إعادة بناء الأطر التفسيرية للتحولات الإستراتيجية

يصدر هذا العدد من “لباب” في ظل استمرار التفاعلات العسكرية والأمنية في الخليج، في أعقاب الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، والتي لم تتوقف تداعياتها رغم الهدنة الهشة، ومذكرة التفاهم التي أخفقت في إيقاف التصعيد العسكري المتواصل وتهيئة سياق مناسب للتسوية. فقد واصلت إيران محاولات الهيمنة على مضيق هرمز، ومهاجمة السفن التجارية التي لا تستجيب للشروط التي فرضتها لعبوره، الأمر الذي نجم عنه استئناف المواجهات العسكرية المتبادلة، وتصعيد الاستهداف العسكري الإيراني لدول الخليج والأردن.

ويعكس هذا المشهد، كما تعكسه تطورات النظام الدولي في أكثر من ساحة، أن كثيرًا من الأزمات لم تعد تنتهي باتفاقات حاسمة بل تستمر في صورة ضغوط متبادلة، وردع متقطع، وتحولات تدريجية تعيد تشكيل موازين القوة ومفاهيم الأمن والشرعية.

وتُبرز هذه التحولات الحاجة إلى مراجعة كثير من الأطر التفسيرية التي ظلت تحكم فهم السياسة الدولية والأمن والصراع لعقود. فمع تداخل الأبعاد الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، وصعود فاعلين وأنماط تأثير جديدة، أصبح التحدي العلمي يتمثل في تطوير نماذج تفسيرية أكثر قدرة على فهم البنى العميقة التي تنتج هذه التحولات وتوجه مساراتها، بما يجاوز مجرد توصيفها إلى تفسيرها واستيعاب دلالاتها. ومن هذا المنطلق، يجمع بين دراسات هذا العدد من “لباب” اهتمامٌ مشترك يتمثل في إعادة النظر في المفاهيم السائدة، واقتراح أطر تحليلية جديدة لفهم التحولات التي تعيد تشكيل النظامين، الدولي والإقليمي.

يُفتتح العدد بدراسة تؤسس لإطار تفسيري جديد لفهم العلاقة بين الجغرافيا والسلطة وإنتاج فضاءات الاستثناء، متخذةً من “جزيرة إبستين” نقطة انطلاق لتحليل ظاهرة تتجاوز حدود هذه الحالة. ومن خلال اقتراح مفهوم “الجغرافيا السياسية للشر”، تنتقل الدراسة من توصيف واقعة بعينها إلى بناء نموذج نظري يُفسِّر الكيفية التي تتحول بها بعض الفضاءات الجغرافية إلى مجالات يُعاد فيها تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون والرقابة وشبكات النفوذ. وللتحقق من صلاحية هذا النموذج، توسع الدراسة نطاق التحليل ليشمل حالات أخرى، مثل قاعدة غوانتانامو وجزر التجارب النووية وجزر الاقتصاد السري، لتبين أن اختلاف الوظائف لا ينفي وحدة البنية الجيوسياسية التي تقوم على الاستثناء والعزلة وإعادة توزيع القوة. وبهذا تقدم الدراسة إسهامًا نظريًّا يتجاوز تفسير حالة جزئية إلى بناء أداة تحليلية تساعد في فهم توظيف الجغرافيا في إنتاج الهيمنة وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي المعاصر.

وفي سياق التحولات الفكرية والسياسية التي تشهدها الولايات المتحدة، تتناول الدراسة الثانية إعادة تشكل الحركة المحافظة الأميركية من خلال تحليل العلاقة بين الاندماجية الكلاسيكية والترامبية، بعيدًا عن ثنائية الاستمرار والقطيعة. وتقدم الدراسة الترامبية بوصفها إعادة تركيب انتقائية للإرث المحافظ في ظل سياقات سياسية ومؤسسية جديدة، بما أفضى إلى إعادة تعريف معايير الشرعية والفاعلية داخل اليمين الأميركي. وتكشف الدراسة، عبر تتبع التحولات التي مرَّت بها الحركة المحافظة منذ خمسينات القرن العشرين، عن الدور المحوري الذي اضطلعت به المؤسسات الفكرية والقانونية في إعادة توزيع موازين القوة داخل الحقل المحافظ، والانتقال من أولوية الانضباط الفكري إلى تغليب الفاعلية السياسية والمؤسسية. ومن خلال هذا التحليل، تقدم الدراسة قراءة تفسر صعود الترامبية بوصفه حصيلة مسار تاريخي طويل أعاد تشكيل العلاقة بين الفكر والسلطة والمؤسسات، وأثار في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول مستقبل المحافظة الأميركية ومصادر شرعيتها وتماسكها الفكري.

وينتقل العدد إلى أحد أكثر الملفات إلحاحًا في البيئة الإقليمية، من خلال دراسة تبحث تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية على المنظومة الأمنية الخليجية، متخذةً من هذه الحرب مدخلًا لتحليل التحولات البنيوية التي طرأت على معادلات الأمن والدفاع في المنطقة. وتنطلق الدراسة من فرضية أن الحرب مثَّلت لحظة انكشاف إستراتيجي أبرزت حدود التصورات الأمنية التقليدية، وكشفت انتقال البيئة الأمنية الخليجية إلى نمط أكثر تعقيدًا وتشابكًا، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والبنى التحتية الحيوية. وفي ضوء ذلك، تناقش الدراسة متطلبات بناء قدرة دفاعية خليجية أكثر تكاملًا، تستند إلى عقيدة أمنية مشتركة، ومنظومات دفاع متعددة الطبقات، وآليات تنسيق قادرة على مواجهة التهديدات المركبة. كما تقدم تصورًا استشرافيًّا لمسارات الأمن الخليجي، انطلاقًا من أن التحولات التي فرضتها الحرب تضع دول مجلس التعاون أمام استحقاق إعادة بناء مفهوم الأمن الجماعي، بما يعزز قدرتها على إدارة المخاطر وصناعة التوازن في بيئة إقليمية تتسارع فيها التحولات، وتتزايد التهديدات.

ويواصل العدد اهتمامه بإعادة بناء الأطر التفسيرية من خلال دراسة تتناول ظاهرة تسييس الاستخبارات، متجاوزةً المقاربات التي تحصرها في التدخل السياسي المباشر، إلى تقديم تفسير متعدد المستويات للعلاقة بين المحلِّل الاستخباراتي وصانع القرار. وفي هذا السياق، تطرح الدراسة “فرضية القرب” بوصفها إطارًا تحليليًّا جديدًا يفسر كيف تتشكل أنماط التسييس تبعًا لدرجات القرب البنيوي والوظيفي والشخصي والإدراكي، بما يعيد النظر في كثير من المسلَّمات السائدة في أدبيات الاستخبارات وصنع القرار. ومن خلال هذا الطرح، تصور الدراسة العلاقة بين القرب والاستقلال بوصفها توازنًا مؤسسيًّا ومهنيًّا يتحدد وفق آليات الحوكمة وتصميم العلاقة بين إنتاج المعرفة واتخاذ القرار. وبذلك تقدم الدراسة نموذجًا تفسيريًّا يوسِّع فهم ظاهرة التسييس، ويفتح آفاقًا جديدة لدراسة العلاقة بين المعرفة والسلطة والمؤسسة في سياقات سياسية ومؤسسية متنوعة.

ومن إعادة تفسير العلاقة بين المعرفة والسلطة، يمتد هذا المنحى التفسيري إلى دراسة تتناول تحولات التعبير عن القضية الفلسطينية في المغرب من خلال خطاب حركات الألتراس، مقدمةً قراءة لدور الفضاءات الثقافية والرياضية في إنتاج أشكال جديدة من الفعل الاحتجاجي. وتنطلق الدراسة من أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتحليل الكيفية التي أعادت بها هذه الحركات توظيف الملاعب والفضاء الحضري لإنتاج خطاب داعم للقضية الفلسطينية، مستندةً إلى منهج تحليل الخطاب النقدي لفهم المضامين السياسية والثقافية التي حملتها الأهازيج والأغاني ورسومات الغرافيتي. وتوضح الدراسة أن حركات الألتراس أسهمت في بلورة أنماط جديدة من التعبئة السياسية، حوَّلت الملاعب وجدران المدن إلى فضاءات للتعبير عن الرأي العام، وكشفت قدرة الأشكال الثقافية والشعبية على أداء أدوار سياسية مؤثرة في البيئات التي تضيق فيها قنوات الاحتجاج التقليدية.

ويمتد الاهتمام برصد التحولات الإستراتيجية في باب “متابعات”، من خلال دراسة تتناول إعادة تموضع السياسة الأمنية الألمانية في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا. وترصد الدراسة انتقال برلين من نموذج “القوة المدنية” إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية وإعادة بناء دورها العسكري داخل المنظومة الأوروبية والأطلسية، في ضوء المتغيرات التي فرضتها الحرب وتراجع اليقين المرتبط باستدامة الضمانات الأمنية الأميركية. وتوضح الدراسة أن هذا التحول يعبِّر عن مراجعة أوسع للمرتكزات التي قامت عليها الإستراتيجية الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة، وما يرتبط بها من تحديات تتصل بالتوازن بين متطلبات الردع العسكري والاعتبارات الاقتصادية والسياسية الداخلية. ومن هذا المنظور، تقدم الدراسة قراءة لتداعيات إعادة التموضع الألماني في مستقبل الأمن الأوروبي، وانعكاساته المحتملة على العلاقات عبر الأطلسي والتوازنات الإستراتيجية في القارة.

ويكتمل هذا المسار في باب “قراءة في كتاب”، الذي يقدِّم عرضًا نقديًّا لكتاب “الحرب على الطاقة: القوة والإمبراطوريات والأزمة الإيكولوجية” للاقتصادي والسياسي الإسباني، ألبرتو غارثون، بوصفه محاولة لإعادة قراءة أزمة الطاقة من منظور يربط الاقتصاد بقيوده البيوفيزيائية والإيكولوجية. ويحلِّل العرض الكيفية التي يفسِّر بها الكتاب العلاقة بين التنافس على الموارد، والتحولات الجيوسياسية، والأزمة البيئية، في إطار رؤية تعيد وصل النشاط الاقتصادي بشروطه المادية والإيكولوجية، وتدعو إلى مراجعة أنماط الإنتاج والاستهلاك السائدة. كما يناقش العرض المرتكزات النظرية لهذا الطرح وحدوده التفسيرية، متوقفًا عند إسهامه في توسيع آفاق تحليل الاقتصاد السياسي الدولي، وما يفتحه من نقاش حول العدالة الإيكولوجية، والعلاقة بين الشمال والجنوب، وإمكانات بناء انتقال طاقي أكثر إنصافًا واستدامة في ظل التنافس المتصاعد على الموارد الإستراتيجية.

وتعكس دراسات هذا العدد، على تنوع مجالاتها، اتجاهًا بحثيًّا يجمع بين تفسير التحولات الكبرى وتطوير أدوات فهمها. وتنفذ الدراسات إلى البنى الفكرية والمؤسسية والجيوسياسية التي تنتج هذه التحولات، وتطرح مفاهيم ونماذج تفسيرية توسِّع آفاق البحث في قضايا السياسة الدولية والدراسات الإستراتيجية. وانطلاقًا من هذا التوجه، يواصل هذا العدد من مجلة “لباب” الإسهام في تطوير المعرفة العلمية، من خلال دراسات تعمِّق فهم التحولات الجارية، وتثري أدوات تحليلها، وتفتح آفاقًا جديدة لاستشراف مساراتها.