الحرب على إيران والتحولات العنيفة في عالم متغير
يصدر العدد الثلاثون من (لباب) وسط احتدام الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر. بدأت الحرب، في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، بهجمات على إيران شملت قصف اجتماع كان يحضره المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، والعشرات من قيادات الحرس والجيش ومسؤولين كبار آخرين. ردَّت إيران على الفور بقصف لدول الخليج العربية بذريعة استهداف القواعد العسكرية الأميركية، لكن هذه الضربات اتسعت لتشمل منشآت اقتصادية وخدمية ومدنية. تسببت الحرب بخسائر جسيمة للاقتصاد العالمي، وبتهديد غير مسبوق لدول المنطقة. وفيما تستمر الحرب بصيغ مختلفة اقتصادية وسياسية، ومفاوضات مشحونة بقدر كبير من عدم الثقة والدعاية الخشنة فإن نتائج هذه الحرب ومساراتها لم تتضح بعد.
لقد حاولنا في هذا العدد اللحاق بمتابعة وتحليل الحرب وهي تدور، من خلال دراسة “الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران: سياق التصعيد ومسارات الحرب“، التي تفكِّك منطق التصعيد وتوازنات الردع، وتُبرز احتمالات الانتقال من المواجهات المحدودة إلى صراعات أوسع.
ويمتد هذا التحليل إلى ساحة إقليمية وثيقة الصلة بتطورات الحرب، عبر دراسة “لبنان في الحرب الإقليمية: مسارا حزب الله والسلطة وتوازناتهما“، التي تفكِّك بدورها ديناميات التفاعل بين مسارين متوازيين داخل لبنان، وتُبرز طبيعة التوازنات التي تحكم العلاقة بينهما، في ظل ارتباط الساحة اللبنانية بالمستويين الإقليمي والدولي، بما يكشف عن أنماط إدارة الصراع وتحوّلاته ضمن بيئة تفاوضية مركّبة.
وسنتابع دراسة واقع هذه الحرب وتداعياتها في الأعداد اللاحقة، بدراسات متعددة ومتعمقة بعدما تتضح صورة الحرب ونهاياتها.
لقد وقعت الحرب في عالم يتسم بتسارع التحولات وتداخل الأزمات؛ حيث لم يعد تحليل الظواهر السياسية والإستراتيجية ممكنًا ضمن الأطر التقليدية التي تفصل بين الأمني والاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي بل أضحت هذه المجالات متشابكة في بنية واحدة، تعكس انتقال النظام الدولي نحو مرحلة أكثر تعقيدًا ولا يقينًا؛ حيث تتغير طبيعة القوة، وتتبدل أدوات الصراع، وتُعاد صياغة علاقات الفاعلين على المستويين الإقليمي والدولي. في هذا السياق، يأتي العدد الثلاثون من مجلة لباب للدراسات الإستراتيجية ليواكب هذه التحولات، عبر مجموعة من الدراسات التي تقارب قضايا معاصرة من زوايا متعددة، تجمع بين التحليل النظري والتطبيق العملي.
يتضمن العدد دراسة بعنوان “ما بعد الإنسانية وحروب الجيل الخامس: إعادة تشكيل الصراع في عصر الفاعلية الخوارزمية“، التي ترصد التحولات العميقة في طبيعة الحروب المعاصرة؛ حيث تتداخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مع القرار العسكري، بما يعيد تعريف مفاهيم الفاعلية والسيادة والمسؤولية. وفي السياق ذاته، تأتي دراسة “الذكاء الاصطناعي وتحولات الحرب المعاصرة: غزة نموذجًا” لتقدم تطبيقًا عمليًّا لهذه التحولات، من خلال تحليل دور الأنظمة الخوارزمية في إدارة العمليات العسكرية وتسريع اتخاذ القرار، وما يثيره ذلك من إشكالات قانونية وأخلاقية.
وفي سياق بحث التحولات الدولية الراهنة يتضمن العدد دراسة بعنوان “إرهاصات أفول الهيمنة الغربية وإعادة تشكيل النظام الدولي“، التي تضع هذه الصراعات ضمن سياق أوسع من التحولات البنيوية في النظام الدولي، مع صعود قوى جديدة وتراجع نسبي للهيمنة الغربية.
وفي مستوى التحليل المفاهيمي، تقدِّم دراسة “الصبر الإستراتيجي: إطار مفاهيمي ومقاربة في الصراعات الدولية” قراءة نظرية لآليات إدارة الصراع، مركزة على الزمن أداةً إستراتيجية في موازنة القوة وتحقيق الأهداف. بينما ينتقل العدد إلى البعد التنموي من خلال دراسة “الدور التنموي للمرأة القطرية: المشاريع الصغيرة والمتوسطة نموذجًا“، التي تبرز إسهام المرأة في دعم الاقتصاد غير النفطي وتعزيز التحول نحو اقتصاد متنوع قائم على المعرفة.
أما على مستوى إدارة التفاعلات الداخلية، فتتناول دراسة “التدبير الناعم للحركات الاحتجاجية في المغرب: نحو مقاربات بديلة للمقاربة الأمنية“ تحولات أساليب الدولة في التعامل مع الاحتجاجات، عبر اعتماد آليات الحوار والوساطة والسياسات العمومية، في محاولة لتحقيق التوازن بين الاستقرار ومتطلبات المشاركة. ويُختتم العدد بقراءة نقدية لكتاب “الصين: انتقام الإمبراطورية.. هل دنت نهاية الغرب؟“، التي تطرح أسئلة جوهرية حول صعود الصين وأزمة العولمة، وتحولات موازين القوة في النظام الدولي.
إن ما يجمع بين هذه الدراسات، على تنوع موضوعاتها، هو سعيها إلى فهم التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، سواء في طبيعة الحروب، أو في أنماط التفاعل السياسي، أو في مسارات التنمية، أو في بنية النظام الدولي. فهي تعكس إدراكًا متزايدًا لأن القضايا الإستراتيجية لم تعد أحادية البعد، بل تتطلب مقاربات مركبة تستوعب تعقيد الواقع وتشابك مستوياته.
وفي هذا الإطار، يأمل هذا العدد أن يسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول هذه القضايا، وأن يفتح آفاقًا جديدة للتفكير في مستقبل النظام الدولي، وطبيعة الصراعات القادمة، وإمكانات بناء نماذج أكثر توازنًا واستدامة في إدارة التحولات. فبين تصاعد التوترات، وتسارع الابتكار التكنولوجي، وتبدل موازين القوة، يظل الرهان قائمًا على إنتاج معرفة نقدية رصينة قادرة على الإحاطة بهذه التحولات واستشراف مساراتها.
