا على تعزيز قدراتها السيبرانية وحماية البنى التحتية الحساسة، في خطوة تعبِّر عن سعيها لتحقيق استقلال أمني تقني يعزِّز التماسك الأوروبي دون التخلي عن الالتزام الأطلسي(56). وتعكس هذه الديناميات المتعددة الأبعاد تباين الرؤى الإستراتيجية بين أوروبا والولايات المتحدة، وتبرز التحولات الإدراكية لدى جمهور القوى الغربية نحو إعادة توزيع الأعباء الأمنية بصورة أكثر توازنًا؛ ما يضع سردية الهيمنة الغربية التقليدية أمام اختبار عملي في سياق تجاوزت فيه السياسة الدولية التوقعات السابقة.

من جهة أخرى، ترافق هذا التحول مع تصاعد الخطاب الحضاري داخل السياسة الأميركية؛ إذ أعادت الإدارة الأميركية التأكيد على القيم الغربية-المسيحية أساسًا لتحديد التحالفات؛ ما وضع الدول الأوروبية غير المسيحية أمام تحديات التكيف مع هذه الرؤية الجديدة، وأثار نقاشات داخل الاتحاد الأوروبي حول مدى انسجام هذه القيم مع إستراتيجياتهم الوطنية(57). كما أثَّر هذا الخطاب على صياغة السياسات الدفاعية؛ إذ توسع التخطيط الأمني ليشمل أبعاد القوة الثقافية والأيديولوجية، مثل تعزيز التعاون في الأمن السيبراني وتطوير برامج لتعزيز الأمن القيمي، بما يعكس الصراعات المتعلقة بالهوية ضمن التحالفات الغربية(58).

 

رابعًا: ما بعد الهيمنة الغربية

مع تراجع الهيمنة الغربية، بدأ النظام الدولي يشهد إعادة توزيع للقوة والشرعية بين فاعلين متعددين، مع صعود الجنوب العالمي، وتنامي التعددية القطبية، وظهور تحالفات اقتصادية وأمنية مرنة تعيد تشكيل قواعد التفاعل الدولي بعيدًا عن السيطرة الغربية التقليدية.

  1. التعددية القطبية بعد الهيمنة الغربية

شهدت السنوات الأخيرة تحولًا تدريجيًّا في موازين القوة الاقتصادية العالمية؛ إذ اكتسب النمو الاقتصادي في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية أهمية متزايدة، إلى جانب دور الاقتصادات الغربية. وأشارت تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025 إلى أن اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية مرشحة لتحقيق معدلات نمو تتجاوز 4% خلال العام، مقارنة بحوالي 1.6% في الاقتصادات المتقدمة(59)، وهو فارق يعكس انتقالًا تدريجيًّا في ثقل الدينامية الاقتصادية العالمية. ويتعزز هذا الاتجاه بما أورده تقرير آفاق الاقتصاد لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الصادر عام 2025، الذي أكد استمرار الاقتصادات الناشئة، ولاسيما الآسيوية، في الإسهام بالنصيب الأكبر من النمو العالمي، في مقابل أداء أضعف نسبيًّا للاقتصادات المتقدمة(60).

كما تُبرز بيانات قاعدة “آفاق الاقتصاد العالمي” التابعة لصندوق النقد الدولي اتساع الفجوة في معدلات النمو بين المجموعتين؛ مما يشير إلى تحول هيكلي في توزيع مصادر النمو العالمي وتعدد مراكز النفوذ الاقتصادي(61). وتشير هذه الإحصاءات إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم يعد بإمكانهما فرض السياسات المالية أو النقدية عالميًّا بمستوى الحصرية السابق. كما يغير صعود الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين والهند، خريطة التنافس على الاستثمار والابتكار، ويضع أوروبا أمام ضرورة إعادة تقييم تحالفاتها الاقتصادية والتكنولوجية.

وإلى جانب القوة الاقتصادية، تشير البيانات العسكرية الحديثة إلى تراجع القدرة الغربية على الهيمنة العسكرية المطلقة؛ حيث بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.44 تريليون دولار في سنة 2024 وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، مع زيادات ملحوظة في الصين والهند ودول الخليج، وهو ما يعكس انتقال القوة العسكرية جزئيًّا نحو الشرق والجنوب العالميين(62). كما لم يعد التفوق الغربي العسكري وحده كافيًا للحسم الإستراتيجي في النزاعات، مثل ما أظهرت الحرب الروسية-الأوكرانية؛ إذ لم تؤدِّ قدرات الولايات المتحدة وحلفائها إلى حسم سريع. ويشير هذا الواقع إلى أن الهيمنة الغربية تحولت إلى قدرة محدودة تعتمد على التوافق مع الفاعلين الآخرين؛ ما يجعل التفوق الغربي أكثر هشاشة أمام صعود قوى متعددة المراكز.

من جهة أخرى، تعمل المؤسسات متعددة الأطراف اليوم كـ”مؤشرات ملموسة” على التعددية الجديدة، فقد أصبحت مجموعة العشرين المنصة الرئيسية لإدارة الاستقرار المالي والبنية التحتية العالمية(63)، بينما توسَّع دور بنوك التنمية غير الغربية مثل البنك الجديد للتنمية (NDB) في تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية(64). ويشير هذا التوسع إلى توزيع النفوذ عبر مؤسسات بديلة؛ ما يحد من قدرة الغرب على التحكم الأحادي بالنظام الدولي. كما توفر هذه المؤسسات للقوى الصاعدة فرصة للمشاركة في صياغة القواعد الاقتصادية والسياسية؛ ما يعكس تحول النموذج الغربي الأحادي إلى مرحلة تعددية وظيفية؛ حيث تخضع القوة للتوازنات الاقتصادية والمصالح المشتركة بدلًا من السيطرة المطلقة.

  1. صعود الجنوب العالمي فاعلًا مستقلًّا

شهدت دول الجنوب العالمي مؤخرًا تحولًا كبيرًا في وضعها الاقتصادي؛ حيث أصبحت قادرة على توجيه مسارات التنمية الخاصة بها إلى جانب دورها في استقبال الاستثمارات والموارد الأجنبية. وقد أشار تقرير “التجارة والتنمية 2025” الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 44% من التجارة العالمية وتنتج حوالي 42% من الناتج العالمي. كما شهدت دول مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، ارتفاعًا ملحوظًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؛ ما يعكس ترابطها الاقتصادي المتنامي وقدرتها المتصاعدة على توجيه التنمية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الغرب(65).

ويدل هذا التحول على إعادة ترتيب تدريجي في سلاسل القيمة العالمية؛ حيث تعمل دول الجنوب على تعزيز مشاركتها في قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل بعض الصناعات الخفيفة والخدمات الرقمية؛ ما يعزز موقعها في التجارة والاستثمار الدولي. كما يؤكد هذا التوجه جهود هذه الدول لتعزيز استقلاليتها المالية والتقنية عبر إستراتيجيات وطنية لجذب الاستثمار وتطوير القدرات المحلية، بما يسهم في تقليل الاعتماد التقليدي على الاقتصادات الغربية ويبرز ديناميات جديدة في توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي(66).

وبالموازاة مع ذلك، برزت منذ سنة 2022 سياسات خارجية تعتمد على الاستقلالية الإستراتيجية، بعيدًا عن الانخراط الأعمى في المواقف الغربية. فجنوب إفريقيا وكينيا ومصر وغيرها من الدول الإفريقية أسست شراكات متوازنة مع الصين والهند وروسيا(67)، دون الالتزام الكامل بالمواقف الغربية في النزاعات الإقليمية، كما ظهر في الامتناع عن التصويت على قرارات مجلس الأمن التي فرضتها القوى الغربية لإدانة روسيا في حربها على أوكرانيا(68). وفي أميركا اللاتينية، اعتمدت المكسيك والبرازيل تشابكات اقتصادية وتجارية ثنائية قوية مع الصين، تشمل التكنولوجيا والنقل والطاقة المتجددة، مع تعزيز التصنيع المحلي للمنتجات الحيوية مثل بطاريات السيارات الكهربائية، وهو قطاع كان يُعد سابقًا محصورًا في الغرب(69).

وتعكس هذه التحركات قدرة دول الجنوب على موازنة القوى الكبرى، وتحديد أولوياتها وفق مصالحها الوطنية؛ ما يجعلها فاعلًا مؤثرًا في النظام الدولي متعدد الأقطاب، خاصة إن فكرت وعملت على إحياء العديد من التكتلات التي أصابها الهون أو أضحت جامدة.

من جهة أخرى، يعكس توسع مؤسسات التمويل الدولية غير الغربية تجربة الدول النامية في تعزيز مواقعها التمويلية خارج البنى الغربية التقليدية. وفي هذا السياق، يعد بنك التنمية الجديد (NDB)، الذي أنشأته دول (بريكس) لتمويل المشروعات التنموية والبنية التحتية والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة والنامية، نموذجًا بارزًا للمؤسسات التي توفر مصادر تمويل بديلة تستهدف التنمية المستدامة والبنية التحتية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، مع مرونة في الشروط المالية والسياسية مقارنة بالمؤسسات الغربية التقليدية. كما يحرص البنك على توسيع عضويته وتعزيز مشروعاته، ويُنظر إليه كجزء من اتجاه أوسع لإعادة تشكيل التمويل الدولي في ظل تزايد مشاركة الدول النامية في صنع السياسات الاقتصادية العالمية(70).

وشهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من بعض بنوك التنمية الإقليمية بتعزيز التمويل بالعملات المحلية وسيلةً لتخفيف مخاطر العملة الأجنبية بالنسبة للدول النامية؛ حيث وافق البنك الإفريقي للتنمية على استثمار مالي لدعم صندوق صرف العملات  (TCX)، بهدف تمكين الوصول إلى التمويل بالعملات المحلية في الأسواق الإفريقية، بما يسهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على العملات الأجنبية في الإقراض(71). كما تعمل مؤسسات مثل البنك الآسيوي للتنمية على دعم تطوير أسواق السندات المحلية في آسيا والمحيط الهادئ، وهو جزء من جهود طويلة الأجل لتعزيز التمويل المحلي(72).

وفي الوقت نفسه، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى حركة تدريجية نحو تنويع الاحتياطيات الدولية عبر زيادة الحصص النسبية لعملات أخرى غير الدولار في الاحتياطيات الرسمية للبنوك المركزية، وهو مؤشر على تحولات أوسع في النظام النقدي الدولي(73). وبالرغم من أن هذه الاتجاهات ليست تغيرًا جذريًّا فوريًّا، فإنها تدل على أن الدول النامية والمؤسسات المالية العالمية تسعى إلى تعزيز استقلاليتها المالية وتقليل الاعتماد الكلي على النظام الاحتياطي التقليدي بقيادة الدولار.

  1. البريكس والتكتلات الاقتصادية البديلة

تجاوز تكتل البريكس دوره الرمزي كمجموعة للاقتصادات الناشئة، مع استمرار التوسع في عضويته بعد عام 2023 بانضمام دول جديدة، مثل مصر وإثيوبيا وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ما يعمِّق تمثيل الدول النامية في المؤسسات الاقتصادية العالمية. وتشير البيانات التحليلية إلى أن حصة بريكس من الناتج العالمي (بحساب تعادل القوة الشرائية) تبلغ نحو 36.7٪؛ ما يبرز الثقل الاقتصادي المتنامي لهذه المجموعة في النظام الاقتصادي الدولي. كما يسهم التوسع المستمر في العلاقات التجارية والاقتصادية بين أعضاء بريكس في تعزيز الروابط بين دول الجنوب وتقليل الاعتماد على البنى التجارية الغربية، وهو ما يظهر ديناميات جديدة في توزيع الأدوار الاقتصادية عالميًّا(74).

ويرى العديد من الباحثين والمحللين أن تكتل بريكس قد بات محور نقاشات أوسع بشأن كيفية إدماج الاقتصادات الناشئة في عمليات صنع القرار داخل المؤسسات المالية الدولية؛ حيث دعت تقارير متعددة إلى إصلاحات في مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتعزيز تمثيل الاقتصادات الصاعدة وتخفيف تركز النفوذ في عدد محدود من الدول المتقدمة. ولا تعكس هذه الدعوات بالضرورة استبدالًا مباشرًا للهيمنة الغربية، لكنها تشير إلى نقاشات متنامية حول توسيع المشاركة في صنع السياسات الاقتصادية الدولية بما يتناسب مع التغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي(75).

إلى جانب البريكس، برزت تكتلات إقليمية اقتصادية أخرى ذات وزن مؤثر في الهيكل التجاري العالمي، على رأسها الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، وهي منطقة تجارة حرة تضم 15 دولة في آسيا والمحيط الهادئ دخلت حيز التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني 2022. وتمثل هذه الشراكة نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحوالي 30% من سكان العالم؛ مما يجعلها واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة من حيث الحجم الاقتصادي والديمغرافي(76).

وفي إفريقيا، دخل الاتحاد الإفريقي للسوق الحرة القارية (AfCFTA) حيز التنفيذ التجاري في يناير/كانون الثاني 2021؛ إذ يعد أكبر اتفاق تجارة حرة من حيث عدد الأعضاء؛ حيث يخلق سوقًا موحدة تشمل نحو1.3 مليار مستهلك ويجمع ناتجًا محليًّا إجماليًّا يقارب 3.4 تريليونات دولار(77). وتهدف هذه التكتلات إلى تعزيز التكامل الإقليمي والتجارة البينية، وتساعد في تعزيز التنافسية وتقليل الحواجز التجارية داخل مناطقها، وهو ما يمكن أن يسهم في توسيع شبكة التعاون الاقتصادي خارج الهياكل الغربية التقليدية.

وفي المجمل، توضح هذه الأمثلة الإقليمية أن التحول في النظام الدولي يتجاوز الصعيد السياسي ليشمل أيضًا بناء مؤسسات اقتصادية متعددة؛ حيث تتجاوز الأطر الاقتصادية التقليدية الغربية لتوفر شبكات تعاون بديلة قائمة على مصالح مشتركة بين دول الجنوب ونمو المنتجات الاقتصادية. وعليه، يشكِّل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الهيمنة الغربية فضاء لتعدد إستراتيجيات النمو والتنمية، تتحدد فيه السلطة الاقتصادية بقدرة الفاعلين غير الغربيين على تكوين أسواق ومدن اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها المصالح ويعاد تعريف قواعد اللعبة العالمية.

خامسًا: التحديات التي تواجه القوى الصاعدة في مزاحمة الهيمنة الغربية

تشير المؤشرات إلى صعود بعض القوى ورغبتها في مزاحمة الهيمنة الغربية وإعادة تشكيل النظام الدولي، إلا أن هذه الدول تواجه تحديات داخلية وخارجية، فضلًا عن عقبات بنيوية وجيوسياسية وسياسية وإستراتيجية تجعل بروز قيادة مستقلة للنظام الدولي أمرًا شديد التعقيد.

  1. التحديات الاقتصادية الداخلية

رغم النمو اللافت الذي حققته بعض القوى الصاعدة، يظل الصعود إلى قيادة النظام الدولي صعب المنال؛ إذ تواجه هذه الدول تحديات اقتصادية عميقة ترتبط بهياكلها الداخلية ونموها غير المتوازن. فالصين التي تعد ثاني أكبر اقتصاد عالمي، تواجه تباطؤًا تدريجيًّا في النمو إلى نحو %4.5، في سنة 2026، بعد سنوات من المعدلات المرتفعة، نتيجة ضغوط الديون وركود القطاع العقاري وشيخوخة السكان(78)؛ ما يعكس صعوبة قدرتها على تحويل التفوق الاقتصادي إلى قوة سياسية مستقلة على المستوى الدولي.

وبالنظر إلى الهند، فإنها تمثل نموذجًا للاقتصاد الصاعد السريع؛ حيث تتوقع التقديرات الرسمية لنمو الناتج المحلي الإجمالي أن يتراوح بين 6.5% و7.5% في سنة 2026(79)، ومع ذلك، فإن اعتمادها الكبير على واردات النفط بنسبة تصل إلى %90 وتفاوت التنمية بين الولايات يعوق قدرة الدولة على تحويل ديناميكيتها الاقتصادية إلى نفوذ متماسك على الساحة الدولية(80)؛ إذ تظهر هذه الهشاشة الهيكلية بشكل واضح في عدم قدرة الهند على حماية اقتصادها من تقلبات أسعار الطاقة أو دمج العمالة غير الرسمية ضمن منظومة إنتاجية موحدة.

وعلى نحو مشابه، يواجه الاقتصاد البرازيلي قيودًا هيكلية رغم استقراره النسبي؛ إذ سجل نموًّا اقتصاديًّا معتدلًا بلغ نحو 2.3٪، في عام 2025(81)، بينما تتراوح التوقعات المتوسطة حول 2.3٪ إلى 2.5٪ في السنوات الأخيرة نتيجة تباطؤ الاستثمار وارتفاع تكلفة الاقتراض(82). كما يبلغ حجم الدين العام نحو 76٪ من الناتج المحلي الإجمالي(83)؛ ما يعكس ضغوطًا مالية متزايدة تحد من قدرة الدولة على تمويل الاستثمارات طويلة الأمد والتعامل مع الصدمات الاقتصادية الخارجية.

في حين تمثل روسيا حالة خاصة بين القوى الصاعدة بسبب العقوبات الغربية المستمرة منذ سنة 2022 التي أثَّرت على نمو اقتصادها؛ حيث خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الروسي إلى 0.6٪ في سنة 2025، مع توقع نمو بنسبة 0.8٪ في سنة 2026 .(84)ويتركز تأثير العقوبات بشكل رئيسي على قطاعي الطاقة والتمويل؛ مما يحد من قدرة روسيا على تحويل مواردها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي عالمي مستقل.

وبالتالي، تكشف هذه الأمثلة أن الصعود الاقتصادي للقوى الصاعدة، وإن كان واضحًا، مرتبط بتحديات هيكلية داخلية تجعل أي محاولة لمزاحمة الهيمنة الغربية وإعادة تشكيل النظام الدولي عملية معقدة، وتبرز الحاجة لتجاوز هذه الضغوط لضمان قدرة هذه الدول على لعب دور فاعل ومستدام على المستوى الدولي.

  1. الاعتماد على الغرب في التكنولوجيا والتمويل

  تشير المعطيات إلى أن الدول الصاعدة أحرزت تقدمًا ملموسًا في عدة مجالات، إلا أن اعتمادها على الغرب من الناحيتين التقنية والتمويلية يقيِّد استقلاليتها ويحد من قدرتها على المنافسة في القطاعات الإستراتيجية، ويظهر هذا بوضوح في قطاع التكنولوجيا، وخصوصًا صناعة أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية)، الذي يمثل نموذجًا بارزًا للعلاقات المعقدة بين هذه الدول والغرب، فإنتاج الشرائح المتقدمة يعتمد على معدات تصميم وتقنيات متطورة تسيطر عليها شركات غربية مثل Intel وQualcomm وTSMC، فيما تمارس الولايات المتحدة رقابة تصدير صارمة تمنع نقل هذه التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين. وقد دفع هذا الواقع بيجين إلى ضخ استثمارات ضخمة لتعزيز إنتاجها المحلي والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، مع محاولة تجاوز القيود الغربية بوسائل تقنية مبتكرة وغير مباشرة(85).

وفي إطار مشابه، تشير التقارير الحكومية والتحليلات الاقتصادية إلى أن روسيا تكافح لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية رغم إستراتيجيات المدى الطويل للتقليل من الواردات منذ عقوبات سنة 2022؛ حيث تشير مصادر داخل وزارة الاقتصاد الروسية إلى أن البلاد لا تزال تعتمد بشكل كبير على التقنية المستوردة في مجالات تنتظم حول المعدات الثقيلة، ومنتجات التصنيع والطاقة، وحتى في أجزاء من القطاع العسكري، وقد اضطرت موسكو للاستفادة من السلع الواردة عبر وسطاء أو من الصين لتعويض الانقطاع عن إمدادات غربية(86).

 من جهتها، ورغم النمو السريع للهند في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والفضاء، تظل معتمدة على الدعم التكنولوجي الغربي في شبكات 5G ومعدات الطاقة المتجددة وبعض الصناعات العسكرية(87). فيما تبقى البرازيل مرتبطة بالتكنولوجيا الغربية في مجالات الطاقة والزراعة والطيران المدني، ويحتاج قطاع الصناعات الدفاعية فيها إلى تراخيص ومكونات أجنبية(88). وتعتمد جنوب إفريقيا بشكل واضح على التمويل الغربي وشركات متعددة الجنسيات لتطوير الطاقة والتعدين والاتصالات، بينما تستثمر الدول العربية الصاعدة، مثل الإمارات والسعودية، في المدن الذكية والطاقة المتجددة، لكنها تعتمد على الشركات الغربية لتصميم البنية التحتية واستيراد الأجهزة والبرمجيات المتقدمة(89).

ويظهر مما سبق، أن دول الجنوب العالمي، إذا رغبت في تعزيز استقلالها التكنولوجي، مطالبة بالاستثمار طويل الأمد في البحث العلمي وتطوير القدرات الصناعية وبناء منظومات ابتكار وطنية، حيث يظل تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا المتقدمة تحديًا بنيويًّا ممتدًّا نتيجة ارتباطها المستمر بسلاسل التوريد العالمية التي تهيمن عليها المراكز التكنولوجية الغربية؛ ما يبرز هشاشة نسبية في الاقتصادات الصاعدة ويقيد قدرتها على بناء منظومات إنتاج مستقلة قائمة على المعرفة والابتكار المحليين.ا

 

  1. الإكراهات الجيوسياسية والمؤسسية

تشير التحولات المتسارعة في بنية الاقتصاد العالمي وصعود عدد من قوى الجنوب العالمي إلى أن قدرة هذه الدول على التحول إلى قطب دولي متماسك لا تزال مقيدة بإكراهات جيوسياسية صلبة، فالنظام الدولي المعاصر محكوم بشبكات تحالفات عسكرية وأمنية واسعة تقودها القوى الغربية، خصوصًا في الفضاءين الأوروبي والهندي-الهادئ؛ ما يحد من هامش المناورة الإستراتيجية للقوى الصاعدة.

ففي شرق آسيا، تواجه الصين بيئة أمنية معقدة تتشكل من تحالفات وشراكات دفاعية تقودها الولايات المتحدة مع اليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى، إضافة إلى مبادرات أمنية مثل تحالفات “كوادكواد” و”الأوكوس Aukus” بهدف الحفاظ على توازن القوى في الفضاء الهندي-الهادئ(90). وقد تعزز حضور هذا التحالف بعد تصاعد التوترات بين الصين والهند، خاصة عقب مواجهات وادي غالوان عام 2020(91)؛ ما دفع الهند إلى تعميق تعاونها الأمني مع شركائها في “كواد” في مواجهة التمدد العسكري الصيني في المنطقة. من جهتها، ترى بيجين أن تعزيز الهند لعلاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن “كواد” يقيِّد حركتها الإستراتيجية في المحيطين الهندي والهادئ.(92)

 كما تعزز الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا حضورها في جنوب شرق آسيا عبر تدريبات بحرية مشتركة مع الفلبين وإندونيسيا وماليزيا، بينما تبني واشنطن تحالفات غير رسمية مع تايوان وفيتنام تحت شعار “حرية الملاحة”؛ ما يخلق بيئة إستراتيجية معادية تحد من قدرة الصين وروسيا على بسط نفوذهما خارج حدودهما المباشرة(93).

من جانب آخر، تواجه القوى الصاعدة قيودًا بنيوية في جهودها لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي، نتيجة استمرار هيمنة المؤسسات المالية الدولية التقليدية. فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لا يزالان يعملان وفق نظام الحصص والتصويت الذي يمنح الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون، نفوذًا حاسمًا في صنع القرار المالي الدولي. ورغم التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي وصعود الاقتصادات الناشئة التي تمثل حصة متزايدة من الناتج العالمي، لم تشهد بنية الحوكمة في هذه المؤسسات تغييرات كافية لتعكس هذه التحولات؛ ما يحد من قدرة القوى الصاعدة على التأثير الفعلي في صياغة قواعد النظام المالي العالمي.

وفي هذا السياق، سعت الدول المنضوية في تجمع بريكس إلى دفع إصلاح نظام الحصص داخل صندوق النقد الدولي بما يتيح تمثيلًا أكثر عدالة للاقتصادات الصاعدة ويعكس وزنها المتزايد في الاقتصاد العالمي، إلا أن هذه المطالب تواجه مقاومة قوية من القوى الغربية المستفيدة من بنية النظام القائمة. ويظل مسار الإصلاح بطيئًا ومحدود النتائج؛ ما يجعل توازن السلطة المالية العالمي منحازًا لصالح الاقتصادات المتقدمة، ويستمر في توسيع الفجوة بين التحولات الفعلية في مراكز القوة الاقتصادية والهياكل المؤسسية التي تدير النظام المالي الدولي(94).

من جهة أخرى، يظل التنسيق الاقتصادي بين هذه الدول هشًّا ومحدود الفاعلية، رغم وجود أطر تعاون مثل “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”؛ إذ تختلف أولوياتها التنموية بشكل جوهري. فبينما تركز الصين على البنية التحتية والمبادرات الصناعية العابرة للحدود، تسعى الهند إلى تعزيز قطاعات التكنولوجيا والخدمات، فيما تركز روسيا على تصدير الطاقة والموارد الطبيعية، وهو ما يُضعف التكامل الاقتصادي ويجعل الروابط البينية أضعف مقارنة بالصلات التي تربط هذه الدول بالأسواق الغربية (95).

إلى جانب القيود المؤسسية، تواجه القوى الصاعدة ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة تحدُّ من قدرتها على توسيع هامش استقلالها الإستراتيجي؛ حيث شهدت السنوات الأخيرة، ولاسيما خلال عهد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تهديدات بفرض إجراءات تجارية حمائية، بما في ذلك رسوم جمركية إضافية على الدول التي تتبنى سياسات اقتصادية أو مالية تتعارض مع المصالح الأميركية؛ ما يعكس توظيف الأدوات التجارية والمالية في إطار التنافس الجيوسياسي. وتشير هذه التطورات إلى أن التحديات أمام القوى الصاعدة تتجاوز الاقتصاد لتشمل أبعادًا سياسية وإستراتيجية أوسع مرتبطة بإعادة تشكيل قواعد الحوكمة الاقتصادية العالمية.

  1. ازدواجية إستراتيجيات دول الجنوب

تكشف سياسات القوى الصاعدة عن مفارقة بنيوية تتجلى في اعتماد العديد منها على ما يعرف بـ”تعدد الاصطفاف” أو “المواءمة المتعددة”، أي السعي للحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى متنافسة في الوقت ذاته لتعظيم المكاسب الإستراتيجية. وتعكس الهند هذا النمط بوضوح، فهي تحافظ على شراكات أمنية وتقنية مع الولايات المتحدة والدول الغربية ضمن إطار كواد، وفي الوقت نفسه تشارك في أطر شرقية مثل  بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، ما يبرز ازدواجية في موقفها بين الانخراط في النظام الشرقي والحفاظ على دورها الوسيط عالميا(96).

من جهتها، تحافظ السعودية والإمارات على حضورهما الفعال في بريكس وتوسع التعاون مع الصين وروسيا، وفي الوقت نفسه تستمران في تعزيز علاقاتهما مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلال استثمارات ضخمة في الطاقة والتكنولوجيا وشراكات محتملة في الطاقة النووية المدنية؛ ما يعكس الحفاظ على روابط إستراتيجية مع الغرب دون التنازل عن مصالحها في الشرق(97). وعلى نحو مماثل، تحرص البرازيل وجنوب إفريقيا على التوازن بين الانخراط في بريكس وتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع الغرب، بما يتيح لهما تنويع خياراتهما الإستراتيجية والاقتصادية دون الانحياز الأحادي أو تبني موقف عدائي شامل تجاه القوى الكبرى(98).

وتتسق هذه المرونة أيضًا على الصعيد العسكري؛ حيث تشارك الهند في تدريبات مشتركة مع الولايات المتحدة ضمن تحالف كواد مثل تمارين Malabar البحرية وتمارين Yudh Abhyas السنوية(99)، كما توسع التعاون الصناعي والتكنولوجي الدفاعي مع الغرب(100). وفي المقابل، تحافظ السعودية على علاقات دفاعية متقدمة مع واشنطن تشمل صفقات أسلحة متطورة وتصنيفها حليفًا مهمًّا من خارج الناتو(101).

وتشير هذه المعطيات إلى أن انخراط دول الجنوب في أطر تشمل القوى الصاعدة أو الشريكة شرقًا لا يؤدي بالضرورة إلى قطع العلاقات العسكرية مع الغرب أو تبني موقف عدائي أيديولوجي، وهو ما يعكس سعيًا متوازنًا لتحقيق مصالح أمنية وإستراتيجية وطنية ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب. ومع ذلك، تُظهر هذه الإستراتيجية مرونة دبلوماسية محدودة بسبب غياب كتلة جيوسياسية موحدة؛ إذ تتحول التكتلات متعددة الأطراف أحيانًا إلى ساحات تنافس بين القوى الدولية، ويزيد استمرار التباين البنيوي في المصالح والرؤى بين دول الجنوب من صعوبة تشكيل تحالف موحد قادر على مواجهة الكتلة الغربية الموحدة.

خاتمة

يمكن القول: إن التحولات الجارية في النظام الدولي لا تعكس أفولًا حتميًّا للهيمنة الغربية بقدر ما تشير إلى إعادة تشكُّل أنماطها ووظائفها داخل بنية دولية أكثر تعقيدًا وتعددًا. فقد أظهرت الدراسة أن انتقال الهيمنة من نموذجها التقليدي القائم على التفوق الصلب إلى نمط أكثر مرونة وشبكية أصبح واقعًا ملموسًا؛ حيث تعتمد القوى الغربية بشكل متزايد على إدارة التحالفات وبناء التوافقات بدل الاحتكار الأحادي للقوة، وهو ما يؤكد صحة الفرضية الأولى.

كما بيَّنت المعطيات المرتبطة بصعود تكتلات مثل البريكس وتنامي دور التحالفات الاقتصادية الإقليمية أن القدرة الغربية على التحكم المنفرد في النظام الدولي لم تعد مطلقة بل أصبحت موزعة بين مراكز متعددة للنفوذ، وهو ما يدعم الفرضية الثانية المتعلقة بتآكل الأحادية القطبية وبروز بدائل مؤسسية واقتصادية.

وفي السياق ذاته، كشفت ديناميات صعود دول الجنوب العالمي واعتمادها إستراتيجيات أكثر استقلالية عن توسُّع هامش المناورة السياسية والاقتصادية للفاعلين الدوليين الجدد، بما يعيد تعريف مفاهيم السيادة والشرعية الدولية في إطار تعددية قطبية ناشئة، وهو ما يتوافق مع الفرضية الثالثة.

وعليه، فإن النظام الدولي يتجه نحو صيغة مركبة لا تقوم على إزاحة الغرب بقدر ما تقوم على إعادة توزيع القوة داخله وخارجه؛ حيث تتداخل أشكال النفوذ المادي والرمزي ضمن شبكة متعددة المستويات من الفاعلين. وفي هذا الإطار، يظل مستقبل هذا النظام رهينًا بقدرة مختلف القوى، التقليدية والصاعدة، على التكيف مع متطلبات التعددية الجديدة وإدارة التنافس ضمن حدود تضمن قدرًا من الاستقرار الدولي.

المراجع

  1. Wso Aram A, and Rawa M. Mahmood, “The Role of بريكس in Reshaping the Global Order: Confronting Western Hegemony in a Multipolar World”, European Scientific Journal 21, no. 17, Iraq, 2025, Pp24‑53.
  2. فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الجديد، ترجمة حسن الشيخ، دار العلوم العربية، بيروت، طبعة 1993، ص ص10-15.
  3. Ikenberry G. John, Liberal Leviathan: The Origins, Crisis, and Transformation of the American World Order. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2011, Pp1-30.
  4. Gill Stephen, and David Law, Global Hegemony and the Structural Power of Capital, Cambridge: Cambridge University Press, 1989, Pp45‑78.
  5. Thomas L Friedman, The World Is Flat: A Brief History of the Twenty-First Century, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2005, Pp 35‑120.
  6. بسام أحمد شريف وحمدي وردة، “القوة الناعمة والهيمنة الفكرية والثقافية للسينما الأميركية في العالم”، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 2، 2022، ص ص 559‑577.
  7. يوسف أوقسو، “القوة الناعمة: إرادة الهيمنة الثقافية الغربية في ظل غياب تكافؤ الفرص مع الدول الفقيرة”، المجلة المغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، عدد19، 2022، ص ص 21‑28.
  8. جوزيف ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد البيجرمي، مكتبة العبيكان، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 2007، ص ص9-20.
  9. Joseph Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics, New York, PublicAffairs, 2004, Pp10–11.
  10. إسراء أحمد إسماعيل، “مستقبل العولمة…الأفول أم حتمية الاستمرار؟”، مجلة السياسة الدولية، المجلد 54، العدد 218، القاهرة، أكتوبر/تشرين الأول 2019، ص ص 272-274.
  11. بيار تويي، الانفجار الأكبر: تقرير حول انهيار الغرب، 1999‑2002، ترجمة محمد بن الطيب وعادل النجلاوي، دار أدب للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2021.
  12. حسن أوريد، أفول الغرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2018.
  13. Patrick J. Buchanan, The Death of the West: How Dying Populations and Immigrant Invasions Imperil Our Country and Civilization, New York: St. Martin’s Griffin, 2001.
  14. إيمانويل تود، هزيمة الغرب، ترجمة محمود مروة، دار الساقي، الطبعة الأولى 2025.
  15. Pankaj Mishra, From the Ruins of Empire: The Revolt Against the West and the Remaking of Asia, London: Allen Lane, 2012.
  16. هشام جعفر، “عالم ما بعد الغرب والتفكير بالتمني”، الجزيرة نت، 30 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 22 يناير/كانون الثاني 2026)، aljazeera.net.
  17. تشو شوتشون، “أفول المركزية الغربية.. نهاية حتمية أم بداية عالم متعدد الأقطاب؟”، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 28 أبريل/نيسان 2025، (تاريخ الدخول: 22 يناير/كانون الثاني 2026)، eurasiaar.org.
  18. فريد زكريا، “الاندثار الحضاري الحقيقي يحدث بأميركا”، الجزيرة نت، 31 يناير/كانون الثاني 2026، (تاريخ الدخول: 22 يناير/كانون الثاني 2026)، aljazeera.net.
  19. جمال عبد الجواد، “الديمقراطية الأميركية تحت الاختبار”، مجلة السياسة الدولية، المجلد 56، العدد 223، القاهرة، يناير/كانون الثاني 2021، ص ص 122–125.
  20. Kiel Institute for the World Economy, Ukraine Support Tracker: Europe, the US and Others Continue Financial Support for Ukraine, Kiel, 2024, Pp 5–7.
  21. Congressional Research Service, U.S. Security Assistance to Ukraine, CRS Report IF12040, Washington, DC: Congressional Research Service, 2024, Pp 2–6.
  22. For mor See: U.S. Department of the Treasury, “Fact Sheet: United States and Allies Impose Severe Costs on Russia,” February 24, 2022.
  23. International Monetary Fund, World Economic Outlook Update, January 2024, Pp 2–3.
  24. International Institute for Strategic Studies, The Military Balance 2023, London: IISS, 2023, Pp 13–16.
  25. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Hostilities in the Gaza Strip and Israel – Situation Report, 2024.
  26. For mor See: Pew Research Center, International Views of the U.S. and Its Leadership, 2024.
  27. وردة عبد الرازق، “ظاهرة مقلقة.. كيف غيرت حرب غزة طبيعة التظاهرات الجماهيرية في الغرب؟”، مركز رع للدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 7 فبراير/شباط 2024، (تاريخ الدخول: 30 يناير/كانون الثاني 2026)، rcssegypt.com.
  28. See:

    • The White House, National Security Strategy of the United States of America, Washington, DC, December 2017, Pp 2, 25.
    • The White House, National Security Strategy of the United States of America, Washington, DC, October 2022, Pp 8–12.
  29. World Bank, World Development Indicators Database, 2024.
  30. United Nations Conference on Trade and Development, Trade and Development Report 2023, Pp15–18.
  31. وفق تقرير World Intellectual Property Indicators 2025 الصادر عن WIPO، قدَّمت الصين نحو 8 مليون طلب براءة عام 2024، وهو أعلى مستوى عالمي، ويشكِّل حوالي نصف إجمالي الطلبات العالمية. انظر:

– World Intellectual Property Organization, World Intellectual Property Indicators 2025 Highlights, Geneva: WIPO, 2025, Patent section: China’s filings, 2024.

  1. تشير التحليلات العسكرية الأميركية، بما في ذلك تقرير وزارة الدفاع الأميركية 2023 وتحليلات Council on Foreign Relations، إلى أن أسطول بحرية جيش التحرير الشعبي الصيني (PLAN) الأكبر عدديًّا عالميًّا مع نحو 370 سفينة حربية وغواصات، مقارنة بالبحرية الأميركية، مع بقاء التفوق النوعي للولايات المتحدة في حاملات الطائرات والقدرات النووية.

–  U.S. Department of Defense, Annual Report to Congress: Military and Security Developments Involving the People’s Republic of China 2023, Washington, DC: DoD, 2023, Pp 45–48.

  1. هدير طلعت سعيد، “السلام التنموي الصيني في مواجهة السلام الليبيرالي الغربي…الرؤى والمرتكزات”، مجلة السياسة الدولية، المجلد 58، العدد 232، القاهرة، أبريل/نيسان 2023، ص ص 176-182.
  2. علي صالح، “مشروع الحزام والطريق: كيف تربط الصين اقتصادها بالعالم الخارجي؟”، تقرير المستقبل، دورية اتجاهات الأحداث، عدد 26، أبوظبي 2018، ص3.
  3. Mercator Institute for China Studies and Rhodium Group, “Chinese Investment Rebounds Despite Growing Frictions: Chinese FDI in Europe 2024 Update”, MERICS Reports, May 21, 2025, merics.org
  4. “الاتحاد الأوروبي يشدد قواعد الاستثمار لمواجهة الصين”، الجزيرة نت، 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، (تاريخ الدخول: 5 يناير/كانون الثاني 2026)، aljazeera.net.
  5. شدَّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال مؤتمر دافوس الأخير على أن الصين مرحب بها اقتصاديًّا في أوروبا، ولكن ضمن إطار أكثر توازنًا. وأوضح أن القارة الأوروبية تحتاج إلى المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية في القطاعات الإستراتيجية التي تسهم في تعزيز النمو ونقل التكنولوجيا، بدلًا من الاقتصار على تدفقات تصديرية كثيفة نحو السوق الأوروبية. انظر:

    • World Economic Forum, “Davos 2026: Special Address by Emmanuel Macron, President of France”, World Economic Forum Stories, January 20, 2026, weforum.org
  6. من بينها منتدى التعاون الصيني-الإفريقي (FOCAC)، ومنتدى الصين–CELAC للأميركتين اللاتينية والكاريبي، ومنتديات مبادرة الحزام والطريق الدولية، وقمم بريكس للتعاون بين دول الجنوب.
  7. European Commission, “In Focus: EU Energy Security and Gas Supplies”, Directorate-General for Energy, 2024.
  8. يعود سبب التوتر في البحر الأحمر أساسًا إلى هجمات جماعة الحوثيين على سفن تجارية منذ أواخر سنة 2023 بذريعة الارتباط بالحرب في غزة؛ ما استدعى تدخلات بحرية غربية لحماية الملاحة. وتجلَّى تأثير ذلك في انخفاض حركة العبور عبر قناة السويس، وإعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميًّا.
  9. تسيطر الصين على أكثر من 60٪ من تكرير الليثيوم، ونحو 70٪ من تكرير الكوبالت، وحصة كبيرة من النيكل والمواد الخام للبطاريات مثل الجرافيت، كما تتحكم في حوالي 50٪ من سوق مواد البطاريات النهائية عالميًّا، مع استحواذها على شبكات التعدين والتكرير في إفريقيا وأستراليا؛ ما يعزز هيمنتها على سلاسل القيمة الحيوية للاقتصاد الأخضر.

– Fortune India, “China Dominates 19 of 20 Critical Energy Minerals; Battery Prices May Jump 40–50%: IEA”, Fortune India, June 10, 2024, www.fortuneindia.com

  1. وقَّعت فرنسا وأستراليا في سنة 2016، صفقة لتزويد أستراليا بـ12 غواصة ديزل من شركة “نافال غروب” الفرنسية بقيمة 50 مليار دولار أسترالي، لكنها أُلغيت في ما بعد لصالح اتفاقية ثلاثية مع الولايات المتحدة وبريطانيا لشراء 8 غواصات نووية؛ ما عدَّته فرنسا خيانة من حلفائها، فأقدمت على استدعاء سفيريها لدى واشنطن وكانبيرا وإلغاء الاحتفال السنوي المشترك.

“-Sous-marins: l’Australie rompt le «contrat du siècle» avec la France, crise diplomatique entre Paris et Washington”, www.lemonde.fr, Publié le 16 septembre 2021.

  1. أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في يوليو/تموز 2025، عن إطلاق آلية ضمن إطار التعاون العسكري للحلف، بموجبها ستشتري الدول الأوروبية أسلحة أميركية الصنع، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي، ثم ترسلها إلى أوكرانيا في إطار دعمها في حربها مع روسيا، وهو ما تم تفعيله من خلال مشروع Prioritised Ukraine Requirements List. انظر: “أمين عام حلف “الناتو”: أوروبا ستدفع 100% ثمن إمدادات الأسلحة الأميركية لأوكرانيا”، موقع RT، بتاريخ 14 يوليو/تموز 2025، (تاريخ الدخول: 7 فبراير/شباط 2026)، arabic.rt.com.
  2. Anadolu Agency, “Turkish Parliament Approves Bill for Sweden’s NATO Membership”, Anadolu Agency, January 24,  www.aa.com.tr.
  3. NATO, “Defence Expenditures and NATO’s 5% Commitment”, NATO Topics. Accessed February 23, 2026. nato.int.
  4. تشهد العلاقات بين فرنسا وإيطاليا توترات سياسية ودبلوماسية متجددة، تجلَّت مؤخرًا في تأجيل قمتهما الثنائية من أبريل/نيسان 2026 إلى ما بعد قمة “مجموعة السبع”، نتيجة اختلاف الرؤى بين زعيمي البلدين حول الأولويات الداخلية والقضايا الحقوقية والقومية، مثل الجدل بشأن مقتل الناشط كانتان ديرانك، الذي عدَّه ماكرون تدخلًا في الشؤون الداخلية الفرنسية. انظر:

    • “توتر فرنسي إيطالي يؤجل قمة ماكرون وميلوني”، الجزيرة نت، 21 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 27 فبراير/شباط 2026)، aljazeera.net.
  5. ميشال أبو نجم، “الخلافات الفرنسية-الألمانية تُعطِّل «مُحرِّك» الاتحاد الأوروبي”، صحيفة الشرق الأوسط، 21 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 26 فبراير/شباط 2026)، aawsat.com
  6. تقاربت إيطاليا بقيادة ميلوني مع المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في قضايا اقتصادية وسياسية مهمة، وتبنَّيا رؤى مشتركة بشأن تنشيط الاقتصاد الأوروبي وتنظيم السياسات الصناعية؛ ما شكَّل محورًا مغايرًا لمواقف باريس في بعض الملفات الإستراتيجية.

    • Conesa Elsa, and Allan Kaval, “Germany Moves Closer to Italy as Disagreements Strain Ties with France”, Le Monde, January 25, 2026. lemonde.fr
  7. “لماذا امتنعت أوروبا عن رد تهديدات ترامب الاقتصادية إثر أزمة غرينلاند؟”، الجزيرة نت، 30 يناير/كانون الثاني 2026، (تاريخ الدخول: 2 فبراير/شباط 2026)، aljazeera.net.
  8. Associated Press, “France dumps Zoom and Teams as Europe seeks digital autonomy from the US”, AP News, January 2026. www.apnews.com.
  9. ترددت عدة دول أوروبية -من بينها فرنسا وألمانيا وبعض أعضاء الاتحاد الأوروبي- في الانضمام كأعضاء للمجلس، وأبدت تحفظات بسبب الصلاحيات الواسعة المقترحة للمجلس وما إذا كان سيُحدث تقويضًا لنظام الأمم المتحدة الدولي.

  10. National Security Strategy of the United States of America 2022, The White House, October 2022.
  11. United States National Security Strategy 2025, The White House, December 5, 2025.
  12. “مؤتمر ميونخ للأمن.. 4 خلاصات ترسم ملامح عالم جديد”، الجزيرة نت، 16 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 22 فبراير/شباط 2026)، aljazeera.net.
  13. جدَّدت فرنسا والهند، في فبراير/شباط 2026، اتفاقية التعاون الدفاعي الثنائية لمدة 10 سنوات، وارتقت شراكتهما إلى شراكة إستراتيجية عالمية خاصة، تشمل التعاون في تصنيع الذخائر الموجهة “هامر” وطائرات الهليكوبتر H-125، وتبادل نشر الضباط، وتعزيز الابتكار والشركات الناشئة والبحث العلمي المشترك. للمزيد من التفاصيل، راجع:

    • “الهند وفرنسا تعززان العلاقات الدفاعية باتفاق لإنتاج مشترك لعتاد حربي”، موقع الشرق، 17 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 27 فبراير/شباط 2026)، asharq.com.
  14. Burwell Frances, Kenneth Propp, “Digital sovereignty: Europe’s declaration of independence?“, Atlantic Council, January 14, 2026, atlanticcouncil.org.
  15. European Council on Foreign Relations and European Cultural Foundation, Report: “Trump Is Waging Culture War on Europe” by Promoting Rightwing Allies, theguardian.com, September 23, 2025.
  16. Idrees AliMatt Spetalnickand James Mackenzie, «Trump Strategy Document Revives Monroe Doctrine, Slams Europe», reuters.com, December 5, 2025.
  17. International Monetary Fund, World Economic Outlook, October 2025: Global Economy in Flux, Prospects Remain Dim, Washington, DC: International Monetary Fund, October 14, 2025.
  18. Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), OECD Economic Outlook, Volume 2025 Issue 2, Paris: OECD Publishing, December 2, 2025.
  19. International Monetary Fund, World Economic Outlook Database, October 2025. Washington, DC: International Monetary Fund, 2025, www.imf.org
  20. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Trends in World Military Expenditure, 2024, Stockholm: SIPRI, 2025, sipri.org.
  21. أصبحت مجموعة العشرين التي تشمل19 دولة + الاتحاد الأوروبي، وتضم حوالي 85% من الناتج الاقتصادي العالمي وثلثي سكان العالم، المنصة الرئيسية لإدارة الاستقرار المالي العالمي منذ أزمة 2008، وقد تم تأكيده رسميًّا في إعلان قمة بيتسبرغ 2009 الذي نَصَّ على أن G20 هي “المنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي”، واستمر هذا الدور في بيانات القمم اللاحقة، خاصة بعد أزمات كوفيد-19 واضطرابات سلاسل التوريد. للمزيد، راجع:

    • G20 Leaders, Leaders’ Statement: The Pittsburgh Summit, Pittsburgh, September 24–25, 2009. g20.org.
  22. New Development Bank, Annual Report 2024, Shanghai: New Development Bank, 2025, ndb.int
  23. United Nations Conference on Trade and Development, Trade and Development Report 2025: On the Brink — Trade, Finance and the Reshaping of the Global Economy, Geneva: UNCTAD, 2025. unctad.org/system/files/official-document/tdr2025ch4_en.pdf.
  24. United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Trade and Development Report 2025: On the Brink — Trade, Finance and the Reshaping of the Global Economy, Geneva: United Nations, 2025.
  25. United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Economic Development in Africa Report 2023: The Potential of Africa as a Global Supply Chain Partner, Geneva: United Nations, 2023.
  26. General Assembly resolution demands end to Russian offensive in Ukraine, www.news.un.org, Posted on 2March 2022, accessed on 20-02-2026.
  27. Economic Commission for Latin America and the Caribbean (ECLAC), Latin America and the Caribbean in the World Economy 2023: Trade and Investment Trends, Santiago: United Nations, 2023.
  28. New Development Bank, NDB Funding Overview and Strategy, Accessed February 2026. ndb.int.
  29. African Development Bank Group, African Development Bank Approves Equity Investment in The Currency Exchange Fund to Support Access to Local Currency Financing across Africa, Press Release, September 18, 2025.
  30. Asian Development Bank, ADB and Local Currency Financing: A 20‑Year Journey, February 10, 2025.
  31. صندوق النقد الدولي (IMF)، هيمنة الدولار في نظام الاحتياطيات الدولية، 13 يونيو/حزيران 2024، (تاريخ الدخول: 20 يناير/كانون الثاني 2026)، imf.org.
  32. محمد النوري، “مجموعة “البريكس” ودورها في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي”، مركز الجزيرة للدراسات، 23 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 20 يناير/كانون الثاني 2026)، studies.aljazeera.net.
  33. Woods Ngaire. “The Global Governance of Banking and Finance”, Annual Review of Political Science 22, no. 1, 2019, Pp 3–22.
  34. Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Joint Leaders’ Statement on the Regional Comprehensive Economic Partnership (RCEP)”, 31 May 2024. mfa.gov.cn
  35. سالي محمود فريد، “تقييم فرص إنشاء منطقة التجارة القارية في إفريقيا”، مجلة السياسة الدولية، العدد 215، القاهرة، يناير/كانون الثاني 2019، ص154.
  36. International Monetary Fund, “IMF Executive Board Concludes 2025 Article IV Consultation with China”, Washington, DC: IMF, 18 February 2026, imf.org
  37. International Monetary Fund, “Press Release No. 25/392: IMF Executive Board Concludes 2025 Article IV Consultation with India”, Washington, DC: International Monetary Fund, 26 November 2025, imf.org.
  38. Reuters, “How persistently high oil prices could impact India’s vulnerable economy”, 12 March 2026, reuters.com.
  39. Reuters, “Brazil’s economy grew 2.3% in 2025, its weakest performance since the COVID‑19 pandemic, as high interest rates squeezed consumption and investment”, 3 March 2026, reuters.com.
  40. International Monetary Fund, “IMF Staff Completes 2025 Article IV Visit to Brazil”, Washington, DC: International Monetary Fund, 3 June 2025, imf.org.
  41. FocusEconomics, “Brazil Public Debt (% of GDP)”, focus-economics.com, accessed 11 March 2026.
  42. International Monetary Fund, “IMF Slashes Russia’s 2026 Growth Forecast to 0.8%”, The Moscow Times, 19 January 2026, imf.org.
  43. “أميركا تضيف قيودًا جديدة على صادرات أشباه الموصلات إلى الصين”، موقعCNN الاقتصادية، 15 يناير/كانون الثاني 2025، (تاريخ الدخول: 20 يناير/كانون الثاني 2026)، cnnbusinessarabic.com
  44. Stolyarov Gleb, and James Pomfret, “Exclusive: Despite Western Sanctions, Russian Bomb Factory Bought Siemens Tech via Middleman”, Reuters, August 7, 2025. reuters.com
  45. Nishant Rajeev, Yogesh Joshi, and Karthik Nachiappan, “India’s Tryst with 5G Technology: Debates, Decisions and Developments over Huawei”, Institute of South Asian Studies (15 August 2023), isas.nus.edu.sg.
  46. Luciano de Almeida Freitas, “Brazil’s Rising Strategic Value: New Opportunities for U.S. Businesses Under the 2025 National Security Strategy”, Carlton Fields (December 15, 2025), carltonfields.com
  47. For more See:

“-Dubai Future Foundation, Dubai Smart City Strategy 2022”, Dubai, UAE, accessed March 14, 2026, www.dubaifuture.gov.ae.

“-Saudi Ministry of Energy, Renewable Energy Projects Overview”, Riyadh, Saudi Arabia, accessed March 14, 2026, www.moenergy.gov.sa.

  1. Rory Medcalf, Indo-Pacific Empire: China, America and the Contest for the World’s Pivotal Region, Manchester University Press, Manchester, 2020, p 102.
  2. Brahma Chellaney, Water, Peace, and War: Confronting the Global Water Crisis, Rowman & Littlefield, Lanham, 2013, p 218.
  3. Raja Mohan, Modi’s World: Expanding India’s Sphere of Influence, HarperCollins, New Delhi, 2015, p 101.
  4. François Heisbourg, Le temps des prédateurs: La Chine, les États-Unis et nous, Odile Jacob, Paris, 2023, p 119.
  5. عبد القادر عبد المجيد، عيد رشاد، “إصلاح نظام الحصص والحوكمة في صندوق النقد الدولي: دراسة تحليلية”، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية 38، عدد 4، 2024، ص ص 889‑932.
  6. Sergey Karaganov, Russia and the Emerging World Order, Moscow State Institute of International Relations, Moscow, 2022, p 89.
  7. Konwer Shubhrajeet, “An Expanded بريكس : Agenda and Stakes for India”, South African Journal of International Affairs 32, no. 1–2, 2025, Pp155‑173
  8. Janardhan Narayanappa, and Mohammed Baharoon. “UAE in بريكس Expansion Amplifies Multialignment Trend”, Arab Gulf States Institute in Washington, December 24, 2023, agsi.org
  9. “بريكس 2025: Brazil’s Balancing Act”, FEPS (Foundation for European Progressive Studies), June 26, 2025, eps-europe.eu.
  10. “India and the United States Commence Joint Military Exercise ‘Yudh Abhyas’ in Alaska”, The Economic Times, September 2, 2025,www.economictimes.indiatimes.com.
  11. “وزير الحرب الأميركي: وقَّعنا اتفاق إطار دفاعيًّا مع الهند لمدة 10 سنوات”، الجزيرة نت، 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، (تاريخ الدخول: 10 مارس/آذار 2026)، aljazeera.net.
  12. Reuters, “Trump Designates Saudi Arabia as ‘Major, Non‑NATO Ally’.” Reuters, November 19, 2025, www.reutersconnect.com.