ملخص
يندرج هذا البحث ضمن الاهتمام المتزايد بدراسة تحولات أنماط تدبير الحركات الاحتجاجية، من خلال التركيز على المقاربات المغايرة للمقاربة الأمنية التقليدية، والتي باتت تشكِّل ما يمكن تسميته ببراديغم “التدبير الناعم”. ويهدف إلى تحليل الكيفية التي تعتمد بها الدولة هذه المقاربات في إدارة الاحتجاجات، بما يضمن تحقيق قدر من الاستقرار بأقل تكلفة ممكنة، وفي إطار عقلاني يجمع بين التدخلات الآنية والتخطيط الإستراتيجي بعيد المدى.
ينطلق البحث من فرضية أساسية مفادها أن الدولة لم تعد تعتمد بشكل حصري على المقاربة الأمنية في تدبير الحركات الاحتجاجية بل أصبحت توظف حزمة من الآليات المتداخلة، التي تستند إلى منطق التفاعل والتفاوض والاحتواء، بمشاركة فاعلين متعددين إلى جانبها سواء من داخل الحقل السياسي أو المدني أو المؤسساتي. وفي هذا السياق، يسلط البحث الضوء على أربع مقاربات رئيسية تُعد من أبرز مداخل التدبير الناعم، وهي: الحوار، والديمقراطية التشاركية، والسياسات العمومية، ومؤسسات الوساطة.
ويعمل البحث على تفكيك هذه المقاربات من خلال تحليل أدوارها ووظائفها وحدود فاعليتها في تدبير الاحتجاجات، مع إبراز التباين في تموقعها وتأثيرها داخل النسق السياسي والاجتماعي. كما يتناول الإشكاليات المرتبطة بتفعيلها، خاصة في ظل حضور عامل حاسم يتمثل في مستوى الثقة أو انعدامها بين الدولة والمحتجين، بوصفه محددًا جوهريًّا في نجاح أو فشل هذه الآليات.
ومن خلال اعتماد مقاربة تحليلية تفكيكية، يسعى البحث إلى قياس أثر هذه المقاربات على سلمية الحركات الاحتجاجية، واستكشاف طبيعة العلاقة التفاعلية بين الدولة والمجتمع، في سياق يتسم بتنامي المطالب الاجتماعية وتعدد الفاعلين وتغير أنماط التعبئة. كما يروم إبراز حدود التدبير الناعم، ليس بوصفه بديلًا مطلقًا للمقاربة الأمنية بل خيارًا إستراتيجيًّا متكاملًا يتأرجح بين التفاعل والضبط، وفق ما تفرضه السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويخلص البحث إلى أن التدبير الناعم، رغم ما يتيحه من إمكانيات لاحتواء التوترات وتقليص منسوب العنف، يظل رهينًا بمدى فاعلية آلياته، خاصة فيما يتعلق بتعزيز الثقة، وتفعيل المشاركة، وتقوية أدوار الوساطة، وتحقيق استجابة فعلية للمطالب الاجتماعية، بما يسهم في بناء علاقة متوازنة ومستدامة بين الدولة والمجتمع.
الكلمات المفتاحية: الحركات الاحتجاجية، التدبير الناعم، الديمقراطية التشاركية، الوساطة، السياسات العمومية.
Abstract
This study is situated within the growing scholarly interest in analysing transformations in the governance of protest movements, with a particular focus on alternative approaches to traditional security-based responses. These approaches collectively form what can be conceptualised as the paradigm of “soft governance” of protests. The research aims to examine how the state adopts and operationalises these approaches in managing protest movements, in a manner that ensures stability while minimising political and social costs, within a rational framework that combines immediate interventions with long-term strategic planning.
The study is grounded in the central assumption that the state no longer relies exclusively on coercive security measures in handling protests. Instead, it increasingly deploys a set of interconnected mechanisms based on interaction, negotiation and containment, involving a number of actors from political, civil and institutional spheres. In this regard, the research highlights four key approaches that constitute the core pillars of soft governance: dialogue, participatory democracy, public policies and intermediary institutions.
Through an analytical and deconstructive approach, the study examines the roles, functions and limitations of these mechanisms in managing protest dynamics. It also emphasises the variations in their positioning, influence and effectiveness within the broader political and social system. Particular attention is given to the critical factor of trust—or lack thereof—between the state and protesters, as a decisive determinant in the success or failure of these approaches.
Furthermore, the study seeks to assess the impact of these mechanisms on the peacefulness of protest movements, while exploring the evolving nature of state–society relations in a context marked by increasing social demands, the diversification of actors, and changing modes of mobilisation. It also aims to highlight the limits of soft governance, not as a complete substitute for security-based approaches, but as a complementary strategic option that oscillates between engagement and control, depending on prevailing political, economic and social conditions.
The study concludes that, despite its potential to mitigate tensions and reduce levels of violence, the effectiveness of soft governance remains contingent upon several factors, including the consolidation of trust, the enhancement of participatory mechanisms, the strengthening of intermediary institutions, and the ability to provide substantive responses to social demands. These elements are essential for fostering a balanced and sustainable relationship between the state and society.
Keywords: protest movements, soft governance, participatory democracy, mediation, public policies.
مقدمة
شهدت أنماط تدبير الحركات الاحتجاجية تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة؛ حيث لم تعد المقاربة الأمنية الصرفة كافية لضبط المجال الاحتجاجي بل برزت إلى جانبها مقاربات بديلة تقوم على ما يُعرف بـ”التدبير الناعم”. ويُحيل هذا المفهوم إلى جملة من الآليات التي تعتمد الحوار، والديمقراطية التشاركية، والسياسات العمومية، ومؤسسات الوساطة، بهدف احتواء الاحتجاجات بأقل تكلفة سياسية واجتماعية، وبما يضمن استقرار النظام العام في إطار احترام الحقوق والحريات.
في هذا السياق، يندرج النموذج المغربي ضمن تجارب الدول التي سعت إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر الانتقال التدريجي من منطق الضبط الأمني إلى منطق التدبير التوافقي، خاصة منذ مرحلة الانفتاح السياسي وما تلاها من إصلاحات دستورية ومؤسساتية. غير أن هذا التحول يطرح إشكاليات متعددة تتعلق بمدى فاعلية هذه المقاربات، وحدودها، وقدرتها على بناء الثقة بين الدولة والحركات الاحتجاجية.
انطلاقًا من ذلك، يطرح هذا البحث الإشكالية التالية:
إلى أي حَدٍّ يشكِّل التدبير الناعم بديلًا فعَّالًا للمقاربة الأمنية في تدبير الحركات الاحتجاجية بالمغرب؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:
ما أهم آليات التدبير الناعم المعتمدة؟ وكيف تتجلى في الواقع المغربي؟ وما حدود تأثيرها في احتواء الاحتجاجات وتعزيز سلميتها؟
يعتمد البحث مقاربة تحليلية-تفكيكية، ترتكز على تحليل السياسات والآليات المعتمدة في تدبير الاحتجاجات، وربطها بالإطار النظري للحركات الاجتماعية وتدبير النظام العام، مع الاستناد إلى نماذج تطبيقية من السياق المغربي.
وللإجابة عن هذه الإشكالية، تم تقسيم البحث إلى محورين رئيسيين: يتناول الأول الحوار والديمقراطية التشاركية بصفتها مداخل للتدبير الناعم، بينما يعالج الثاني دور السياسات العمومية ومؤسسات الوساطة في احتواء الحركات الاحتجاجية.
المحور الأول: الحوار والديمقراطية التشاركية: مقاربات تدبيرية للاحتجاجات
يندرج التدبير الناعم ضمن إستراتيجيات الدولة الرامية إلى تلطيف الاستجابة للاحتجاجات(1)، وذلك من خلال اعتماد مجموعة من المقاربات التي تنسجم مع توجهات الدولة الحديثة ودولة الحق والقانون. وتتنوع الإستراتيجيات والآليات التي تعتمدها الدول في تدبير الحركات الاحتجاجية؛ إذ لا توجد مقاربة أحادية قادرة على استيعاب مختلف أشكال الاحتجاج. وإذا كانت المقاربة الأمنية تُعد الخيار المألوف في تدبير الحقل الاحتجاجي، فإنه لا يمكن إغفال الآليات التدبيرية الأخرى التي تلجأ إليها الدولة في إدارة الاحتجاجات ومختلف الأزمات.
وفي هذا الإطار، برزت مقاربات بديلة للمقاربة الأمنية، يأتي في مقدمتها كل من الحوار والديمقراطية التشاركية، بوصفهما ركيزتين أساسيتين في إطار التدبير الناعم للاحتجاجات. ويضطلع الحوار بدور محوري في التوصل إلى حلول توافقية بين الدولة والمجتمع أو الجهة المعنية، غير أن تعثر هذا الأسلوب التدبيري من شأنه أن يسهم في تصاعد حدة التوترات (أولًا).
ومن جهة أخرى، تُعد الديمقراطية التشاركية فلسفة وتوجهًا تبنَّته الدولة المغربية، وكرَّسته مكوِّنًا أساسيًّا في الوثيقة الدستورية؛ حيث تُمارس من خلال مجموعة من الآليات والمؤسسات. ويُفهم من ذلك أنها تمثل إطارًا عقلانيًّا للترافع والاعتراض، سواء على المستوى الوطني أو الترابي، في شكل منظَّم يخضع لقوانين تؤطِّر ممارسة هذه الحقوق، والتي تندرج ضمن الحق في المشاركة السياسية والمساهمة في صنع القرار العمومي (ثانيًا).
أولًا: تبنِّي السلطة لأسلوب الحوار في تدبير الاحتجاجات
إن المتتبع للشأن العام المغربي يُلاحَظ الاهتمام المتزايد للدولة باعتماد آليات الحوار في تدبير عدد من الاحتجاجات، من خلال البحث عن حلول توافقية تراعي مختلف الأطراف المتحاورة. ويُعدُّ كل من حوار تنسيقيات الأساتذة المتعاقدين، والحوار مع طلبة كليات الطب، من أبرز النماذج التي أثارت نقاشًا واسعًا في الفضاء العمومي خلال السنوات الأخيرة.
وكما هو معلوم، فقد برز الحوار في فترات تاريخية اتسمت بحدة التوتر بين الدولة والمجتمع في المغرب، خاصة خلال المواجهات المتكررة بين السلطة والمعارضة السياسية، والتي كانت كثيرًا ما تفضي إلى أشكال من العنف المتبادل. وفي مثل هذه السياقات، كان يتم اللجوء إلى مسارات التفاوض والحوار، بل وحتى إلى المساومات والتنازلات، آلياتٍ لاحتواء الصراع(2).
غير أنه، ورغم اللجوء إلى الحوار خلال تلك الفترات التي اتسمت بالصدام فإنه لم يكن يمثِّل الآلية الأساسية في تدبير الاحتجاجات بل ظل يحتل مكانة ثانوية يتم تفعيله بشكل انتقائي وفق تقدير الدولة. ويؤكد ذلك حجم الصراعات والانتفاضات وأعمال التمرد التي عرفها المغرب منذ ستينات القرن الماضي إلى حدود بداية التسعينات، والتي طبعها منطق المواجهة والصراع.
في المقابل، عرف الحوار بين الدولة والمحتجين تحولًا تدريجيًّا منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وهي مرحلة مفصلية في إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة. وقد تميزت هذه المرحلة بتراجع أشكال العنف والعنف المضاد، وبانفتاح الدولة على مسار بناء دولة الحق والقانون، في سياق تراجع النزعات السلطوية. وقد أسهمت هذه التحولات في عقلنة الفعل الاحتجاجي، وفي بروز حركات اجتماعية أكثر تنظيمًا بما يعكس تغيرًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبروز توجهات إصلاحية نحو ترسيخ البناء الديمقراطي، وتعزيز احترام الحقوق والحريات، إلى جانب تنامي دور المجتمع المدني في ظل تحولات الحداثة والنقاش حول الهوية والتعدد الثقافي. وفي هذا السياق، يرتبط حق التظاهر السلمي في الفضاء العام بطبيعة العلاقة التفاعلية بين الدولة والمجتمع(3).
وفي هذا الإطار، يشير دليل لشرطة كوينزلاند إلى أن “الانخراط الناجح وفي الوقت المناسب مع مجموعات الاحتجاج قد يمنع الاحتجاجات غير القانونية والعنيفة، ويوفر لهذه المجموعات فرصة التعبير عن مطالبها بشكل فعَّال دون الحاجة إلى الدخول في صراع مع الشرطة أو المجتمع”(4).
فأظهرت بعض الدراسات أهمية المفاوضات ودور المفاوضين داخل الأجهزة الأمنية، خاصة أولئك الذين يتواصلون مع القيادات الأساسية داخل مجموعات الاحتجاج، كما تعتمد الشرطة ما يُعرف بسياسة “عدم المفاجأة”، التي تقوم على الالتزام بما تم الاتفاق عليه مسبقًا مع المحتجين، وهو ما يسهم في بناء الثقة وتجنب التصعيد(5).
وفي هذا السياق، شهدت استجابات أجهزة حفظ النظام العام تحولًا ملحوظًا، تمثل في الانتقال من الاعتماد على القوة التصعيدية إلى التركيز على التدبير التفاوضي وأنماط الحوار، وهي مقاربات تبنَّتها مجموعة من الدول الأوروبية في تعاملها مع الاحتجاجات(6).
ويُعد الحوار، في هذا الإطار، إحدى الآليات الأساسية للتدبير الناعم للأفعال الاحتجاجية، حيث جاء في مذكرة حول المبادئ التوجيهية لحرية التجمع أن الحوار يمثل وسيلة فعَّالة لنزع فتيل الصراع؛ إذ إنه في حال نشوء مواجهات أو نزاعات أثناء التجمعات، فإن اللجوء إلى التفاوض أو الحوار عبر وسطاء يُعد خيارًا مناسبًا للتوصل إلى حلول مقبولة(7).
وعلى هذا الأساس، عمل المغرب، منذ مرحلة الانفتاح السياسي، على اعتماد الحوار آلية إستراتيجية لتحقيق التوافق والتوصل إلى حلول بين المحتجين والجهات المعنية، وذلك من خلال الاستجابة لدعوات الحوار وعقد لقاءات يتم فيها مناقشة مطالب المحتجين، خاصة أن الاحتجاج يعكس مطالب جماعية يتم التعبير عنها في الفضاء العمومي بهدف إيصالها إلى صنَّاع القرار. وفي هذا السياق، تُعد الحركات الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من الممارسة السياسية، وغالبًا ما يُشار إليها ضمن ما يُعرف بالسياسة الحداثية(8).
أصبحت الدولة تتجه نحو اعتماد الحوار آلية لاحتواء الاحتجاجات والتخفيف من حدة التوتر الاجتماعي، وذلك من خلال فتح قنوات للنقاش والتواصل بين مختلف الجهات المعنية بهدف الوصول إلى حلول توافقية والاستجابة لمطالب المحتجين. ويمكن أن تتم عملية الحوار سواء على المستوى المركزي أو الترابي، كما قد تشارك فيها مؤسسات عمومية أو خاصة، إلى جانب فاعلين عموميين وخواص، وذلك تبعًا لطبيعة الجهات التي وُجِّهت إليها المطالب الاحتجاجية.
وقد عرف المغرب تراكمًا ملحوظًا في اعتماد الحوار، الذي أضحى من أكثر الآليات تداولًا في المشهد السياسي؛ حيث غالبًا ما يتم اللجوء إليه في سياق التوترات الاجتماعية والاحتجاجات والإضرابات. ويتجلى ذلك في عدد من الحالات، مثل الحوار مع الأساتذة المتعاقدين والحوار مع مهنيي قطاع الصحة؛ حيث تبادر الجهات المعنية إلى فتح قنوات للتفاوض مع المحتجين. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الحوار آلية استباقية قادرة على احتواء الاحتجاجات، شريطة توظيفه بشكل يراعي طبيعة المطالب والرسائل التي يحملها المحتجون، مع الإقرار بأنه لا يمكن الحكم عليه بشكل مطلق من حيث النجاح أو الفاعلية.
كما شهدت مجموعة من الحركات الاحتجاجية بالمغرب فتح قنوات للحوار بين المحتجين والجهات المعنية، والتي تتسم بتعدد مستوياتها. ففي حالات عديدة، يسهم فتح الحوار مع السلطات المحلية في نزع فتيل الاحتقان؛ حيث ينظر المواطنون إلى ذلك بوصفه نجاحًا رمزيًّا، خاصة عندما يبادر ممثلو السلطة إلى التفاعل المباشر مع المحتجين والتفاوض معهم(9). وقد أصبحت آلية الحوار حاضرة بشكل متكرر في مختلف التقارير الوطنية والدولية؛ حيث أوصى تقرير لمندوبية حقوق الإنسان بضرورة تعزيز دور المجتمع المدني في الرصد والتشخيص والاقتراح، إلى جانب مواصلة الحوار العمومي وتطويره(10). وبناءً عليه، فإن نجاح الحوار يظل رهينًا باعتماد آليات عقلانية تراعي الأبعاد النفسية والسوسيولوجية، بل وحتى الأنثروبولوجية، المرتبطة بسلوك الجماهير.
كما تم، سنة 2013، فتح الحوار مع التنسيقية الوطنية للأساتذة حاملي الشهادات العليا (DESA وDESS) (2012)، وذلك بدعوة من وزير التربية الوطنية والجامعة الوطنية للتعليم، من خلال عقد لقاءات تم خلالها التطرق إلى قضايا الملف المطلبي العام والمشترك للشغيلة التعليمية، بالإضافة إلى مطالب مختلف الفئات التعليمية(11).
كما شهدت مجموعة من الاحتجاجات بالمغرب فتح قنوات للحوار مع الجهات المسؤولة والموجه إليها الخطاب الاحتجاجي، من بينها احتجاجات “سيدي إفني” (2008)، و”حراك الريف” (2016)، و”حراك جرادة” (2018)، إضافة إلى الحوار مع تنسيقية “الأساتذة وأطر الدعم الذين فرض عليهم التعاقد” (2018). وينسحب الأمر ذاته على المجال الجامعي؛ حيث يعمد عمداء المؤسسات إلى فتح قنوات الحوار مع الطلبة والفصائل في سياق الاحتجاجات داخل الكليات. كما لجأ بعض الفاعلين الاقتصاديين، مثل شركة “سنطرال”، إلى اعتماد الحوار آليةً لإيجاد حلول، كما حدث خلال حملة المقاطعة التي استهدفت منتجاتها، سنة 2018.
ومن جانب آخر، سعت الدولة إلى ترسيخ هذه الآلية في المجال الحقوقي؛ حيث أسندت -سنة 2012- للمجلس الوطني لحقوق الإنسان مجموعة من الصلاحيات، من خلال إحداث اللجان الجهوية لحقوق الإنسان، التي تضطلع بمهام تتبع ومراقبة وضعية حقوق الإنسان على المستوى الجهوي، إلى جانب تلقي الشكايات المرتبطة بانتهاكات الحقوق(12). وقد بلغ عدد الشكايات والطلبات الواردة على هذه اللجان 2161 سنة 2019، في حين بلغ عدد الأشخاص الذين تم استقبالهم 3779(13)، وهو ما يعكس الدور الذي تضطلع به هذه اللجان في الوساطة الحقوقية، بما في ذلك الأدوار المرتبطة بالتوجيه والاستشارة.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار الحوار ذا فعالية مطلقة في الحد من الاحتجاجات من خلال مجرد رضوخ المحتجين أو استجابتهم لوعود الجهات المعنية؛ إذ يتأرجح موقع الحوار في تدبير الحركات الاحتجاجية بالمغرب بين منطق التوافق ومنطق الإخفاق، وذلك بفعل مجموعة من العوامل، من أبرزها فقدان الثقة في الوعود التي تقدمها النخب والسلطات، نتيجة عدم الالتزام بمخرجات الحوار. كما أن تأخر الجهات المعنية في فتح قنوات النقاش، أو اعتمادها على وعود ظرفية ذات طابع تهدوي، قد يسهم في احتواء مؤقت للاحتقان، لكنه قد يتحول في المقابل إلى عامل محفز على بروز أشكال احتجاجية أكثر حدة(14).
وفي هذا السياق، سبق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن سجلت بقلق محدودية الآليات المعتمدة في إطار الحوار والوساطة بخصوص مطالب المواطنين بسيدي إفني؛ حيث لوحظ أنه رغم تعدد اللقاءات والجهود والاتصالات، التي شارك فيها منتخبون وبرلمانيون وأعيان، فإن نتائجها ظلت محدودة من حيث الفاعلية والتأثير(15).
كما تكررت نفس الملاحظات في سياقات احتجاجية لاحقة؛ حيث أعادت التقارير الوطنية التأكيد على محدودية أثر الحوار في احتواء بعض الحركات الاحتجاجية. وفي هذا الإطار، أشار المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بخصوص “حراك الريف”، إلى أن تعاطي السلطات العمومية مع مطالب المحتجين بالحسيمة اتسم بالبطء، سواء على مستوى الحكومة أو، بدرجة أقل، الهيئات المنتخبة. كما أبرز أن تأخر فتح الحوار مع أعضاء الحكومة، وشبه غيابه مع منتخبي المنطقة لمدة ستة أشهر، أثَّر سلبيًّا على مسار الاحتجاجات، فضلًا عن أن المحاولات الأولى للحوار لم تعتمد على مقاربة تشاركية(16).
وخلاصة القول: يمكن أن تكون الدولة طرفًا في فشل الحوار، كما قد يسهم المحتجون بدورهم في ذلك من خلال رفض بعض المبادرات الحوارية مع السلطات العمومية، وذلك لاعتبارات متعددة، يرتبط جزء منها بالمتخيل الجمعي وما يحمله من تمثلات تاريخية وثقافية حول طبيعة هذه المؤسسات. وبالتالي، ورغم تبني الدولة لآلية الحوار، فإن الهاجس الأمني يظل حاضرًا في تدبيرها للاحتجاجات(17).
ثانيًا: الديمقراطية التشاركية براديغم للترافع
إذا كانت الديمقراطية التشاركية تُعد من أهم مرتكزات الدولة الحديثة، بالنظر إلى دورها في حسم عدد من القضايا الخلافية بشكل عقلاني، استجابة لتطلعات المواطنين، ومن خلال إشراكهم في عملية اتخاذ القرار، فإن بروزها ارتبط بجملة من العوامل، في مقدمتها أزمة الديمقراطية التمثيلية وإخفاقها. ويستدعي تجاوز هذه الأزمة البحث عن بدائل ممكنة؛ حيث يرى “ريمون بودون” أن أقل آفات الانزلاق المراوغ للديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية المزعومة هو دعوة البرلمانيين إلى عدم الوثوق بدورهم ممثلين للأمة، والبحث عن تأثير وازن لهم خارج دائرة حججهم وتصويتهم(18).
وهكذا، أصبحت الديمقراطية التشاركية براديغمًا حاضرًا في دساتير الدول الحديثة، لما تضطلع به من دور في التأثير الإيجابي على السياسات العمومية والقرار العمومي، وذلك في سياق التحول من الليبرالية إلى الديمقراطية؛ مما أتاح بروز مساحات جديدة للمشاركة وصيغ متجددة للعمل الديمقراطي، كاستجابة عامة لما عُرف بأزمة النظام التمثيلي(19).
وتتطلب الديمقراطية التشاركية، حسب يورغن هابرماس، قيام علاقات اجتماعية حوارية بين مواطنين أحرار، في إطار تنظيم قانوني ذاتي للمجتمع، قائم على إمكانية استمرار هذه العلاقات حتى داخل مجتمعات معقدة ومتعددة المستويات. كما أن النواة الإجرائية للديمقراطية تسعى إلى تحويل المضامين المثالية للعقلانية العملية إلى أشكال مؤسساتية ملموسة، وهو ما يطرح تحديًا جوهريًّا يتمثل في كيفية ضمان اشتغال الإجراءات الديمقراطية بشكل عادل وفعَّال داخل مجتمع متمايز(20).
وقد سعى العديد من الأبحاث إلى إثارة جملة من التساؤلات، من بينها: هل تمثل الأشكال المعاصرة للديمقراطية التشاركية امتدادًا لتجارب الستينات والسبعينات؟ وهل كان لها تأثير في الحركات الاجتماعية خلال تلك المرحلة؟ وبالمقابل، هل استطاعت الحركات الاجتماعية الداعية إلى المشاركة التكيف مع الأشكال المؤسسية المعتمدة حاليًّا؟(21)
وتفضي هذه التساؤلات إلى بحث طبيعة العلاقة بين الحركات الاجتماعية والديمقراطية التشاركية، ومدى وجود روابط بينهما، وهل تقوم هذه العلاقة على التكامل والإثراء المتبادل أم على التوتر والتعارض، كما تثير مسألة تأثير تطوير الديمقراطية التشاركية على ديناميات التعبئة السياسية. وفي نهاية المطاف، تقود هذه الإشكالات إلى التفكير في طبيعة العلاقة بين المؤسسات والحركات الاجتماعية، وحدود الاستقلالية المتبادلة التي تحكمها(22)، وهو ما يعكس أن هذه العلاقة تقوم على تفاعل مستمر قائم على التأثير والتأثر المتبادل.
لقد عمل المغرب على إقرار الديمقراطية التشاركية في دستور 2011، رغم وجود إرهاصات أولية للتنصيص عليها في الميثاق الجماعي وفق تعديل سنة 2009، غير أن دسترتها أسهمت في تعزيز مكانتها ووظيفتها داخل الاجتماع السياسي. فقد كرَّس دستور 2011 هذا التوجه على المستويين، الوطني والترابي، من خلال التنصيص على إحداث هيئات التشاور (الفصل 13)، ومنح المواطنات والمواطنين حق تقديم العرائض (الفصل 14)، وكذا الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع (الفصل 15). كما تم تأطير هذه الحقوق عبر قوانين تنظيمية، من بينها القانون التنظيمي رقم 44.14(23) والقانون التنظيمي رقم 64.14(24).
وعلى المستوى الترابي، نَصَّ الفصل 136 من الدستور على الإطار العام للديمقراطية التشاركية على الصعيد الجهوي والمحلي؛ حيث أكد على أن التنظيم الترابي من شأنه ضمان مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم. كما تم، استنادًا إلى الفصل 146، تحديد كيفية تقديم العرائض على مستوى الجماعات الترابية، وفق القوانين التنظيمية المؤطِّرة لكل من الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات(25).
وفي هذا الإطار، تم إقرار مجموعة من الآليات الرامية إلى تعزيز الإشراك والمشاركة، بهدف خلق مساحات لممارسة ثقافة سياسية بديلة عن ثقافة الاحتجاج من جهة، وتوفير فضاءات للترافع من جهة أخرى. وتبرز أهمية هذه الآليات فيما تتيحه من إمكانيات للتعبير والاعتراض في مختلف المجالات، بما في ذلك المجال التشريعي. كما فرضت الديمقراطية التشاركية حضورها بفعل تعاظم القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي باتت تتجاوز قدرة الديمقراطية التمثيلية على إنتاج حلول ناجعة، وهو ما يعكس أزمة في الاستجابة للمطالب وتلبية تطلعات المواطنين، سواء على المستوى الوطني أو الترابي؛ الأمر الذي يستدعي اعتماد آليات أكثر تفاعلية تقوم على الإشراك الفعلي للمواطنين في صنع القرار. وفي هذا السياق، تُفهم الديمقراطية التشاركية، بوصفها مفهومًا واسعًا، في ارتباطها بتفاعل قوى المجتمع، بما في ذلك النقابات وديناميات الشارع، في مواجهة السلطة السياسية، كما تُطرح بديلًا للشعور بالعجز الذي قد يطبع الوضع السياسي(26).
وتُعد الديمقراطية التشاركية إحدى الركائز الأساسية للفضاء العمومي، وهو ما يتجلى في اعتماد عدد من الدول المتقدمة لآليات تشاركية لمعالجة قضايا مجتمعية معقدة، من قبيل العرائض والملتمسات والاستفتاء التشاركي، بهدف التوصل إلى حلول توافقية تراعي مختلف مكونات المجتمع. ومن بين الأمثلة البارزة: النقاشات المرتبطة بالاعتراف القانوني بالزواج المثلي وتبني الأطفال في بعض الدول، مثل سويسرا وألمانيا، حيث تم اللجوء إلى آليات الديمقراطية التشاركية لحسم هذه القضايا. ويمكن فهم هذا التوجه في ضوء ما ذهب إليه ريمون بودون، الذي يرى أن “تنوع هذه الأعراض يدعونا إلى إعادة التفكير في المبادئ الأساسية للديمقراطية، وفي مقدمتها مبدأ أن تكون السلطة في يد كل مواطن، انطلاقًا من اعتبار الأفراد مستقلين وقادرين على إصدار أحكام سليمة يتحركون بشكل فردي بتوجيه من الحس السليم ويعبِّرون جماعيًّا عن وجود حس مشترك” (27).
هكذا استطاعت الديمقراطية التشاركية ترسيخ أدوارها الفاعلة في تنمية ثقافة سياسية في عدد من الدول، من أبرزها البرازيل؛ حيث يتم اعتمادها بأشكال متعددة لا تقتصر على بعدها الترافعي فحسب، بل تشمل أيضًا بُعدها التشاركي في التعبير عن متطلبات المواطنات والمواطنين، بما ينعكس إيجابيًّا على السياسات العمومية. ويأتي ذلك في مقابل محدودية المقاربات الأحادية، التي غالبًا ما تسهم في تعثر عدد من البرامج والسياسات، خاصة عند اعتماد المنهج البيروقراطي الذي أبان عن محدودية نجاعته في عدة سياقات. كما تلجأ الدول إلى تفعيل هذه الآلية من أجل احتواء حالات الاحتقان الناتجة عن التناقضات والانقسامات داخل المجتمع، سواء بين مكوناته أو بينه وبين الدولة. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلًا مركزيًّا مفاده: إلى أي حدٍّ استطاعت الدولة المغربية تفعيل الديمقراطية التشاركية وتوظيفها في التوصل إلى حلول توافقية بين الحركات الاجتماعية والقطاعات الحكومية؟
وفي تقرير صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تم طرح تساؤلات حول مدى ممارسة وتفعيل الديمقراطية التشاركية، باعتبار أن تفعيلها أصبح ضرورة ملحَّة في ظل التحولات التي عرفها الفضاء العام، وكذا مفهوم المشاركة الذي شهد بدوره تطورًا ملحوظًا(28). وعلى إثر احتجاجات الحسيمة، أوصى المجلس الوطني لحقوق الإنسان بضرورة إيلاء أهمية أكبر للجوانب الاجتماعية والاقتصادية ضمن السياسات العمومية، مع تعزيز إشراك المواطنات والمواطنين في صياغة البرامج الاستعجالية(29).
وقد شكَّل “حراك الريف”، إلى جانب احتجاجات أخرى، اختبارًا حقيقيًّا لمدى فاعلية الديمقراطية التشاركية والجهوية المتقدمة؛ حيث لم تمض فترة طويلة على تنظيم انتخابات الجماعات الترابية وإقرار القوانين التنظيمية المؤطرة لها، وكذا القوانين المتعلقة بالعرائض والملتمسات، حتى برز نوع من العزوف عن توظيف هذه الآليات من طرف المواطنين، التي تم تقديمها سابقًا بوصفها أدوات للإدماج والمشاركة، خاصة نظام العرائض(30).
ويظل تحقيق الديمقراطية التشاركية رهينًا بتفاعل مجموعة من الفاعلين، وعلى رأسهم الفاعل المدني والفاعل السياسي، بالنظر إلى طبيعة العلاقة التفاعلية التي تجمع بينهما، والتي تسهم في توطيد العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومع ذلك، لا تزال هذه الصيغة من الديمقراطية تواجه عدة اختلالات بنيوية تؤثر على تنزيلها الفعلي، وذلك رغم وجود ترسانة قانونية ومؤسساتية، إلى جانب برامج تكوينية ومبادرات تروم تفعيلها على أرض الواقع.
يُلاحظ أن الإقبال على اعتماد آليات الديمقراطية التشاركية من طرف المواطنات والمواطنين يظل محدودًا، كما أن توظيف المقاربة التشاركية في إعداد السياسات العمومية، سواء على المستوى الوطني أو الترابي، لا يزال ضعيفًا، في مقابل استمرار هيمنة المقاربة الأحادية. وعلى الرغم من ذلك، يبقى الولوج إلى آليات الديمقراطية التشاركية ضعيفًا مقارنة باللجوء إلى الاحتجاجات، التي يعتمدها أفراد المجتمع للتعبير عن مطالبهم واستيائهم وتضامنهم.
وفي هذا السياق، يمكن طرح مجموعة من التفسيرات لهذه المفارقة، من أبرزها أن الإجراءات الشكلية والموضوعية المعقدة المرتبطة بإعداد العرائض والملتمسات تشكِّل عائقًا أمام تفعيل الديمقراطية التشاركية من جهة، إضافة إلى طبيعة تفاعل السلطات العمومية والجهات المعنية مع هذه الآليات من جهة أخرى.
ومن جانب آخر، يمكن افتراض وجود ضعف في ثقافة تقديم العرائض والملتمسات لدى فئات واسعة من المجتمع. كما يمكن تفسير ذلك بكون تعبئة الاحتجاج لا تتطلب نفس القدر من الوقت والجهد، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية التي أسهمت في بروز الفضاء الافتراضي وتيسير التعبئة السريعة. فضلًا عن ذلك، يمكن اعتبار الاحتجاج نمطًا مهيمنًا ضمن الثقافة السياسية، بما يجعله الوسيلة الأكثر اعتمادًا لتحقيق المطالب، وهو ما يتجلَّى في تفضيل اللجوء إليه بدل استخدام آليات العرائض والملتمسات.
وفي هذا الإطار، يمكن الاستئناس في التحليل بمفاهيم “المشاهد المحايد” و”الإدارة العامة” بوصفهما من مرتكزات فلسفة الأنوار؛ حيث يرى ريمون بودون أن “مبدأ الديمقراطية الأساسي، بحسب فلسفة الأنوار، وأيضًا بحسب التقليد الليبرالي المنبثق عنها، يقوم على أهلية كل فرد للتحكم في القرارات التي تعنيه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى مراقبة القرارات السياسية. غير أن الإشكال المطروح يتمثل في كيفية تنزيل هذا المبدأ عمليًّا داخل نظام ديمقراطي تمثيلي”(31).
المحور الثاني: السياسات العمومية ومؤسسات الوساطة في تدبير الاحتجاج
إن الحديث عن آليات التدبير الناعم للاحتجاجات لا يقتصر على الحوار والديمقراطية التشاركية بل يشمل أيضًا مجموعة من السياسات التي تعتمدها الدولة لامتصاص غضب الشارع واستشراف آفاق مستقبلية على المدى البعيد. وفي هذا الإطار، عمل النظام السياسي على توظيف السياسات العمومية آليةً للتدبير الاستباقي والبعدي للحركات الاحتجاجية، وفق منطق التخطيط والهندسة المؤسساتية.
وقد تعززت القيمة المعيارية للسياسات العمومية من خلال التنصيص عليها في الدستور المغربي، إلى جانب فتح المجال أمام صياغتها بشكل تشاركي، بما يدعم مكانة مؤسسات الوساطة، التي تتجسد في فاعلين متعددين يتوزعون بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. ويُعد هؤلاء الفاعلون عنصرًا أساسيًّا في تدبير الاحتجاجات واحتوائها، من خلال الأدوار الوسيطية التي يضطلعون بها، في حين أن ضعف هذه الأدوار أو تأزمها يسهم في تنامي الحس الجماهيري وتصاعد الأفعال الجماعية.
وقد ظلت هذه الآليات التدبيرية حاضرة في الحقل السياسي المغربي، كما يسهم بعض الفاعلين داخل المجتمع، من خلال أشكال من الفعل الجماعي، في بروز ما يمكن تسميته بالاحتجاجات المضادة، التي تعمل على خلق نوع من التوازن أو المقاومة المضادة، بهدف التأثير في دينامية الحركات الاحتجاجية الأصلية وتقليص زخمها.
أولًا: السياسات العمومية وفلسفة تدبير الاحتجاجات
في ظل تنامي الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية، تعمل الدولة في العديد من الحالات على بلورة سياسات عمومية بوصفها إستراتيجية تدبيرية تروم احتواء هذه التوترات، استجابةً لمطالب الحركات الاحتجاجية، ولو بشكل نسبي. إذ تُعد المطالب المعبَّر عنها خلال الاحتجاجات بمنزلة مدخلات أساسية، تتحول في بعض الأحيان إلى مخرجات تأخذ شكل سياسات عمومية أو برامج ومشاريع كبرى. وفي هذا الإطار، تسعى الدولة إلى اعتماد سياسات ذات أفق زمني بعيد، بوصفها حلولًا استباقية لاحتواء التوترات الاجتماعية والحد من تصاعد الأفعال الاحتجاجية.
كما أن للحركات الاحتجاجية تأثيرًا ملموسًا على توجيه السياسات العمومية؛ حيث أصبحت الدولة تتفاعل مع مطالبها بشكل تدريجي أو نسبي. ومن سمات دولة الحق والقانون اعتماد المقاربة التشاركية وتعدد الآليات، وهو ما دفع المغرب، خلال العقود الأخيرة، إلى تبني مجموعة من السياسات العمومية الكبرى، خاصة في مجالات الجهوية، وتعزيز دور المجتمع المدني، ودعم القطاع الخاص، والتوجه نحو تشجيع الاستثمار والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وذلك بهدف تحقيق التنمية البشرية ومحاربة الفقر والتهميش، انسجامًا مع التوجهات التي تعكسها الخطابات الملكية بوصفها محددًا أساسيًّا لمرتكزات الدولة الحديثة(32).
ويحضر هذا النوع من التدابير في تعاطي النظام السياسي مع التوترات الاجتماعية منذ مرحلة الاستقلال، بهدف الحفاظ على استقرار الدولة في مواجهة مختلف أشكال الاضطراب. ورغم اعتماد المقاربة الأمنية في بعض الفترات وما رافقها من ممارسات عنيفة تجاه المحتجين، فإنه لا يمكن إغفال لجوء الدولة إلى إستراتيجيات بديلة، تقوم على إعداد مخططات ذات أبعاد متوسطة وبعيدة المدى لمواجهة تصاعد التوترات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يشير “محمد كولفرني” إلى أن “النظام تمكَّن في كل مرة من إعادة إنتاج نفسه عبر إعادة هيكلة القطاعات التي انطلقت منها شرارة الاحتجاج، فبعد أحداث مارس/آذار 1965 تم فرض إصلاح في مجال التعليم، وبعد أحداث 1981 تم تقنين سياسة التقويم الهيكلي. أما أحداث 1984 فقد شكَّلت مناسبة لإعادة ضبط المجال الديني، كما اضطر النظام في بعض الأحيان إلى القيام ببعض التنازلات لاحتواء الوضع، كالزيادة في الأجور بعد أحداث 14 ديسمبر/كانون الأول 1990، وإعادة الانتخابات في بعض الدوائر بتاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 1993″(33).
لقد شكَّلت هندسة الدولة لسياسات عمرانية، كما تم اعتمادها خلال فترات الانتفاضات الحضرية، إحدى أبرز المقاربات الرامية إلى تطويق وحصر المجالات التي كانت تُعد بؤرًا للتوتر والاحتقان، وذلك بهدف تفكيك الديناميات التي قد تقود إلى التمرد والانتفاض، خاصة في مدن كبرى مثل الدار البيضاء. وفي هذا السياق، أشار كل من “عبد العزيز خمليش” و”عبد الرحمان رشيق” إلى هذه الآليات التدبيرية التي اعتمدتها الدولة في احتواء الانتفاضات الحضرية، خصوصًا خلال الفترات التي عرفت تصاعد الأفعال الجماعية العنيفة، وما رافقها من عنف وعنف مضاد، أسفر عن خسائر مادية جسيمة(34).
وقد عرفت المدينة، بشكل مفاجئ سنة 1981، ولأول مرة، رهانًا سياسيًّا كبيرًا، بفعل التمردات والانتفاضات التي شهدتها تلك المرحلة، عقب دعوة النقابات إلى الإضراب العام، وهو ما خلق مناخًا متوترًا داخل المدن الكبرى والمتوسطة والصغرى، وأدى إلى اندلاع أعمال عنف نتيجة التدخل العسكري. وفي هذا السياق، برز التفكير في اعتماد سياسات عمرانية مدخلًا لتفكيك بؤر الاحتجاج وإعادة تنظيمها؛ حيث تلا هذه الأحداث مباشرة توجه نحو بلورة نمط جديد من التدبير السياسي للمجتمع الحضري(35).
وتجدر الإشارة إلى أنه، رغم اعتماد الدولة في بعض المراحل على القمع والعنف وسيلةً للحفاظ على استمراريتها وضمان وحدة المجتمع، فإنها سعت في المقابل إلى تبني مقاربات بديلة، من بينها السياسات الحضرية، بهدف تحقيق قدر من التوافق، والانخراط في السياق الدولي الرامي إلى تحسين الصورة الحقوقية للمغرب(36).
استهدفت هذه السياسات العمرانية بعض المناطق الحضرية، خاصة بمدينة الدار البيضاء، بهدف تسهيل مراقبتها وتتبعها، من خلال تفكيك الروابط الاجتماعية التي قد تسهم في تصاعد الاحتجاجات. وبذلك، سعت هذه السياسات إلى تكريس منطق “الفرد” و”الفردانية” داخل المجال الحضري. وفي هذا السياق، يشير عبد الرحمان رشيق إلى أن “تصميمات التهيئة الحضرية كانت تَشُنُّ حملة واسعة على الأحياء التي عُدَّت بؤرًا للانفجار الاجتماعي العنيف؛ حيث تم وضع برنامج لهدم عدد كبير من المنازل بهدف تقليص الكثافة الديمغرافية، وتخفيف الضغط عن النسيج الحضري شديد الازدحام. كما مثَّلت الكثافة السكانية وإمكانية الرؤية داخل الفضاء الحضري أحد المعايير التي برَّرت تدخل الدولة في الأحياء التي شهدت أحداث التمرد”(37).
إلى جانب ذلك، اعتمدت الدولة مجموعة من السياسات التي تروم الحد من عوامل التوتر والاحتقان، من خلال احتواء مسبِّبات الاحتجاج، كما عملت على بلورة سياسات رمزية تهدف إلى توحيد البلاد، والحفاظ على النظام العام، وضمان استقرار الدولة.
وفي السياق ذاته، تبنَّى النظام السياسي المغربي سياسات استهدفت احتواء المعارضة أو إضعافها، من خلال آليات من قبيل إحداث نوع من الانقسام داخل النخبة، والعمل على ترسيخ ثقافة موحدة، ورفض كل ما من شأنه التأثير على البنية الثقافية للدولة، بوصفه تهديدًا لاستقرارها ولمصدر مشروعيتها. كما تتجه الدول عمومًا نحو اعتماد سياسات عمومية قائمة على التوافق بين متطلبات الدولة والمجتمع، في إطار تصور موسع لمفهوم الأمن، لا يقتصر على بعده الضيق، بل يشمل أبعادًا متعددة، وهو ما اعتمده المغرب في مجالات مختلفة، خاصة في مواجهة قضايا مثل الإرهاب والتطرف.
كما اعتمدت الدولة تدابير أخرى لاحتواء الاحتجاجات، تمثلت في مقاربات تنموية وإدماجية وإصلاحية، تركز على الفرد داخل المجتمع، من خلال إطلاق مشاريع كبرى تعكس توجهًا نحو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع(38).
وتُعد العدالة الانتقالية من أبرز السياسات التي اعتمدها المغرب في سياق الانفتاح السياسي، بهدف إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وقد عرفت هذه التجربة بروز إرهاصاتها خلال تسعينات القرن الماضي، قبل أن تنطلق بشكل رسمي سنة 2004، في سياق اتسم بتصاعد مطالب الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني، إلى جانب تنامي الضغط الدولي من طرف المنظمات الحقوقية، وازدياد اهتمام وسائل الإعلام الوطنية بوضعية حقوق الإنسان. وقد استهدفت هذه العملية تحقيق مصالحة وطنية، بوصفها مدخلًا أساسيًّا لإنجاح مسار الانتقال الديمقراطي(39)، وذلك في ظل وعي المؤسسة الملكية بحساسية هذا الملف، وسعيها إلى بلورة مقاربة مغايرة لتلك التي تبنَّتها بعض القوى الراديكالية، والتي كانت تدعو إلى الكشف الكامل عن الحقيقة والمساءلة الجنائية(40).
وعملت الدولة على خوض هذا المسار بهدف تحقيق المصالحة بين المجتمع والدولة، وبناء علاقة سلمية تقوم على الاعتراف وردِّ الاعتبار للأفراد والجماعات التي تعرضت للعنف والقمع. وتعكس هذه السياسات، في عمقها، تبني مفهوم الأمن بمعناه الواسع؛ حيث اتجهت الدولة إلى إرساء آليات وإطار مؤسساتي وسياسات عمومية في هذا المجال. وتُعد العدالة الانتقالية من بين الأنظمة المعيارية التي تؤسس للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الحقوق والحريات، وإلى بناء مجتمع قائم على العيش المشترك(41).
كما عكست مجموعة من المشاريع والسياسات التي اعتمدتها الدولة خلال هذه المرحلة محاولة لإعادة بناء الثقة بينها والمجتمع، من خلال استهداف مختلف المجالات المرتبطة بالأمن في أبعاده المتعددة. ويشمل ذلك المجال الحقوقي والقانوني والتشريعي، إلى جانب الحقل الديني والمجال التنموي؛ حيث تُعد هذه السياسات العمومية جزءًا من الإستراتيجيات الفعَّالة التي تم توظيفها في سياق المسار الإصلاحي بالمغرب، والذي ظل أحد المرتكزات الأساسية في تدبير الحركات الاحتجاجية.
وعلى الرغم من محدودية الموارد الاقتصادية للمغرب مقارنة ببعض دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط فإنه يُعد من أكثر البلدان استقرارًا، ويُعزى ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها اعتماد إصلاحات سياسية تدريجية، وتحقيق نوع من التوازن التنموي بين المجالين الحضري والقروي، إلى جانب الاهتمام بالتنمية البشرية، خاصة من خلال دعم القروض الصغرى، وتشجيع الأنشطة المدرَّة للدخل، وتوسيع نطاق الحريات المؤسساتية، وتعزيز الثقافة المدنية(42).
وتؤثر السياسات العمومية التي تعتمدها الدولة في تدبير الحركات الاحتجاجية بشكل مباشر في دينامياتها، نظرًا لما تفرزه من آثار على المدى المتوسط والبعيد؛ إذ يمكن أن تسهم، بحسب درجة فاعليتها ونجاعتها، في إحداث تحولات في خريطة الاحتجاج ومستوياته، سواء في اتجاه التهدئة أو التصعيد. ويرتبط ذلك بجملة من العوامل البنيوية والمعقدة التي تؤثر في صياغة هذه السياسات، والتي تتمحور أساسًا حول طبيعة النسق السياسي والاجتماعي. ففي بعض الحالات، تلجأ الدولة إلى اعتماد سياسات عمومية ذات طابع استباقي لاحتواء التوترات الاجتماعية الناتجة عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي مقاربات تعود إرهاصاتها إلى فترات سابقة، بما في ذلك المرحلة الاستعمارية، وإن كانت تأخذ أشكالًا مختلفة، قد تتسم أحيانًا بطابع تصاعدي، وأحيانًا أخرى بطابع أفقي، تبعًا للسياقات الانتقالية وتوجهات النظام وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويلاحظ أن هذه السياسات العمومية قد تكون فعَّالة وناجحة إذا استجابت لمتطلبات الواقع واقترنت بتنزيل محكم، وهو ما يمكن أن يسهم في الحد من عدد الاحتجاجات. غير أنها قد تعرف أيضًا نوعًا من الإخفاق، في حال عدم استجابتها لتطلعات المجتمع أو عدم حصولها على القبول والاعتراف، سواء بسبب ضعف في التنفيذ أو نتيجة وجود فجوة بين مضمون السياسة العمومية وانتظارات الفاعلين الاجتماعيين. إذ إن نجاح السياسات العمومية لا يرتبط فقط بفاعليتها التقنية بل يتطلب أيضًا تحقيق نوع من الاعتراف الرمزي، خاصة في السياقات التي تعرف تعبئة جماهيرية قائمة على مطلب الاعتراف. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري اعتماد سياسات عمومية ذات بعد رمزي تستجيب لهذه المطالب؛ إذ إن الاقتصار على المقاربة الأمنية لا يكون كافيًا لاحتواء الحركات الاحتجاجية، كما يتضح في بعض التجارب، من بينها “حراك الريف”.
وفي الآن ذاته، تواجه الدولة مجموعة من الإكراهات المرتبطة بصياغة سياسات عمومية قادرة على استيعاب مطالب جديدة تطرحها الحركات الاجتماعية، لاسيما تلك المرتبطة بالاعتراف والحقوق الثقافية والهوية، وهي مطالب تمس البنى العميقة للنظام الاجتماعي وتعكس تحولات في الوعي الجمعي. كما تعكس بروز أنماط جديدة من الحركات الاجتماعية داخل الفضاء العمومي، تحمل مطالب تتجاوز الأبعاد التقليدية، وقد تتقاطع أو تتعارض مع المرجعيات الثقافية السائدة، وتسعى إلى تحقيق العدالة بمفهومها الواسع، وترسيخ الاعتراف عنصرًا مؤسسًا لهوية جماعية تميز هذه الحركات الاجتماعية الجديدة.
ثانيًا: وظيفة مؤسسات الوساطة في تدبير الاحتجاجات
تندرج مؤسسات الوساطة ضمن الفاعلين الأساسيين في احتواء الحركات الاحتجاجية، بالنظر إلى الأدوار التي تضطلع بها في هذا المجال. وتُعد الأحزاب السياسية والنقابات ومكونات المجتمع المدني من أبرز هذه المؤسسات، لما تقوم به من وظائف تأطيرية وتكوينية داخل المجتمع من جهة، ولما تمثله من قنوات وسيطة بين الدولة والمجتمع من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، أقرَّ الدستور المغربي مجموعة من الصلاحيات والاختصاصات لهذه الفاعلين ضمن عدد من فصوله.
فقد نصَّت الفقرة الأولى من الفصل (7) على مكانة الأحزاب السياسية؛ حيث جاء فيها: “تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية”.
أما بخصوص النقابات، فقد نصَّت الفقرة الأولى من الفصل (8) من الدستور على أنه: “تساهم المنظمات النقابية للأجراء، والغرف المهنية، والمنظمات المهنية للمشغلين، في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها، وفي النهوض بها، ويتم تأسيسها وممارسة أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون”.
كما أقَرَّ الفصل (12)، في فقرته الثالثة، صلاحيات المجتمع المدني؛ حيث نصَّ على أن: “تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها، وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة، طبق شروط وكيفيات يحددها القانون”.
وبناءً على ذلك، يتضح أن المشرِّع الدستوري في المغرب عمل على تعزيز مكانة مؤسسات الوساطة من خلال الصلاحيات المخولة لها، إدراكًا لأهميتها في تطوير الممارسة الديمقراطية، وما تتطلبه من استثمار في كفاءات قادرة على إنتاج الأفكار والدفاع عنها بطرق عقلانية، تراعي مقتضيات النقاش العمومي بعيدًا عن العنف أو المزايدات(43). كما يعكس هذا التوجه وعي الدولة بالدور الحيوي الذي تضطلع به هذه المؤسسات؛ إذ لا يمكن إغفال تأثير الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني في تحقيق التوازن داخل المجتمع وضمان استقرار الدولة.
وعليه، فإن هذه المؤسسات لا تمثل مجرد فضاءات بديلة عن السلطة المركزية بل تُعد قنوات أساسية لنقل المطالب والتظلمات من القاعدة الاجتماعية إلى مراكز القرار، كما تشكِّل آلية لإصلاح السياسات العمومية، بما ينسجم مع تطلعات المجتمع وانتظاراته(44).
إذ تنتج هيئات الوساطة مجموعة من المدخلات التي تؤثر بشكل كبير في الرأي العام، سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية. وتتجلى مكامن قوتها في مدى قدرتها على احتواء التوترات الاجتماعية والاحتجاجات، من خلال تدخلها كقناة وسيطة للترافع والتفاوض والحوار مع القطاعات الحكومية، بهدف تحقيق برامجها وأهدافها ضمن إطار ديمقراطي منظم، يسعى في جوهره إلى بناء دولة ديمقراطية.
غير أن هيئات الوساطة عرفت تراجعًا ملحوظًا في أدوارها الوسائطية بين المجتمع والدولة؛ إذ “حتى لو رفض المرء مقولة: إن المجتمع المدني في حالة تراجع، فمن المستحيل تجاهل الحقيقة بأن شكله يتغير بطرائق مهمة في كل جزء من العالم”(45)، وهو ما ينطبق، إلى حدٍّ كبير، على واقع المجتمع المدني المغربي. ويُفسَّر هذا التراجع من خلال ضعف أداء هذه الهيئات في القيام بوظيفتها الوسيطية، رغم استمرار أهميتها وتأثيرها في صنع القرار العمومي، بوصفها حلقة وصل ضرورية بين المجتمع والدولة، ووجودها يظل مطلبًا تفرضه المصلحة العامة(46).
كما لا يمكن إغفال دور الأحزاب السياسية في المغرب، من حيث مساهمتها في تشكيل نخبة سياسية متعددة المرجعيات الأيديولوجية والفكرية، حيث شكَّلت، في مراحل معينة، أداة لتحقيق التوازن داخل النظام السياسي. وقد عملت الدولة على تشجيع حضور الأحزاب، خاصة في المجالات القروية، بهدف إنتاج نخب قادرة على تأمين التوازنات والدفاع عن اختيارات السلطة، أحيانًا على حساب تمثيل مطالب المجتمع.
وقد أصبح موضوع تراجع أدوار مؤسسات الوساطة محل نقاش متزايد، نتيجة ما عرفته من ضعف في الأداء وتراجع في الوظيفة التأطيرية، وهو ما يعكسه ارتفاع منسوب الاحتجاجات، وفقدان الثقة من طرف المواطنين في هذه المؤسسات؛ مما يدفعهم إلى التعبير المباشر عن مطالبهم دون المرور عبر القنوات الوسيطة. وفي هذا السياق، يعكس تنامي حضور الشارع، مقابل غياب أدوار فعَّالة لمؤسسات الوساطة، أزمة أعمق في الفضاء السياسي المغربي بل ويمكن اعتباره تعبيرًا عن “تراجع السياسة” أو إفراغها من بعدها التواصلي القائم على التدبير المشترك للشأن العام(47).
كما أن تصاعد الحركات الاحتجاجية، منذ حركة 20 فبراير وصولًا إلى حراك الريف وجرادة، ثم إلى المرحلة الراهنة، يعكس محدودية القنوات الوسيطة التقليدية في الاستجابة لمطالب المجتمع(48). وقد نبَّهت عدة أصوات إلى هذا الوضع، معتبرة أن تراجع دور هذه الوسائط لم يكن وليد الصدفة بل نتيجة مسار ممتد أسهمت فيه قيادات سياسية ونقابية ابتعدت عن قواعدها الاجتماعية، وانفصلت عن واقع الشارع؛ مما أدى إلى فقدانها لوظيفتي التأطير والوساطة، وانعكس ذلك سلبيًّا على مختلف المستويات(49).
ومن أبرز تجليات هذا الوضع أن المحتجين، في كثير من الحالات، يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ممثلي وزارة الداخلية على المستويات المركزي أو الجهوي أو المحلي، وهو ما يؤدي إلى سوء في الفهم والتقدير، وانتشار الإشاعات، في ظل غياب شبه تام لوسطاء فاعلين، من برلمانيين وسياسيين ونقابيين وجمعويين وإعلاميين، قادرين على نقل المطالب المشروعة والترافع بشأنها لدى الجهات المعنية باتخاذ القرار(50).
وفي السياق نفسه، أظهرت المقاربات الكمية المتعلقة بالمشاركة السياسية في المغرب نسبًا ملحوظة من العزوف عن التصويت في الانتخابات، إلى جانب تراجع مستوى الثقة في التنظيمات السياسية، وهي مؤشرات تؤكد انسجام هذه المقاربات في تشخيص هذه الإشكالية، وتعكس تراجع أدوار الوساطة التي تضطلع بها هذه المؤسسات، وما يرتبط بذلك من مظاهر فقدان الثقة. ففي دراسة أنجزها الأستاذ بن حمد حوكا، “تبلغ نسبة المبحوثين الذين سجلوا درجات متوسطة وعليا على مؤشر الثقة بالمؤسسات حوالي 50.64%، في حين حصلت الدرجات الدنيا على 26.38%. غير أن اللافت هو توجه المغاربة نحو إبداء ثقة أكبر في المؤسسات الدينية والسلطوية؛ حيث حصد أئمة المساجد والجيش ومؤسسات العدالة والأمن مستويات مرتفعة من الثقة، مقابل تدني مستويات الثقة في البرلمان والنقابات والأحزاب السياسية”. وتعكس هذه النتائج صعوبة ترسخ الثقافة الديمقراطية في البنيات الذهنية مقابل ميل واضح نحو تقدير المؤسسات المرتبطة باحتكار العنف المشروع(51).
ويمكن تفسير هذا الوضع في ضوء ما أشار إليه “محمد نور الدين أفاية”، الذي اعتبر أن من أبرز الإشكالات التي تواجه تجارب الانتقال الديمقراطي، ومن بينها الحالة المغربية، ما يمكن تسميته بـ”انعدام الكفاءة الديمقراطية”، وهي لا تقتصر على ضعف القدرات التنظيمية أو المهارات الحزبية، بل تتعلق أيضًا بغياب مقومات أساسية، من قبيل القدرة على التفكير والتخطيط والتأطير والتواصل والتفاوض والاستشراف، وهي عناصر ضرورية لممارسة سياسية فعَّالة(52).
ويطرح التمسك بثقافة الاحتجاج داخل الفضاء العمومي تساؤلات جوهرية حول جدوى المؤسسات القائمة والقوانين الجاري بها العمل، خاصة في ظل محدودية قدرتها على تحقيق الإدماج والتشاركية لفئات واسعة من المواطنين. ولا يقتصر هذا الوضع على حالات محددة، مثل “حراك الريف”، بل أصبح ظاهرة عامة تشمل عدة مناطق وفئات اجتماعية(53). وفي هذا السياق، يرى عبد الرحمان رشيق أن “المشكل في مجتمعاتنا يتمثل في ضعف المؤسسات السياسية والنقابية والجمعوية، التي يفترض أن تضطلع بدور الوساطة الاجتماعية بين السكان وأجهزة الدولة، إلى جانب دورها في الحد من حدة النزاعات الاجتماعية أو تجنُّبها. كما تشير الأبحاث الاجتماعية إلى ارتفاع مستويات عدم الثقة في هذه المؤسسات التي يفترض أن تؤدي وظيفة الوسيط”(54).
وفي مقابل ذلك، يكشف التعمق في تحليل أسباب ضعف أداء مؤسسات الوساطة عن وجود عوامل بنيوية وتاريخية تفسر هذا الوضع. وفي هذا الصدد، يشير أحد الباحثين إلى أن المشهد الحزبي المغربي ظل، إلى حدٍّ كبير، محكومًا بنمط من الأحزاب الكلاسيكية والإدارية. ورغم التحولات التي عرفها المجتمع المغربي منذ تسعينات القرن الماضي، فإنه لم يشهد بروز قوى سياسية جديدة قادرة على التعبير عن تطلعات الأجيال الصاعدة، أو تجسيد التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع وطموحاته المتعددة(55).
هناك من الباحثين من يرى أن رهان المخزن يتمثل في إضعاف مختلف الوسائط السياسية والمدنية وآليات الرقابة، بما يعزز من مركزة السلطة، وهو ما أدَّى، في نهاية المطاف، إلى وضع الدولة في مواجهة مباشرة مع المجتمع والشارع(56). غير أن هذا التوجه، إذا كان يروم الحفاظ على توازنات السلطة، فقد انعكس سلبًا على ديناميات التفاعل المجتمعي، خاصة مع تصاعد موجات الاحتجاج في الفضاء العمومي، التي شملت فئات اجتماعية متعددة وحملت مطالب متنوعة؛ الأمر الذي جعل الدولة في مواجهة مباشرة مع المواطنين، حتى خلال فترات استثنائية، مثل مرحلة الطوارئ الصحية، التي فُرضت فيها قيود على التجمعات العمومية.
ورغم هذه القيود، استمر اللجوء إلى الاحتجاج وسيلةً للتعبير، وهو ما يعكس محدودية فاعلية القنوات الوسيطة في نقل مطالب المجتمع. وقد انعكس هذا الوضع بدوره على أداء الديمقراطية التمثيلية، التي تواجه تحديات متعددة، من أبرزها العزوف السياسي وتراجع الثقة في الأحزاب، خاصة لدى فئة الشباب التي تمثل قوة ديمغرافية أساسية. ذلك أن إدماج الشباب في الحياة السياسية يقتضي توفير أطر مؤسساتية محفزة، تشمل توسيع هامش الحريات، وضمان الولوج إلى المعرفة والخدمات العمومية، وتعزيز فرص الاندماج في المؤسسات السياسية وسوق الشغل، إلى جانب الاستثمار في بناء القدرات والتكوين، وتشجيع روح المبادرة والمجازفة(57).
وفي هذا السياق، أكد التقرير العام للنموذج التنموي الجديد ضرورة تعزيز الديمقراطية التمثيلية بوصفها ركيزة أساسية، من خلال إعادة الحيوية إلى الهيئات الوسيطة، وعلى رأسها الأحزاب السياسية، التي تشكِّل عماد هذا النمط من الديمقراطية. كما شدَّد على أهمية تحديث هذه الأحزاب وتعزيز قدراتها وجاذبيتها، بما يمكِّنها من استقطاب الكفاءات وتعبئة المواطنين، واستعادة دورها فاعلًا أساسيًّا في الحياة العامة، سواء من حيث تمثيل المواطنين أو إنتاج الأفكار وصياغة الالتزامات(58).
وتكتسي هذه التوجهات أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسات الوساطة في البناء الديمقراطي والتنمية، سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية أو بمكونات المجتمع المدني، الذي، حتى وإن كان محل نقاش بشأن تراجعه، يشهد تحولات عميقة في أشكاله ووظائفه عبر مختلف السياقات(59).
تأسيسًا على ما سبق، تتضح أهمية مؤسسات الوساطة في ترسيخ العملية الديمقراطية، وكذا في احتواء التوترات والاحتجاجات التي يعرفها المجتمع، من خلال وظائفها الأساسية المتمثلة في التأطير والتكوين والتعبير عن مطالب الفئات الاجتماعية. غير أنه، منذ حركة 20 فبراير، أصبح هذا الموضوع محل نقاش وجدل واسع في المجالين، السياسي والاجتماعي، كما طُرح بوصفه إشكالية مركزية في الدراسات الأكاديمية، بالنظر إلى ما أفرزه ضعف هذه المؤسسات من فراغات واضحة.
وقد أسهم هذا الوضع في تنامي الوعي، سواء لدى الفاعل الرسمي أو غير الرسمي، بضرورة استعادة الثقة في مؤسسات الوساطة، وبناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة بينها وبين المجتمع. ويعزز هذا الطرح ما يُلاحَظ من توجه المواطنين نحو إبداء ثقة أكبر في المؤسسات الدينية والسلطوية؛ حيث تحظى مؤسسات مثل إمامة المساجد والجيش والعدالة والأمن بمستويات مرتفعة من الثقة، في مقابل تراجع الثقة في البرلمان والنقابات والأحزاب السياسية، وهو ما يعكس صعوبة ترسخ الثقافة الديمقراطية داخل البنيات الذهنية للمجتمع(60).
وبناءً عليه، تبرز أهمية مؤسسات الوساطة في تدبير الاحتجاجات، بوصفها فضاءً وسيطًا يقع بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، بالنظر إلى الروابط التي تجمعها بالفرد والمجتمع والدولة، وبمختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وتستمد هذه المؤسسات مكانتها من قدرتها على أداء وظيفة الوساطة، من خلال نقل مطالب المواطنين والتعبير عنها داخل دوائر صنع القرار.
وفي السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى أهمية بعض مؤسسات الوساطة التي أقرها الدستور المغربي، بوصفها مؤسسات دستورية تضطلع باختصاصات في مجال الوساطة؛ فقد نَصَّ الباب الثاني عشر من دستور 2011، المتعلق بمؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، في فصله 162 على أن: “الوسيط مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية”، وينظم القانون رقم 14.16 المتعلق بمؤسسة الوسيط، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.43 بتاريخ 4 رجب 1440 (11 مارس/آذار 2019)، اختصاصاتها ومجالات تدخلها.
وتضطلع هذه المؤسسة بدور الوساطة من خلال التفاعل مع مختلف الفاعلين، بما في ذلك الحركات الاحتجاجية التي تلجأ إليها من أجل التوسط مع الإدارات المعنية، بهدف إيجاد حلول منصفة ومتوازنة لمطالبها، وذلك عبر إتاحة فضاءات للحوار والاستماع إلى مختلف الأطراف.
وفي هذا الإطار، قد يتوجه ممثلو بعض الحركات الاحتجاجية إلى مؤسسة الوسيط بحثًا عن تسوية توافقية؛ حيث تمارس المؤسسة اختصاصاتها من خلال تعزيز التواصل بين المحتجين والإدارة. ومن بين الأمثلة على ذلك، احتجاجات طلبة كليات الطب والصيدلة خلال الفترة (2023-2024)، التي اتخذت أشكالًا متعددة، من بينها مقاطعة الدروس النظرية والتطبيقية. وقد توصلت مؤسسة الوسيط، بطلب تسوية ودية من اللجنة الوطنية لطلبة كليات الطب والصيدلة، بهدف إيجاد حلول منصفة ومتوازنة، استنادًا إلى مقتضيات المادة 25 من القانون رقم 14.16 المنظِّم لها(61).
عملت مؤسسة الوسيط على معالجة مطالب هذه اللجنة، بوصفها جهة تقدمت بطلب التسوية، بما يخدم وظيفة الوساطة القائمة على الاستماع لمختلف الأطراف؛ حيث تم التفاعل مع طلبة كليات الطب والصيدلة بشكل منفصل، من خلال التمييز بين شعبة الطب وشعبة الصيدلة، نظرًا لاختلاف طبيعة مطالب كل فئة.
وقد تمكنت مؤسسة الوسيط من الاضطلاع بدور وساطة توافقية بين ممثلي الطلبة والإدارة، من خلال عرض مقترحات للحلول على الطرفين، إلى أن تم التوصل إلى توقيع محضر التسوية النهائي، وهو ما يمثِّل نموذجًا دالًّا على أهمية هذه المؤسسة في احتواء التوترات التي شهدتها كليات الطب والصيدلة بالمغرب(62).
وبناءً على ذلك، يمكن التأكيد على الأهمية المحورية للوساطة في تدبير الاحتجاجات، لما تتيحه من إمكانيات لفتح قنوات الحوار بين المحتجين والجهات المعنية. ولا تقتصر هذه الأدوار على الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني فحسب، بل تمتد أيضًا إلى مؤسسات دستورية خُصِّصت وظائفها لممارسة الوساطة. ويُعد ذلك مؤشرًا على انفتاح الدولة على آليات مؤسساتية حديثة تسهم في إرساء فضاءات ديمقراطية قائمة على التوافق والتوازن بين مختلف الأطراف، بما في ذلك الحركات الاحتجاجية والإدارة، من خلال اعتماد مقاربات سلمية وعقلانية تستند إلى القانون وتستحضر المصلحة العامة.
خاتمة
يتبين من خلال هذا البحث أن الدولة المغربية انخرطت في مسار متدرج نحو تبني ما يمكن تسميته بالتدبير الناعم للحركات الاحتجاجية، من خلال اعتماد حزمة من المقاربات المتداخلة، التي برزت بشكل لافت كلما تصاعدت ديناميات الاحتجاج في الفضاء العمومي. ويعكس هذا التوجه محاولة لتجاوز حدود المقاربة الأمنية في بعدها الصلب، التي أفرزت، عبر مراحل سابقة، إرثًا ثقيلًا من التوتر والعنف والعنف المضاد، وما رافق ذلك من تداعيات على مستوى حقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، برزت المقاربات البديلة، القائمة على الحوار والديمقراطية التشاركية والسياسات العمومية ومؤسسات الوساطة، بوصفها خيارات إستراتيجية تسعى الدولة من خلالها إلى عقلنة تدبير الاحتجاجات، بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار الداخلي وصورة الدولة في المنتظم الدولي، خاصة في ظل تنامي الوعي بأهمية احترام الحقوق والحريات الأساسية. وقد أسهمت هذه المقاربات، بدرجات متفاوتة، في التخفيف من حدة التوترات والاحتقانات الاجتماعية، وتعزيز منطق التفاعل بدل الصدام.
غير أن هذه الدينامية، على أهميتها، تظل محكومة بجملة من الإكراهات، التي تحد من فاعليتها، من أبرزها تراجع أدوار مؤسسات الوساطة، وضعف انخراط المواطنات والمواطنين في آليات الديمقراطية التشاركية، إلى جانب الطابع التراتبي الذي يطبع في كثير من الأحيان إعداد وتنفيذ السياسات العمومية. كما أن آلية الحوار، رغم مركزيتها، تبقى رهينة بشروط الثقة والجدية والاستجابة الفعلية للمطالب، وهو ما يجعل نتائجها متفاوتة.
وعليه، فإن التدبير الناعم لا يمكن اعتباره نموذجًا جاهزًا أو مقاربة مكتملة بل هو مسار دينامي يتشكل من تفاعل مجموعة من الآليات المتنوعة، الظاهرة منها والضمنية، والتي تتأثر بالسياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبطبيعة المطالب المطروحة، وبخصائص الفاعلين داخل الحركات الاحتجاجية. كما أن هذا التدبير يتأرجح، بحسب الظرفيات، بين اللجوء إلى المقاربات الناعمة أو العودة إلى المقاربة الأمنية، في ظل هاجس الحفاظ على النظام العام وتفادي الانفلاتات.
ومن بين الآليات التي تندرج ضمن هذا التدبير، توظيف الإعلام في توجيه الرأي العام والتأثير في ديناميات التعبئة، إلى جانب اعتماد استجابات آنية من خلال تقديم تنازلات سياسية واجتماعية واقتصادية، عبر سياسات وقرارات تستهدف احتواء المطالب وتفادي تصاعد الأزمات. كما تلجأ الدولة، في بعض الحالات، إلى إدماج بعض الفاعلين في الحركات الاحتجاجية داخل المؤسسات، بما يسهم في تفكيك هذه الحركات أو الحد من استمراريتها.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تفاعل النظام السياسي المغربي مع حركة 20 فبراير نموذجًا دالًّا على توظيف مقاربات التدبير الناعم في سياق إقليمي مضطرب؛ حيث أسهمت مجموعة من الإصلاحات والقرارات في الحفاظ على قدر من الاستقرار، وتعزيز البناء العلائقي داخل المجتمع بمختلف مكوناته.
وبناءً عليه، فإن مستقبل تدبير الحركات الاحتجاجية في المغرب يظل رهينًا بمدى قدرة الدولة على تطوير هذه المقاربات الناعمة، وتعزيز فاعليتها، خاصة من خلال إعادة الاعتبار لمؤسسات الوساطة، وتوسيع آليات المشاركة، وضمان استجابة فعلية للمطالب الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين الاستقرار السياسي ومتطلبات الديمقراطية.
* د. حسناء بيشرادن، أستاذة القانون العام والعلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان-المغرب.
Dr. Hasnaa Bichraden, Professor of Public Law and Political Science at Abdelmalek Essaâdi University, Tetouan–Morocco.
المراجع
(1) هانك جونستون، الدول والحركات الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد، ط 1 (المركز القومي للترجمة، 2018)، ص 100.
(2) عبد الرحمان رشيق، المجتمع ضد الدولة الحركات الاجتماعية وإستراتيجية الشارع بالمغرب، ترجمة عز الدين العلام، (الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق، 2021)، ص 159.
(3) حسناء بيشرادن، حق التظاهر السلمي في المغرب من الصراع إلى السلمية: قراءة في مداخل متعددة، مؤلف جماعي: الحقوق والحريات الأساسية بالمغرب قراءة متقاطعة، تقديم محمد أمين بنعبدالله، تنسيق: سمير ولقاضي وآخرون، ط 1، (الرباط، مطبعة شمس بريت، 2025)، ص 145-146.
(4) Queensland Police Service, G20 Group Policy and Procedures Manual. Queensland Police Service, (2014).
ورد عند:
Chad Whelan & Adam Molnar: Policing political mega-events through‘hard’ and ‘soft’ tactics: reflections on local and organisational tensions in public order policing, Policing and Society, (2017). http://www.tandfonline.com/loi/gpas20
(5) had Whelan & Adam Molnar, p.12
(6) Gorringe, H, Stott, C & Rosie, ‘Dialogue Police, Decision Making, and the Management of Public Order During Protest Crowd Events’, Journal of Investigative Psychology and Offender Profiling, vol. 9, no.2, (2012) : p.2. (https://doi.org/10.1002/jip.1359
(7) مبادئ توجيهية بشأن حرية التجمع السلمي، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا-مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ط 2، (وارسو/ستراسبورغ: منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، 2010)، ص 19.
(8) هانك جنستون، مرجع سابق، ص 9.
(9) عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية من التمرد إلى التظاهر، ترجمة الحسين سبحان، (منتدى بدائل المغرب، 2014)، ص 82.
(10) تقرير المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان حول أحداث الحسيمة وحماية حقوق الإنسان معطيات نوعية- استنتاجات-توصيات، الرباط 4 يوليو/تموز 2019، ص 63.
(11) نادية البعون، مآلات مناضلي حركة العاطلين حاملي الشهادات العليا بعد توظيفهم: آليات تحويل الخبرات النضالية والإقلاع عن النضال، (المغرب: أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، 2015-2016)، ص 254.
(12) عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب، مرجع سابق، ص 66.
(13) التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2019 فعالية حقوق الإنسان ضمن نموذج ناشئ للحريات، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مارس/آذار 2020، ص 9.
(14) عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، مرجع سابق، ص 82.
(15) تقارير لجان تقصي الحقائق العيون، الحسيمة، صفرو، القصر الكبير، سلا، سيدي إفني، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، 2009، ص 115.
(16) ملخص تقرير احتجاجات الحسيمة، المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2020، ص 18.
(17) عبد الرحمان رشيق، “رغم تبنيها سلوك الحوار، لا زال الهاجس الأمني حاضرًا في تعامل الدولة مع الاحتجاجات، حوارته لطيفة بوسعدن، مجلة وجهة نظر عدد مزدوج 19-20 (ربيع وصيف 2003)، ص 32.
(18) ريمون بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة جورج سليمان، ط1 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 351.
(19) حسن طارق، دستورانية ما بعد انفجارات 2011 قراءة في تجارب المغرب وتونس ومصر، ط 1 (الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 43.
(20) J. Habermas, Between facts and norms: Contributions to a discourse theory of law and democracy (W. Rehg, Trans.). MIT Press.(Original work published 1992), (1996) :302-303.
(21) Catherine Neveu, Démocratie Participative et mouvements sociaux : entre domestication et ensauvagement ? de boeck université particioations , N .1 (2011), P . 187.
(22) Catherine Neveu, p.187 .
(23) القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.16.107 صادر في 28 يوليو/تموز 2016، تم تعديله بالقانون التنظيمي رقم 70.21 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.101 بتاريخ 30 من محرم 1443 (8 سبتمبر/أيلول 2021)، الجريدة الرسمية عدد 7021 بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 2021.
(24) القانون التنظيمي رقم 64.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات تقديم الملتمسات في مجال التشريع كما تم تعديله بالقانون التنظيمي 71.21 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.102 بتاريخ 30 من محرم 1443 (8 سبتمبر/أيلول 2021)، الجريدة الرسمية عدد 7021 بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 2021.
(25) للاستزادة، انظر:
_ ظهير شريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو/تموز 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 يتعلق بالجهات.
_ ظهير شريف رقم 1.15.84 صادر في رمضان 1436 (7 يوليو/تموز 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم.
_ ظهير شريف رقم 1.15.85 صادر في 7 يوليو/تموز 2015، بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
(26) ريمون بودون، مرجع سابق، ص 366.
(27) المرجع نفسه، ص 328.
(28) التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2018، منشور بتاريخ 15 مارس/آذار 2021، متاح على الرابط: www.cese.ma ، ص 131.
(29) ملخص تقرير احتجاجات الحسيمة، المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2020، ص 72.
(30) عمر إحرشان، حراك الريف: السياق والتفاعل والخصائص، مجلة سياسات عربية، العدد 31 (مارس/آذار 2018)، ص 77.
(31) ريمون بودون، ص 329.
(32) حسناء بيشرادن، الاحتجاج والسياسات العمومية في المغرب مقاربة تحليلية، مؤلف جماعي: السياسات العمومية بالمغرب تقاطعات القانون والاقتصاد والمجتمع، تقديم: سليم محمد الورياغلي، تنسيق: زهيرة الإدريسي والآخرون، ط.1(المغرب: منشورات القطب المغربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية، مكتبة دار السلام، 2025 (، ص 187.
(33) كولفرني محمد، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: من الانتفاضة الحضرية إلى المظاهرة السلمية، مجلة نوافذ، العددان 41-42 السنة 11، (سبتمبر/أيلول 2009)، ص 89.
(34) للاستزادة، انظر:
_ عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية من التمرد إلى التظاهر، ترجمة الحسين سبحان، (منتدى بدائل المغرب، 2014).
_ عزيز خمليش، الانتفاضات الحضرية بالمغرب دراسة ميدانية لحركتي مارس 1965 ويونيو 1981، (المغرب: إفريقيا الشرق، 2005).
(35) عبد الرحمان رشيق، السياسات العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب، مجلة عمران، العدد 18، المجلد 5، (خريف 2016)، ص 18.
(36) حسناء بيشرادن، الدولة والحركات الاجتماعية بالمغرب ورهان الأمن المجتمعي (دراسة في الهوية والاختلاف الثقافي)، مؤلف جماعي: الأمن المجتمعي بالمغرب مقاربات في توافق السلطة والمجتمع، تقديم: سمير ولقاضي، التنسيق: حسناء بيشرادن وآخرون، ط 1(سطات: مكتبة الرشاد، 2019)، ص 72.
(37) عبد الرحمان رشيق، السياسة العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب، ص 18 وما بعدها.
(38) عبد الرحمان رشيق، (حوار) هذه قراءتي لحراك الريف والردود أفعال الدولة، 4 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 10 يناير/كانون الثاني 2018)، www.Mowatin.com
(39) عبد الإله أمين، سؤال العدالة الانتقالية بالمغرب، مجلة النوافذ، العدد 41_42 (سبتمبر/أيلول 2009)، ص 52.
(40) نفس المرجع، ص 59.
(41) إسماعيل الجباري الكرفطي، العدالة الانتقالية السياسة، الصراع، الإنصاف، ط 1 (المغرب: الطباعة والنشر سليكي أخوين طنجة، يناير/كانون الثاني 2019)، ص 7.
(42) المختار بنعبدلاوي، الموجة الرابعة، كلمة العدد، مجلة الرهانات العدد 18، (ربيع 2011)، ص 4.
(43) محمد نور الدين أفاية، الوعي بالاعتراف الهوية، المرأة، المعرفة، ط 1 (النشر والتوزيع مؤمنون بلا حدود، 2017)، ص 188.
(44) عبد الله حمودي، المجتمع المدني ومنهج المقارنة المتشائمة، مؤلف جماعي: وعي المجتمع بذاته عن المجتمع المدني في المغرب العربي، إشراف عبد الله الحمودي، ط1 (دار توبقال للنشر، 1998)، ص 69.
(45) مايكل إدوارز، المجتمع المدني النظرية والممارسة، ترجمة عبد الرحمن عبد القادر شاهين، ط 1 (الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مايو/أيار 2015)، بيروت، ص 60.
(46) أحمد بودراع، المواطنة: حقوق وواجبات، المجلة العربية للعلوم السياسية، العددين 43-44، (صيف-خريف 2014)، ص 150.
(47) محمد سعدي، حراك الريف ديناميات الهوية الاحتجاجية، دراسة ميدانية، (مطبعة سيليكي أخوين طنجة، 2019)، ص 262.
(48) عباس بوغالم، سؤال السياسة بالمغرب: أزمة وساطة أم أزمة سلطة؟، مؤلف جماعي: الدولة وحراك الريف السلطة: السلطة المضادة وأزمة الوساطة، تنسيق محمد الرضواني، ط 2 (سلسلة بدائل قانونية وسياسية، 2018)، ص60.
(49) عمر إحرشان، ص 76.
(50) الحبيب أستاتي زين الدين، الأحزاب السياسية في المغرب ومأزق التوترات الاجتماعية الجديدة، مجلة سياسات عربية، العدد 46، (سبتمبر/أيلول 2020)، ص 72.
(51) بن أحمد حوكا، الرأسمال الاجتماعي ورابطة العيش المشترك: دراسة في الركائز الأخلاقية والثقافية للاجتماع السياسي في المغرب، مجلة إضافات، العددان 29-30، (شتاء-ربيع 2015)، ص 175.
(52) محمد نور الدين أفاية، ص 188.
(53) عمر إحرشان، مرجع سابق، ص 77
(54) عبد الرحمان رشيق، الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية، مجلة عمران، العدد 26 المجلد 7 (خريف 2018)، ص170.
(55) محمد سعدي، ص 262.
(56) المرجع نفسه، ص 262.
(57) محمد نور الدين أفاية، ص 189.
(58) النموذج التنموي الجديد تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، (التقرير العام)، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، المملكة المغربية، أبريل/نيسان 2021، ص 67.
(59) مايكل إدوارز، ص 60.
(60) بن أحمد حوكا، الرأسمال الاجتماعي ورابطة العيش المشترك، دراسة في الركائز الأخلاقية والثقافية للاجتماع السياسي في المغرب، مجلة إضافات، العددان 29-30، (شتاء-ربيع 2015)، ص 14.
(61) مؤسسة الوسيط تقرير برسم سنة 2024، منشور في الجريدة الرسمية، المملكة المغربية، عدد 7423 مكرر، (22 يوليو/تموز 2025)، ص 5491.
(62) المرجع نفسه، ص 5496.
