الخليج وتحولات البيئة الإستراتيجية

يشهد العالم تحولات متسارعة تعيد تشكيل البيئة الإستراتيجية التي تتحرك فيها الدول، مع عودة الجغرافيا والمضائق والطاقة إلى صدارة حسابات الأمن، وتصاعد أثر التكنولوجيا والمعرفة والمؤسسات في صناعة المكانة والنفوذ. وفي خضم هذه التحولات، لم يعد مقدار ما تملكه الدول من موارد القوة كافيًا لتحديد وزنها، بقدر ما أصبحت قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى أمن ومكانة وتأثير قابل للاستمرار. فالثروة لا تضمن وحدها أمنًا اقتصاديًّا، والتفوق العسكري لا يقود بالضرورة إلى حسم إستراتيجي، والموقع الجغرافي قد يكون مصدر قوة بقدر ما يكون مصدر انكشاف، فيما تتزايد أهمية كفاءة المؤسسات وشبكات العلاقات والقدرة على التكيف مع الأزمات. ويقف الخليج في قلب هذه التحولات بما يملكه من ثروة وموقع ومكانة، وبما يحيط به من صراعات وتفاعلات تعيد تشكيل بيئته الإستراتيجية.

ولعل حرب 2026 كانت من أكثر الاختبارات حدة لهذه البيئة الجديدة؛ ففي دراسة “الأمن الاقتصادي الخليجي في ظل حرب 2026: تحديات الطاقة والممرات“، تُبحث التداعيات الإستراتيجية والاقتصادية للحرب على أمن الطاقة في دول الخليج، انطلاقًا من مفارقة امتلاك المنطقة احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، واعتماد جانب رئيسي من صادراتها في الوقت نفسه على مضائق بحرية محدودة ومعرضة للمخاطر، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. وتبيِّن الدراسة أن اضطراب تدفقات الطاقة لا يتطلب إغلاق هذه المضائق بالكامل؛ إذ يمكن للهجمات بالصواريخ والمسيَّرات والألغام، وارتفاع تكاليف التأمين، وتردد شركات الشحن، أن تُحدث تعطيلًا واسعًا تمتد آثاره إلى الإيرادات العامة والاستقرار المالي وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية. ومن هنا، تدعو الدراسة إلى توسيع مفهوم أمن الطاقة الخليجي ليشمل، إلى جانب الإنتاج، أمن التصدير والنقل والتخزين والوصول إلى الأسواق، مع تنويع مسارات التصدير وتعزيز التكامل الخليجي وحماية البنية التحتية ورفع القدرة على مواجهة الأزمات.

وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الاعتماد على الموارد ما لم تُحْمَ مساراتها ويُؤمَّن وصولها إلى الأسواق، فإن التجربة القطرية تقدم وجهًا آخر للعلاقة بين الثروة والقدرة؛ فدراسة “الدولة والمكانة في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني: قراءة في إرث التحول القطري” تتناول تجربة قطر خلال الفترة من 1995 إلى 2013، مركِّزة على العلاقة بين بناء الدولة وإدارة الثروة وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية. وترى أن تطوير موارد الغاز شكَّل مرتكزًا ماديًّا للتحول، لكنه اقترن ببناء القدرات المؤسسية والتنموية وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية والأصول السيادية، إلى جانب توظيف الدبلوماسية والإعلام والاستثمار والثقافة والرياضة في تعزيز الحضور الخارجي لقطر. وتخلص الدراسة إلى أن تلك المرحلة مثَّلت “مرحلة تأسيس ثانية” للدولة القطرية الحديثة، وأن استمرار المؤسسات والقدرات والخيارات الإستراتيجية بعد عام 2013 يؤشر إلى انتقال جانب مهم من هذا الإرث من تجربة مرتبطة بالقيادة إلى إرث مؤسسي وإستراتيجي للدولة.

ومن الخليج، تتسع دائرة النظر إلى البيئة الإقليمية التي أعادت فيها حروب السنوات الأخيرة الجغرافيا إلى صدارة حسابات القوة. وتبحث دراسة “حدود القوة بين إيران وإسرائيل بعد حربَي 2025 و2026″ أثر الجغرافيا في تشكيل الصراع بين إيران وإسرائيل، والحدود التي تضعها أمام ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه. وتقرأ التحولات الإقليمية من خلال ثلاث خرائط متداخلة، هي خريطة الخوف الإسرائيلي، وخريطة العمق الإيراني، وخريطة الفراغ العربي التي تتحول فيها الدول الضعيفة أو محدودة السيادة إلى ساحات للصراع. وترى الدراسة أن إيران تتجه إلى إعادة توزيع أدوات نفوذها وتعزيز الاعتماد على الصواريخ والمسيَّرات والقدرات السيبرانية، في حين تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسبها العسكرية وتحويلها إلى وقائع جغرافية وأمنية. وتخلص إلى أن مستقبل التنافس سيتوقف على قدرة الأطراف على تحويل الجغرافيا إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار، وعلى قدرة الدول العربية على حماية سيادتها وتحديد مصالحها وحدودها ومضائقها.

وفي قلب هذا الصراع، شهد مفهوم الأمن الإسرائيلي نفسه تحولًا عميقًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتتناول دراسة “”الأمن الدائم” موجِّهًا لإعادة تشكيل إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر” ما طرأ على إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي منذ عملية “طوفان الأقصى”، بوصف ذلك التاريخ منعطفًا دفع إسرائيل إلى مراجعة عدد من المرتكزات التي حكمت عقيدتها الأمنية. وترصد الدراسة صعود مفهوم “الأمن الدائم”، وتراجع مركزية الردع والإنذار والمسارات السياسية، مقابل اتساع الاعتماد على القوة العسكرية والسعي إلى إزالة مصادر التهديد القائمة والمحتملة. غير أن ما تحقق من مكاسب عملياتية وتكتيكية، وفق ما تخلص إليه الدراسة، لم يؤدِّ إلى بلوغ الأهداف الإستراتيجية المعلنة، في مقابل ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، واتساع البيئة التهديدية، وتضرر المكانة الدولية وفرص توسيع اتفاقات التطبيع.

وإذا كانت هذه الصراعات قد أعادت الجغرافيا والحدود إلى قلب الحسابات الإقليمية، فإنها أعادت معها المضائق إلى موقعها القديم بوصفها عُقَدًا تصل بين الجغرافيا والتجارة والقوة. ومن هذه الزاوية، يقدم العدد في باب “قراءة في كتاب” قراءة معمقة لكتاب “الجغرافيا السياسية للمضايق: رهانات السيطرة على الممرات الإستراتيجية“، الذي تكتسب أطروحاته راهنية خاصة في ضوء التطورات التي شهدها مضيقا هرمز وباب المندب، وما أبرزته من أثر مباشر للمضائق في أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. وتتناول القراءة المكانة الاقتصادية والجيوسياسية للمضائق الدولية ودورها في حركة التجارة والملاحة، وما تنطوي عليه من قابلية للتحول إلى بؤر للأزمات والاضطراب. كما تستعرض البدائل الممكنة عند تعطل هذه المضائق وحدودها، وتلفت إلى أهمية تجاوز المقاربات التي تنظر إلى المضائق من منظور مصالح القوى الكبرى وحدها، وإعادة التفكير فيها من زاوية مصالح الدول والمجتمعات المشاطئة، وإمكان تحويلها إلى مجالات للتكامل والرخاء الإقليمي.

ولا تقتصر التحولات في بيئة المنطقة على الصراعات العسكرية والجغرافيا والمضائق، بل تشمل أيضًا تغير مواقع القوى الدولية وأنماط حضورها وتأثيرها. وفي هذا السياق، تتناول دراسة “صورة الصين في الشرق الأوسط بين تعريف الذات ونظرة الآخر” الكيفية التي تقدم بها الصين نفسها في المنطقة، ومدى الاعتراف العربي بالسرديات التي تصوغ من خلالها هويتها ودورها الدولي. وتدرس عددًا من السرديات الصينية المتعلقة بالنظام الدولي والخصوصية القيمية والفاعلية التنموية والنموذج السياسي، ثم تتتبع حضورها في المواقف والتصورات العربية. وتخلص إلى تنامي الاعتراف العربي بالصين خلال السنوات الأخيرة، رسميًّا ومجتمعيًّا، وانتقال بعض المواقف العربية من مجرد استقبال الخطاب الصيني إلى إعادة إنتاج عدد من مفرداته وسردياته، بالتوازي مع تنامي النظر إلى الصين بوصفها شريكًا اقتصاديًّا وسياسيًّا مهمًّا في المنطقة.

وإلى جانب تبدل خرائط النفوذ الدولي، تتشكل تحديات من نوع آخر عند تقاطع التكنولوجيا بالمناخ والموارد والأمن. وتبحث دراسة “النمذجة المناخية الذكية والوقاية من النزاعات المستقبلية على الموارد“ دور الذكاء الاصطناعي في تطوير القدرة على التنبؤ بالنزاعات المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية والوقاية منها. وتنظر إلى التغير المناخي بوصفه عاملًا مضاعفًا للمخاطر، فيما تتيح تقنيات التعلم الآلي والبيانات الضخمة والمحاكاة الاحتمالية إمكانات متقدمة للإنذار المبكر واستشراف مناطق التوتر. وتقترح الدراسة مفهوم “الأمن المناخي الخوارزمي”، مع إبراز ما تثيره هذه التقنيات من قضايا تتعلق بحوكمة الخوارزميات والسيادة على البيانات والشفافية والعدالة في الوصول إلى المعرفة والقدرات الحاسوبية، وتدعو إلى بناء أطر قانونية وأخلاقية تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الأمن الإنساني والعدالة البيئية.

ومن القدرة على استشراف المخاطر إلى القدرة على بناء المؤسسات وإنفاذ قواعدها، يتناول العدد في باب “متابعات” موضوع “دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد: الآليات والتحديات والفرص“، مستعرضًا المنظومة القانونية والمؤسسية التي طورها الاتحاد لمواجهة الفساد، وفي مقدمتها اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته ومجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد. وتبين المتابعة أن الاتحاد نجح في بناء إطار قاري متقدم نسبيًّا، لكن فاعليته ما زالت تواجه تحديات تتعلق بتفاوت مستوى التنفيذ بين الدول، وضعف آليات المتابعة والمساءلة، وتباين القدرات المؤسسية ومحدودية الإرادة السياسية. وفي المقابل، تبرز فرص لتعزيز هذه الجهود من خلال التعاون الإقليمي واسترداد الأصول ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، والانتقال من بناء الأطر القانونية إلى التطبيق الفعلي على المستوى الوطني.

وفي المحصلة، تكشف موضوعات هذا العدد أن تحولات البيئة الإستراتيجية لا تعيد توزيع القوة فحسب، بل تعيد تعريف معناها ومصادرها وحدودها. فالثروة تكتسب قيمتها بقدر ما يمكن حمايتها وتوظيفها، والجغرافيا بقدر ما يمكن إدارة مزاياها ومواطن انكشافها، والتفوق العسكري بقدر ما يمكن ترجمته إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار، فيما تفتح المعرفة والتكنولوجيا والمؤسسات مجالات جديدة للفعل والتأثير. وفي قلب هذه التحولات، يواجه الخليج تحدي تحويل ما يملكه من ثروة وموقع ومكانة إلى قدرة أكثر مرونة على حماية مصالحه، وامتصاص الصدمات، وتوسيع هامش حركته. فموقعه في العالم الذي يتشكل لن تحدده وفرة موارده وحدها، وإنما قدرته على تحويل هذه الموارد إلى قوة مستدامة وصناعة موقعه في التحولات الجارية، بدل الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها.