ملخص
يسلِّط هذا البحث الضوء على مفهوم “الاستشراق العسكري” المستجد، بوصفه إطار تحليليًّا لفهم تأثير التمثلات والأحكام المسبقة للغربيين تجاه “الأعداء الشرقيين” على صياغة الإستراتيجيات، واتخاذ القرارات العسكرية، وسياسات الهوية، في الصراعات الحديثة والمعاصرة. ويوضح أن هذه التصورات المشبعة بالاعتبارات الإبستمولوجية والأنطولوجية المتأصلة في الاستشراق كخطاب مهيمن، تُفضي إلى تشويه إدراك الواقع العسكري والوضعية الإستراتيجية عمومًا، لاسيما حين يُنظر إلى الخصوم الشرقيين بوصفهم “دونيين” و”لا عقلانيين” و”غير متحضرين”. ويذهب إلى أن هذا النزوع الإثني-المركزي في التفكير العسكري والأمني الغربي من شأنه أن يعيق التقدير الدقيق للموقف الإستراتيجي عند الحسم في خيار الحرب من عدمه، وللوقائع الميدانية عند اتخاذ القرارات العملياتية الفاصلة، بل ويؤثر على تصور الغربيين لهويتهم عندما لا تتحقق الانتصارات “الساحقة البديهية” التي تصوروها.
كما يبرز البحث مركزية هذه التمثلات في بناء تصورات ممجدة عن التقاليد والعقيدة العسكرية، من خلال إصرار المؤرخين العسكريين والإستراتيجيين الغربيين على تأكيد التفوق “المطلق والأزلي” لما يُعرف بـ”الأسلوب الغربي في الحرب” على نظيره الشرقي، معتمدين على ثنائيات استشراقية نمطية في تجاهل جلي للوقائع المفنِّدة لذلك من التاريخ العسكري العالمي.
ويتوخى البحث، من خلال المساهمة في تأصيل مفهوم “الاستشراق العسكري”، إثبات أن الحرب على الشرق هي مواجهة مادية بالعدد والعتاد من جهة، وهي من جهة ثانية، ساحة نزال رمزية توضع فيها التمثلات الاستشراقية على المحك، وتُخضَع فيها مفاهيم الهوية، والتفوق، والشرعية، للمساومة والجدال.
الكلمات المفتاحية: الاستشراق العسكري، التاريخ العسكري، الإستراتيجية، التمثيلات، التغريب، دراسات الحرب.
Abstract
This study highlights the emerging concept of “military orientalism” as an analytical framework for understanding the impact of Western representations and prejudices toward “Eastern enemies” on the formulation of strategies, military decision-making and identity politics in modern and contemporary conflicts. It argues that these perceptions – saturated with epistemological and ontological assumptions rooted in orientalism as a dominant discourse – distort the comprehension of military realities and the overall strategic environment, especially when Eastern adversaries are perceived as “inferior”, “irrational” and “uncivilised”. The study contends that such ethnocentric tendencies in Western military and security thinking hinder accurate assessments of strategic contexts when deciding on war or peace, as well as of battlefield realities when making crucial operational choices. They also shape Western self-perceptions when the “self-evident decisive victories” they envisioned fail to materialise.
Moreover, the study underscores the centrality of these representations in constructing glorified notions of military traditions and doctrines. This is evident in the insistence of Western military historians and strategists on affirming the “absolute and eternal” superiority of what is termed the “Western way of war” over its Eastern counterpart, relying on stereotypical orientalist dichotomies while overlooking clear counter-evidence from global military history.
By contributing to the conceptual grounding of military orientalism, the study seeks to demonstrate that war against the East is, on the one hand, a material confrontation of manpower and weaponry, and, on the other, a symbolic battlefield where orientalist representations are tested, and where notions of identity, superiority and legitimacy are subjected to contestation and negotiation.
Keywords: military orientalism, military history, strategy, representations, othering, war studies.
مقدمة
في الوقت الذي يفاخر فيه الغرب بتقدمه في مجالات العلم والتكنولوجيا والتنظيم العسكري، سيكون من الجدير البحث في كيفية تأثير تمثلاته للأعداء الشرقيين على طريقته في وضع الإستراتيجيات واتخاذ القرارات. لأنه في مثل هذه الحالات، غالبًا ما تكون تمثلات الواقع مشوهة بسبب اعتبارات إبستمولوجية وأنطولوجية ناجمة عن عقلية الاستشراق؛ إذ عندما يتعلق الأمر بالحرب، فإن القيادات المدنية والعسكرية، شأنها شأن أي إنسان فاعل آخر منخرط في عملية التفكير والتخطيط، قد “تحاول الوصول إلى مستوى من التحرر النسبي من الواقع اليومي الخام، لكنها لا تستطيع أبدًا الهروب أو تجاهل تورطها كذوات بشرية في ظروفها الخاصة بها”(1). بل إن ما يزيد من تعقيد مسألة الإدراك لدى هذه القيادات ومستشاريها هو الطابع الخاص والحساس لعملية اتخاذ القرار التي تزج بالمؤسسة العسكرية في الحروب. فواضعو إستراتيجية الحرب “بوصفهم ممارسين، ليسوا باحثين محايدين يسعون لتحري المعنى المجرد لفهم وضع عسكري معين؛ بل هم ملزمون بحكم طبيعة عملهم والتزاماتهم المهنية بالسعي لتحقيق تفوق عسكري لبلادهم أو على الأقل التقليل من وقع الهزيمة العسكرية إذا أصبحت حتمية”(2) ولذلك، وبسبب الطابع الذاتي تحديدًا الذي يطغى على هؤلاء، فإنهم لا يستطيعون مهما حاولوا أن يتجاوزوا رغباتهم وأحكامهم المسبقة التي تشوه الواقع بدرجات متفاوتة، وبالتالي لا يمكن أن يتحلَّوا بالموضوعية الكاملة. أضف إلى ذلك أن الحرب، كما تشير ثلاثية كلاوزفيتز، تنطوي في آنٍ واحد على العقل والصدفة والعداء(3)؛ حيث ينطوي عنصر العداء بدوره على مزيج من المشاعر القوية كالبغض والكراهية والمقت. كما تزداد موضوعية الإستراتيجيين هشاشة بسبب اتكالهم على المعرفة المؤسساتية والأكاديمية التي تكون مؤدلجة بالضرورة؛ حيث عادة ما يتم اختيار الخبراء والأكاديميين أو الاعتماد على أعمالهم بناءً على مدى “دعمهم وتأييدهم وإضفائهم للشرعية على المصالح والأيديولوجيات التي تدعم الوضع أو النظام السائد”(4).
يهدف هذا البحث، في تأصيله لمفهوم الاستشراق العسكري، إلى مناقشة تأثير التمثلات والتصورات الاستشراقية من منظور غربي على الإستراتيجية وتدبير الحروب وتصور أساليبها ومآلاتها عندما يكون العدو شرقَ أوسطي/أو شرقيًّا على وجه العموم. والجدير بالذكر أن مصطلح “الاستشراق” يحيل في هذا البحث إلى مفهومه الأوسع كخطاب فكري وثقافي وسياسي وإعلامي هيمني، كما نظَّره إدوارد سعيد. هذا الخطاب ينبني على منظومة من الأفكار والتمثلات والممارسات التي أوجدت تصورًا نمطيًّا عن الشرقي كـ”آخر” متخلف، وغريب، وعاجز؛ مما يبرِّر التدخل للسيطرة عليه ماديًّا وثقافيًّا وعسكريًّا. فقد عرَّف إدوارد سعيد الاستشراق، في كتابه الذي يحمل نفس الاسم والصادر عام 1978، كخطاب هيمني، مستندًا بشكل كبير إلى مفهوم “الخطاب” (discourse) لدى ميشيل فوكو ونظرية الهيمنة(hegemony) لدى أنطونيو غرامشي؛ حيث أكد أن الاستشراق ليس مجرد تخصص أكاديمي أو متن معرفي عن “الشرق”، بل هو “أسلوب في التفكير” (a style of thought)(5) و”بنية هيمنية شاملة ” (a saturating hegemonic system) .(6) وينبني هذا الخطاب على تمثلات وثنائيات نمطية تدعم الهيمنة الغربية على الشرق وتشرعنها اعتمادًا على افتراض وجود فروقات أنطولوجية وإبستمولوجية بين شرق جامد وغرب تقدمي(7) تمتد إلى كافة مناحي النشاط البشري بما في ذلك ساحات المعارك، وهو المجال الذي لم تتطرق إليه الدراسات النقدية إلا حديثًا، ومن ثم استجداد مفهوم الاستشراق العسكري.
ويعتمد هذا البحث على منهجية بحثية تحليلية متعددة التخصصات تستند إلى النظرية النقدية بالأساس وتوظف رؤى مستمدة من دراسات ما بعد الكولونيالية، ودراسات الحرب النقدية، وتحليل الخطاب النقدي. حيث يتناول البحث بالتفصيل هذا المفهوم المستجد وتجلياته عبر ثلاثة محاور رئيسة: الحرب من التغريب إلى الاستشراق، وتعريف الاستشراق العسكري وتداعياته وجدواه، ثم تجليات الاستشراق العسكري، وبخاصة فيما يدعيه الغرب بتمايز الأسلوبين، الغربي والشرقي، في الحرب.
أولًا: الحرب: من التغريب إلى الاستشراق
في جوهر أي نزاع، مهما كانت أطرافه وحدته، توجد بالضرورة عملية تغريب للآخر(otherization)، تؤدي إلى ازدواجية حادة في هويات كل من الخصم والذات. غير أن تغريب الآخر يصبح أكثر شدة في حالة الحرب، التي تمثل الشكل الأقصى والأكثر عنفًا للنزاع بين مجتمعات وهويات جماعية متمايزة. فالحرب تعد حافزًا قويًّا على تعريف وتأكيد ماهية الذات في مقابل ذات الآخر. بل إن تغريب الآخر في سياق الحرب، كما قالت ميرجانا ديدايك، عادةً ما يسبق التبرير لها نفسه، حتى وإن كانت كلتا العمليتين “قد تتقاطعان ويؤثر كل منهما في الأخرى منذ بداية الصراع حتى نهايته”(8). ولهذا، يحرص القادة السياسيون والعسكريون دائمًا على اللجوء إلى التغريب الحاد للآخر عند تبريرهم لخوض الحرب بغرض بناء خطاب قاس ومتماسك يُشرعِن لدى شعوبهم استخدام العنف العسكري المكلِّف بالنسبة لبلادهم من حيث ثرواتها ودماء مواطنيها.
وفي العديد من الحالات التاريخية التي شارك فيها “الغرب” طرفًا في إحدى الحروب، تم الانتقال بتغريب العدو إلى مرحلة الاستشراق حتى في الحالات التي لم يكن فيها العدو شرقيًّا. فـ”القدرة الاستشراقية” للحرب هائلة لدرجة أنها قد تؤثر حتى على الغربيين أنفسهم. ومن الأمثلة التاريخية على هذه الظاهرة الممارسات البريطانية التي سعت إلى تصوير الأيرلنديين “عِرقًا أدنى”(9) و”الشرق الخلفي لأوروبا”(10) لتبرير استعمارهم وقمع مقاومتهم للحكم الإمبراطوري. وهناك أيضًا قيام البريطانيين بتصوير جنود القيصر فيلهلم الثاني أثناء الحرب العالمية الأولى على أنهم مثل “الهون”(11)، وهي قبيلة شرسة من أعماق آسيا. حيث أشار روديارد كبلينغ في قصيدته “الانحسار” (Recessional) إلى هؤلاء بوصفهم “أجناسًا دنيا لا يحكمها أي قانون”. ومن الأمثلة الحديثة أيضًا ميل بعض المؤرخين العسكريين(12) إلى تعريف ألمانيا كدولة غير غربية خلال الحرب العالمية الثانية، ووصم الاتحاد السوفيتي بـ”الاستبداد الشرقي”. بل إن مجرد استحضار فكرة الخطر الشرقي الداهم قد يُستخدم تبريرًا للعنف المفرط؛ حيث تستدعي هذه الرؤية، الموغلة في الإرث التاريخي والثقافة الشعبية العريقة، صورًا عنيفة من المخيلة الجمعية حول الجحافل الزاحفة من الشرق التي يجب صدها أو تدميرها.
وتكتسي فكرة أن الحرب “بيئة خصبة للاستشراق”(13) المزيد من المصداقية والراهنية عندما يكون العدو يرزح أصلًا، حتى في أوقات السلم، تحت إرث طويل من التحامل والقوالب النمطية والأفكار الجاهزة. بحيث إنه عندما يكون العدو شرقيًّا، فإن مفعول الاستشراق يصبح أكثر وضوحًا وفاعلية. وقد بدا ذلك جليًّا في معظم الصراعات الطرفية التي ميزت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أُطلق عليها باستخفاف كبير “الحروب الصغيرة”. وهذا المصطلح، الذي يستخدمه المؤرخون العسكريون الغربيون اليوم، كان قد صيغ في الأصل للإحالة على الحملات الإمبريالية التي كانت تُشَنُّ على الشعوب الأصلية في بلدان الشرق، في مقابل الحروب الكبرى التي دارت رحاها بين الدول الغربية الكبرى. ويعود الفضل في تكريس هذا المصطلح إلى الكولونيل البريطاني، تشارلز إي. كالوِل، الذي استعمله عنوانًا لكتابه “الحروب الصغيرة: دليل تكتيكي لجنود الإمبراطورية”، سنة 1890، في ذروة الإمبريالية البريطانية. ولاحقًا، اعتمدت قوات مشاة البحرية الأميركية المصطلح رسميًّا عندما أصدرت “دليل الحروب الصغيرة”، سنة 1940، والذي وُصف عند إعادة طبعه، سنة 2005، بأنه “واحد من أفضل الكتب حول العمليات العسكرية لحفظ السلام ومكافحة التمرد التي صدرت قبل الحرب العالمية الثانية”(14). لذلك لا يزال مصطلح “الحروب الصغيرة” يذكِّر بالحملات العسكرية الخارجية التي جرت على أراضي الشعوب الأصلية في الماضي وارتبطت بفوارق قوة هائلة، لأنه بطبيعة الحال، القوة العظمى وحدها هي القادرة على إسقاط قوتها العسكرية إلى أماكن بعيدة لخوض “الحروب الصغيرة”. وباختصار، تمثل “الحروب الصغيرة” الحديثة أو “العمليات المنخفضة الحدة” (Low Intensity Operations) إعادة إنتاج لتلك الحملات العسكرية ذات النزعات الاستشراقية/الاستعمارية الواضحة.
ومن جهة أخرى، حتى وإن أقَرَّ العديد من الباحثين، بمن فيهم إدوارد سعيد وهومي بهابها وكاثرين هول(15)، بأهمية العالم غير الأوروبي في تشكيل الهويات الغربية، فإن مواجهة الأعداء الشرقيين وخوض الحروب الاستشراقية الجديدة أثبتت أن هذه الحروب هي أكثر إشكالية وتأثيرًا مما كانت عليه في الماضي. فـ”الحروب الصغيرة” ليست مجرد معارك تخوضها قوة عظمى ضد عدو شرقي، بل هي صراعات عابرة للثقافات لها تبعات بعيدة المدى على الهوية وتصور الذات الغربية، خاصة في حال الهزيمة أو الانتكاس. ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل المقاربات النظرية الجديدة التي تقدمها دراسات الحرب النقدية، والتي تعد الحرب “عملية عدائية وتوليدية في نفس الوقت قادرة على إعادة تشكيل الحياة السياسية ]الغربية [أو حتى تفكيكها”(16).
ومن هذا المنطلق، يصبح فحص تأثيرات الاستشراق على الحرب وتأثيرات الحرب على الاستشراق أمرًا ذا مغزى وجديرًا بالدراسة والتمحيص. فقد ألهمت الحملات العسكرية التي شنَّتها الولايات المتحدة في العقد الأول من الألفية الثالثة تحت شعار “الحرب العالمية على الإرهاب” عدة باحثين لإجراء أبحاث رائدة في مجال دراسات الحرب النقدية، من بينهم طارق برقاوي، وباتريك بورتر، وديريك غريغوري، وباتريشيا أوينز، وجوزيف تبوهو أنسورج. حيث استخدم هؤلاء الباحثون، بشكل مباشر أو غير مباشر، أفكار إدوارد سعيد لتحليل كيفية تأثير التصورات الاستشراقية والتمثلات العرقية للعدو على محصلات الإستراتيجيات المعتمدة وتأثيرها بشكل أعمق على هويات المركزية الغربية.
ومن هذا المنطلق، يهدف هذا البحث إلى الإسهام في بلورة مفهوم “الاستشراق العسكري” من خلال تحليل أهمية التمثلات الاستشراقية في بناء صورة العدو الشرقي، إلى جانب تداعيات هذه التمثلات على الإستراتيجيات المتبعة في الحرب وسياسات الهوية (identity politics).
ثانيًا: الاستشراق العسكري: تعريفه وجدواه
من حيث التعريف، يمكن تحديد معنى “الاستشراق العسكري” بشكل تقريبي بوصفه إسقاطًا لأفكار إدوارد سعيد حول الاستشراق على المجال العسكري. فالاستشراق، بوصفه خطابًا معرفيًّا وثقافيًّا، متغلغل في جميع مجالات التفاعل البشري التي تتعلق بالآخر الشرقي، بما في ذلك الحرب. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية مفهوم الاستشراق العسكري لتسليط الضوء على نزوع الهوية الغربية إلى جعل الشرق مرآة تعكس تفوقها الذاتي حتى على ميادين المعارك، بغضِّ النظر عن تقلبات التاريخ وصعود وانحطاط الأمم. غير أن ظهور هذا المفهوم بقوة بعد حوالي خمسة وثلاثين عامًا من صدور كتاب “الاستشراق” يعود بلا شك إلى التطورات التي طرأت على الساحة الدولية مع بداية القرن الحادي والعشرين، وخاصة تلك المرتبطة بالحملات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط؛ حيث كان للاستشراق بوصفه نمطًا إدراكيًّا (mode of perception) آثار واضحة على الحرب في العراق وأفغانستان. ولذلك استجد مفهوم “الاستشراق العسكري” ليُستخدم في تحليل وتفسير الإخفاقات، والأفعال، وردود الأفعال الخطابية والعقائدية (نسبة إلى العقيدة العسكرية) التي ميزت هذه الحروب، وليُستخدم -ربما لاحقًا- في تفسير مثل هذه المظاهر التي ستكون حاضرة بشكل أو بآخر في الحروب التي قد تدور رحاها في الشرق مستقبلًا.
ومن المثير للاهتمام أن كلًّا من منتقدي ومؤيدي التدخل العسكري الغربي في البلدان الشرقية قد رحبوا بظهور هذا المفهوم، لأنه “موضوع قد حان أوانه”(17)؛ إذ مهَّد الجدل المسترسل حول الاستشراق منذ صدور كتاب إدوارد سعيد، سنة 1978، لظهور مناهج جديدة لدراسة العديد من الموضوعات المستجدة. ومن أحدث المجالات التي وصلها هذا الجدل في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مجال دراسات الحرب؛ حيث تبلورت دراسات الحرب النقدية لتصبح تخصصًا مستقلًّا بذاته نتيجة للتطورات التي شهدتها حرب العراق، عام 2003، وما عُرف بـ”الحرب العالمية على الإرهاب” عمومًا. وفي هذا الصدد، كان طارق برقاوي وشين برايتون(18) سبَّاقيْن إلى مناقشة إمكانية وجود تخصص مستقل تحت هذا الاسم منذ سنة 2011 مع بدء تراكم الأدبيات حوله. وعلى غرار ذلك، ظهرت دراسات الأمن النقدية(19) ودراسات الإرهاب النقدية(20)، وكلها استفادت بدرجات متفاوتة من أفكار إدوارد سعيد. ويكمن سر هذا التأثير الاستثنائي لمفهوم سعيد للاستشراق، كما يشير جيان براكا، في “تفكيكه المتكرر والمستمر للحدود” التي رسمتها الهيمنة الغربية القديمة والحديثة(21)، وبعض هذه الحدود يقع تحديدًا على أطراف المجال العسكري.
وقد أظهر كل من طارق برقاوي وشين برايتون كيف أن “القدرة التوليدية للحرب تكمن في إنتاج أنظمة معرفية ومأسستها في الأكاديميا والدولة والمجتمع الأوسع”، كما أظهرا هشاشة هذه الأنظمة المعرفية والمؤسسات المنبثقة عنها أمام تقلبات الحرب، وحددا العلاقات المعقدة بين الحرب والمعرفة والسلطة(22)؛ مما مهد الطريق أمام ظهور دراسات الحرب النقدية. ويُبرز برقاوي، وهو يستحضر الثالوث المذكور، الذي ينطوي بالفعل على عنصري الخطاب، حسب ميشيل فوكو (السلطة والمعرفة)، البعد الاستشراقي الذي تضفيه الحرب على وضعية يواجه فيها “بطل غربي قوي” “آخر شرقيًّا جامحًا”(23).
كما كان طارق برقاوي من أوائل الذين أشاروا، سنة 2004، إلى “البعد العسكري المهم وغير الملحوظ في نفس الوقت للاستشراق”. ويظهر ذلك بوضوح في أن التمثلات المعاصرة حول الحملات العسكرية الغربية خارج أوروبا “تستحضر بشكل طاغٍ تصورات تاريخية عن الحروب على أنها بالأساس حروب إنسانية، وحروب تهدف إلى التحرير وجلب الحضارة لغير المتحضرين”(24). وبناءً على هذه الرؤية، سعى برقاوي إلى بلورة مفهوم الاستشراق العسكري، سنة 2006، واصفًا إياه بأنه “يحدد العلاقة بين الإستراتيجيات العسكرية الغربية المعتمدة في العالم غير الأوروبي وبناء الهويات الغربية”؛ إذ عند اختبار الحرب تُوضع مزاعم التفوق الغربي على المحك في معارك تُخاض ضد خصوم يُفترض أنهم أدنى، لا عقلانيون، ضعفاء وغير متحضرين. وعندما لا يُفلح الغربيون في إلحاق الهزيمة بهؤلاء الخصوم كما كان متوقعًا، تترتب على ذلك عواقب ثقافية وسياسية وعسكرية(25). في حين أوسعت باتريشيا أوينز في شرح مفهوم برقاوي، مستندة إلى فكرة إدوارد سعيد القائلة بأن الاستشراق كخطاب كان مركزيًّا بالنسبة للهيمنة العسكرية والاقتصادية والثقافية من خلال تبرير السيطرة الفعلية، لتؤكد أن الاستشراق العسكري يتعلق “بتماسك وتأثير ثنائية الشرق/الغرب على كيفية خوض وتبرير الحرب الحديثة، أي على كيفية هيمنة الغرب وإعادة هيكلة الشرق من خلال استخدام العنف المنظم، وكيف يُعرِّف الغرب ذاته من خلال هذه العملية”(26). وبعبارة أخرى، يتيح مفهوم الاستشراق العسكري تفسير كيفية استخدام الثنائيات المصطنعة والتمثلات في تبرير الحرب وطريقة إدارتها ضد “الآخر” الشرقي. كما أن الاستشراق العسكري يشمل أيضًا توضيح كيفية تبرير وتجاوز الانتكاسات غير المتوقعة من قبل الغربيين من خلال ما يسميه سعيد “التفوق الموضعي المرن” (flexible positional Superiority)(27). فـ”الآخرون” الشرقيون، بسبب ما هم عليه أو بالأحرى ما ينبغي لهم أن يكونوا عليه، يُتوقَّع منهم أداء الدور المنوط بهم في السيناريو الاستشراقي الذي يفترض انتصارًا كاسحًا للغربي في مقابل إخضاع أو خضوع كامل للشرقي. غير أنه في حالات عديدة، “يفشل” الشرقيون في الامتثال لهذا السيناريو من خلال المقاومة وإظهار العزيمة والإبداع في إدارة المعركة. وعندما لا تتطابق نتائج المواجهة المسلحة مع السرديات الاستشراقية حول التفوق والضعف، والانضباط والتراخي؛ والهزيمة أو النكسة أو حتى الفشل في تحقيق نصر حاسم، فإن هذه السرديات قد تتسبب في إحداث اضطراب ثقافي، أو زعزعة سياسية، أو زرع شك في الذات الغربية نفسها(28)؛ عندها تبرز الحاجة إلى إعادة تفسير الواقع في إطار نفس الخطاب الاستشراقي المتعالي؛ إذ عندما تهتز الهوية الغربية في مثل هذه الحالات، يُستدعى الاستشراق مجددًا ليُوظَّف في إعادة تفسير سلوك “الآخر”، بما يضمن ألا يفقد الطرف الأقوى، ما يُطلق عليه إدوارد سعيد “اليد العليا النسبية” (the relative upper hand)(29). وتتسم هذه العملية بإعادة تدوير مستمرة للخطاب السائد من أجل مواءمة سردية الحرب مع الوقائع على ميادين المواجهة، إلى غاية الوصول، في حالة صمود الشرقيين وثباتهم المستميت، إلى ما يصطلح عليه بـ”نقطة تفكك الخطاب” (the dislocation point of discourse)(30)، التي تُفضي إلى الهزيمة الإستراتيجية. ويعني “التفكك” هنا “زعزعة استقرار خطابٍ ما بسبب أحداث يعجز عن استيعابها، أو ترويضها، أو ترميزها”(31). وبحسب إرنستو لاكلو Ernesto Laclau، فإن هذا التفكك لا يُحدث اضطرابًا ورجًّا في الخطاب والهوية فقط، بل يشكِّل في الوقت ذاته أرضية خصبة لنشوء هويات جديدة(32).
يُعدُّ مفهوم الاستشراق العسكري مرتبطًا مباشرة بسياسات الهوية زمن الحرب. فالحرب، بما هي عنف منظم ذو طابع عسكري، لا تنفصل عن تمثلات الطرف المعتدي للشعوب المستهدفة. من هذا المنظور، يوضح المفهوم كيف تُصاغ هوية المواطن والمحارب الغربييْن عبر صور “الآخر الشرقي”.
في أوقات السلم، تكون هذه التمثلات عدائية ومهينة، وهو ما يمكن وصفه بـ”الاستشراق في زمن السلم”. لكن مع اندلاع الحرب، تصبح تلك الصور أكثر حدة وتطرفًا؛ إذ تُدفع إلى أقصى درجات التغريب العدائي، وتشحن بمشاعر الكراهية والانفعال، لتطبيع القصف والتدمير والقتل، سواء استهدف “متمردين شرقيين” أو ضحايا أبرياء يُصنَّفون كـ”أضرار جانبية”.
ولكي تُحشَد الإرادة الجمعية لبذل الدماء والثروات في سبيل الحرب، يصبح تحفيز العسكريين أكثر إلحاحًا من المدنيين. فهؤلاء هم المنفذون المباشرون للعنف المسلح، ويُطلب منهم النظر إلى العدو باعتباره “مخلوقًا أدنى من الإنسان”. يهدف ذلك إلى تجاوز مشاعر الرعب والندم الملازمة لفعل القتل، والانخراط في ممارسات لا يجيزها القانون أو الضمير في الظروف العادية.
هذه العملية تكون أكثر سهولة عندما يكون العدو شرقيًّا(33). ففي هذه الحال، تعمل تمثلات الحرب والسلم معًا على بناء صورة ممجدة عن الذات، في مقابل “الآخر الشرقي” الذي يُجسَّد ككائن دون-إنساني، بل لا-إنساني على الإطلاق.
وفي نفس السياق، يتناول مفهوم الاستشراق العسكري الفصل القائم بين الذات الغربية والذات الشرقية فيما يخص دوافع كل طرف منهما لخوض الحرب. ففي حين يفاخر الغربيون بأنهم يخوضون الحروب بوصفها أداة في خدمة السياسة، انسجامًا مع المقولة الكلاوزفيتزية الشهيرة: “الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى”، فإنهم في المقابل يُحيلون دوافع الشرقيين إلى القتال أو ممارسة أي شكل من أشكال العنف المسلح إلى صورته البدائية، أي بوصفه مجرد “تعبير ثقافي-ديني عن الذات”(34). ومن خلال مثل هذا التوصيف، يقوم الغربيون بشكل واضح بتجريد أعدائهم الشرقيين من أي قدرة سياسية على الفعل (agency)، ومن ثم من إنسانيتهم، إذا أخذنا في الاعتبار تعريف أرسطو للإنسان بوصفه “كائنًا سياسيًّا”. ويعني ذلك أن الشرقيين يُصوَّرون عاجزين عن إدراك الحسابات السياسية بل وتُقدَّم مظالمهم بوصفها مجرد تعبيرات ثقافية، هَوَسية ولا عقلانية، تستعصي على الفهم. فمثلًا عوض الإقرار بأن جماعات مثل طالبان وحزب الله ومختلف الحركات المسلحة الأخرى، قد تمتلك أهدافًا سياسية منطقية متماسكة، وحسابات إستراتيجية مدروسة، وتفاعلات عقلانية مع ما تراه مظالم واقعة عليها وعلى الشرائح التي تدَّعي الحديث باسمها، يُصوِّر الاستشراق العسكري هذه الجماعات بوصفها أسيرة لإرثها الثقافي والديني أو حتى الميتافيزيقي، وعاجزة تمامًا عن تجاوز محدداته أو الفعل خارج نطاقه. في حين أن هذه التصورات نفسها هي التي شجعت القوى الغربية على انتهاج العنف وسيلة وحيدة للتعاطي مع هذه الجماعات بل واتخاذ قرار الحرب ضدها أو ضد بلدان بأكملها طالما يُنظر إليها على أنها لا تفهم سوى لغة العنف ولا تقوى على مقاومة القوة الساحقة للقوات الغربية. فلو عرف الأميركيون أن العراقيين لن يستقبلوهم كمحررين “بالحلويات والزهور”(35) ربما ما غزوا العراق. ولو أدركت قوات التحالف الغربي أن طالبان تملك النَّفَسَ الطويل وتتقن المناورة وحرب العصابات لما مكثت في أفغانستان لأكثر من عقدين، لتنسحب منها على نحو مرتبك ومهين.
وإذا كان من المتوقع للوهلة الأولى أن يحظى مفهوم الاستشراق العسكري باهتمام الباحثين المحسوبين على التيار النقدي وما بعد الكولونيالي، فإنه من غير البديهي أن يتبنى باحثون آخرون من طينة باتريك بورتر، وهو أستاذ دراسات الأمن الدولي والإستراتيجية، الأطروحة النقدية بدافع نفعي انتهازي. وأن يفعل ذلك لاستخلاص العبر من أخطاء الحروب الماضية وتمثلاتها المظللة بهدف تحقيق فاعلية أكبر للجيوش الغربية في حملاتها اللاحقة على الشرق. ومن هذا المنطلق، يُسلِّط باتريك بورتر الضوء على جانب آخر من مفهوم الاستشراق العسكري؛ إذ يرى أن هذا المفهوم لا يقتصر فقط على التراتبية الثقافية في زمن الحرب؛ حيث تُمنح خصائص العالم الغربي الحديث والمتقدم القيمةَ العليا، ويُعاد تعريفها وتأكيدها من خلال نقيضاتها المفترضة من بين خصائص العالم “البدائي” وغير الغربي(36)، بل يتضمَّن أيضًا حالات تصبح فيها التقاليد الحربية الشرقية مصدرًا للقلق، أو التوجس، أو حتى جلد الذات بالنسبة للغربيين(37). حيث يذكر كيف حظيت شجاعة وبأس المحاربين “الشرقيين” المعاصرين، مثل حركة طالبان وحزب الله، بـالاعتراف “على مضض” من قِبل الجيوش الغربية ذات التكنولوجيا المتقدمة، كقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان وجيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان. وهو ما يُعبِّر عن حالات من الارتباك والانزعاج لدى المؤسسات العسكرية الغربية حين تُخفق بالرغم من تفوقها التقني الباهر في تحقيق النصر الساحق على خصوم يُفترض أنهم أدنى منزلة من حيث القدرات والحداثة والانضباط. وتتسق مقاربة بورتر هذه مع أبحاث ديفيد سبور حول التشكيلات البلاغية للخطاب الهيمني، والتي تكشف عن أنماط متناقضة تتراوح بين التجميل والمثالية من جهة، والتحقير والإلغاء من جهة أخرى(38). إلا أن اهتمام بورتر بمفهوم الاستشراق العسكري الذي لا ينبع، كما سبق الذكر، من هواجس ما بعد كولونيالية حول مدى مشروعية التدخلات العسكرية أو ما يُعرف بـ”الحروب الإنسانية”، يأتي من قلقه المُعلن إزاء القصور الذي تتسم به دراسات الأمن ذات النزعة الأوروبية المركزية التقليدية والذي يعوق -بحسبه- الفهم العميق للطبيعة الحقيقية للمقاومة المسلحة التي يخوضها “الضعفاء”؛ مما يُعقِّد جهود مواجهتهم بفاعلية، خصوصًا في سياقات ما يُصطلح عليه غربيًّا بعمليات مكافحة التمرد(39). وفي هذا السياق، يؤكد بورتر أن بناء إستراتيجية عسكرية فعَّالة يقتضي تجاوز نظرتي “المبالغة الرومانسية” و”الانتقاص التحقيري” على حدٍّ سواء تجاه تقاليد الحرب الشرقية. فبدلًا من تمجيد الممارسات العسكرية “الغربية” أو الانطلاق من فرضيات ثقافوية جامدة، ينبغي أن يُركِّز التحليل الإستراتيجي على حقيقة أن جميع الفاعلين العسكريين، من الغرب أو الشرق على حدٍّ سواء، يتكيَّفون براغماتيًّا مع ظروفهم الموضوعية، بغضِّ النظر عن خلفياتهم الثقافية. ويستدعي هذا المنظور -حسب بورتر- التحلي بـ”الواقعية الثقافية”، أي الإقرار بدور العوامل الثقافية من دون الانزلاق إلى استخدامها كتفسيرات حتمية للسلوك العسكري. ومن شأن هذا النهج، دائمًا حسب بورتر، أن يخدم المؤسسات العسكرية الغربية على نحو أفضل، من خلال تمكينها من فهم أشكال المقاومة المسلحة المتنوعة والتعامل معها، بعيدًا عن فخ التقليل من شأن الخصم أو تغليفه بهالة من الغموض أو الأسطورة(40).
ومن جهة أخرى، يعكس التاريخ العسكري الغربي، كما دأب على التنظير له كبار المؤرخين في أرقى الجامعات والمعاهد الغربية، هذا التمجيد المبالغ فيه للذات بصورة خاصة عندما يتناول سجالات الجيوش الغربية ضد نظيراتها الشرقية عبر التاريخ. وذلك لأن هذا التخصص الجامعي بالذات يعد بيئة أكاديمية جدَّ خصبة للاستشراق العسكري والخطاب الاستشراقي عمومًا، كما أنه يعمل على إنتاج ونشر معرفة منحازة تغذِّي مدارك القادة السياسيين والعسكريين المزاولين لعملية أخذ القرار والتخطيط للحملات التي تُشَنُّ على بلدان “الشرق” عمومًا، كما يتجلى من خلال المبحث التالي.
ثالثًا: تجليات الاستشراق العسكري
يُعد التأكيد المُلحُّ من قبل العديد من المؤرخين الغربيين البارزين على وجود “أسلوب غربي أزلي متفوق في الحرب”، أحد أبرز تجليات الاستشراق العسكري التي تحظى بكثير من القبول في الأوساط المعرفية الغربية، وتلقي بظلالها على تصورات القادة السياسيين والعسكريين الموكلة إليهم مسؤولية وضع إستراتيجيات وخطط الحروب. وقد أدى هذا التأكيد إلى ترسيخ فكرة وهمية عن وجود اختلاف جوهري بين الأسلوب الغربي الحاسم في الحرب ونظيره الشرقي المزعوم الذي يُنظر إليه كأسلوب فاشل، لا سياسي وعتيق. ويُعَدُّ هذا المنظور ذو النزعة المركزية الشديدة مظهرًا من مظاهر الاستشراق التمجيدي للذات؛ إذ يُبالغ في تعظيم التقاليد العسكرية الغربية بوصفها فريدة ولا تُقهَر، في مقابل تحقير منهجي لنظيراتها في السياقات الشرقية. ومن هذا المنطلق، جرى تحويل الحرب، بصيغتيها، الغربية والشرقية، إلى بنية لا تاريخية ومصدر لإنتاج المعرفة والسلطة.
ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، التي شكَّلت صدمة للولايات المتحدة بوصفها أول هجوم من نوعه على “الولايات المتحدة القارية”، سادت في الأوساط الأكاديمية والإستراتيجية نزعة واسعة النطاق لتحويل الأنظار عن فشل الولايات المتحدة في منع مثل تلك الهجمات المدمرة، وذلك من خلال إلقاء اللوم على نهج عمل المهاجمين الذي عُدَّ نمطًا حربيًّا شرقيًّا خالصًا، يقوم على الخداع والمكر والمراوغة. وفي المقابل، جرى تمجيد الرد الأميركي اللاحق بوصفه نابعًا من “أسلوب غربي في الحرب” يتسم بالتفوق والمواجهة المباشرة والوضوح، ويُزعَم أن أصوله تعود إلى العصور الإغريقية(41). كما يزعم منظِّرو هذا التوجه أيضًا أن الأسلوب الغربي يتفوق على تقاليد القتال لدى جميع الحضارات الأخرى، وأن الولايات المتحدة تمثل التجسيد الأرقى له، والحامل للواء هذا الأسلوب الحربي “الهائل”، نظرًا لتفوقها العسكري والتكنولوجي غير المسبوق.
غير أن توقيت هذا الزخم الفكري الاستشراقي يوحي بأنه كان يهدف، ضمن ما كان يهدف إليه، إلى تحقيق أثر “علاجي” على المعنويات الأميركية المثخنة بسبب تلك الهجمات غير المسبوقة، وإلى تعبئة الرأي العام من أجل خوض “حرب طويلة وعالمية على الإرهاب”، كما يتضح من الاسم الأولي الذي أُطلق على الحرب في أفغانستان أي “حملة العدالة غير المتناهية (Infinite Justice) ” قبل أن يُغيَّر إلى “حملة الحرية الدائمة (Operation Enduring Freedom) “. وتُبرز هذه التطورات حقيقة أن الحرب، أكثر من أي مجال آخر من مجالات التفاعل الإنساني، تُجسِّد الهويات الاستشراقية بوصفها، كما ترى باتريشيا أوينز، “علاقاتية وأدائية” ((relational and performative. لأن الهويات لا توجد كحقائق موضوعية قائمة بذاتها، بل “يتم إنتاجها وإعادة إنتاجها من خلال الخطاب”(42).
وفي أوقات السلم، أي الأوقات العادية، ترتبط بهذه الهويات ما تُسميه روكسان دوتي بـ”سلسلة من الثنائيات التي أُنشئت بين مصطلحات من قبيل: متحضِّر، وعقلاني، ومستقل من جهة، وغير متحضِّر، وغريزي، وتابع من جهة أخرى”(43). هذه الصفات، أو بالأحرى العلامات الدالَّة، تجمعت لتشكل هوية معينة، أي “كُليَّة” من السمات المنفصلة والمتميزة عن غيرها من الهويات(44). أما ستيوارت هول، فيرى أن هذه الهويات تتضمن “تراتبية عنيفة”، وهو يعزوها إلى النزعة العرقية المركزية المفرطة التي تنبع من التفاوتات الصارخة في القوة بين الغرب والشرق(45). غير أنه على أعتاب الحرب، تنضاف سمات سياقية أخرى إلى تلك السمات القائمة والمتبلورة حول هويات “الخصم”. وبناءً عليه، يُصوَّر المحارب الشرقي على أنه مخادع، وغير عقلاني، وعاطفي، وحقود، وقادر على ممارسة عنف فوضوي. بينما في مقابل ذلك، يُمثَّل الجنود الغربيون على أنهم أفراد عقلانيون يعملون ضمن جيوش “معدَّة للمعارك الصناعية، ويتحركون حسب خطط حاسمة مبنية على أساس القوة المنظَّمة، والمناورات المنسَّقة”(46).
إن هذا الميل إلى التمييز بين الأساليب الغربية والشرقية في خوض الحروب يبدو مستندًا إلى إرث تاريخي طويل. ففي القرن التاسع عشر، أشار العقيد تشارلز كالوِل في كتابه الشهير “الحروب الصغيرة: مبادئها وممارساتها” )1896( المذكور آنفًا، إلى وجود تمايز واضح بين أساليب الحرب “الوحشية” وأساليب الحرب “المتحضرة”. فوفقًا لكالوِل، تُخاض الحروب “الوحشية” من قِبل ثقافات أجنبية بأساليب مغايرة، كما أن “الوحشيين” يتأثرون بسهولة بـ”الإجراءات الجريئة والحاسمة”، أي بلغة اليوم، بالقوة الساحقة، ويمكن إخضاعهم ببساطة من خلال إظهار الحزم(47). ويبدو أن طرح العقيد كالوِل هذا قد أسهم بشكل كبير في تكريس الفرضية السائدة بأن نمط الحرب في أي مجتمع يرتبط بدرجة تحضُّره. لذا، فإنه ليس من المستغرب، مع اندلاع “الحرب العالمية على الإرهاب”، التي دارت رحاها على أراضٍ شرقية، أن يعود هذا التصور الثقافوي عن “الأسلوب الشرقي في الحرب” ليظهر مجددًا وبقوة. ويستند هذا التصور إلى منظومة من المفاهيم والسلوكيات التي تميز بين الشرق والغرب، ليشكِّل، في نظر أشد المدافعين عنه تطرفًا، تقليدًا إستراتيجيًّا وعسكريًّا متماسكًا وممتدًّا عبر الزمن والمكان -حيث يجمع هذا التقليد لدى منظِّريه بين ثقافات متباينة كالصين القديمة، والعرب في العصور الوسطى، وتركيا الحديثة- منذ كتابات صن تزو الصيني إلى غاية نهج ما يصطلح عليه بالمتمردين الإسلامويين المعاصرين كالقاعدة وداعش(48).
ويُعَدُّ المؤرخ البريطاني البارز، جون كيغان، أحد أبرز المروجين لهذا التوجه الأيديولوجي؛ إذ اكتسب كيغان شهرة واسعة مع بداية الألفية الجديدة، وكان من أبرز المفكرين الذين شدَّدوا على فكرة أن الحرب ظاهرة ثقافية في جوهرها، مؤكدًا وجود تقاليد قتالية شرقية مستقلة بذاتها، تتَّسم أساسًا بـ”المراوغة، والتأجيل، والالتفاف”(49). كما ادَّعى كيغان أن هذه التقاليد الممتدة عبر العصور، والتي تعود جذورها إلى الصين وبلاد فارس القديمتين، قد تبدَّت تحت أشكال مختلفة عبر التاريخ. ومن الأمثلة التي يوردها في هذا السياق تكتيكات الكرِّ والفرِّ التي اعتمدها مقاتلو الفيتكونغ ضد الولايات المتحدة في حرب فيتنام، وتكتيكات هجمات 11 سبتمبر 2001(50). ورغم اتفاقه مع صامويل هنتنغتون في تصور الحضارات ككيانات منغلقة وأحادية، لكل منها تقاليدها القتالية الخاصة، إلا أنه يختلف معه في إغفاله ما يعده “اختلافًا جوهريًّا” في أساليب خوض الحرب، قائلًا:
“إذا كان ثمة خلل ما في رؤية هنتنغتون، فهو عدم تناوله ما أراه المكوِّن الحاسم في أي صراع بين الغرب والإسلام، ألا وهو اختلاف أساليب خوض الحروب. فالغربيون يقاتلون وجهًا لوجه، في معارك حاسمة ومكشوفة، ويواصلون القتال حتى يرضخ أحد الطرفين. إنهم يختارون أبسط الأسلحة وأكثرها فتكًا، ويستخدمونها بعنف شديد، لكنهم يلتزمون بقواعد شرف قد تبدو غريبة لغير الغربيين. أما الشرقيون، فينفرون من المعارك الحاسمة، التي يسخرون منها أحيانًا بوصفها مجرد لعبة، ويفضِّلون الكمائن، والمباغتة، والخيانة، والخداع كأفضل وسائل لهزيمة العدو”(51).
ويمضي كيغان في تتبُّع سمات هذا “الأسلوب الماكر” في الحرب، فيربطه في سياق الشرق الأوسط بما يسميه “العقل الإسلامي” -وهو تعبير يذكِّر بكتاب “العقل العربي” لرفائيل باتاي(52)، الذي شكَّل أحد المصادر الاستشراقية المؤثرة في صياغة سياسات “مكافحة التمرد” عمومًا وإدارة الحرب في العراق خصوصًا. ويزعم كيغان أن “العقل الإسلامي” قد استلهم عناصره من غزاة بدو يمتطون الخيول سبقوا النبي محمد إلى الوجود، ولم يتغير هذا العقل منذ أن تمَكَّن العرب المسلمون من التحول إلى قوة فاعلة قامت بفتوحات مبهرة، واستطاعت الإطاحة بالإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، والاستيلاء على مساحات شاسعة من آسيا وإفريقيا وأوروبا(53).
وبناءً عليه، يرى كيغان أن العرب قد عادوا لاستخدام أساليبهم التقليدية في 11 سبتمبر/أيلول 2001، حينما “ظهروا فجأة من العدم، مثل أسلافهم الغزاة من الصحراء، وهاجموا قلب القوة الغربية، في غارة مباغتة ومرعبة أحدثت دمارًا هائلًا”(54). وبالتالي، فإن أنجع وسيلة لهزيمة “العقل الإسلامي”، المتشبِّث بعنصر المفاجأة، هي، بحسب كِيغان، استخدام القوة الساحقة من خلال شنِّ هجوم انتقامي واسع النطاق والاستمرار فيه بلا هوادة حتى يتم القضاء على المغيرين أو إخضاعهم بالكامل بواسطة العنف. وعلى الرغم من المكانة الأكاديمية الرفيعة التي يتمتع بها السير جون كيغان، بوصفه مؤرخًا عسكريًّا حائزًا على العديد من الجوائز ومحاضرًا في أعرق الجامعات والكليات العسكرية البريطانية والأميركية، فإن انحيازاته الاستشراقية تبدو وكأنها طغت على تفكيره عند تناوله لتقاليد الحرب في الشرق. فالمفاجأة والخداع لم يكونا يومًا سِمَتَين خاصَّتَين بالشرق، بل هما عنصران ثابتان وكونيان في فن الحرب والإستراتيجية. فحتى كلاوزفيتز، الذي يعد المرجعية الكبرى في الفكر العسكري الغربي، يتفق بشكل واضح مع غيره من منظِّري الإستراتيجية حول الأهمية الكونية لعنصر المفاجأة(55). وكما أوضح ذلك ميكيل ثوروب، فإن كيغان قد يكون المؤرخ العسكري الوحيد الذي لم يسمع بصواريخ كروز، أو الطائرات المسيَّرة من نوع “بريداتور”، أو القاذفات الشبحية، وهي جميعها أسلحة تستند في جوهر عملها إلى عاملي المفاجأة والتخفي(56). وعلاوة على ذلك، فإن زيغمونت باومان، في وصفه للقوة العظمى الجديدة (ويقصد الولايات المتحدة في بداية القرن الحالي)، قدَّم تصورات مدهشة في تشابهها مع تلك التي صاغها كيغان عن مهاجمي الحادي عشر من سبتمبر “الشرقيين”. فبحسب باومان، تعتمد القوة العظمى، انطلاقًا من تفوقها التكنولوجي، على سرعة حركتها، وقدرتها على الهبوط المفاجئ من العدم، والاختفاء دون إنذار مسبق(57).
أما فيما يتعلق بالخداع، فقد أكد نيكولو مكيافيللي (1527-1469)، أحد أبرز رموز الفكر السياسي الأوروبي، أن من ينتصر على عدوه بالخديعة يستحق من المديح مثل من يحقق ذلك بواسطة القوة(58). ويجدر بالذكر أن مصطلح “التحايل العسكري” أو “الخدعة الحربية”(stratagem) ، والذي يثير في الذهن مفاهيم الإستراتيجية، يعني أصلًا الحيلة والمكيدة، وخصوصًا تلك التي تُستخدم لخداع العدو(59). أما مصطلح “المناورة (maneuver) “، فيعرِّفه إدوارد ن. لوتواك على أنه “فعل حركي ذو طابع تناقضي يسعى إلى الالتفاف على نقاط قوة العدو الكبرى واستغلال نقاط ضعفه”(60). وعلاوة على ذلك، يبقى تاريخ الحروب الغربية نفسه مليئًا بالأمثلة التي كان فيها الخداع العسكري عنصرًا حاسمًا. فقد حُسمت عدة معارك أوروبية فاصلة في الحرب العالمية الثانية بفضل الخداع الإستراتيجي. ومن بين أكثر الحيل خداعًا في التاريخ ما قامت به قوات الحلفاء، عام 1944، تحت اسم “عملية الحارس الشخصي” (Operation Bodyguard) ، والتي هدفت إلى إقناع الألمان النازيين بأن إنزال النورماندي يوم “دي-داي” لم يكن سوى خدعة. كما تُعد “عملية برترام” (Operation Bertram) من أبرز عمليات الخداع في الحرب العالمية الثانية تلك التي نُفِّذت في مصر، عام 1942، قبيل المعركة الثانية في العلمين، وقد أشرفت عليها وحدة الخداع البريطانية المعروفة باسم A Force بقيادة الضابط دودلي كلارك، وذلك بهدف تضليل المشير الألماني، إرفين روميل، بشأن توقيت وموقع الهجوم الرئيسي. وقد استُخدمت في هذه العملية وسائل متنوعة شملت التمويه والأهداف الوهمية والاتصالات اللاسلكية المضللة؛ مما أسهم في نجاح قوات المشير، برنارد مونتغمري، في تحقيق النصر الحاسم بالمعركة. كل هذه الأمثلة وغيرها تُبرهن على أن الخداع والقوة الساحقة ليسا نقيضين مطلقين، ولا يقتصران على ثقافة أو حضارة بعينها.
كذلك، هناك العديد من الحقائق التاريخية التي تدحض فرضية الميل الحصري للجيوش الشرقية إلى استخدام النهج غير المباشر القائم على التسلل والمكر. فتكتيكات المقاومة الفرنسية ضد النازيين، وأساليب مقاتلي الجيش الجمهوري الأيرلندي في مواجهة أعدائهم البريطانيين، تمثلان أمثلة مضادة صارخة. وحقيقة الأمر هي أن الأطراف الأضعف في النزاعات المسلحة، بغضِّ النظر عن موقعها الجغرافي أو أصلها العرقي، عادة ما تسعى بحساب إستراتيجي منطقي تمامًا إلى تجنب المواجهة المباشرة مع عدو أقوى يستخدم قوة غير متكافئة وأسلحة فتاكة متقدمة. وهذا في حدِّ ذاته نمط سلوكي إنساني موغل في القدم يعود على الأقل إلى زمن الرواية التوراتية عن المواجهة التي دارت بين داوود وجالوت. بل إن هذا السلوك هو الذي يبدو الأكثر عقلانية من المواجهة المباشرة التي قد تكون انتحارية في حالة وجود تفاوت فادح في موازين القوى، لما تنطوي عليه هذه الوضعية من تهديد لغريزة البقاء، التي تُعد من أقدم الغرائز لدى الإنسان.
ومن المؤرخين العسكريين الآخرين الذين نالوا شهرة واسعة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الأميركي فيكتور ديفيس هانسون، الذي انخرط بقوة في الخطاب الاستشراقي العسكري المستجد آنذاك، لاسيما من خلال كتابه الأشهر الصادر، سنة 2001، تحت عنوان “المجازر والثقافة” (Carnage and Culture) (61). وقد نُشر هذا الكتاب في بعض الدول، مثل المملكة المتحدة وأستراليا، تحت عنوان مغاير لافت للنظر: “لماذا انتصر الغرب؟”. وتقوم الأطروحة المركزية للكتاب على أن التفوق العسكري للحضارة الغربية، منذ عهد الإغريق القدماء، هو نتيجة لعدد من الخصائص الجوهرية في الثقافة الغربية. فالمجتمعات الغربية، حسب هانسون، قد تتعرض لهزائم عسكرية على يد مجتمعات غير غربية، إلا أن هذه الهزائم تبقى مجرد نكسات عابرة، لأن “الأسلوب الغربي في خوض الحروب” المدعوم بقيم هذه المجتمعات ومؤسساتها العليا ينتصر دائمًا في نهاية المطاف. وتتمثل هذه المعايير العليا، وفقًا لهانسون، في الحكم التوافقي، والحرية السياسية، والعقلانية، والبحث العلمي، والفردانية، والديمقراطية، والعسكرة المدنية (civic militarism) (62)؛ وهي، بحسبه، “المكونات الحقيقية لنمط من المعارك هو الأكثر دموية على الإطلاق”(63) ومن هذا المنطلق، فإن البراعة العسكرية لدى الإنسان الغربي تعكس ممارسات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية أوسع نطاقًا، تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن مجال الحرب. غير أنه، ما إن تُخاض الحرب، حتى تحدث “تبلورات ثقافية” تتحول فيها المؤسسات المبطنة والغامضة إلى واقع صارم لا يرحم عند لحظة القتل المنظم(64). ويذهب هانسون إلى أبعد من ذلك؛ إذ يرى أنه إذا كان التفوق التكنولوجي وتطور الأسلحة قد منحا بالفعل المجتمعات الغربية أفضلية عسكرية، إلا أن الفروق الثقافية تظل العامل الأكثر حسمًا في كسب المعارك والحروب. وفي نهاية المطاف، يجادل هانسون بأن السمات الثقافية الفريدة للغرب هي التي تجعل من “الأسلوب الغربي في الحرب” نموذجًا لا نظير له من حيث دقته التدميرية وحسمه الفاصل، وذلك منذ العصور الإغريقية القديمة، وفي هذا يقول:
“تفسِّر ظروف نشأة المعركة الحاسمة، تلك التي خاضها مواطنون أحرار ذوو ممتلكات صغيرة، صوَّتوا لصالح الحرب ثم قاتلوا فيها بأنفسهم، تفسر القدرة التدميرية الهائلة لهذه المعركة الحاسمة. فلم يكن ليتحمَّل وطأة تلك الصدامات العنيفة للمشاة سوى الأحرار الذين يتمتعون بالحرية ويشاركون في اتخاذ القرار؛ إذ كان القتال المباشر (الاصطدام) يُعَدُّ الطريقة الاقتصادية الوحيدة لخوض المعركة، بحيث تتيح حسم النزاع بسرعة وبوضوح، وإن كان ذلك أحيانًا على نحو مميت”(65).
وفي تصريح لهانسون يكشف عن موقفه الأيديولوجي الاستشراقي، يذهب إلى القول: إن أحداث العقود الأخيرة من القرن العشرين، وبالأخص ما يسميه بـ”القتال المتواصل في فلسطين والحرب في الخليج”، تؤكد أطروحته حول ما يسميه “تفوق الغرب العسكري العام عبر الزمان والمكان، لما يزيد عن 2500 سنة”(66). كما يُصرِّح بوضوح بتبنِّيه لأطروحة “صدام الحضارات”؛ حيث يرى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول “ليست انحرافًا عن السياق، بل شكَّلت، نوعًا ما، ذروة الفجوة المتنامية بين العالمين، الإسلامي والغربي”. ويواصل هانسون وصفه لتدخل القوات البرية الأميركية في إطار “الحرب على الإرهاب” باستخدام عبارات تنضح بالخطاب الاستشراقي؛ إذ يقول: “بعد ثلاثة عشر قرنًا من معركة بواتييه، ها هم مشاة الغرب يخوضون القتال مجددًا ضد محاربين يعرِّفون أنفسهم كمبعوثين عن الإسلام”(67).
والجدير بالذكر أن كلًّا من هانسون وكيغان لا يُعدَّان من الأصوات النشاز أو الهامشية، بل هما من أبرز ممثلي دوائر علمية “رصينة” تقوم على تفسير معيَّن للتاريخ العسكري(68)، كما أن أفكارهما تلقى صدى واسعًا في الأوساط الأكاديمية، والعسكرية والمهنية، والسياسية على حدٍّ سواء(69)؛ حيث أسهم كتاب هانسون مثلًا حول تفوق الغرب الديمقراطي عسكريًّا في تعزيز قناعة إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بإمكانية النصر في الحرب، وكانت تأثيراته لا تقل أهمية عن تأثير مفكرين استشراقيين بارزين مثل برنارد لويس. ومن اللافت أن نائب الرئيس الأميركي آنذاك، ديك تشيني، كان ينظم أمسيات يستضيف فيها كلًّا من برنارد لويس وهانسون بوصفهما “مفكرين كبيرين، ومحللين بارعين”، و”خبيرين مرموقين”(70). وعلاوة على ذلك، فإن أفكار هانسون وكيغان المنتشرة على نطاق واسع بشأن مركزية الثقافة في سطوة الغرب العسكرية أصبحت تشكل المبدأ التنظيمي لمراجع أكاديمية مرموقة، مثل تاريخ كامبريدج للحرب (The Cambridge History of Warfare) الذي نُشر في عام 2005(71). وبعد الحملة الأولى في أفغانستان، كان كيغان وهانسون، بدافع من الحماسة الاستشراقية، من أوائل الذين هلَّلوا بحبور، وربما بتسرع، للانهيار السريع لطالبان، معتبرين أن تلك الهزيمة دليل على الفاعلية التدميرية الفائقة للديمقراطيات الليبرالية. غير أنهما أغفلا آنذاك مبدأين أساسيين في فهم الحرب: الأول: أن الحرب هي مجموعة من المعارك وأن ربح بعض المعارك لا يعني بالضرورة ربح الحرب، والثاني: أن الحرب ظاهرة متغيرة ومرتبطة بالسياق. بل إن كلاوزفيتز نفسه كان قد وصفها بأنها “أكثر من مجرد حرباء”(72). كما أنهما أغفلا أو تجاهلا مفهوم “الهزيمة الإستراتيجية” الذي يحدث عندما تؤدي مخرجات الصراع إلى تقويض الأمن القومي طويل المدى لدولة ما، أو مكانتها السياسية، أو أهدافها الإستراتيجية، حتى وإن كانت قد حققت الانتصار في ميدان المعركة. وقد أثبتت بالفعل التطورات اللاحقة في كل من أفغانستان والعراق، مع بروز نمط الحرب الهجينة، والخروج “غير المشرف” للقوى الغربية من كلا البلدين حدود المقاربة الاستشراقية لهذين المؤرخَين العسكريَّين ومن تبنى أطروحتيهما، بشأن التفوق الغربي المسترسل، في سياق الجدل القائم حول “أساليب خوض الحروب” التي يُفترض أنها محدَّدة بالحتمية الثقافية. والمفارقة هنا هي أن اللجوء إلى الثقافة كعامل تفسيري لنتائج الحروب كان قد استعاد حيويته رغم الانتكاسات التي عرفتها “الحرب العالمية على الإرهاب”. ولعل الاعتقاد الاستشراقي الراسخ بتفوق الغرب هو ما يفسر هذا الإصرار المتجدد على ترسيخ الهيمنة الثقافية حتى في مجال الحروب. حيث استحدث البنتاغون من 2006 إلى 2010 منهجية جديدة اصطلح عليها بـ”التحول الثقافي في الحرب على الإرهاب”(73)(The Cultural Turn in the War on Terror) ليضع الثقافة من جديد في صلب النقاش. حيث قامت هذه المقاربة الثقافية بامتياز على افتراض مفاده أن الفهم العميق للأبعاد والسرديات الثقافية والأنثروبولوجية للعدو يسمح ببلورة العمليات والتكتيكات الملائمة لخوض حرب ناجعة “ضد التمرد”. وإن كان هذا “التحول” قد باء بدوره بالفشل إلا أنه برهن مرة أخرى على قدرة الاستشراق العالية على الصمود والمرونة، كخطاب ثقافي مبني على ثنائية الغرب/الشرق في مختلف مجالات التفاعل الإنساني بما فيها الحرب.
وتبقى أعمال كل من هانسون وكيغان، وغيرهما من المؤرخين العسكريين المنتمين إلى نفس الأوساط الفكرية التي تتبنى هذا المنهج الاستشراقي، شاهدة على صلة مفهوم “انخراط النص في العالم” (Wordliness) عند إدوارد سعيد بدراسات الحرب والفكر العسكري. فكما يؤكد سعيد، إن اختلال ميزان القوة الذي يُنتَج في ظله أي نصٍّ يجعل لتعلقه بالعالم أهمية حاسمة(74)، خصوصًا إذا وُضع في الاعتبار أن هذه النصوص قد أُنتجت في أجواء مشحونة بخطابات ثأرية متعالية تدعو إلى شنِّ حملات عقابية في الشرق الأوسط. كما أن هذه الأعمال التي تناولت الحرب والمواجهة بين الشرق والغرب، في سياق مشبع بخطاب “صدام الحضارات” و”الحرب العالمية على الإرهاب”، تتماهى مع تأكيد سعيد أن “أي إنتاج للمعرفة في العلوم الإنسانية لا يمكنه أن يتجاهل أو ينفي تورط مؤلفه، بوصفه كائنًا إنسانيًّا، في ظروفه الذاتية(75). وقد عبَّر كل من طارق برقاوي وشين برايتون عن فكرة “انخراط النص في العالم” هذه بشكل مغاير، من خلال الحديث عن تاريخانية الحرب وكتابة التاريخ العسكري، أي عن طابع الحرب المرهون بسياقاتها التاريخية(76) في حين وصف جيريمي بلاك التأريخ العسكري بأنه شكل آخر من أشكال النشاط الثقافي(77). وقد أظهرت أعمال هانسون وكيغان، اللذين تحدثا بثقة وبتأثير واسع عن موضوع الحرب، أنهما فعلًا لم يكونا بمنأى عن الخطاب الاستشراقي الصاخب الذي كان مهيمنًا بقوة أثناء إعدادهما ونشرهما لكتبهما ومقالاتهما ذات الصلة.
خاتمة
سعى هذا البحث إلى الإسهام في بلورة مفهوم الاستشراق العسكري المستجد وتقديمه للقارئ العربي. وقد استند هذا الجهد إلى التنويه بمركزية التمثلات الغربية، النابعة من الاستشراق كخطاب فكري وثقافي وسياسي مهيمن، في عملية بناء صورة “العدو الشرقي” وفي إدارة وخوض الحرب “الحاسمة” ضده، لاسيما في سياق الصراعات الحديثة والمتأخرة. وقد بيَّنت الدراسة، ومن خلال توظيف رؤى مستمدة من نظرية ما بعد الكولونيالية، ودراسات الحرب النقدية، وتحليل الخطاب، أن الحرب على الشرق ليست مجرد مواجهة مادية بالعدد والعتاد، بل أيضًا ساحة نزال رمزية توضع فيها التمثلات الاستشراقية على المحك وتُخضَع فيها مفاهيم الهوية والتفوق والشرعية باستمرار للمساومة والجدال. خاصة وأن الوقائع التاريخية وأدبيات التاريخ العسكري الغربي -التي أفرد لها البحث مساحة لا بأس بها- قد أثبتت أن الخطاب الاستشراقي قد عاد إلى الواجهة بشكل أكثر عنفوانية منذ “نهاية التاريخ” غداة اندحار المعسكر الشيوعي، وازداد حدة بعد هجمات الحادي عشر سبتمبر/أيلول، وفي أوج الترويج غربيًّا لأطروحة صدام الحضارات. وقد ظهر ذلك جليًّا عبر بروز تمثلات ثنائية حادَّة ترافقت مع الحروب والأزمات التي تلت هذه الأحداث، لاسيما أن معظم هذه الصراعات قد دارت رحاها، ولا تزال تدور بشكل أو بآخر، في مناطق تُعدُّ تقليديًّا جزءًا من “الشرق”، كما هي الحال بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط.
وقد أظهرت الدراسة أيضًا أن التورط العسكري الغربي في مواجهة خصوم شرقيين -وخاصة في “الحروب الصغيرة” وعمليات مكافحة التمرد- غالبًا ما يكون مشبعًا بافتراضات ثقافية راسخة تصوِّر العدو على أنه دوني، لا عقلاني، ومتخلف ثقافيًّا. وهذه الافتراضات، التي تنبني على تحيزات إبستمولوجية وأنطولوجية نابعة من صميم الاستشراق كخطاب مهيمن، يشمل تأثيرها صياغة العقيدة العسكرية والقرار الإستراتيجي ويمتد إلى تشكيل تصورات الرأي العام والتبريرات السياسية التي تسوق له بغرض قبوله لاستخدام القوة وبذل الأموال والدماء في هذه الحروب. وعندما لا تتلاءم نتائج المعارك مع هذه التمثلات -بسبب إبداء مقاومة غير متوقعة أو إخفاق إستراتيجي أو عجز عن تحقيق نصر حاسم- تنجم عن ذلك آثار عميقة على تمثُّل الذات الغربية، قد تصل إلى حدِّ حدوث أزمات هوية، أو إعادة ترتيب الخطاب، أو حتى حصول تحولات سياسية كبرى.
وفي نهاية المطاف، قد يدفع مفهوم الاستشراق العسكري، إذا ما تمت بلورته بصورة أوسع، إلى إعادة النظر في الأسس الأنطولوجية للحرب، والمبادئ الإستراتيجية، وعمليات تشكُّل الهوية في عالم ما بعد الاستعمار. كما قد يستحث الباحثين والممارسين معًا على مساءلةٍ أكبر للأبعاد الرمزية والأيديولوجية الكامنة وراء القوة العسكرية، وللإقرار بمدى تغلغل الخطابات الموروثة عن الحقبة الكولونيالية التي لا تزال تشكِّل وتقيِّد، بل وتوجه، في كثير من الأحيان، مسارات الحروب ونتائجها. ومع تواصل اندلاع النزاعات واحتمال نشوب صراعات أوسع بين الشرق والغرب، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة، في إطار تحول موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين، تؤكد الأهمية المستجدة للاستشراق العسكري الحاجة الملحَّة إلى إبستمولوجيات بديلة تقاوم الثنائيات الاختزالية، وتسعى إلى إقرار إنسانية “الآخر” بدل تجريده منها؛ مما قد يُسهم في تعزيز السلم، وتفادي الانزلاق إلى حروب مدمرة، قد تعيد نبوءة “صدام الحضارات” من جديد إلى الواجهة.
المراجع
(1) Albert Hourani, “The Road to Morocco,” The New York Review of Books 26 (March 8, 1979): 27–30.
(2) Colin S. Gray, “The Strategic Anthropologist,” International Affairs 89, no. 5 (2013): 1285–95.
(3) Colin M. Fleming, Clausewitz’s Timeless Trinity: A Framework for Modern War (Farnham: Ashgate Publishing Ltd, 2013), 62.
(4) Lee Jones, “International Relations Scholarship and the Tyranny of Policy Relevance,” Journal of Critical Globalization Studies 1, no. 1 (2009): 125–31.
(5) Edward Said, Orientalism (New York: Vintage, 1978), 3.
(6) Ibid., 14.
(7) Ibid., 2.
(8) Mirjana N. Dedaic, “Introduction: A Peace of Word,” in At War with Words, ed. Mirjana N. Dedaic and Daniel N. Nelson (Berlin: Mouton de Gruyter, 2003), i–xvi.
(9) Harald Fischer-Tiné, “Postcolonial Studies,” in European History Online (EGO), Institute of European History (IEG), Mainz, December 3, 2010, 14.
(10) Joseph Lennon, Irish Orientalism (New York: Syracuse University Press, 2004), 114.
(11) Tarak Barkawi and Keith Stanski, eds., Orientalism and War (London: C. Hurst & Co, 2012), 2.
(12) Tarak Barkawi and Mark Laffey, “The Postcolonial Moment in Security Studies,” Review of International Studies 32 (2006): 329–52.
(13) Patrick Porter, Military Orientalism: Eastern War through Western Eyes (London: Hurst & Co, 2009), 2.
(14) Josef Teboho Ansorge, “Spirits of War: A Field Manual,” International Political Sociology 4 (2010): 362–79.
(15) Edward Said, Homi Bhabha, and Catherine Hall, cited in Tarak Barkawi, Globalization and War (New York: Rowman & Littlefield, 2006), 118.
(16) Astrid H. M. Nordin and Dan Öberg, “Targeting the Ontology of War: From Clausewitz to Baudrillard,” Millennium: Journal of International Studies (2014): 392–410.
(17) Barkawi and Stanski, Orientalism and War, 1.
(18) Tarak Barkawi and Shane Brighton, “Powers of War: Fighting Knowledge, and Critique,” International Political Sociology 5, no. 2 (2011): 126–43.
(19) Columba Peoples and Nick Vaughan-Williams, Critical Security Studies: An Introduction (Milton Park, Abingdon, Oxon: Routledge, 2010).
(20) Richard Jackson, Marie Breen-Smyth, and Jeroen Gunning, Critical Terrorism Studies: A New Research Agenda (London: Routledge, 2009).
(21) Gyan Prakash, “Orientalism Now,” History and Theory 34, no. 3 (October 1995): 199–212.
(22) Barkawi and Brighton, “Powers of War,” 126–43.
(23) Tarak Barkawi, “‘Small Wars,’ Big Consequences and Orientalism: Korea and Iraq,” Arena Journal 29/30 (2008): 127–31.
(24) Tarak Barkawi, “Globalization, Culture, and War: On the Popular Mediation of ‘Small Wars,’” Cultural Critique 58, no. 1 (2004): 115–47.
(25) Ibid., 138.
(26) Patricia Owens, “Torture, Sex and Military Orientalism,” Third World Quarterly 31 (2010): 1041–56.
(27) Edward Said, Orientalism (New York: Vintage, 1978), 7.
(28) Tarak Barkawi, “‘Small Wars,’ Big Consequences and Orientalism: Korea and Iraq,” Arena Journal 29/30 (2008): 160.
(29) Said, Orientalism, 7.
(30) Nico Carpentier, ed., Culture, Trauma and Conflict: Cultural Studies Perspectives on War (Newcastle, UK: Cambridge Scholars Publishing, 2007), 6.
(31) Ibid.
(32) Ernesto Laclau, New Reflections on the Revolution of Our Time (London: Verso, 1990), 39.
(33) Brad E. Kelle and Frank R. Ames, eds., Writing and Reading War: Rhetoric, Gender, and Ethics in Biblical and Modern Contexts (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2008), 24.
(34) Richard Shultz and Andrea Dew, Insurgents, Terrorists and Militias: The Warriors of Contemporary Combat (New York: Columbia University Press, 2009), 32.
(35) George Packer, “Kanan Makiya, Dreaming of Democracy,” New York Times Magazine, March 2, 2003.
(36) Tarak Barkawi, “Globalization, Culture, and War: On the Popular Mediation of ‘Small Wars,’” Cultural Critique 58, no. 1 (2004): 118.
(37) Patrick Porter, Military Orientalism: Eastern War through Western Eyes (London: Hurst & Co, 2009), 18.
(38) David Spurr, The Rhetoric of Empire: Colonial Discourse in Journalism, Travel Writing, and Imperial Administration (Durham: Duke University Press, 1993).
(39) Patrick Porter, “Afterword,” in Orientalism and War, ed. Tarak Barkawi and Keith Stanski (London: Hurst & Co, 2012), 263–74.
(40) Ibid.
(41) Victor Davis Hanson, Carnage and Culture: Landmark Battles in the Rise of Western Power (New York: First Anchor Books, 2001).
(42) Patricia Owens, “Torture, Sex and Military Orientalism,” Third World Quarterly 31 (2010): 1041–56.
(43) Roxanne Lynn Doty, Imperial Encounters: The Politics of Representation in North-South Relations (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996), 46.
(44) Ibid.
(45) Stuart Hall, “The Spectacle of the Other,” in Representation: Cultural Representations and Signifying Practices, ed. Stuart Hall (London: Sage in association with the Open University, 1997), 225–79.
(46) Thomas Rid, “Review of Patrick Porter’s Military Orientalism: Eastern War Through Western Eyes,” Journal of Strategic Studies 33, no. 5 (2010): 784–87.
(47) Quoted in Patrick Porter, Military Orientalism: Eastern War through Western Eyes (London: Hurst & Co, 2009), 40.
(48) Patrick Porter, “Good Anthropology, Bad History: The Cultural Turn in Studying War,” Parameters (Summer 2007): 45–58.
(49) John Keegan, A History of Warfare (London: Pimlico, 1994), 387.
(50) John Keegan, “In This War of Civilizations, the West Will Prevail,” Daily Telegraph, October 8, 2001, 9.
(51) Ibid.
(52) Raphael Patai, The Arab Mind (New York: Scribner, 1983).
(53) John Keegan, “In This War of Civilizations, the West Will Prevail,” Daily Telegraph, October 8, 2001, 9.
(54) Ibid.
(55) Carl von Clausewitz, On War, ed. and trans. Michael Howard and Peter Paret (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1976), 661.
(56) Mikkel Thorup, An Intellectual History of Terror: War, Violence and the State (London: Routledge, 2010), 58.
(57) Zygmunt Bauman, “Wars of the Globalization Era,” European Journal of Social Theory 4 (2001): 11–28.
(58) Quoted in Patrick Porter, “Good Anthropology, Bad History: The Cultural Turn in Studying War,” Parameters (Summer 2007): 50.
(59) “Dictionary.com,” accessed September 7, 2025, http://dictionary.reference.com.
(60) Quoted in Patrick Porter, “Good Anthropology, Bad History: The Cultural Turn in Studying War,” Parameters (Summer 2007): 53.
(61) Victor Davis Hanson, Carnage and Culture: Landmark Battles in the Rise of Western Power (New York: First Anchor Books, 2001).
(62) Hanson, Carnage and Culture, 453.
(63) Ibid., 11.
(64) Ibid., 92.
(65) Ibid., 456.
(66) Ibid., 457–59.
(67) بول براكن، منقول في: Patrick Porter, “Good Anthropology, Bad History: The Cultural Turn in Studying War,” Parameters (Summer 2007): 49.
(68) Patrick Porter, Military Orientalism: Eastern War through Western Eyes (London: Hurst & Co, 2009), 17.
(69) Richard B. Cheney and Liz Cheney, In My Time: A Personal and Political Memoir (New York: Threshold Editions, 2011), 294.
(70) Patrick Porter, “Good Anthropology, Bad History: The Cultural Turn in Studying War,” Parameters (Summer 2007): 45–58.
(71) Carl von Clausewitz, On War, ed. and trans. Michael Howard and Peter Paret (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1976), 89.
(72) Hugh Gusterson, “The Cultural Turn in the War on Terror,” in Anthropology and Global Counterinsurgency, ed. John Kelly, Beatrice Jauregui, Sean Mitchell, and Jeremy Walton (Chicago: University of Chicago Press, 2010), 279–96.
(73) Bill Ashcroft and Pal Ahluwalia, Edward Said, 2nd rev. ed. (New York: Routledge, 2009).
(74) Albert Hourani, “The Road to Morocco,” The New York Review of Books 26 (March 8, 1979): 27.
(75) Tarak Barkawi and Shane Brighton, “Powers of War: Fighting Knowledge, and Critique,” International Political Sociology 5, no. 2 (2011): 126–43.
(76) Jeremy Black, “Determinisms and Other Issues,” The Journal of Military History 68, no. 4 (October 2004): 1181–92.
(77) Jeremy Black, “Determinisms and Other Issues,” The Journal of Military History 68, no. 4 (October 2004): 1181–92.
