ملخص
بين الحاجة إلى الحفاظ على الهيمنة الإستراتيجية ومواجهة الصعود المتسارع للقوة الصينية، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين: إما التراجع الإستراتيجي المنظم أو الانخراط في مواجهات متعددة المسارات وفي هذا السياق يتمحور منطق دراستنا؛ حيث سنناقش تحولات السلوك الإستراتيجي الأميركي عقب الانسحاب من أفغانستان، بوصفه اللحظة التي حملت معها معالم التغيير العالمي، بتعريف إعادة التوازن كإستراتيجية تؤكد نهاية النظام الهيمني لصالح التعددية، وذلك في توافق كامل مع مسار الدراسة، وهي التي اعتمدنا في سبيل تفكيك تعقيد إشكاليتها الجوهرية: كيف شكَّل الانسحاب الأميركي من أفغانستان اللحظة الفارقة في النظام الدولي الجديد؟ المنهج الوصفي التحليلي، المؤطَّر بنظرية “الواقعية الهجومية” لجون ميرشايمر، وذلك بهدف التفصيل البحثي لدوافع التغير في السلوك الإستراتيجي الأميركي مع التركيز على الأبعاد الجيوسياسية في الفضاء الأوراسي والتداخلات الإستراتيجية في الشرق الأوسط.
الكلمات المفتاحية: الانسحاب الأميركي، إعادة التوازن، الفضاء الأوراسي، الشرق الأوسط الجديد، أفغانستان.
Abstract
Amid the necessity to maintain strategic hegemony and the challenge of China’s rapid rise, the United States finds itself facing two options: either a structured strategic retreat, or engagement in multifaceted confrontations. Within this context lies the core logic of the study, which offers a detailed analysis of the transformations in the strategic behaviour of the United States following its withdrawal from Afghanistan—a moment that signalled the onset of global change. This moment redefined the concept of strategic rebalancing as a framework confirming the end of the unipolar hegemonic order in favour of multipolarity. To unpack the complexity of the central research question— How did the US withdrawal from Afghanistan constitute a turning point in the emerging international order? —this study adopts the descriptive-analytical method, framed within John Mearsheimer’s theory of offensive realism. The aim is to investigate the drivers behind the shift in US strategic behaviour, with a specific focus on the geopolitical dimensions of the Eurasian space and strategic interplays in the Middle East.
Keywords: US withdrawal, rebalancing strategy, Eurasian space, new Middle East, Afghanistan.
مقدمة
سرى قدر من الاتفاق بين رؤساء الولايات المتحدة الأميركية بعد مرحلة بوش الابن على أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان أضحى ضرورة تصحيحية للمسار الخاطئ الذي نسجته السياسية الخارجية خلال مراحلها السابقة، مؤكدين في نفس السياق على أهمية التحول نحو الشرق الأقصى لمواجهة الصين، وأن أي انخراط أميركي في أي حرب خارج منطقة المحيطين، الهندي والهادي، سيكون بمنزلة استنزاف للقوة الأميركية وسيضع الصين أمام مساحة أكبر للنمو والتوسع الإقليمي1)).
يتماشى ذلك مع طرح أحد أهم منظِّري الواقعية الأميركية، وهو جون ميرشايمر، الذي لطالما حاجج في مختلف مساحات تنظيره، بأن الصين تشكِّل التهديد الأكبر للولايات المتحدة الأميركية في القرن 21، وبالتالي فالقوة الأميركية ملزَمة بتركيز كل انتشارها، بكل ما يتضمنه من أحدث تقنياتها العسكرية وأصولها إلى منطقة المحيطين، الهندي والهادي(2). وفي قراءة عكسية لمسار التحليل، يلاحظ بعض المحللين أن الانسحاب الأميركي موضوع الدراسة يشكِّل في أساسه اعترافًا بمحدودية القوة الأميركية من حيث إنها قوة مهيمنة، وذلك في إسقاط تام لسردية التفوق العالمي المدفوع بقوة الانتشار الإمبراطوري(3).
ومن هنا، تبرز قيمة الحدث الذي سُمِّي (لحظة أفغانستان)، بمعنى: هل نحن نتحدث عن هزيمة تعيد تعريف ميزان القوى الدولي انطلاقًا من لحظة الانسحاب أم أننا نتحدث عن تغير في إستراتيجيات قوة عالمية والتي هي ناتجة في الأصل عن إعادة تشكيل لمراكز الانتشار العالمي؟
وصف الرئيس الأميركي، جو بايدن، لحظة الانسحاب الأميركي من أفغانستان بأنها “نهاية حقبة” أميركية من التدخل الخارجي وأن الجيش الأميركي لن يكون بعد الآن في طليعة النفوذ الأميركي في الخارج(4). وهو تصريح يمكن أن نقرأ فيه العديد من الإشارات على وجود تحول عالمي جديد يتشكل في المراحل المعاصرة اللحظية؛ ذلك أن تعبير “نهاية حقبة” هو في الحقيقة تعبير عن نهاية السلوك الأحادي الأميركي الذي أطلقه الرئيس بوش الابن، والذي جعل من الولايات المتحدة الأميركية القوة الوحيدة في العالم.
ومن هنا أيضًا، نقرأ أن نهاية أي حقبة تاريخية في جميع مراحل تطور السياسة الدولية سيقابلها بالتأكيد ميلاد لحقبة جديدة، حقبة دائمًا ما تلعب فيها القوة المهيمنة دورًا أساسيًّا في التحول. ومن هنا تأتي أهمية ما جاء به عنوان جريدة فايننشيال إكسبريس الهندية “إن الانسحاب الأميركي من أفغانستان سيمثل نهاية الإمبراطورية الأميركية: ينبغي على الهند العودة إلى الأسس الإستراتيجية على الأرجح”(5). وهو عنوان يتماشى وتأكيد جون ميرشايمر في قوله: إن العالم أصبح يعيش الآن انتقالًا مرحليًّا من زمن النظام الأيديولوجي (الليبرالي) (بمعنى النظام المحكوم بأيديولوجية القوة المهيمنة) إلى النظام الواقعي (النظام الخاضع للمصلحة الواقعية نتيجة الانتقال الفوضوي فيه)(6).
إذن فدراستنا هي عبارة عن تحليل وفي نفس الوقت تأكيد لما جاء في هذا التحليل، بحيث سنناقش فيها شكل التحول العالمي انطلاقًا من لحظة الانسحاب الأميركي، وخاصة بحصر الجغرافيا الأوراسية انسحابًا إلى الشرق الأوسط الجديد. وهي دراسة نعتمد فيها تحليلًا واقعيًّا بتوظيف نظري للواقعية الهجومية، وتحديدًا بالانطلاق من جوهرية التساؤل الإشكالي المطروح والمؤطر في كيف شكَّل الانسحاب الأميركي من أفغانستان لحظة التحول الكبرى في النظام الدولي الجديد؟ وهو إشكال يحيلنا بضرورة التحليل والتفكيك إلى تساؤلات فرعية أكثر تفصيلًا نناقش فيها: إلى أي مدى قوَّض التدخل الأميركي في أفغانستان من النفوذ الأميركي العالمي؟ كيف تُقرأ إستراتيجية إعادة التوازن الأميركية في صراع النفوذ الدولي؟ كيف أثَّر التحالف الروسي-الصيني الجديد على موازين القوى الدولية؟ هل الشرق الأوسط الجديد جزء من إستراتيجية إعادة التوازن الأميركية؟ هل فشلت الولايات المتحدة الأميركية في إستراتيجية إعادة التوازن؟ وهل يُعَدُّ هذا الفشل الانحدار الحتمي للإمبراطورية؟
وفي سبيل تحقيق أكبر قدر من الإحاطة الموضوعية بالدراسة المطروحة فإننا سنعمل على تحليل الموضوع بالاستناد إلى بعض الفرضيات، التي تكون بمنزلة بوصلة تحقق الترابط بين البحث وقارئه، وهي التي حددناها أساسًا في أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان هو اللحظة الفارقة في تحديد شكل النظام الدولي الجديد، أي النظام الذي سينتقل فيه العالم من شكل النظام الأحادي المهيمن إلى النظام التعددي لتوازن القوى الدولي، وكذلك ما اعتبرنا فيه أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان ما هو إلا مقدمة لطرح إستراتيجي جديد يقوم على إعادة التوازن، والذي يعد بمنزلة إعلان غير مباشر على تراجع القوة المهيمنة للولايات المتحدة الأميركية. وأخيرًا، فإن إستراتيجية إعادة التوازن هذه سيكون لها تأثير عكسي على مصالح الولايات المتحدة الأميركية خاصة في الجغرافيا الأوراسية، ولاسيما إذا ما دفعت نحو تعزيز الترابط الإستراتيجي بين مكونات مستقبل التحالف الأوراسي الجديد بتحديد روسيا والصين وإيران وباكستان وأفغانستان، والذي قد يلعب دورًا مهمًّا في دفع الولايات المتحدة إلى خارج الجغرافيا الأوراسية قلب العالم.
وفي سبيل التفصيل، فإننا سنقدم فيما يلي طرحًا تقسيميًّا نحدد من خلاله شكل وأسلوب المعالجة الموضوعية في هذه الدراسة، وهي كالتالي:
- تحديد شكل التحول الإستراتيجي الأميركي من داخل صراع المدرستين، الأيديولوجية والواقعية.
- تحديد تأثير إستراتيجية إعادة التوازن الأميركية في إحياء نظام توازن القوى الدولي ومركزية التحالف الصيني-الروسي الجديد في ذلك.
- تأثير قوى التحالف الجديد على المعادلة الأوراسية ومدى إمكانية تحقق هدف الإخضاع الأوراسي.
- أثر التحولات الدولية على مستقبل الولايات المتحدة الأميركية ومدى إمكانية تحرك جغرافية الانسحاب لتشمل منطقة الشرق الأوسط.
منهج الدراسة
يندرج هذا البحث من حيث طبيعته ضمن فئة الأبحاث النظرية، وقد اعتمدنا في سبيل دراسة وتحليل إشكالياته الجوهرية، المنهج الوصفي التحليلي في إطار النظرية الواقعية الهجومية:
- الواقعية الهجومية Offensive realism: وهي بتوصيف صاحبها نظرية واقعية بطبعها تفترض أن النظام الدولي فوضوي بطبيعته، ولا توجد سلطة عليا تحكم الدول، وأن هذه الأخيرة هي في امتلاك دائم لقدرات عسكرية هجومية تسعى من خلالها القوى الكبرى إلى تعظيم قوتها لضمان البقاء وتحقيق الهيمنة؛ مما يؤدي في النهاية إلى صراع مستمر على موازين القوى الدولية بحيث لا يمكن لدولة أخرى أن تشكِّل تهديدًا جديًّا لمثل هذه القوة الهائلة(7).
- المنهج الوصفي-التحليلي: من المناهج العلمية الأكثر توظيفًا واستخدامًا في دراسة وتحليل الظواهر الجيوسياسية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بدراسة الظاهرة والتحولات المرافقة لها، وذلك كما هو متبع في دراستنا الحالية التي، ومن خلال هذا المنهج، سنعمل فيها على رصد أهم أبعاد حدث الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وكذلك تأثيره على موازين القوى الدولية، كما سنعمل في سبيل التوضيح -ومن خلال أسلوب تحليلي دقيق- على بيان أهم مظاهر هذه التحولات في تغير الخريطة السياسية الأوراسية الشرق أوسطية(8).
الدراسات السابقة
- دراسة مايكل.أ ليبتز، أستاذ التربية بجامعة بيجين للمعلمين، تحت عنوان “”الانحدار” وخطابات الانحدار: نهاية الحرب في أفغانستان وحدود القوة الأميركية”، تحدث فيها ليبتز عن مسار انحدار الإمبراطورية الأميركية من خلال تآكل عنصري القوة والأيديولوجية “الليبرالية”، وكيف أسهم الاندفاع المجنون في إظهار القوة إلى تعب وتهالك القوة الأميركية، وما رافقها أيضًا من تآكل للأيديولوجية الليبرالية داخل الولايات المتحدة(9).
- دراسة داليا كاي، مديرة مركز السياسات العامة في الشرق الأوسط، “واشنطن لا تنسحب من الشرق الأوسط، واشنطن بحاجة إلى إستراتيجية جديدة لكنها لا تحتاج إلى إستراتيجية خروج”، وتتناول كيفية أن التحول نحو آسيا لن يمنع الولايات المتحدة من الاستمرار في تواجدها بقوة في الشرق الأوسط وإسقاط نظرية توالي الانسحابات بعد أفغانستان، وكانت حجتها في ذلك ما حصل من اتفاقيات عسكرية بين دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية(10).
- دراسة سوناتيلو ناميروف، الأستاذ بجامعة الاقتصاد العالمي والدبلوماسية بطشقند، تحت عنوان “الوضع في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية وأثره على الأمن القومي”. ناقش فيها ناميروف خلفيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان وأثره على الجيوسياسية الأوراسية انطلاقًا من مركزية أفغانستان في ضمان الاستقرار الإقليمي وكيف تعد هذه الأخيرة جزءًا أساسيًّا في أي مشروع أوراسي قابل للتحول كمشروع دولي أشمل(11).
- دراسة السيناتور الأميركي، ميتش ماكونيل، تحت عنوان “ثمن الانسحاب الأميركي: لماذا يجب على واشنطن رفض الانعزالية واحتضان الأسبقية”، وهو من قلائل السياسيين الذين كتبوا في الموضوع مناقشًا فيه مدى أهمية الوجود الأميركي وانتشاره في المناطق التي تعد ذات نفع إستراتيجي بالنسبة له، معتبرًا أن أي تخلف سيكون لصالح الصين المتقدمة في التوسع الإستراتيجي. وتبعًا لهذا الطرح فالولايات المتحدة ملزمة بالبقاء عسكريًّا في منطقة الشرق الأوسط وعليها ألا تكرر ما وصفه بأزمة أفغانستان(12).
- دراسة مؤيد رسولي، محمد إكرام، محمد قاسم، “الانسحاب العسكري المتسارع للولايات المتحدة من أفغانستان وتوجهها نحو شرق آسيا تغير مسار الهيمنة القسرية والسياسية”، يناقش فيها الباحثون أثر الصعود الاقتصادي والعسكري القوي في ظل انتقال مسؤولية الأمن العالمي إلى الولايات المتحدة، وكيف شكَّل هذا التحول تهديدًا غير مسبوق للهيمنة العالمية المزعومة لأميركا، على اعتبار أن أولى نتائجه الجيوسياسية قد تمثلت في الانسحاب الأميركي من أفغانستان كجزء من إستراتيجية المواجهة في الشرق الأقصى(13).
- دراسة محمد إسحاق خان، عديل عرفان، أنيل وقاص خان، “تراجع امبراطورية أم نهاية حقبة؟ في أعقاب الانسحاب الأميركي من أفغانستان”، يناقش فيها الباحثون تداعيات الدخول والخروج أو بمعنى آخر لحظتي الغزو والانسحاب الأميركي من أفغانستان؛ وذلك بالتركيز على الجوانب الاقتصادية والإستراتيجية والهيكلية لكلا الحدثين، ثم بتحليل كيف أسهمت الحرب الأميركية-الأفغانية في إعادة ترتيب موازين القوى الدولية بمركزية شرق آسيا في التحولات الإستراتيجية المعاصرة(14).
- دراسة راسل.أ بيرمان، وهو أستاذ جامعي متخصص في الدراسات الألمانية والأدب المقارن. ويشغل منصب أستاذ كرسي والتر أ. هاس للعلوم الإنسانية بجامعة ستانفورد، تحت عنوان “في التراجع: انسحاب أميركا من الشرق الأوسط”، يناقش فيها الاستعداد الأميركي للانسحاب من الشرق الأوسط، مشيرًا في ذات السياق إلى تراجع الدور القيادي للولايات المتحدة في الإقليم، وهو الذي بدا ظاهرًا بشكل واضح نتيجة الدور الفاتر لهذه الأخيرة في سوريا وليبيا ولبنان وحرب غزة(15).
- أمين كياني هفتلانغ، حامد محققنيا، حسين كريمي فر، فريدون أكبر زاده، “العواقب الجيوسياسية لانسحاب أميركا من أفغانستان في الفضاء السياسي لغرب آسيا”، يناقش فيه الباحثون دور الولايات المتحدة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا في سياق انسحابها من أفغانستان. مؤكدين في ذات السياق أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان شكَّل عنصرًا مهمًّا في عودة واشنطن إلى إستراتيجية إعادة التوازن وكذلك على إعادة تعريف مصدر التهديد (من الإرهاب إلى القوى المهيمنة) ومركز التهديد (بشكل أساسي) من غرب آسيا إلى شرق آسيا(16).
إعادة التوازن والمدرسة الواقعية الجديدة
تعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول2001 ، أحد أهم الأحداث في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وهو يوازي من حيث القيمة الإستراتيجية والتأثير العالمي هجوم بيرل هاربر 1941، ولذلك نجد العديد من المحللين يذهبون إلى المساواة بين الحدثين من حيث خلفيات ما بعد الرد الأميركي على كليهما. فإذا كانت نتائج الرد على هجوم بيرل هاربر قد أدخلت العالم نظامًا عالميًّا جديدًا أنهى عصر التعددية، فاتحًا بذلك الباب أمام مرحلة القطبين، الأميركي والسوفيتي، فإن الرد على هجوم 11 سبتمبر/أيلول كان في حدِّ ذاته إعلانًا فعليًّا عن مرحلة جديدة أو نظام عالمي جديد عنوانه الهيمنة الأميركية بتعريف بوش الابن نفسه في تصريحه “من ليس معنا فهو ضدنا”(17)، والذي عَدَّه العديد من المحللين بمنزلة إعلان الولايات المتحدة الأميركية قوةً وحيدةً في العالم الجديد(18).
وقد أفضى هذا التحول إلى انخراط الولايات المتحدة في حرب عُدَّت هي الأطول في كل حروبها على مرِّ التاريخ، متجاوزة فيها سنوات الحرب الأهلية الأميركية وحرب فيتنام والحرب الكورية والحربين العالميتين، الأولى والثانية، مجتمعة، بشكل فتح معه باب النقاش والصراع بين أهم مدرستين في التفكير الإستراتيجي في الداخل الأميركي، أي بين المدرسة الواقعية بقيادة جون ميرشايمر وكيسنجر ووالت والمدرسة الأيديولوجية بقيادة فوكوياما، وهي التي كانت تُعد جزءًا من تيار المحافظين الجدد أو تيار بوش. كان من الصعب تحديد الطرف المنتصر بين هاتين المدرستين في خضم مرحلة الحرب الأميركية-الأفغانية، لكن ومع التطور الذي رافق السلوك الإستراتيجي الأميركي في الخارج خلال السنوات الأخيرة، اتضح بما لا يدع مجالًا للشك لكل باحثي السياسة الدولية، سمو الفكر الواقعي وسيطرته شبه الكلية على القرار السياسي الخارجي الأميركي، وهو ما نعده بمنزلة مدخل أساسي لدراستنا الحالية وخاصة من خلال تحليل أثر الحرب الأميركية ضد أفغانستان ونتائجها على تغير الإستراتيجيات الأميركية في الخارج.
وقد استندت المدرسة الواقعية في نقدها للسلوك الأميركي وفي دفاعها أيضًا عن ضرورة تحول المسار الإستراتيجي الأميركي من الدخول نحو الخروج إلى ثلاثة معطيات رئيسية: الأول: يتعلق بالتكلفة العالية للتدخل الأميركي في التغيير الإستراتيجي، وقد بلغت التكلفة الإجمالية لحروب الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول نحو 8 تريليونات دولار، وبخسائر بشرية على مستوى الوفيات بلغت نحو 929.000 قتيل منهم 387.000 مدني(19). في حين يتحدد المعطى الثاني الذي استندت إليه المدرسة الواقعية في دفعها نحو التغيير الإستراتيجي فيما يتعلق بفشل إستراتيجية التغيير التدخلي بمعنى التغيير المدعوم بالقوة العسكرية، وهي الإستراتيجية التي أثبتت عدم نجاعتها سواء تعلق الأمر بأفغانستان أو فيتنام أو العراق.
أما المعطى الثالث فهو ما حددته هذه الأخيرة في أن التدخل الأميركي قد يتحول في العديد من الحالات إلى تدخل في غير مصلحة الولايات المتحدة، سواء أكان ذلك بالتعريف المباشر نتيجة لاستفادة قوى إقليمية أو عظمى من تدخل يُقرَأ فيه أن يُشكِّل تهديدًا محتملًا، أو كان ذلك بشكل غير مباشر من خلال الدفع نحو استنزاف القوة الأميركية في حروب استعراضية لا قيمة لها تكون مدفوعة بأوهام الأيديولوجيا الغبية كما هي الحال في حرب العراق، وهي الحرب التي تجسد بشكل فعلي حقيقة المعطى الثالث وكيف حقق التدخل الأميركي لإيران أهدافها الإستراتيجية الكبرى على مستوى الإقليم على حساب حلفاء الولايات المتحدة. إذن، ومن هذا المنطلق فقد أصبحت الولايات المتحدة الأميركية ملزمة بضرورة إعادة تشكيل حساباتها الإستراتيجية في مختلف مناطق نفوذها العالمي بداية من منطقة القلب الأوراسي بتحديد ماكيندر وتحديدًا من المركز الأفغاني. ومن هنا، جاء الانسحاب الأميركي بوصفه إعلانًا كاملًا عن هزيمة أميركا التدخلية وميلاد أميركا إعادة التوازن. وهنا يُطرح السؤال حول ماهية إستراتيجية إعادة التوازن، وكيف كان شكلها في الجغرافية الأوراسية والإقليم الأفغاني لآسيا الوسطى.
وفقًا لوالت وميرشايمر، فإن أفضل إستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية في السياسة الخارجية هي اعتماد إستراتيجية إعادة التوازن “عن بعد”. هذا يعني أن على الولايات المتحدة أن تجعل من أولوياتها القصوى استرضاء نصف دول الكرة الغربي وتجنب التدخل غير الضروري في مناطق أخرى من العالم(20)؛ وهو ما يجعل من مغزى هذه الإستراتيجية يقوم أساسًا على محاولة تحقيق التوازن من خلال البقاء في الخارج وتشجيع الجهات المحلية على البقاء متورطة، وذلك دون إغلاق الباب أمام إمكانية التدخل الملزم بالضرورة القصوى، على أن يتخذ هذا التدخل شكل الدخول والخروج السريع دون التورط الدائم، وهو موقف نجده نابعًا في الأساس من ضرورة التفرغ لمواجهة الصين كونها تشكل التهديد الأول للولايات المتحدة الأميركية، وهو الموقف الذي طالما حاجج به ميرشايمر في مختلف أعماله وخاصة في عمله الكبير “مأساة سياسة القوى العظمى”(21).
وفي نفس سياق التحليل، نجد أن هذه الإستراتيجية وفقًا لمنظَّريْها الأساسييْن، والت وميرشايمر، تنقسم إلى قسمين: التوازن الداخلي: بمعنى عدم التدخل في حوكمة البلدان وتفويض الأمور إلى الجهات الفاعلة المحلية مع التدخل بشكل انتقائي فقط في حال وجود تهديد كبير من قوى أخرى(22). التوازن الخارجي: وهو عبارة عن تشكيل تحالفات إقليمية تكون قادرة على تحقيق التوازن الإقليمي، وأيضًا على احتواء التهديد الموجه ضد مصالح الولايات المتحدة الأميركية في مختلف مناطق العالم، كما هي الحال في منطقة المحيطين، الهندي والهادئ، مع التحالف الرباعي “كواد” (الهند وأستراليا واليابان وأميركا) الموجه ضد الصين. وهنا يُطرح السؤال: هل نجحت الولايات المتحدة الأميركية في سياستها لإعادة التوازن في أفغانستان؟
داخليًّا، ربما تكون الولايات المتحدة الأميركية فشلت في تحقيق التوازن الداخلي خاصة بعد فشلها في بناء شرعية حكم مستقر بديل لطالبان خلال مرحلة أشرف غني بالتحديد(23)؛ ذلك أن الولايات المتحدة قد بدأت تنفيذ خطتها لإعادة التوازن الأفغانية على المستوى الداخلي منذ سنة 2013، وهي السنة التي فُتح فيها باب المفاوضات المباشرة على خلفية تأسيس مكتب طالبان في الدوحة. وهنا نجد أن القيادة الأميركية قد اعتمدت في سبيل تحقيق هدفها المنشود على حتمية تحقق هدفين رئيسين، الأول: قدرة أشرف غني على إعادة بناء أفغانستان جديدة بمستويات تنموية عالية وطبقة متوسطة واسعة تحقق الحد الأدنى من الرفاه لشعب أفغانستان. ثانيًا: هو ما راهنت فيه الولايات المتحدة الأميركية على أن الضغط العسكري ضد طالبان قد ينعكس بشكل إيجابي على مسار المفاوضات، وبالتالي تحقق هدف إخراج طالبان من المشهد الأفغاني الجديد، وهو ما تظهر أحداث الانسحاب فشل الولايات المتحدة الأميركية في تحقيقه.
أما على المستوى الجيوسياسي الإقليمي، فقد أدى خروج الولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان ومن خلفها الجغرافية الأوراسية إلى توجه أنظار العديد من محلِّلي ومنظِّري العلاقات الدولية إلى دول إقليمية المفترض خوضها صراع التوازن المطروح حول أوراسيا ما بعد أميركا. ونحن هنا نتحدث عن الصين روسيا الهند باكستان وإيران، أو بمعنى آخر نحن نتحدث عن 5 دول أعضاء في مجموعة البريكس (كل المؤشرات تشير إلى أن باكستان ستكون عضوًا كامل العضوية في المجموعة)(24)، وهو ما يوضح موقف الولايات المتحدة الجديد وكيف أخطأت هذه الأخيرة في التوقيت والحسابات الإستراتيجية لحظة الانسحاب من أفغانستان؛ ذلك أن فشل إستراتيجية إعادة التوازن الأوراسية كان في اعتقادنا ناتجًا عن رهان خاطئ في تقديم الحساب الثقافي المدفوع بحتمية الصراع الإسلامي الهندوسي الكونفوشيوسي، ومن خلفه نجاح الإستراتيجية الأميركية على الحساب الواقعي كما سنوضح في الفصول التالية؛ وذلك بالتوازي مع بيان كيف أدى تقارب أطراف البريكس الأوراسية إلى عكس ميزان القوة في المنطقة عقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان.
صراع التوازن الأوراسي وفشل التحول الأميركي
تتولى الصين وروسيا قيادة التحالف الأوراسي، والدولتان تمثلان القوى التقليدية الأكبر نفوذًا تاريخيًّا في المنطقة، وهي التي عانت على مَرِّ تاريخها من التدخل الأميركي، التدخل الذي كان مدفوعًا دائمًا بهدف إفشال أي نوع من التكامل الجيوسياسي بين الدولتين الكبريين فيما عُرِف لدى المفكرين الإستراتيجيين بإستراتيجية كيسنجر. غير أن نجاح هذه الإستراتيجية، كان متوقفًا دائمًا على أهمية فشل التوافق والانسجام بينهما، وهو ما أصبحنا نعيش نقيضه اليوم، وذلك نتيجة التكامل الحاصل بين الدولتين بتأكيد التفاعل الايجابي الشامل في العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، التي كان آخرها المناورات البحرية المشتركة في بحر اليابان، في رسالة استهدفت فيها قوى التحالف هذه وجهة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في الإقليم الآسيوي، وهي التي تفيد بأن التحالف الصيني/الروسي قد تجاوز في تحالفه مرحلة التنسيق والتعاون الاقتصادي إلى مرحلة التهيؤ للدفاع المشترك. هذه الخطوة عَدَّها العديد من المحللين مفصلية في تحديد طبيعة وشكل النظام الدولي الجديد، لاسيما أن هذه الخطوة لم تكن من نتاج العدم بل هي نتيجة لتحولات كبرى سابقة شملت العديد من الاتفاقيات الإستراتيجية بين البلدين، بداية بصفقة توريد الغاز الطبيعي الروسي إلى الصين، سنة 2014، عبر خطوط أنابيب سيبيريا، في اتفاق يقضي بأن تزود من خلاله روسيا الصين بـ38 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا لمدة 30 عامًا بقيمة إجمالية قُدِّرت بأكثر من 4 مليارات دولار(25). وقد مكَّنت هذه الاتفاقية الصين من تأمين خط إمداد طاقي طويل الأجل ومستدام، يُسهم في تلبية الجزء الأكبر من احتياجاتها المحلية من الطاقة، وهو ما يعزز قدرتها التنافسية في الاقتصاد العالمي. وفي المقابل، وفرت الاتفاقية لروسيا فرصة الولوج إلى أحد أكبر أسواق الطاقة على المستوى الدولي، بعوائد مرتفعة؛ ما ساعدها على التخفيف من تداعيات العقوبات الغربية ودعم استقرارها الاقتصادي. وفي ذات سياق تحقيق الترابط الشامل بين البلدين، وقَّعت شركتا روسنفت الحكومية الروسية وشركة النفط الوطنية الصينية، سنة 2013، اتفاقًا بقيمة 270 مليار دولار، يقضي بأن تزود الأولى الثانية بإمدادات نفطية تصل إلى 365 مليون متر طن على مدى 25 عامًا بسعة تصديرية تقارب 300 ألف برميل يوميًّا(26). وتوضح هذه المديات الزمنية المشار إليها مدى عمق الشراكة الإستراتيجية الجديدة بين روسيا والصين، وكذلك تعد إشارة على قوة التحالف الأوراسي الجديد. أما على مستوى العلاقات الاقتصادية، فقد وقَّع البلدان، في مايو/أيار 2015، مجموعة من الاتفاقيات بقيمة إجمالية تصل إلى 25 مليار دولار والتي كان من أبرزها اتفاق فتح مصرف سبيرنيك الروسي لخط ائتمان بقيمة ستة مليارات يوان (366 مليون دولار) مع مصرف التنمية الصيني(27). وهو الربط الذي جاء في إطار الرد والتحدي ضد الدولار الأميركي ونظامه المالي.
وفي إطار تحقيق الترابط الجيوسياسي، فقد وقَّعت روسيا مع الصين عقدًا يهم بناء خط سكك حديد عالي السرعة يصل بين بيجين وأوروبا بالأراضي الروسية، على أن يكون جزءًا من خطة الحزام والطريق الصينية(28). إذن، وأمام هذه الاتفاقيات المجسِّدة لقوة التحالف القادم نجد وقوف العالم على حقيقة تشكل محور ثقل جديد في المنطقة الأوراسية، وهو محور يستهدف النزول بثقله الاقتصادي والعسكري والسياسي ضد الهيمنة الغربية في مختلف مناطق العالم، وتحديد الجغرافيا الأوراسية نقطة انطلاق. ولا نعتقد أن هناك حدثًا يمكن أن يجسد قيمة هذا التحالف الجديد وتأثيره الكبير على النفوذ الأميركي في الخارج أهم من الحرب الأوكرانية، الحرب التي ضرب فيها التحالف الروسي/الصيني كل المشاريع الغربية المستهدِفة لروسيا واستقرارها الإقليمي، ولاسيما ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية؛ حيث شهدنا كيف شكلت الصين ودول آسيا الوسطى منفذًا إستراتيجيًّا مهمًّا بالنسبة لروسيا لتجاوز هذه العقوبات، فضلًا عما رافق ذلك من تنامي الصادرات الصينية نحو دول آسيا الوسطى خاصة في مجال التقنيات المقيدة وذات الاستخدام المزدوج مثل الطائرات بدون طيار التي كانت وجهتها النهائية موسكو عبر هذا الطريق لإعادة الشحن. ووفقًا للإحصائيات التجارية الصينية الرسمية فقد نمت صادرات الصين إلى كازاخستان من السلع ذات الاستخدام المزدوج المستهدفة بالعقوبات بنسبة 64% عن مستويات ما قبل 2022؛ حيث اشترت كازاخستان -على سبيل المثال- طائرات بدون طيار بقيمة 5.9 ملايين دولار من الصين وصدَّرت إلى روسيا 2.7 مليون دولار من قيمتها(29). كذلك الأمر بالنسبة لجورجيا التي أصبحت بعد 2022 أحد أهم مصدِّري السيارات إلى روسيا.
كما أن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل ان دول آسيا الوسطى قد لعبت كذلك دورًا كبيرًا في احتواء جزء مهم من البطالة الروسية خاصة فيما يتعلق بمهن التقنيات المتقدمة؛ حيث شهدنا بعد الحرب شكلًا من الهجرة العكسية من روسيا إلى دول آسيا الوسطى وذلك سعيًا نحو تحقيق استفادة متبادلة، ودعم التصنيع المحلي مقابل إعادة الشحن إلى روسيا(30)؛ وهو موقف يوضح قيمة التحول الإستراتيجي الروسي في العلاقة الجديدة مع محيط الشرق الإقليمي؛ العلاقة التي أصبحت تمثل انتماء بديلًا إلى عالم جديد خارج سيطرة الغرب ونفوذه. هذا النظام الذي تقوده الصين بشكل مشترك مع روسيا أصبح الآن يشكل خطرًا فعليًّا على الولايات المتحدة الأميركية والغرب عمومًا بتأكيد ما تعكسه تحركات هذا التحالف من داخل منظمة البريكس قطب النظام العالمي متوازن القوى، فهذه المنظمة التي انتقدها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مؤخرًا كونها تهدف -حسب تعبيره- إلى إسقاط النظام المالي العالمي السائد والدولار تحديدًا(31) قد أصبحت -وفق محلِّلي السياسة الدولية- تُقرأ في صيغة منظمة “المتحررين” من دول الجنوب ضحايا النظام العالمي الغربي ذي الخلفية الاستعمارية وأن هذه المنظمة أضحت مجالًا للتعبير عن رفض النظام العالمي القائم تحت عنوان التعددية(32). لكن السؤال الجوهري هنا هو: كيف نجحت قوى التحالف في إعادة تشكيل المنطقة الأوراسية بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان؟
إن السياسة بطبعها تكره الفراغ، ولأن اللعبة الإستراتيجية هي عبارة عن صراع دائم ضد الفراغ في سبيل احتوائه، فقد ذهبت قوى التحالف الأوراسي الجديد إلى محاولة الاستفادة من الخروج الأميركي من المنطقة سعيًا نحو تحقيق هدف جعل الخروج اللحظي يتحول إلى خروج دائم، تحقيقًا لمبدأ أوراسيا للأوراسيين. لقد تحركت كل من الصين وروسيا لدعم أفغانستان وقيادتها الجديدة بعد الانسحاب الأميركي مدركين بذلك مركزية كابول الجديدة في صراع القوة العالمي؛ حيث نجد تحرك الصين السريع والمباشر مغريةً القيادة الأفغانية بعقود ومساعدات كبرى وتاريخية في العلاقة بين البلدين، وتعهدت بتقديم 250 مليون دولار مساعدات لإعادة الإعمار(33). كما عملت بيجين في نفس السياق على تعزيز العلاقة الاقتصادية مع أفغانستان تحقيقًا لهدف دعم القيادة الأفغانية الجديدة ومساعدتها على مواجهة التحديات الداخلية التي قد تؤثر على مستقبلها في الحكم وبالتالي على مستقبل المنطقة ككل. وقد ارتفعت الصادرات الصينية إلى أفغانستان -بعد الانسحاب الأميركي- من 19 مليون دولار إلى 50 مليون دولار مقابل صادرات باتجاه الصين بقيمة 64 مليون دولار خالية من التعريفات الجمركية بنسبة 100% حسب ما جاء به السفير الصيني لدى أفغانستان على منصة إكس(34).
ولأن أفغانستان تُعد أحد أهم الحلول بعيدة المدى بالنسبة للصين على مستوى المعادن النادرة والتي قدرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركي بقيمة تريليون دولار، فقد وقَّعت القيادة الأفغانية الجديدة عقدًا مع الصين بقيمة 4.4 مليارات دولار، وهو الذي يهدف إلى تطوير حقل نحاس “ميس إيناك” الواقع في ولاية لوغار، هذا إلى جانب فوزها بمناقصة التنقيب عن النفط في حوض “أمودارايات” شمال أفغانستان بشكل رفعها لأن تكون أكبر مستثمر أجنبي داخل البلاد(35). وفيما يتعلق بمواجهة القضايا الأمنية العالقة بين البلدين، خاصة قضية الأيغور والجماعات المسلحة التي تستخدم أرض أفغانستان ضد الصين، فقد أعربت بيجين بشكل مستمر عن عدم ارتياحها لوجود هذه الجماعات داخل أرض أفغانستان، كونها تشكل تهديدًا قوامه بين 400 و700 مقاتل ينشطون على حدود الأراضي الصيني، وفي ذلك رَدَّ ذبيح الله مجاهد بأن أفغانستان لن تسمح لمزيد من الانفصاليين الأيغور القادمين من الصين باللجوء إلى البلاد(36). وهو التحرك الذي كان يعادل في نظر الكثيرين إنشاء قاعدة عسكرية صينية داخل أفغانستان؛ ذلك أن التهديد الأكبر الذي يمكن أن يهدد استقرار الصين هو ما يتجسد أساسًا في الجماعات الإرهابية الحدودية هذه وهي التي يتوقف فيها مستقبل المنطقة على مدى نجاح أفغانستان في مواجهتها.
وفي ذات سياق التأكيد على أهمية القضية الأفغانية في المستقبل الأوراسي، أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سنة 2021، في اجتماع لرؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، على ضرورة العمل مع الحكومة الأفغانية المؤقتة التي شكَّلتها طالبان((37، وكانت روسيا آنذاك تبحث لنفسها عن تطوير مساحتها من بحر البلطيق إلى المحيط الهادي بحيث تكون القوة الأولى في أوروبا بأكملها(38). فهي ملزمة إذن وبحكم التاريخ بضرورة إعادة أفغانستان إلى الحضن الروسي وعلى إعادة تأكيد نفوذها داخل هذه الدولة، وهو ما تم فعلًا من خلال الاعتراف الرسمي بحكومة طالبان حكومةً شرعيةً لإمارة أفغانستان. هذا فضلًا عن الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين والتي فتحت باب التكهن حول إمكانية إبرام اتفاقيات اقتصادية وأمنية مستقبلًا. وفي مقابل هذه الخطوات، جاء نظيرها الأفغاني مطمئنًا لروسيا حول مستقبل العلاقات الأفغانية-الأوراسية مؤكدًا انتهاء زمن عدم الاستقرار الأفغاني، في إشارة مباشرة من القيادة الجديدة إلى أن أفغانستان قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاستقرار الشمالي لأوراسيا، وهو وعد صرَّحت به القيادة السياسية الأفغانية خلال لقاء وزير خارجية روسيا والصين بتأكيدها أن النضال الأفغاني لن يتجاوز حدود أفغانستان(39).
العلاقات الإقليمية لأفغانستان
أما فيما يتعلق بالعلاقات الأفغانية الإقليمية فنجدها هي أيضًا تسير في نفس سياق الوحدة الأوراسية وضد المصلحة الأميركية والمسار الذي رسمته واشنطن بعد الانسحاب، خاصة مع إيران التي قال وزير خارجيتها، عباس عراقجي: “إن فصلًا جديدًا قد فُتِح في العلاقات مع أفغانستان”(40). وكان من بين مظاهر ذلك ارتفاع أرقام المعاملات الاقتصادية بين البلدين؛ حيث وصل حجم التجارة الرسمية بينهما إلى أكثر من 4 مليارات دولار كاسرًا بذلك سقف 2 مليار دولار طويل الأمد(41). وفي ذلك، يقول المتحدث باسم وزارة التجارة الإيرانية عبد السلام جواد: “إن صادرات إيران غير النفطية إلى أفغانستان قد وصلت العام الماضي إلى أكثر من 3 مليارات دولار محققة نموًّا بنسبة 8% عن العام السابق”(42). وفي نفس السياق الصيني، تتوقع إيران أيضًا من أفغانستان وضع حدٍّ لكل المشاكل التي يمكن أن تتحول إلى نقط اشتعال بين البلدين وخاصة التهديدات الإرهابية للجماعات المسلحة في سيستان وبلوشستان وهما اللتان تعمل القيادة الأفغانية الجديدة في أفغانستان على ضبطهما43)).
أما على المستوى الجيوسياسي الإقليمي، فقد لاحظنا كيف ذهب التحالف في محاولته ربط القوى الإقليمية بالإستراتيجية الأوراسية الكبرى في الإقليم وجعلها شريكًا أساسيًّا في هذا التحول، سواء أَتَمَّ ذلك من خلال العلاقات المباشرة بين البلدين أو من خلال المنظمات متعددة الأطراف. وهنا نشير إلى نقطة أن تجاوز الإستراتيجية الأميركية في إعادة التوازن وفوضى التفكيك كان يقتضي بالضرورة إشراك البيئة الإقليمية، وهو ما نجح التحالف في تحقيقه بالفعل لاسيما من خلال ربطه إيران الدولة الأكثر نشاطًا وأهمية بالنسبة للتحالف الصيني/الروسي بالمشروع الأوراسي. وقد جعل هذا الضم بعض المحللين يذهب في تعريفه لطهران إلى أنها الضلع الثالث في المثلث الأوراسي الجديد أو مثلث بريماكوف الجديد، بتعبير المحلِّل الجيوسياسي، بيبي إسكوبار(44). وفي هذا أيضًا، نجد ذهاب التحالف الصيني/الروسي إلى استغلال التوتر في العلاقة الأميركية-الإيرانية، ليقوم بربط إيران في علاقات إستراتيجية طويلة الأمد بلغت في مراحلها الأخيرة حدَّ التنسيق العسكري المشترك، وذلك في استشراف لإمكانية تعهد الدفاع العسكري المشترك بين الأطراف الثلاثة: الصين وروسيا وإيران، وهي الإمكانية التي بدأت تتعزز بعد الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الأخيرة نتيجة للدعم المهم الذي قدمته الصين وروسيا لإيران سواء خلال مرحلة الحرب أو بعدها، وذلك كما أكدته المفاوضات العسكرية الأخيرة بين هذه الأطراف، والتي شملت احتمالية إبرام صفقة مقاتلات j-10c، الصفقة التي تحصل بموجبها إيران على 50 طائرة مقاتلة متطورة من الجيل الخامس وذلك في خطة تهدف إلى دعم وتقوية سلاح الجو الإيراني(45).
كما أبرمت إيران وروسيا في نفس سياق الدعم، وبهدف تعزيز نظام دفاعها الجوي، صفقة تمكِّن إيران من الحصول على نظام الدفاع الجوي S400 الروسي المتطور(46)، وهو الدعم الذي قُرئ في حينه على أنه إشارة من الصين وروسيا إلى أهمية ومكانة إيران في المثلث الأوراسي الجديد، وهي المكانة التي ترجمت قيمتها الكبرى من خلال الصفقات الإستراتيجية الشاملة الموقعة بين الأطراف سواء بين الصين وإيران في الإستراتيجية الشاملة لسنة 2020 لمدة 25 سنة بإجمالي قيمة 400 مليار دولار(47) أو بين روسيا وإيران، سنة 2025، لمدة 20 سنة، وهي التي غطَّت أكثر من 30 مجالًا للتعاون، من السياسة والاقتصاد إلى التكنولوجيا والأمن(48).
وتحرَّك هذا التعاون نحو أبعاد جديدة خاصة بين إيران وروسيا مثل ما تم إبرامه من اتفاق لربط النظام المصرفي للبلدين، وهو الذي أعلن من خلاله البنك المركزي الإيراني، في فبراير/شباط 2023، عن توقيع اتفاق مع نظيره الروسي لربط نظام الرسائل المالية الإلكترونية بين البلدين وذلك لهدف تسهيل العلاقات المالية بينهما بعيدًا عن العقوبات الغربية. مؤكدين في ذات السياق أن نظام المراسلة المالية الإلكترونية التابع لإيران (سيام) والنظام المماثل لروسيا (selfs) قد أصبحا الآن مرتبطين؛ وهو ما سيمكِّن وفقًا لما جاء به محسن كريمي، نائب محافظ البنك المركزي الإيراني للشؤون الدولية، من “ربط نحو 700 بنك روسي بـ106 بنوك غير روسية” من 13 دولة مختلفة بهذا النظام(49).
الهند-باكستان: كيف يتحول الانسحاب الجزئي إلى انسحاب كامل؟
يتوقف المشهد الأوراسي الجديد على طبيعة العلاقات الهندية-الباكستانية التي تشكِّل أحد العناصر المهمة في توفير فرص إحياء النفوذ الأميركي في المنطقة بعد الانسحاب من أفغانستان، وهو ما يمثل أحد أبرز عناصر التقرب السياسي الأميركي في تلك المنطقة. إن الولايات المتحدة بقفزاتها من التحالفات الدفاعية الثنائية ومتعددة الأطراف مع الهند في منطقة المحيطين، الهندي والهادئ، إلى عقاب التعريفات الجمركية على الهند، ثم في نقيضها من العقوبات على باكستان إلى استقبال رئيس الأركان، المشير عاصم منير، في البيت الأبيض بحفاوة كبيرة، يُقرأ فيها محاولة واشنطن تسطير فصل جديد في سياستها الخارجية تجاه أوراسيا؛ ما يجعل من التركيز على هذين الحدثين أساس التساؤل الجوهري في القراءة الجديدة، هل تستطيع الولايات المتحدة تدارك أزمة الانسحاب بخلق نفوذ جديد من داخل فجوة العلاقات الباكستانية-الهندية؟ تُظهر نتائج الأحداث واللقاء الأميركي-الباكستاني الأخير حقيقة أن باكستان قد تشكِّل بالفعل فرصة لواشنطن في أوراسيا. وذلك بعد الانفتاح الأميركي الأخير على إسلام أباد بفتح فرص ومحادثات تجارية حول الاستثمار في المعادن والنفط. وحسب وكالة رويترز، فقد أجرت الولايات المتحدة وباكستان مفاوضات تجارية في منتصف عام 2025، لاستكشاف مشاركة مستثمرين أميركيين في مشاريع معدنية كبرى (رينو ديك) وصفقات طاقة(50). ليس واضحًا بعد المدى الذي يمكن أن يبلغه مثل هذا التعاون، وما إن كان سيكون مهدِّدًا لنفوذ الصين، لاسيما في مجال هيمنة المعادن الصينية؛ حيث تتمتع باكستان بثروات معدنية هائلة من الذهب والنحاس وبعض العناصر الأرضية النادرة مثل الأنتيمون والتنغستين(51). كما أن المبادرة الباكستانية التي تهدف إلى تمكين الولايات المتحدة من تطوير ميناء بحري عميق جدًّا في باسني بموقع إستراتيجي يحد حزام بلوشستان المعدني وقريب من ساحل العرب وعلى بعد 100 كيلومتر تقريبًا عن ميناء جوادر(52)، يضع الولايات المتحدة أمام فرصة إستراتيجية كبرى قد تساعدها في تحقيق هدف إحياء النفوذ في جنوب آسيا وبالتالي مواجهة الصين وإيران، لكن مثل هذه الاستنتاجات تبقى أولية بسبب الطبيعة الخاصة والمتقدمة للعلاقات بين باكستان والصين، وحدود قدرة إسلام أباد على بناء علاقة متوازنة بين الدولتين الكبيرتين، الولايات المتحدة والصين، دون أن تكون طرفًا في الصراع الإستراتيجي بينهما.
ويفسر معوض يوسف، المساعد الخاص لرئيس الوزراء السابق عمران خان، هذا الوضع بقوله إن بلاده قد حوَّلت تركيزها في العلاقة مع واشنطن من النموذج الحصري للأمن إلى نموذج “الأمن الاقتصادي”؛ وبالتالي تحقيق هدف تحويل باكستان إلى بوتقة انصهار جيواقتصادية تعزز النمو الاقتصادي والربط الإقليمي في الجغرافيا الآسيوية؛ حيث لم تعد باكستان تسعى إلى تطوير قواعد عسكرية لواشنطن، بل تهدف إلى توفير قواعد اقتصادية(53). قواعد تحقق المنفعة الباكستانية في تنويع شركائها الاقتصاديين والخروج من أزمات عقود ماضي الاحتلال الأفغاني، وهو ما أصبحنا نعيش على واقع تحليله من خلال تفسير مذكرة التفاهم حول المعادن، وكيف أصبح الاهتمام الباكستاني ينصب على محاولة تحقيق مكاسب طويلة المدى تضمن لهذه الأخيرة تكرير ومعالجة المعادن النادرة داخل القواعد الصناعية الباكستانية.
ووفق هذه المعطيات، تبدو صيغة التقارب الباكستاني-الأميركي الأخير ذات بُعد تكتيكي تعاقدي محدد بأجندات نفعية قصيرة المدى، أجندات تحقق الاستفادة لكلتا الدولتين بعيدًا عن التحالف أو الثقة تفاديًا لأخطاء الماضي القريب؛ وذلك بما ينسجم وتوصية الجنرال ضياء الحق بقوله: “أنْ تكون حليفًا للولايات المتحدة أشبه بالعيش على ضفاف نهر هائل.. كل أربع أو ثماني سنوات يغيِّر النهر مجراه وقد تجد نفسك وحيدًا في الصحراء”(54). وقد تكون العلاقة الخاصة مع الصين سببًا مهمًّا لتحديد انخراط باكستان في التحالف الأوراسي، بعدما أصبحت العلاقة بين البلدين نموذجًا للتحالفات الإستراتيجية، وهو ما تعمَّق بإطلاق الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPFC)(55) (بتكلفة أصيلة تقدر بـ62 مليار دولار)، فضلًا عن الحضور الاقتصادي لبيجين في مشاريع تطوير البنية التحتية والطاقة سعيًا لتحقيق هدف ربط القاعدة الصناعية في شينجيانغ ببحر العرب عبر ميناء جوادر بوصفه سيشكل الممر البديل لمضيق ملقا الذي يمر عبره ما يقارب 80% من وارداتها من النفط الخام في الشرق الأوسط(56).
أما على الصعيد العسكري، فإن التعامل مع إسلام أباد أضحى يمثل تعاونًا أكثر تقدمًا يشمل نقل أنظمة أسلحة متطورة مثل الغواصات التي تعمل بالديزل والكهرباء والفرقاطات طراز 054Aوأنظمة الصواريخ أرض/جو طراز HQ-16A إلى باكستان، فضلًا عن برامج تطوير أسلحة مشتركة مثل الإنتاج المشترك لطائرات JF-17 المقاتلة، وكذلك التعاون في تطوير منصات الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية(57). وسيكون من الأمور شديدة الحساسية إمكانية استخدام البحرية الصينية لميناء جوادر الباكستاني، وهو ما سيجعل القدرات العسكرية الصينية على مقربة لأول مرة من مضيق هرمز ومنطقة الخليج حيث يكمن جزء أساسي من واردات الصين من الطاقة. إن من شأن الوجود البحري الصيني في جوادر أن يسهِّل توسيع عمليات بحرية للجيش الصيني(58)، وهو هدف أصبح يشكِّل عنوان الصراع الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين في جنوب آسيا: ميناء جوادر مقابل مشروع ميناء باسني.
العلاقات الأميركية-الهندية
دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والهند أزمة ثقة بعد شهور قليلة من تولي الرئيس دونالد ترامب مهامه، بالرغم من وجود تحالف إستراتيجي طويل المدى. ظهرت الأزمة في العلاقات بعدما فرض الرئيس ترامب رسومًا جمركية كبيرة على الهند بسبب عدم امتثالها لطلب واشنطن وقف استيراد النفط من روسيا. وقد وصف ترامب الوضع الجديد للعلاقات بقوله: “إننا نعقد اتفاقية مع الهند، اتفاقية مختلفة تمامًا عمَّا عقدناه في الماضي. لذا، فهم الآن لا يحبونني لكنهم سيحبوننا مجددًا”(59). هذه العبارة “سيحبوننا مجددًا” لم تخلُ من إيحاءات باستخدام النفوذ وبعودة للعلاقات ستكون مشروطة بالامتثال(60).
قد يكون صعبًا تصور امتثال الهند في الأفق القريب للمطالب الأميركية، إلا أنه من غير المتوقع أن يؤثر ذلك إستراتيجيًّا على العلاقة العميقة بين البلدين؛ حيث تتضمن اتفاقيات إستراتيجية ثنائية ومتعددة الأطراف وذات عمق ثابت، مثل اتفاقية الأمن العام للمعلومات العسكرية عام 2002، واتفاقية تبادل المعلومات العسكرية عام 2016، واتفاقية التعاون العسكرية عام 2018، واتفاقية التعاون الاقتصادي عام 2020(61)، واتفاق إطار دفاعي مشترك لمدة 10 سنوات عام 2025(62). إلا أن هذه العلاقة وبالرغم من رسوخها، لم تخرج على مَرِّ تاريخ تطورها عن إطار الندية، التي هي مصدر الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة والهند.
وفي ذات سياق التحول ونتيجة لإدراك الرئيس شي أن القطيعة مع الهند قد تشكِّل عاملًا مساعدًا في تقويض مستقبل التكتل الأوراسي، وأيضًا في تعزيز التقارب بين الهند والولايات المتحدة، سارعت بيجين إلى إعادة ضبط العلاقات مع نيودلهي متجاوزة الخلافات التاريخية، في تطور يسير وبشكل منسجم مع منطق الدراسة ومع تحولات مشهد اللقاءين الأخيرين بين شي ومودي على خلفية قمتي البريكس وشنغهاى، اللتين كانت لهما نتائج إيجابية في ضبط هذا التقارب، لاسيما بعد اتفاق البلدين على فكِّ الاشتباك العسكري على حدودهما المتنازع عليها أواخر العام الماضي(63)، وكذلك في اتخاذ خطوات لاستئناف الرحلات المباشرة بين البلدين بعد توقف دام خمس سنوات، هذا إلى جانب التحرك المشترك في المنظمات متعددة الأطراف، بريكس وشنغهاي. وقد دفع هذا التقارب روسيا أيضًا إلى المبادرة بإحياء دعوة الترويكا بدفع الهند إلى تعزيز التعاون المشترك في سبيل بعث هذا التكتل الأوراسي(64)، وهي الدعوة التي يمكن أن تساعد الهند في دعم موقفها المستقل عن القرار الأميركي بما يجعلها أقرب إلى الصيغة التحالفية الأوراسية.
إذن وبعد استيعاب الولايات المتحدة الأميركية لعمق التحولات الأوراسية الناتجة عن تغول النفوذ الصيني/الروسي في المنطقة، وعلى أمل تدارك أزمة التراجع المدفوع بالانسحاب من أفغانستان، أخذت واشنطن مسارًا إستراتيجيًّا خاصًّا دفعت من خلاله وتيرة الحرب الجيوسياسية ضد الأطراف الأوراسية إلى حدِّها الأقصى. ذلك أن الإدراك الأميركي لتصاعد قوة التحالف الأوراسي الجديد وتحديدًا من خلال منظمتي البريكس وشنغهاى وما أصبح يشار إليه بالنظام العالمي الموازي أصبح يفرض على واشنطن هذا التحرك، وأنه لا سبيل إلى إضعاف التكتل الأوراسي إلا من خلال إحداث نوع من الفجوة في العلاقة بين الصين وروسيا وباكستان والهند وفقًا لخطة: أولًا: التقرب الاقتصادي من باكستان في سبيل إضعاف اعتمادها على الصين، ثانيًا: الضغط على الهند لإخضاعها للموقف الأميركي.
غير أنه وعلى خلاف الرغبة الأميركية، يبدو أن هذه القوى لم تقدم لواشنطن ما أرادت، وتحديدًا بعد رفض كلٍّ من الهند، وروسيا، والصين، وباكستان، وأفغانستان، وإيران أي تجدُّدٍ للنفوذ الأميركي في المنطقة عقب مشاورات صيغة موسكو بشأن أفغانستان، 2025، مؤكدين في السياق ذاته أن مطالبة ترامب باسترجاع قاعدة باغرام وهمية ومجنونة وغير واقعية(65).
أفغانستان بين الهند وباكستان وأزمة العمق الإستراتيجي
تسيطر مجموعة من العقد التاريخية والجيوسياسية على مسار العلاقات الباكستانية-الأفغانية، فما زالت إسلام أباد تنظر إلى حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بمنظار الحركة التي تأسست وتدربت وتشكلت داخل الجغرافيا الباكستانية، وكذلك إلى تعقيدات تاريخية تتعلق بقضية الحدود تعود إلى فترة الاستعمار البريطاني للهند. يقابل ذلك تعامل حكومة طالبان بمنطق المصالح مع بعض القوى الإقليمية المحيطة وأبرزها الهند والصين وإيران، وقد كانت زيارة وزير الخارجية الأفغاني، أمير خان متقي، إلى نيودلهي في نفس الوقت الذي جرى فيه وقف إطلاق النار مع باكستان بعد المواجهات المسلحة، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، على خلفية النزاع الحدودي. كانت زيارة الوزير الأفغاني للهند تعبيرًا صريحًا من كابل على شكل الدبلوماسية الجديدة في تنويع الشركاء الإقليميين بالاستناد إلى مصلحة الدولة. وقد حققت أفغانستان على أعقاب هذه الزيارة هدفها الدبلوماسي المأمول بدفع الهند إلى الرفع من تمثيلها الدبلوماسي داخل أفغانستان إلى مستوى سفارة(66)، وتلا ذلك الشروع في محادثات تمهيدية بشأن تعزيز التبادل التجاري، خلال زيارة وزير التجارة الأفغاني إلى الهند، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وخلال الزيارة، عرضت الحكومة الأفغانية مبادرة لحزمة شاملة من الحوافز للمستثمرين الهنود، تشمل إعفاء ضريبيًّا لمدة 5 سنوات للصناعات الجديدة ورسومًا رمزية بنسبة 1% على استيراد الآلات والمواد الخام وتسهيلات في الوصول إلى الأراضي، كما تم تحديد قطاعات: التعدين والطاقة والتوابل والشركات كقطاعات ذات أولوية في التعاون(67).
ولأن المصلحة الأكبر للهند تتمثل في الوصول إلى أسواق وطاقة آسيا الوسطى، فإنها ترى في أفغانستان طريقًا أصيلًا في خطوة الربط الهندية الآسيوية، ولهذا السبب تحديدًا عزَّزت الهند من استثمارها في ميناء تشابهار في إيران؛ ذلك أن تحسين العلاقات مع كابل قد يؤدي إلى زيادة أكبر في حجم التجارة بين البلدين عبر هذا الطريق، لاسيما بعد إغلاق معبر أتاري-واجاه الحدودي بين باكستان والهند من جهة(68) وإغلاق المعابر التجارية الباكستانية-الأفغانية من جهة أخرى. وفي الحصيلة، ستحقق الهند غاية الالتفاف عبر بديل جيوسياسي مهم في مواجهة باكستان، وسيتحقق في المقابل لأفغانستان الفرصة للانفتاح على بدائل أخرى تعزز من خياراتها الاقتصادية في الاندماج الإقليمي بعيدًا عن باكستان الحليف التقليدي.
تبدو هذه التحولات وكأنها جاءت على حساب إسلام أباد، التي سبق واعتبرت أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان حقق لها مكسبًا جيوسياسيًّا في جنوب آسيا في مواجهة الهند. وفي حينه، اعتبر رئيس الوزراء السابق، عمران خان، “أن الهند هي الخاسر الأكبر من الانسحاب الأميركي”(70). وتُرجع إسلام أباد السبب في تأزم علاقاتها مع أفغانستان إلى احتضانها الجماعات المسلحة المعادية لباكستان، وتحديدًا حركة طالبان باكستان (TTP)، وهي حركة مسلحة تستهدف الإطاحة بالنظام الباكستاني موجِّهةً لكابل اتهام رعاية هذه الحركة للإضرار بالأمن الباكستاني كجزء من حرب الوكالة المدفوعة من الهند، وهو ما تنفيه كابل في تأكيدها أن طالبان باكستان هي مشكلة إسلام أباد وأن طالبان لن تحارب نيابة عن أي طرف، وأن من يريد مواجهة الإرهاب عليه أن يحاربه داخل حدوده(71)، في إشارة إلى انتهاء قواعد العلاقة القديمة.
يمثل هذا التحول مرحلة انتقالية مهمة في إعادة تعريف العلاقة بين البلدين وفق قواعد جديدة، غير أن هذا لا يعني أن مشكلة طالبان باكستان لن تشكِّل معضلة للاستقرار الإقليمي بل إن لها أبعادًا قد تحوِّل الصراع إلى حرب شاملة، نتيجة لارتباطها بالنزاع التاريخي حول خط ديوراند الحدودي، وهو ما سيتطلب من إسلام أباد وكابول الجلوس على طاولة حوار تقودها قوى إقليمية رئيسية وأبرزها روسيا والصين، شبيهة بمبادرة الاجتماع الثلاثي في كابل بين أفغانستان وباكستان والصين، التي كانت لحظة مهمة في مناقشة تعميق التعاون الإقليمي بين البلدان الثلاثة بما في ذلك توسيع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني ليشمل أفغانستان، إلى جانب المشاريع الإقليمية المشتركة الأخرى مثل خط السكة الحديد بين أوزبكستان وأفغانستان وباكستان الممول من الصين(72). غير أن التوترات الأخيرة وما رافقها من ممارسات باكستانية ذات طابع ضاغط على كابل، من قبيل إغلاق المعابر التجارية وفرض قيود بيروقراطية على حركة البضائع عبر الموانئ، فضلًا عن توظيف ورقة اللاجئين، أضحت تشكِّل عوامل هدر سياسي بالغ الأثر في مسار العلاقة بين الجانبين، وبالتالي قد تتوسع معها فجوة التفاهم بينهما بما يدفع الحكومة الأفغانية إلى اتخاذ خطوات مغايرة في مسارات مختلفة، مثال ذلك الترحيب بالمشاركة في ممر “الشمال والجنوب” برعاية روسيا والهند وإيران(73).
وختامًا نقول: إن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه القراءة التحليلية ومن القراءات السابقة لشكل التحولات الإقليمية الأوراسية هو حقيقة أن الصراع الأفغاني-الباكستاني هو صراع أوراسي-أوراسي، صراع ضمن بيئة إقليمية متحركة مدفوعة بالبحث عن المصلحة بين الأطراف الإقليمية بعيدًا عن الولايات المتحدة الأميركية وأن هذه التحولات في حال ما اتخذت مسارًا إيجابيًّا تدرك من خلاله الأطراف أن كابل قلب الجغرافيا الأوراسية لها من الأهمية ما يجعلها تشكِّل مستقبل المنطقة كلما اتخذت هذه الأطراف سلوك مسار التقارب. ولهذا نقول إنه إذا كانت أفغانستان في السابق القشة التي فكَّكت الإقليم الأوراسي فإنها اليوم بعد الانسحاب الأميركي ستشكِّل المحرك البنيوي الذي سيربط خيوط شبكة التلاقي الاقتصادي والسياسي الإقليمي؛ مما سيؤثر لا محالة على اندماج الأطراف الكبرى ضمن المشروع الأوراسي الجديد بقيادة روسيا والصين، وخاصة إذا ما أسهم في تحقيق التقارب الباكستاني-الهندي بما يجعل من الانسحاب الجزئي الأميركي خروجًا دائمًا.
إحالات مفاهيمية:
- الهيمنة: يُستعمل المصطلح هنا بالمعنى الجيوسياسي وذلك للدلالة على التفوق المدفوع بفارق القوة لدولة ما على محيطها الجغرافي والقاري ومن خلاله على العالم. ويعد من أبرز منظِّريها جون ميرشايمر في كتابه “مأساة سياسة القوى العظمى”.
- إعادة التوازن: مفهوم التصق بالمدرسة الواقعية الجديدة في التفكير الإستراتيجي والتي نذكر من أبرز مفكريها المعاصرين جون ميرشايمر وستيفن والت وكذلك هنري كسنجر. ويحيل هذا المفهوم على السلوك الأميركي الجديد في التحرك الإستراتيجي من خلال توظيف آلية التوازن عن بعد، والتي إما أن تتخذ شكلًا داخليًّا يضمن التوازن بين القوى الفاعلة محليًّا، أو أن تتخذ شكلًا خارجيًّا يؤسس للتوازن الإقليمي بين القوى الفاعلة بشكل يمنع معه تمكين أحد الأطراف من الهيمنة الإقليمية.
- النظام الدولي الجديد: دائمًا ما يكون هذا المفهوم مرافقًا للتحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تضبط العلاقات بين الدول في صراع القوة والهيمنة، وهي التي إما أن تنتهي باتخاذ شكل التوازن كما حصل تاريخيًّا بعد مرحلة 1815 إلى حدود سنة 1945، أو باتخاذ شكل القطبية الثنائية في صراع القوتين كما حصل خلال مرحلة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية، أو أن تنتهي إلى اتخاذ شكل القوة الواحدة ذات الهيمنة الأحادية الكلية على النظام العالمي وذلك كما عايشناه في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.
- الجغرافية الأوراسية: مفهوم برز مع أحد أهم مفكري الجغرافية السياسية “ماكيندر”، ونظريته حول أوراسيا قلب العالم، ذاهبًا في تحليله النظري إلى أن من يتحكم في أوراسيا يتحكم في العالم، وقد أصبحت هذه النظرية وهذا المفهوم موضع توظيف متعدد من قبل كبار المفكرين الجيوسياسيين كألكسندر دوغين. أما في سياق البحث والدراسة فقد اعتمدنا توظيف المفهوم للدلالة على التطورات الجيوسياسية والجيواقتصادية بين مكونات الإقليم الأوراسي، الصين وروسيا ودول شرق ووسط وجنوب شرق آسيا.
- الشرق الأوسط الجديد: أصبح هذا المفهوم دارجًا بشكل كبير في أدبيات العلوم السياسية والإستراتيجية، وذلك في الدلالة دائمًا على التغيير في مبادئ العلاقة ما بين الإمبريالية، خاصة أن المفهوم الأصل فيه إمبريالي؛ حيث وُظِّف أول مرة من طرف وزيرة الخارجية الأميركية، كوندليزا رايس، عام 2006، وذلك عندما تحدثت عن “شرق أوسط جديد” في سياق الديمقراطية التدخلية والتغيير من الخارج. أما التوظيف البحثي المعتمد في هذه الدراسة فقد استُخدم للدلالة على شرق أوسط إعادة التوازن، وذلك في إحالة على الوضع الإستراتيجي الجديد الذي تكون فيه المنطقة خارج النفوذ الأميركي.
المراجع
(1) Wechsler, W. F, US Withdrawal From the Middle east: Perceptions And Reality, 2019, In K. Mezran, & A. Varvelli (Eds.), The Mena Region: A Greater Power Competition. Ledizioni Ledi Publishing by ispi & Atlantic Council, pp. 28-29
(2) John J. Mearsheimer, The Inevitable Rivalry America, China, and the Tragedy of Great-Power Politics, Foreign Affairs , 19/10/2021 (accessed on 4/09/2025): https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2021-10-19/inevitable-rivalry-cold-war
(3) Michael A. Peters, ‘Declinism’ and Discourses of Decline – The End of The war in Afghanistan and The limits of American power, Educational Philosophy and Theory,55 No 14, 2021: 1591–1598, p.6
(4) Michael Hirsh, The Lessons Not Learned From Iraq, foreign policy, March 17, 2023, (accessed 30 april 2025): https://foreignpolicy.com/2023/03/17/iraq-war-anniversary-lessons-bush-biden-afghanistan/.
(5) Michael A. Peters, ‘Declinism’ And Discourses Of Decline ,Op.cit p6
(6) John J. Mearsheimer, Bound To Fail The Rise and Fall of the Liberal International Order, International Security, Vol. 43, No. 4 2019 , p.11
(7) جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة مصطفى محمد قاسم، النشر العلمي والمطابع، جامعة الملك سعود، الرياض، 2012، ص4 .
(8) Scott Burchill, Theories of International Relations, Palgrave Macmillan , 2005 , p. 16-17
(9) Michael A. Peters, ‘Declinism’ and discourses of decline. Op.cit.
(10) Dalia Dassa Kaye, America Is Not Withdrawing From the Middle East, Foreign Affairs, 12/01/2021, ( accessed on 8/05/2025): https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2021-12-01/america-not-withdrawing-middle-east.
(11) Nasimov Sunnatillo Valijonovic, The Situation in Afghanistan After The Withdrawal Of US Troops And Its Impact on Regional Security , ijssir journal (2022), Vol. 11, No. 05.
(12) Mitch McConnell, The Price of American Retreat: Why Washington Must Reject Isolationism and Embrace Primacy, Foreign Affairs, 16/12/2024, (accessed on 20/05/2025): https://www.foreignaffairs.com/united-states/mitch-mcconnell-price-american-retreat-trump.
(13) Muayyid Rasooli, Mohammad Ekram Yawar, Muhammad Qasim Shaiq, The Accelerated Military Withdrawal of the United States from Afghanistan and its Turn to East Asia: Changing the Path of Forced and Political Hegemony , The Asian Institute of Research Law and Humanities Quarterly Reviews, , Vol.3, No.1 (2024): pp.82-96.
(14) Muhammad Ishaque Khan, Adeel Irfan, Aneel Waqas Khan, Retreat of an Empire or End of an Era; Aftermath of US Withdrawal from Afghanistan, Competitive Social Science Research Journal, 2 No 3, (2021): pp.92-105.
(15) Russell A. Berman, In Retreat: America’s Withdrawal from the Middle East, Hoover Institution Press Publication 2014.
(16) Amin Kiani Haftlang, Hamed Mohaghignia,Hossein Karimifar, Fereydoun Akbarzadeh, The geopolitical consequences of America’ withdrawal from Afghanistan in the political space of West Asia, Journal of Geography, Vol.21, No.78 (2023).
(17) Arifa Akbar, Bush tells Iran: You are either with us or against us, Independent , 11/01/2002, (accessed on 6/09/2025): https://www.independent.co.uk/news/world/americas/bush-tells-iran-you-are-either-with-us-or-against-us-9234364.html.
(18) Muhammad Ishaque Khan, Adeel Irfan, Aneel Waqas Khan, Retreat of an Empire or End of an Era, Op.Cit. p2.
(19) Michael A. Peters, ‘Declinism’ and discourses of decline, Op.Cit. p5
(20) John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt, The Case for Offshore Balancing, Foreign Affairs , 13/06/2016 , (accessed on 22/07/2025): https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2016-06-13/case-offshore-balancing.
(21) جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، مصدر سابق، ص5-6.
(22) John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt, The Case for Offshore Balancing, Op.Cit.
(23) أشرف غني، الرئيس الرابع عشر لجمهورية أفغانستان، انتُخب لولايتين متتاليتين، من سبتمبر/أيلول 2014 إلى أغسطس/آب 2021، سنة الاستقالة والهروب من أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان على السلطة. لتكون تلك اللحظة نهاية لمسار سياسي طويل شغل فيه أشرف غني العديد من مناصب السلطة المختلفة، سواء كمستشار للرئيس كرزاي أو كوزير للمالية في أفغانستان، 2002، وكذلك كمستشار لجامعة كابل، سنة 2004.
(24) علي أبو مريحيل، بيجين تتطلع إلى انضمام باكستان لمجموعة “بريكس”، العربي الجديد، 23 سبتمبر/أيلول 2024 (تاريخ الدخول: 6 سبتمبر/أيلول 2025)، : https://shorturl.at/UExxF
(25) عبد الله العقرباوي، التقارب الصيني الروسي في مواجهة أميركا.. هل يتطور إلى تحالف؟، الجزيرة نت، 27 مارس/آذار 2021 (تاريخ الدخول: 5 مايو/أيار 2025)، : https://shorturl.at/PVJPb
(26) “اتفاق نفط روسي صيني بـ270 مليار دولار”، الجزيرة نت، 21 يونيو/حزيران 2013 (تاريخ الدخول: 5 مايو/أيار 2025)، https://shorturl.at/8tgWY
(27) “روسيا والصين توقعان اتفاقيات بـ25 مليار دولار”، الجزيرة نت، 8 مايو/أيار 2015 (تاريخ الدخول: 6 مايو/أيار 2025)، https://shorturl.at/f18LT
(28) المرجع السابق.
(29) Alexander Cooley, Russia’s Hidden Empire , Foreign Affairs, April 16, 2025, , (accessed 17 april 2025): https://www.foreignaffairs.com/central-asia/russias-hidden-empire.
(30) Ibid
(31) Ismail Shakil , Trump repeats tariffs threat to dissuade BRICS nations from replacing US dollar, Reuters, 1/01/2025 , (accessed on 8/08/2025): https://www.reuters.com/markets/currencies/trump-repeats-tariffs-threat-dissuade-brics-nations-replacing-us-dollar-2025-01-31/
(32) MA XUEJING, Why is BRICS so popular among Global South countries?, China Daily , 05/11/2024, (accessed on 10/09/2025): https://www.chinadailyhk.com/hk/article/597072
(33) Nokhaiz Bano, China’s Role In The Post US Withdrawal From Afghanistan: implications for The Region, Department Of Politics And iR Faculty Of Social Sciences International Islamic University Islamabad 2024, P61.
(34) “الصين تعرض على أفغانستان تجارة بدون رسوم جمركية”، الجزيرة نت، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2024 (تاريخ الدخول: 12 مايو/أيار 2025)، https://shorturl.at/LQgbA
(35) Nokhaiz Bano, China’s Role In The Post US Withdrawal From Afghanistan , Op.Cit. P22
(36) حميد الله محمد شاه، 3 أهداف تسعى الصين لتحقيقها من علاقتها بأفغانستان، الجزيرة نت، 4 مارس/آذار 2025 (تاريخ الدخول: 13 مايو/أيار 2025)، : https://tinyurl.com/2b8ezzae:
(37) Nasimov Sunnatillo Valijonovic, The Situation In Afghanistan After The Withdrawal Of US Troops And Its Impact On Regional Security, Op.Cit. p5
(38) Charles E. Ziegler, Filling the Void Left by Great-Power Retrenchment: Russia, Central Asia, and the U.S. Withdrawal from Afghanistan, Texas National Security Review, Vol 7, Iss 4,(2024): 51-72, p4
(39) Nasimov Sunnatillo , Op.Ci p3
(40)حميد الله محمد شاه، كيف أصبحت إيران أقرب صديق لطالبان؟، الجزيرة نت، 9 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 13 مايو/أيار 2025)، https://tinyurl.com/4ybxw3dk
(41) المرجع السابق.
(42) المرجع السابق.
(43) المرجع السابق.
(44) Pepe Escobar, Russia–Iran–China: All for one, and one for all? , The Cradle, 8/04/2025, (accessed on 11/07/2025): https://thecradle.co/articles/russia-iran-china-all-for-one-and-one-for-all
(45) معركة التفوق الجوي.. خطة إسرائيلية ومخاوف من امتلاك إيران مقاتلات صينية، الجزيرة نت، 27 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 10 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/mu597mt8
(46) Arie Egozi, Iran Conducts First-Ever Operational Test of Russian S-400 Triumf Air Defence System, Anirveda, 1/08/2025, (accessed on 10/08/2025): https://raksha-anirveda.com/iran-conducts-first-ever-operational-test-of-russian-s-400-triumf-air-defence-system/?srsltid=AfmBOopg5TYflePRPj0_BfCA3vfhlZbC47XeQkTqR1FC722ytBfYZttp
(47) محمد المنشاوي، الاتفاق الصيني الإيراني.. لماذا يشكل مفاجأة من العيار الثقيل لواشنطن؟، الجزيرة نت، 30 مارس/آذار 2021 (تاريخ الدخول: 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://tinyurl.com/2sa6bf66
(48) “مجلس الدوما يقر معاهدة شراكة إستراتيجية بين روسيا وإيران”، الجزيرة نت، 8 أبريل/نيسان 2025 (تاريخ الدخول: 10 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/56usuk65
(49) رسول آل حائي، إيران وروسيا تربطان أنظمة الاتصال لبنوكهما، فهل تتجاوزان الرقابة الأميركية؟، الجزيرة نت، 3 فبراير/شباط 2023 (تاريخ الدخول: 10 مايو/أيار 2025)، https://tinyurl.com/593d2xrm
(50) Zohaib Ahmed, Pakistan-USA Relationship 2025: Strategic Foresight Analysis, Zohaib Ahmed , 14/11/2025 (accessed on 24/11/2025): https://zohaibauthor.com/2025/11/14/pakistan-usa-relationship-2025-strategi-foresight-analysis/
(51) ibid
(52) ibid
(53) Asad Ullah, Sadia Sulaiman, Syed Adnan Ali, Dynamics of Pakistan-US relations after US withdrawal from Afghanistan: challenges and prospects, Liberal Arts & Social Sciences International Journal (LASSIJ), Vol. 7, No. 2 (2023) pp. 1-23, p13.
(54) Zohaib Ahmed, Pakistan-USA Relationship 2025.Op.Cit.
(55) Riccardo Rossi, Geopolitics of China-Pakistan’s Relations, Special Eurasia, 10/06/2025, (accessed on 10/08/2025): https://www.specialeurasia.com/2025/06/10/geopolitics-china-pakistan/
(56) ibid
(57) ibid
(58) ibid
(59) Zohaib Ahmed, Pakistan-USA Relationship 2025: Op.Cit.
(60) ibid
(61) ibid
” (62)وزير الحرب الأميركي: وقعنا اتفاق إطار دفاعي مع الهند لمدة 10 سنوات”، الجزيرة نت، 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://tinyurl.com/57sxzvv2
(63) Miranda Jeyaretnam, With U.S. Ties on the Rocks, India Draws Closer to China, time magazine, 18/08/2025 (accessed on 12/11/2025): https://time.com/7310270/china-india-us-trump-xi-modi-tariffs-trade-russia-oil/
(64) Muhammad Murad, Is the Russia-India-China Troika Making a Comeback?, The Diplomat, 24/07/2025, (accessed on 8/08/2025): https://thediplomat.com/2025/07/is-the-russia-india-china-troika-making-a-comeback/
(65) فهيم الصوراني، “صيغة موسكو” يدعم أفغانستان ويرفض التهديدات الأميركية “باستعادة باغرام”، الجزيرة نت، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025 ) تاريخ الدخول: 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025(، https://tinyurl.com/ydpja794
(66) Chietigj Bajpaee, India is seeking to reset relations with the Taliban. But can this rapprochement last?, Chatham House, 15/10/2025 (accessed on 1/11/2025): https://www.chathamhouse.org/2025/10/india-seeking-reset-relations-taliban-can-rapprochement-last
(67) Swaran Singh, India-Taliban rapprochement: realism amid fractured geopolitics, Asia Times , 26/11/2025 (accessed on 1/11/2025 https://asiatimes.com/2025/11/india-taliban-rapprochement-realism-amid-fractured-geopolitics/
(68) Chietigj Bajpaee, India is seeking to reset relations with the Taliban. But can this rapprochement last? Op.Cit.
(70) Zahid Shahab Ahmed, Dalbir Ahlawat, India-Pakistan Geopolitical Competition and the Islamic Emirate of Afghanistan, International Area Studies Review, Vol. 27(4) (2024)367–383,
- 9
(71) “رسائل اجتماع وزراء خارجية الصين وباكستان وأفغانستان”، عربي بوست، 2 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://tinyurl.com/j3aksjvr
(72) “قمة كابل الثلاثية تضع تعهدات حركة طالبان على المحك”، الجزيرة نت، 19 اغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://tinyurl.com/2sd9hfsw
(73) “رسائل اجتماع وزراء خارجية الصين وباكستان وأفغانستان”، مصدر سابق.
