ملخص
تنطلق هذه الدراسة من جزيرة إبستين، بوصفها واقِعَةً مُؤَسِّسَةً، لتبحث في سؤال يتجاوزها: لماذا تتكرر الجزر فضاءاتٍ لاحتضان أنماط مختلفة من الشر في التاريخ القديم والحديث؟ وتفترض الدراسة أن هذا الارتباط لا يرجع إلى خصائص الجزر الطبيعية، ولا إلى ما أحاط بها من أساطير، وإنما إلى ما تؤديه من وظائف جيوسياسية تجعلها مجالات للاستثناء، والعزل، وإعادة توزيع العلاقة بين السلطة والقانون والرقابة.
ولبناء هذا التفسير، تؤصِّل الدراسة مفهوم “الجغرافيا السياسية للشر”، مستفيدةً من إسهامات ديفيد هارفي في إعادة تشكيل المجال، وميشيل فوكو في فضاءات الإقصاء وتنظيم الظهور والإخفاء، وجورجيو أغامبن في نظرية الاستثناء وتعليق القانون، وإيف لاكوست في فهم الجغرافيا بوصفها أداة لإنتاج القوة والصراع. وانطلاقًا من هذا التأصيل، تقترح الدراسة نموذجًا تفسيريًّا يربط بين العزلة الجغرافية، والاستثناء القانوني، وشبكات النفوذ، والسردية الإعلامية، بوصفها عناصر بنيوية مشتركة في تكوين “جزر الشر”.
وتختبر الدراسة هذا النموذج من خلال ثلاث حالات مقارنة، هي: قاعدة غوانتانامو، وجزر التجارب النووية، وجزر الاقتصاد السري، لتبيِّن أن اختلاف الوظائف لا ينفي وحدة البنية؛ فهذه الجزر، على تباين أغراضها، تشترك في توظيف الجغرافيا لإنتاج فضاءات استثنائية، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين السُّلطة والقانون ورأس المال والرقابة.
وتخلص الدراسة إلى أن “جزر الشر” ليست مفهومًا جغرافيًّا أو توصيفًا أخلاقيًّا، وإنما نموذج تفسيري يوضح كيف تتحول الجغرافيا، في الدولة الحديثة والنظام الدولي المعاصر، إلى أداة لإنتاج الاستثناء، وإعادة تشكيل شبكات القوة، بما يجعل المكان نفسه عنصرًا فاعلًا في بناء النفوذ وإدارة الهيمنة.
الكلمات المفتاحية: الجغرافيا السياسية، جزر الشر، جزيرة إبستين، الاستثناء، الجغرافيا السياسية للشر، شبكات النفوذ، ميشيل فوكو، جورجيو أغامبن، إيف لاكوست.
Abstract
This study takes Epstein Island as a foundational case to address a broader question: Why have islands repeatedly emerged as spaces that accommodate different forms of evil throughout ancient and modern history? It argues that this association cannot be explained by the natural characteristics of islands or by the myths historically attached to them. Rather, it stems from the geopolitical functions islands perform as spaces of exception, isolation, and the reconfiguration of the relationship between power, law and surveillance.
To develop this argument, the study establishes the concept of the “geopolitics of evil”, drawing on David Harvey’s analysis of the production and restructuring of space, Michel Foucault’s work on spaces of exclusion and the regulation of visibility and invisibility, Giorgio Agamben’s theory of the state of exception and the suspension of law, and Yves Lacoste’s conception of geography as an instrument for the production of power and conflict. Building on these theoretical foundations, the study proposes an analytical model that links geographical isolation, legal exceptionality, networks of influence and media narratives as the shared structural elements underlying the formation of “islands of evil”.
The study tests this model through a comparative analysis of three cases: Guantanamo Bay, nuclear testing islands, and islands of the shadow economy. It demonstrates that differences in function do not negate the underlying structural unity. Despite their divergent purposes, these islands all employ geography to produce exceptional spaces in which the relationships among power, law, capital and surveillance are fundamentally reconfigured.
The study concludes that “islands of evil” should be understood neither as a geographical category nor as a moral label, but as an analytical framework that explains how geography, within the modern state and the contemporary international order, becomes an instrument for producing states of exception and restructuring networks of power, thereby making place itself an active agent in the construction of influence and the management of domination.
Keywords: geopolitics, islands of evil, Epstein Island, exception, geopolitics of evil, networks of power, Michel Foucault, Giorgio Agamben, Yves Lacoste.
مقدمة
ارتبطت الجزر، عبر التاريخ، بالمجهول والأسطورة والمنفى والعزلة. ففي المخيال الإنساني كانت موطنًا للآلهة، أو الشياطين، أو المنفيين، أو الكائنات الخارقة، غير أن الدولة الحديثة أعادت توظيف هذا الإرث الجغرافي والرمزي في سياقات جديدة؛ فلم تعد الجزيرة فضاءً للأسطورة فحسب، بل غدت، في حالات عديدة، فضاءً للاستثناء، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين السلطة والقانون والرقابة. ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من مفهوم “الجغرافيا السياسية للشر”، بوصفه إطارًا تفسيريًّا لفهم الكيفية التي تتحول بها بعض الفضاءات الجغرافية إلى أدوات لإنتاج الاستثناء، وإدارة النفوذ، وتهيئة فضاءات للممارسات التي يصعب أن تجد موطئًا لها في المجال العام.
وترتكز هذه الدراسة على تحليل الحالة الغربية الحديثة، وتحاكمها إلى الفكر الغربي نفسه، دون أن تمتد إلى المراحل التاريخية السابقة، ولاسيما ما قبل القرن العشرين، أو إلى مواقف أخلاقية أو فلسفية تنتمي إلى مرجعيات حضارية أخرى. فهي تتناول منتجًا نشأ في السياق الغربي الحديث، وتسعى إلى مساءلته ونقده انطلاقًا من معاييره الفكرية والأخلاقية ذاتها، دون الاستناد إلى منظومات قيمية خارج هذا الإطار.
ولا يعني ذلك أن الجغرافيا تنتج الشر بذاتها، أو أن بعض الأمكنة شريرة بطبيعتها، وإنما المقصود أن بعض الفضاءات الجغرافية اقترنت، عبر التاريخ، بوظائف سياسية وقانونية واقتصادية، جعلتها أكثر قابلية لاحتضان أنماط معينة من الممارسات. فالجغرافيا، بهذا المعنى، ليست مجرد مسرح محايد للأحداث، بل قد تصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيلها، وإعادة توزيع العلاقة بين القوة والقانون والمجتمع.
وفي “جزر الشر” تتراجع الرقابة، ويضعف إنفاذ القانون، وتنحسر الرؤية الكاشفة، فتغدو فضاءاتٍ للاستثناء، تتجسد فيها خصائص العزلة والتحكم والسرية. وقد كان ذلك حاضرًا في المخيال القديم، ثم تجسد بصور جديدة في العصر الحديث حين احتاجت الدول وشبكات المصالح إلى مجالات تؤدي وظائف استثنائية؛ تبدو، في ظاهرها، خاضعة للقانون، بينما أُريد لها، في واقع الأمر، أن تتيح قدرًا من الانفلات منه. وما غوانتانامو وجزر التجارب النووية وجزر الاقتصاد السري إلا نماذج مختلفة لوظيفة واحدة، تتغير أدواتها وتبقى بنيتها.
وتنطلق الدراسة من جزيرة إبستين بوصفها واقعةً مؤسِّسةً، لا لأنها حالة منفردة، وإنما لأنها تكشف بنية جيوسياسية تتكرر، بصور ووظائف مختلفة، في فضاءات أخرى. ومن ثم، تحاول الدراسة الإجابة عن إشكاليتها المركزية: هل تعيد الدولة الحديثة إنتاج صورة الشر في الهوامش، ولاسيما في الجزر؟ وهل توظفها لتكون مجالًا للممنوعات وفضاءً للمحظورات؟ وكيف يسهم المجال الهامشي في إدامة الممارسات المحظورة؟ وهل تجسِّد جزيرة إبستين نموذجًا سياسيًّا لما يمكن تسميته “الجغرافيا السياسية للشر”؟
أولًا: الواقعة المؤسِّسة.. جزيرة إبستين
لم تكن جزيرة “ليتل سانت جيمس” (Little Saint James)، إحدى جزر “العذراء الأميركية”(2)، معروفة خارج نطاق مُلَّاكها وزائريها، حتى اشتراها الملياردير الأميركي، جيفري إبستين(1)، عام 1998، فتحوَّلت، مع مرور الوقت، من جزيرة خاصة شبه مجهولة إلى واحدة من أكثر الجزر إثارة للجدل في العصر الحديث. ولم يكن هذا التحول نتيجة موقعها أو طبيعتها وإنما لما انكشف من الوظيفة التي أدَّتها داخل شبكة معقدة من العلاقات والممارسات الإجرامية.
وتفيد الدعاوى التي رفعتها ناجيات -أو من بقين على قيد الحياة، أو تجرَّأن على كشف ما تعرضن له في الجزيرة-، وما انتهى إليه المدَّعُون العامُّون الأميركيون، بأن الجزيرة لم تكن مجرد مقر إقامة خاص، وإنما مثَّلت، لعقود، فضاءً منظمًا للاتجار الجنسي، ولاسيما استغلال القاصرات؛ إذ تضمنت الشهادات وقائع تتعلق بفتيات تراوحت أعمار بعضهن بين الحادية عشرة والثانية عشرة(1). واستمر هذا النشاط رغم تسجيل إبستين “مجرمًا جنسيًّا” في جزر العذراء منذ عام 2010(2). كما تكشف سجلات الطيران عن زيارات قامت بها شخصيات دولية بارزة للجزيرة، في حين تحدثت بعض الناجيات عن تعرضهن لاعتداءات أو تحرشات جنسية ارتكبها بعض زائريها(3).
ولم تبق هذه الوقائع في حدود الشهادات الفردية؛ إذ دعمتها معطيات وتحقيقات رسمية أظهرت أن الجزيرة كانت تدار بطريقة وفرت للنشاط الإجرامي قدرًا كبيرًا من الاستمرار والحماية. فقد توصلت السلطات إلى أن إبستين كان يستقدم قاصرات بصورة متكررة على متن طائرته الخاصة، من دون أن يحول ذلك دون استمرار نشاطه سنوات طويلة(4).
وبعد اعتقال إبستين، ثم مصرعه في محبسه عام 2019 في ظروف غامضة، انتقلت الجزيرة نفسها إلى قلب التحقيقات، فداهمها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي لجمع الأدلة(5). ثم تتابعت الوقائع التي كشفت تدريجيًّا طبيعة ما جرى فيها؛ ففي عام 2022 توصلت حكومة جزر العذراء الأميركية إلى تسوية مع تركة إبستين تجاوزت قيمتها 105 ملايين دولار، شملت نصف عائدات بيع الجزيرة، في إطار دعاوى تتعلق بالاتجار الجنسي والاعتداء على عشرات الفتيات والأطفال(6).
ولم يتوقف انكشاف الجزيرة عند ذلك؛ ففي ديسمبر/ كانون الأول 2025، نشرت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي صورًا ومقاطع مصورة التقطتها سلطات جزر العذراء، ألقت الضوء على مرافق الجزيرة والأماكن المرتبطة بالتحقيقات، من دون إظهار أشخاص(7). كما كشفت تحقيقات لاحقة -منها تحقيق مجلة WIRED- عن بيانات هواتف محمولة لنحو مئتي زائر للجزيرة قبل وفاة إبستين، بما أظهر اتساع شبكة المترددين عليها(8). وفي يناير/كانون الثاني 2026، أصدرت وزارة العدل الأميركية ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة بالقضية، تضمَّنت تفاصيل إضافية عن شبكة علاقات إبستين، ومحاولات -لم تتأكد نتائجها- لزيارة شخصيات عامة للجزيرة(9). أما الجزيرة نفسها فقد بيعت وفق التسوية المشار إليها، بينما لا تزال التحقيقات المتعلقة بما ارتكب فيها من جرائم مستمرة(10).
ثانيًا: الجغرافيا السياسية للشر: تأصيل النظري
يُقصد بالجغرافيا السياسية للشر، في هذه الدراسة، المجال الذي تُنظَّم فيه الممارسات المنافية للأخلاق، والقانون، والنظام العام، أو السَّكينة العامة في اصطلاح القانون الإداري. وهو مجال تتراجع فيه رقابة المجتمع، وتضعف فيه سلطة القانون، فتتشكل داخله شبكات مصالح تتخادم وتتبادل منافع يحظرها القانون في المجال العام، أو يفرض عليها قيودًا صارمة.
ويقوم هذا المجال على تهيئة بيئة تبتعد، بدرجات متفاوتة، عن الأطر القانونية والشرعية المعتادة. ولا يدخل ذلك في باب الحتمية أو القدرية أو الغيبيات بل هو نتاج فعل بشري خالص يتسم بالعزلة المادية عن عموم الناس، وبإخضاع منافذ الدخول إليه لسيطرة مالكيه أو مستغلِّيه أو مشغِّليه، مع انحسار الاختصاص القضائي الفعلي وارتفاع مستويات السرية وتشتيت المسؤولية واستخدام أساليب متعددة من التضليل المقنَّع.
وتأسيسًا على ذلك، يقوم البناء النظري لهذه الدراسة على أربعة مداخل فكرية رئيسة. يتمثل أولها في ديفيد هارفي، الذي ينظر إلى إعادة تشكيل المجال بوصفها أداة متجددة لإنتاج السلطة. ويتمثل ثانيها في ميشيل فوكو، من خلال تحليله لفضاء الإقصاء الرمزي في “سفينة المجانين”. أما ثالثها فيتمثل في جورجيو أغامبن، ونظريته في فضاءات الاستثناء، أو ما يسميه بـ”المنطقة المعلَّقة”، التي تتقاطع، في دلالتها، مع السفينة العائمة عند فوكو. وأخيرًا، تستند الدراسة إلى إيف لاكوست في تحليله للجغرافيا بوصفها مجالًا لتوازنات القوة والصراع في الفضاء الإستراتيجي.
المجال أداة سلطوية متجددة
في منظور ديفيد هارفي(11)، تبحث الرأسمالية عن حل لأزماتها عبر إعادة تشكيل المجال؛ فالإنتاج المستمر لجغرافيات جديدة ليس سوى إنتاج متجدد لأدوات السلطة. ويؤدي ضغط الزمان والمجال إلى تسريع حركة رأس المال ودورانه، على نحو يشبه ما تفعله الطبيعة في المجال.
وهكذا يغدو المجال أداةً للتراكم، تتسارع من خلالها حركة رأس المال، وتُستوعَب فوائض الإنتاج. كما يسهم ضغط الزمان والمجال في تقليص المسافات زمانيًّا ومكانيًّا، بما يعجِّل دوران رأس المال، ويُنتج جغرافيات جديدة. وفي منطقه الأيديولوجي، يتحول الفضاء إلى حقل للصراع الطبقي، فتغدو الجغرافيا نتاجًا لمصالح تراكم رأس المال، ويصبح المجال مركزًا للقوة يقود المجالات الأخرى، وسلعةً قائمةً بذاتها.
وباختصار، تمثل الجغرافيا عند هارفي أداة سياسية واقتصادية ومالية تضمن الهيمنة الرأسمالية من خلال إعادة تشكيل المجال على نحو دائم. وفي هذا السياق، تبدو الجزر، بما هي فضاءات استثنائية ومعزولة، وضعيفة الخضوع لقواعد الشفافية، بيئاتٍ مهيأةً للاستثمار الرأسمالي؛ إذ تتيح محدودية الرقابة القانونية والمجتمعية الاحتكار والانفراد بالربح والتهرب من الضرائب والرسوم بما يعزِّز نفوذ السلطة وحلفائها من الرأسماليين(12).
الاستثناء من المؤقت إلى الدائم
الاستثناء، في القانون وقواعد الحكم، هو تعليقٌ للقاعدة بالقاعدة، لا بفعل آثار الطوارئ المؤقتة، وإنما بتحويل أثرها إلى حالة دائمة؛ أي إن ما يبدأ حُكمًا استثنائيًّا تفرضه الطوارئ يغدو، مع الزمن، قاعدة عامة، حتى بعد زوال دواعيه.
وبهذا المنظور، تغدو مجالات الاستثناء جزءًا من المنظومة لا خارجها؛ فهي استثناء يصنعه القرار السياسي، وتكرِّسه الممارسة المتكررة. ومن هذا المدخل يمكن فهم الجزر المعزولة جغرافيًّا، المحدودة المداخل، والمتصلة وظيفيًّا بالشبكات؛ إذ تجعلها طبيعتها الجغرافية أكثر قابلية للعزل من غيرها من فضاءات اليابسة المتصلة.
وفي منطق ميشيل فوكو(13)، تُمارَس السلطة عبر إنتاج المعرفة والانضباط والتصنيف، وتحديد فضاءات لإدارة الأجساد، سجنًا كانت أو معسكرًا أو مصحة. ومن ثم، تصبح الجزيرة قابلةً للضبط الخارجي لسهولة التحكم في منافذها، في الوقت الذي تنحسر فيه الرقابة المجتمعية والقانونية داخلها، فتغدو بيئة أكثر ملاءمة لعمل الشبكات، بما تفرضه من تنظيم يحفظ مصالحها، ويحوِّلها إلى فضاء للانضباط من غير مساءلة، وللرقابة من غير رقيب.
نفي الحداثة المبكرة للآخر
في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، حدَّد فوكو بنية جغرافية لما يمكن تسميته بـ”الإقصاء الحضاري”، حين استعار “سفينة المجانين” تخيلًا رمزيًّا يعكس انتقال المجتمع الأوروبي من احتواء الجنون بوصفه “حالة اجتماعية” مفهومة في أي مجتمع يمكنه احتواؤها، إلى حالة منفية عبر فضاءات حدودية عائمة، لا تنتمي لحالة اليابسة، التي هي السكن الطبيعي لأغلب البشر، ولا تنتمي أيضًا لحالة الماء التي ترمز إلى الحياة والتطهر والغموض، فهي حالة نفي مكتملة، المستهدَفون بها مذبذبون؛ لا ينتمون لعالم الإنسان ولا يغرقون في عالم المجهول.
المجنون هنا لا يُقتل، ففعله أو عقوبته أقل من القتل، لكنه أيضًا لا يُدمج؛ أي لا يعالج ليكون قادرًا على العيش داخل المجتمع، ومن ثم تنشأ حالة عبور دائمة أو انتقال مستمر؛ بين اليابسة والبحر، بين المعلوم والمجهول، بين المحدد وغير المحدد، أو -إن شئت- بين المعقول واللامعقول.
وتجسِّد سفينة مجانين فوكو بهذا المعنى “المنفى المتحرك”؛ فإذا كان المنفى في صورته التقليدية جزيرةً في بحر، أو في عزلة محددة مفروضة، فإنه يتحول عند فوكو إلى مجال إخفاء وعزل داخل شبكة السلطة، وضمن آليات إدارتها وإرادتها الواعية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة جزيرة إبستين عنوانًا لتحوُّل جيوسياسي لبنية الإقصاء أو النفي؛ فبينما تمثل سفينة فوكو جزيرةً متحركة، تجسد جزيرة إبستين جزيرة ثابتة تؤدِّي الوظيفة ذاتها.
وتبعًا لمنطق الاستثناء الذي تمارسه السلطة في حالة إبستين، يثور التساؤل: هل لـ”سفينة المجانين” عند فوكو علاقة بالسلطة؟ والإجابة: نعم؛ فالسلطة هي التي تتخذ قرار الاقصاء، وهي التي تحدد الفضاء الذي يُمارَس فيه، فتجعل السفينة جزيرة عائمة تحمل صفة الاستثناء، سواء في طبيعة مجال الحياة، أم في القواعد القانونية والاجتماعية التي تحكمه.
الجنون والعلاقة بالسلطة
لا ينظر فوكو إلى الجنون من الزاوية المَرَضية بل يعالج موضوعه بوصفه مادة لإنتاج “السلطة والمعنى”. فالجنون عنده ليس حالة بيولوجية أو نفسية محددة بل هو نتيجة عملية تاريخية فصلت بين المعقول واللامعقول، وأعادت ترتيب المنظومة الاجتماعية تبعًا لذلك. ومن ثم يغدو الجنون ظاهرة اجتماعية أنتجها المعنى والسلطة، وليس حالة نفسية أو بيولوجية كغيرها من الظواهر.
في “سفينة المجانين” تظهر رمزية هذا الترتيب؛ إنها فضاء عائم، غائم، غامض، يحمل “آخرين مختلفين”، بعيدًا عن المنظومة الاجتماعية، من غير أن يعالجهم أو يقتلهم أو يعاملهم طبقًا للعزل المعروف في السجون أو في الجزر المُعرَّفة مجالًا؛ فهم في سفينة لا تمخر البحر إلا لتستقر على المرسى ثم تعاود الإبحار مرة أخرى، وهلم جرَّا. إنها صيغة مبكرة لتعليق حكم الإعدام أو تجميده قبل إلغائه، أو هي صيغة لإقصاء غير دموي لكنه قاتل معنويًّا؛ إذ يظل مجاله غير محدد، شأن السفينة في البحر، فلا هي مستقرة فيه ولا هي منتهية الترحال إلى المرسى أو الميناء، وإنما تظل معلقة بينهما كالكرة يتقاذفانها، لا تستقر في ناحية إلا لتنطلق نحو الأخرى.
وهذه “البينيَّة” تترجم جوهر السلطة الحديثة عند فوكو؛ فالسلطة لا تدمر الآخر بل تعيد موضعته خارج مركز الشرعية، وذلك بعزل من تعده منظومتها خطرًا رمزيًّا عليها. وبذا تكون سفينة فوكو تجسيدًا ثقافيًّا للعلاقة بين المعنى والسلطة في إنتاج الآخر وإقصائه.
تعليق القانون
يرى الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبن، أن جوهر السيادة يتمثل في القدرة على تعليق القانون داخل حيز جغرافي معين. فالسيادة لا تتجلى في احتكار العنف أو في سَنِّ القوانين فقط؛ وإنما في القدرة على تعليق القانون وإيجاد فضاء استثنائي يُعلَّق فيه القانون دون أن يختفي. هنا لا يغيب القانون بالمطلق، بل يظل حاضرًا بوصفه سلطة تملك حق تعليق نفسها، أو تجميد مقتضياتها، وبذلك تتحول حالة الاستثناء من تدبير مؤقت إلى تقنية دائمة من تقنيات الحكم، يغدو معها الاستثناء جزءًا من البنية الطبيعية للسيادة الحديثة.
ويترتب على ذلك أن السلطة السيادية، وفق أغامبن، لا تُعرَّف بحدودها القانونية، وإنما بقدرتها على إنتاج فضاءات تقع عند الحدود بين القانون واللاقانون. إنها القدرة على التحكُّم في القانون بالقانون وتحكُّم السلطة في الاثنين؛ لأنها صانعة لهما، مسيطرة على تحقيق مقتضياتهما.
في هذه الفضاءات يُختزل الإنسان إلى ما يسميه أغامبن بالحياة العارية أو المكشوفة تمامًا؛ أي الحياة المجرَّدة من الضمانات السياسية والحقوقية؛ بحيث يصبح الفرد خاضعًا للسلطة من غير أن يتمتع بالحماية القانونية الكاملة. ومن هنا يغدو المعسكر -وليس السجن أو المحكمة- النموذج السياسي الأبرز للحداثة؛ لأنه يمثِّل المكان الذي تتجسد فيه حالة الاستثناء بصورة دائمة؛ حيث يستمر النظام القانوني شكليًّا بينما تتوقف آثاره العملية على فئة أو جماعة أو إقليم معين.
ومن هذا المنظور، لا تقتصر حالة الاستثناء على المعسكرات أو مناطق الحرب بل تمتد إلى طيف واسع من الفضاءات التي تُعطَّل فيها القواعد القانونية باسم الأمن أو السيادة أو الضرورة، مثل مناطق الاحتلال ومراكز الاحتجاز خارج الاختصاص القضائي وبعض الجزر المعزولة التي تُدار وفق نظم استثنائية. ولذلك أصبح تصور أغامبن أحد أكثر الأطر النظرية تأثيرًا في تحليل الجغرافيا السياسية للسلطة؛ إذ يكشف أن السيادة لا تُمارَس فقط عبر رسم الحدود وإنما أيضًا عبر إنشاء مناطق استثناء؛ تُعلَّق فيها القواعد القانونية، فتغدو الجغرافيا ذاتها أداة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون والإنسان(14).
بين فوكو وأغامبن
يحدد جورجيو أغامبن أن جوهر السيادة يتمثل في القدرة على تعليق القانون في مساحة معينة، فالسيادة ليست في تطبيق القانون كما يكون، ولا في غيابه أو انعدامه أصلًا، بل في حضوره بوصفه معلَّقًا أو مغيبًّا اختيارًا ووعيًا.
إن فوكو ينفي الآخر، أو المختلِف، خارج المدينة، أو -إن شئت- اليابسة، ويجعله حالة معلَّقة بين بين؛ لا هو في اليابسة استقرارًا، ولا في البحر سكونًا، في حين يرى أغامبن أن الدولة تُعْزَلُ بالاستثناء داخل النظام بصيغة خارجة على القانون؛ فالاستثناء إذن هو ما يربط بين الفيلسوفين في الفعل لكنه عند فوكو جغرافي بيني، بينما هو قانوني سيادي عند أغامبن.
بذا ندرك أن السفينة منفى لا يرتبط باليابسة وفي الوقت نفسه فإنه لايستقر في البحر؛ فهي منفى متحرك عائم، أما الجزيرة المستثناة في عالمنا المعاصر فهي مجال سيادي له خصوصية في التملك والحيازة؛ تُعلَّق فيه القوانين فعلًا وإجراءات، أو نتيجةً واحتيالًا وممالأة، وتنعدم فيه رقابة المجتمع، وتتأجل فيه المحاسبة التي لا تتأتى إلا بالاستثناء القهري، وبذا يمكن القول: إن الجغرافيا الطبيعية هنا، بصيغتها السياسية، تنتقل من ممارسة الإبعاد إلى تأطير التحصين.
الجغرافيا أداة للصراع
في سعيه لتحرير الجغرافيا مما أسماه صورتها المدرسية القاصرة على “التضاريس والأنهار والجغرافيا” وإبراز حقيقتها “معرفةً إستراتيجيةً مرتبطةً بالسُّلْطة”، وأنها “تُستعمل أولًا لصناعة الحرب”، عَدَّ الجيوسياسي الفرنسي، إيف لاكوست(15)، سؤال: “من يسيطر على المكان؟ ولماذا؟” هو سؤال السياسي الإستراتيجي، أما سؤال: “كيف يبدو المكان؟”، فهو في رأيه سؤال السائح أو الجغرافي الوصفي الذي لا ينفذ إلى معنى النفوذ وصراعات المصالح.
فالجغرافيا عند لاكوست معرَّفةً بالسلطة؛ إذ كل سلطة، مهما كانت طبيعتها، تمتلك معرفةً دقيقة بالمجال الذي تحكمه أو تسعى إلى بسط نفوذها عليه. ومن ثم، فإن الجغرافيا الطبيعية من ممرات وجبال وبحار وأنهار وموارد طبيعية وخرائط، هي أدوات لاتخاذ القرار السياسي السلطوي، وليست معلومات أو معطيات بريئة خالية من المعنى السياسي.
ومن ثم فإن الجغرافيا -بهذا المنظور- مكوِّن من مكوِّنات القوة الوطنية عند لاكوست؛ إذ تمنح الدولة ممارسة السلطة؛ فرضًا للنفوذ، أو إدارةً للسلم أو للحرب بمختلف أبعادها. ولذا فقد خدمت الجغرافيا الإمبراطوريات قبل أن تدخل مجال الدرس الأكاديمي والتفكير الفلسفي؛ فالخريطة في أصلها وثيقة عسكرية، وفهم التضاريس شرط للغزو كما هو شرط للدفاع.
إن الحقيقة الجغرافية لدى لاكوست تعني اختيار ما يُرسم، فيُثبَّت على الخارطة، وما يُهمَل فيسقط من التفكير الإستراتيجي، وما يُبرَز لتشكيل الرؤية، وما يُخْفَى في سياق الفعل السياسي. ومن ثم، تصبح الجغرافيا فعلًا سياسيًّا بامتياز؛ فالخرائط هي نتاج رؤية للعالم لا مجرد تمثيل للطبيعة، وما يترتب على هذه الرؤية من تفسير إنما هو تدليل على نجاعة هذا التصور أو تسويغ لاتخاذه. فحدود الدولة تعني منطقة أمنية لسلطتها، وموطنًا تاريخيًّا لسكانها، وخطوط الحدود والممرات البحرية ومناطق النفوذ خطوط تعكس حقائق الطبيعة، وبذا تتحول الجغرافيا إلى أداة خادمة لأيديولوجيا السلطة، وترجمةً لسرديتها السياسية، وليست مجرد علم وصفي محايد.
وينعكس ذلك في الربط -لدى لاكوست- في العلاقة بين السيطرة على المكان والسيطرة على الإنسان؛ فكل سيطرة على المجال هي سيطرة على ساكنيه. ولذلك فإن الصراع على الأرض صراع على الإنسان وللإنسان، قبل أن يكون صراعًا على الموارد والمواقع والممرات؛ إذ إن التحكم في كل ذلك يعني التحكم في حركة الإنسان ثقافةً واقتصادًا وتجارةً.
من هنا، فإن الصراع على المضائق والممرات البحرية اليوم مثلًا، كهرمز وباب المندب وقناة السويس؛ لا يتعلق بقيمتها الجغرافية المجردة بل بما تتيحه من قدرة على التأثير في اقتصاد العالم والنفوذ إلى مواقع صنع القرار السياسي في الدول المعنية.
وعلى هذا الأساس، لا ينفك فهم السياسة الدولية عن فهم الجغرافيا؛ إذ الحروب لا تنشأ في فراغ وإنما في مجال محدد الخصائص، ترسم الدول تحركها فيه بناء على فرصه وإكراهاته. ومن ثم، فإن التنافس في بحر الصين، أو في الخليج، أو القطب الشمالي، لا تفسره الأيديولوجيات منفردة بل تشرحه كذلك الجغرافيا بما تبرزه من قيمة إستراتيجية تجعل تلك المناطق ومثيلاتها مصدرًا للقوة ومجالًا للنفوذ في الصراع.
وخلاصة تصوُّر لاكوست أن الجغرافيا ليست عِلمًا بالمكان، وإنما علم بالصراع على المكان، ولعمري فإنها كذلك؛ بما هي إدراك لطبائع المكان الذي يقود إلى الصراع عليه، نفوذًا وتحكمًا.
وبما أن لاكوست انتهى إلى أن الجغرافيا أداة هيمنة وصراع؛ ولم تكن أبدًا وصفًا محايدًا للمجال، فإن اختياره الجزيرة محضنًا للشر، بهذا المنطق، ليس صدفة بل قرارًا سياسيًّا بامتياز، دعت إليه القدرة على التحكم في المنافذ، والبعد عن نواظر المجتمع؛ وما يترتب على ذلك من ضعف الرقابة القانونية والشفافية الإدارية. وهذا يحيل إلى أن المجال، في جوهره، صنعة سياسية، تصورًا وممارسة. فالجزر، بحكم عزلتها، تتيح للسلطة مجالًا أوسع للتحكم، بما هي معزولة؛ لا تخضع لقواعد الشفافية، ولا القانون ولا لسلطان المجتمع العرفي.
إن قراءة الفضاء المعزول من خلال فوكو وأغامبن ولاكوست، تكشف أن الجغرافيا ليست حيادية في إدارة الانحراف الأخلاقي أو السياسي. فمن “سفينة المجانين” التي حملت المختلفين بعيدًا عن المدينة، إلى فضاءات الاستثناء المعاصرة التي يُعلَّق فيها القانون، يظهر بجلاء أن السلطة لا تُقصي الشر، بل تُعيد هندسة موضعه، وبذا يصبح الفضاء أداةَ تنظيمٍ للمرئي والمخفي، ويغدو العزل الجغرافي أحد أشكال إنتاج الحقيقة السياسية ذاتها.
ثالثًا: الجزر الاستثنائية: نموذج تفسيري
ظَلَّ الإنسان، منذ فجر التاريخ، يبحث عن موضع يودع فيه مخاوفه وأسراره بعيدًا عن أعين الفضول، ويلجأ إليه هربًا من مخالفة القانون أو سطوة الرأي العام، قبيلةً كان أو دولة. ولذلك أسكن الخيالُ الوثني آلهتَه الجبالَ، وأودع الأرواحَ الكهوف، وجعل جزر البحار البعيدة موطنًا للشيطان، ومعه الجن والسحرة والكائنات الخارقة.
وتجسد هذه الصورة علاقة الإنسان بالمجهول النسبي؛ فلم تكن مجرد انعكاس لخيال ديني بل ارتبطت بطبيعة الإنسان التي جعلته، كلما ابتعد عن عالم العمران، اقترب من عالم الأساطير والخرافات والشعوذات. وفي القرن الحادي والعشرين، وبعد أن تراجعت سلطة الأسطورة وانكشف كثير من الغيب النسبي، غدت الجزر، في بعض صورها، مجالًا لإخفاء شبكات بشرية تفوق الجن غرابةً والشياطين شرًّا.
ومن هذا المنطلق، تتيح الجغرافيا السياسية للشَّرِّ بناء نموذج تفسيري للجزيرة الاستثنائية لا من زاوية عزلتها الجغرافية وحدها وإنما من خلال تحليل بنيتها، وقراءة تفاعلها مع القانون والاقتصاد والمال وشبكات المصالح والنفوذ. ويفتح ذلك بابًا لفهم الجزر في الدولة المعاصرة بوصفها فضاءات تؤدي وظائف محددة، لا مجرد تكوينات جغرافية أو أقاليم وطنية عادية.
ويمكن تفسير ذلك من خلال خمسة أبعاد رئيسة:
- يتعلق البُعد الأول ببنية المجال؛ فالبحر يوفر عزلة للجزيرة تتيح التحكم في الوصول إليها عن طريق موانئها المحدودة، فتكون منافذ الوصول أداة ضبط وتحكم سياسي.
- أما البعد الثاني فيتمثل في سيادة مفهوم الاستثناء؛ تقنيةً للتحكم وأداةً للنفوذ؛ فالمنطقة الرمادية المتسعة في سلطة الجزيرة تجعل القانون ضعيف النفاذ، محدود السلطة والسطوة؛ مما يجعل تنفيذه بطيئًا حتى يكاد يختفي.
- والبعد الثالث يتحدد بسرية الاقتصاد؛ فالمجال الجزيري مجال تتداخل فيه الملكية الخاصة، والواجهات المؤسسية، مع آليات الحدِّ من الرقابة الاجتماعية، خاصة في بُعدها الإعلامي؛ حيث تتشكَّل صناعة الرأي العام المتحفزة لحماية القانون والأخلاق. وهكذا تتحول الجزيرة إلى بنية استثمار أو تشغيل رأسمالي، تتحكم فيما يظهر للمراقب، ولا تكشف طبيعتها كاملة.
- أما البعد الرابع؛ فيتمثل في حفنة خفية من أصحاب النفوذ، تحمي مصالحها وتضمن استمرارها؛ فالعلاقات المتشابكة بين هؤلاء النافذين وأصحاب المصالح تحوِّل المجال إلى عقدة مصالح، تحميها شبكة العلاقات.
- أما البعد الخامس فيتعلق بالسردية، بما هي قصة مقنعة للجمهور، تفسِّر المجال عبر اختزاله في جزيرة بذاتها، أو شخصية تكون عنوانًا، فيؤسطَر المكان أو يُشيطَن، وبذلك تتبدد المسؤولية البنيوية المعقدة للجزيرة، ولشبكات المصالح المرتبطة بها خارج الشرعية.
وبذا، تصبح الجزيرة جهاز مصالح في مجال سياسي، وليست مجرد مسرحِ شرٍّ صنعته الأسطورة، أو زيَّنته الشياطين، أو اصْطَفَته يدُ المصالح البشرية المرئية، بل جهازًا جيوسياسيَّا معقدًا، تضافرت تلك العوامل على صنعه، وحوَّلته من مجال طبيعي إلى شبكة علاقات عابرة ذات نفوذ ومصالح، تحققت من خلال الجغرافيا العازلة، المخفية، البعيدة عن أعين الرأي العام.
وبهذا المنظور تبدو جزيرة إبستين مجالًا للمصالح؛ يعمل خلف واجهة قانونية، بينما يُدار عمليًّا خارج رقابة القانون، بعيدًا عن أعين الرأي العام، وتحكمه شبكة علاقات ومصالح قادرة على جعله مجالًا خارج المراقبة داخل الدولة نفسها.
ووفقًا لهذا النموذج، يمكن فهم أي “جزيرة شر”، أو -إن شئت- أي “جزيرة ظل”، بالنظر إلى ما يتيحه المجال الجغرافي المعزول مما لا يتيحه المركز المتصل، ثم إلى الكيفية التي تُبنى بها شبكات المصالح، عبر التفاهمات والأعراف المؤسِّسة، خارج القانون المكتوب والعادات المستقرة.
رابعًا: من الأسطورة إلى الوظيفة: اختبار النموذج
في عالم الأساطير؛ حيث يُفسَّر كل ما لا يُدرك بنماذج ذهنية جاهزة، تمثل الشياطين والجن والغرائبيات تفسيرًا لأحداث الشر التي لا تُعرف أسبابها ومسبباتها، وتسود ثنائية المأهول (للبشر)، وغير المأهول (للجن)، وغير المخيف (البشر) والمخيف (الشياطين).
ويخدم هذا التفسير المخيال الاجتماعي؛ إذ يحيل الغريب إلى عالم الهامش، بعيدًا عن المركز الإنسي المعروف. غير أن الحداثة، في أبعادها المادية، قدمت تفسيرًا آخر، مبناه “الوظيفة”؛ فتحول الهامش من فضاء للشر المحض إلى فضاء يؤدي وظيفة، أو يشكِّل منصة لتشغيل الشر المنظَّم. وهكذا أصبحت الجزيرة تُستخدم في السجون والمنافي، والتجارب العسكرية للأسلحة الفتاكة، وصارت موطنًا للاقتصاد الخفي الهارب من السوق المنظم وقواعد التجارة والقانون، فاستوطنتها عمليات التهريب، وغسيل الأموال، والشركات مجهولة مصادر التمويل والمتهربة من الضرائب. كما غدت موطنًا للقاءات النفوذ بعيدًا عن أضواء الإعلام وسطوة القانون، وفضاءً للقاءات الخاصة؛ حيث اللذة الحرام، والشذوذ بمختلف أشكاله ومظاهره.
ولم تعد الجزيرة، في الوعي الحديث، موطنًا لقوى خارقة، كما كان يعتقد الإنسان قديمًا، بل غدا الإنسان نفسه هو الذي يحدد وظيفتها ودورها. ومن ثم، فجزيرة إبستين تمثل هزيمة للأسطورة وإثباتًا لأن الشر الحديث صناعة بشرية، لا تقوم على قوى غيبية، وإنما تحتاج إلى شبكة نافذة، ومجال مناسب، وقانون مرن، وصمت مطبق.
وكل ذلك يطرح ما يمكن تسميته بـ”التشكُّل الأخلاقي للمكان“. فبعض الفضاءات الجغرافية ليست محايدة أخلاقيًّا بل تمنح بطبيعتها قدرًا أكبر من السُّلطة، والسرية، والقابلية للاستمرار، والقدرة على ممارسة العنف، وتأمين السلوك المنحرف.
فالجزيرة لا تنتج الشر بذاته، وإنما تهيئ شروطه المجالية؛ فكما أن الصحاري تهيئ المجال للتهريب، والمضائق للصراع البحري، والجبال لحروب العصابات، فإن الجزر المعزولة تهيئ اقتصاد السرية والإفلات من الرقابة.
جزيرة إبستين: تجسيد لجغرافيا الشر
هذه الجزيرة مجال كان يُسمَّى، كما أسلفنا، “ليتل سانت جيمس”، وتقع ضمن جزر العذراء الأميركية، لكنها عُرفت بـ”جزيرة إبستين” خلال فترة ملكيته لها، وتتجلَّى فيها شروط الاستثناء بوضوح؛ فهي ملكية خاصة، محدودة منافذ الدخول، تتيح قدرًا عاليًا من الضبط والتحكم الذاتي، مع صعوبة رقابة المجتمع عليها مقارنة بالأماكن المتصلة بالمركز. وهذا يؤهلها للتحول إلى قاعدة إنتاج، أو عقدة تشغيل، ضمن شبكات علاقات ونفوذ خاصة؛ فهي، بحكم موقعها، بعيدة عن مراكز العمران، وتبدو نقطة كثيفة الدلالة في عالم البحار الغامض.
والجزيرة، بهذا المعنى، تناقض منطق الأسطورة؛ فالأسطورة ليست سوى ستار معرفي يعيد إنتاج الاستثناء بدل فضحه؛ إذ يختزل المكان في شيطنته، فيصرف الأسئلة عن بنيته المؤسسية، وما تقتضيه من حماية وخصوصية، وعن الشروط التي أنتجت الشبكة، وعن تغييب المحاسبة أو إبطائها.
وتبرز جزيرة إبستين لحظةً كاشفة لإمكانية أن تتحول الجزيرة إلى مجال للإفلات من القانون بل من المحاسبة بجميع أشكالها وأبعادها؛ حيث يُعاد إنتاج السرية وتتكاثف طبقات الإخفاء بدرجة لم يكن ليتخيلها إنسان الأساطير من قبل. وقد كشفت الجرائم المنظمة التي ارتُكبت على هذه الجزيرة للرأي العام عن تجاوزات فاقت في اتساعها المعايير القانونية والأخلاقية والسلوكية.
ولا تكشف هذه الجزيرة دور جيفري إبستين، رجل الأعمال والسياسة، نموذجًا فحسب، بل تكشف أيضًا البنية الجيوسياسية المنشئة لفضاء خارج على الرقابة الفعلية، مع أنه باقٍ داخل النظام القانوني للدولة؛ فكأنه دولة داخل الدولة، أو عضو زائد على أعضاء الجسم، قائم لكنه لا يُرى ولا يُرصد.

الموقع الجغرافي لجزيرة ليتل سانت جيمس (جزيرة إبستين) ضمن جزر العذراء الأميركية في البحر الكاريبي (المصدر: ABC News).
الجزيرة لا المدينة
كان السؤال البديهي الذي تردد منذ انكشفت هذه الجزيرة: لماذا اتخذت هذه الشبكة تلك الجزيرة مقرًّا لها، لا إحدى المدن الكبرى، مثل نيويورك أو واشنطن أو غيرها من الحواضر المعروفة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من استنطاق الجغرافيا السياسية؛ فالجزيرة تحقق مزايا خمسًا يصعب اجتماعها في غيرها:
- التحكم الكامل في الحركة: فلا دخول ولا خروج إلا بإذن، ولا تحرُّك داخلها أو خارجها إلا تحت المراقبة، ولا رأيًّا عامًا يطَّلع، أو يناقش، أو ينتقد، أو يوجِّه.
- العزلة البصرية: إذ تحقق الجزيرة عزلًا بصريًّا كاملًا، فلا يحتاج المجرم فيها للتخفي عن الأعين. وهذا مقصد تحققه الجغرافيا السياسية قبل السياسات الأمنية أو الحاجة إلى التواطؤ؛ ذلك أن السلطة الحديثة -كما يلاحظ فوكو- لا تبحث عن الإخفاء بقدر ما تبحث عن تنظيم الرؤية؛ أي كشف المجال العام بصريًّا دون عوائق، أما ما يُخفَى في أحشائه فمتروك لاكتشاف الجرائم عند وقوعها.
- العزلة القانونية: فما بين السلطات الاتحادية والمحلية توجد منطقة رمادية في الاختصاصات، تَجَسَّد منطق الاستثناء وفق منظور أغامبن. ولا يعني ذلك تعطيل القانون أو غيابه بل يحيل إلى بطء إنفاذ القانون وتداخل الاختصاصات والإجراءات ما بين الاتحادي والمحلي.
- العزلة الاجتماعية: إذ تغيب الأعين عن المكان، فهو مغلق بطبيعته، ولا يوجد فيه مجتمع يحاسب أو يراقب، أو يُقوِّم، أو يُبلِّغ، ولا صحافة تُنبِّه، أو تضغط، أو توجِّه، أو تكشف. فالجزيرة تعدِمُ الشاهد قبل الإشهاد.
- العزلة الرمزية: فالجزيرة مكان غير مألوف، يقع خارج نطاق النظر اليومي، فتغدو مجالًا استثنائيًّا يساعد على تحويل الوقائع إلى أساطير، والجرائم إلى سلوك يبدو، مع الزمن، اعتياديًّا.
مجتمع الشبكات
تظهر الجزيرة هنا مؤسَّسةً مكتملةَ الأركان، واضحة الوظائف؛ فهي جهاز جيوسياسي متكامل، له جغرافيته المملوكة، وقانونه الخارج على القانون، وله أمنه، واقتصاده، بل له سرديته الإعلامية أيضًا. ومن ثم، فليست جزيرة إبستين مجرد “مسرح لجريمة”، بل جزءًا من “هندسة الجريمة”، يجعل وقوعها ممكنًا، ويمنحها مجالًا خاصًّا واستثنائيًّا عن غيرها من الجرائم.
ليس إبستين هو القضية؛ فاختزالها في شخصه يرقى إلى التمويه عليها، تمامًا كاختزال أي جريمة عامة في حق فرد واحد ممن قاموا بها، فنحن إن نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية نكون كمن يُحمِّل قائدًا عسكريًّا منفردًا المسوؤلية عن جريمة غزو بأكملها!
وهنا يبرز دور الجغرافيا السياسية في البحث عن البنية؛ فالشبكة هي الفاعل الحقيقي؛ وليس إبستين إلا وسيطًا. ولذلك، ينبغي ألا ينحصر السؤال فيمن كان يتردد على الجزيرة بانتظام، وإنما الكيفية التي استطاعت بها الجزيرة أن تؤدي هذه الوظيفة، ومن الذي ضمن استمرارها؛ وهنا تكمن الشبكة.
في نظرية “مجتمع الشبكات” لمانويل كاستلز(16)، يظهر بوضوح تفسير وضعية هذه الجزيرة حتى ليبدو وكأن النظرية وُضعت لتفسير حالتها؛ فهي ليست المركز بل العقدة؛ وإن شئت، نقطة التلاقي بين النفوذ والمال والسلطة والمتعة الحرام والصمت أو التواطؤ. وهي أشبه بالخادم في شبكة الإنترنت؛ لا يملك الشبكة، لكنه يُشغِّلها ويضمن عملها. وهكذا تغدو الجزيرة، بحسب كاستلز، “عقدة عالية الكثافة”.
خامسًا: جزر الشر الحديثة: المقارنة والتفسير
إذا كان النموذج السابق قد تشكَّلَ انطلاقًا من جزيرة إبستين، فإن قيمته الحقيقية لا تظهر إلا بقدرته على تفسير حالات أخرى. ومن ثم، نستعرض نماذجَ لجزرٍ حديثة تؤدي وظائف مختلفة، لكنها تشترك جميعًا في “توظيف الاستثناء” و”تسخير الجغرافيا” لخدمة السلطة، بما يكشف أن جزيرة إبستين ليست استثناءً منفردًا، وإنما تعبير عن نمط جيوسياسي أوسع.
1- غوانتانامو: الاستثناء القانوني المجالي
في الأدبيات السياسية المعاصرة تُصنَّف غوانتانامو “ثقبًا قانونيًّا”، أو منطقة “قانونية رخوة”، أو “مجالًا مستثنى”. إنها منطقة تتمتع بصلاحيات واستثناءات تتجاوز القضاء العادي في الدولة بل تمتد إلى استثناء القضاء الوطني والدولي معًا؛ إذ تُقرر الدولة صاحبة الاستثناء طبيعة القانون، وإجراءات التقاضي، وحدود الولاية القضائية، من دون رقيب وطني أو دولي. وتَنشأ هذه الوضعية من تركيب قانوني خاص، يمنح المكان -وهو جزيرة مؤجَّرة للولايات المتحدة الأميركية- وضعًا استثنائيًّا، تَسنُّ فيه الولايات المتحدة قوانينها الخاصة، وتدير من خلاله نظامًا قانونيًّا خارجًا على القانون، ببُعديه، الوطني الدولي، كما أسلفنا.
وتجسِّد جزيرة غوانتانامو في عالم الجغرافيا السياسية فكرة “استغلال الجغرافيا لتعليق القانون”، وهو ما يتوافق مع النظريات التي استعرضناها سابقًا، ويؤكد وضع خليج غوانتانامو ما ذهب إليه لاكوست من أن الجغرافيا أداة لإنتاج القوة، وتجسيد للهيمنة والسيطرة، وليست وصفًا محايدًا للمجال.
وقد تحوَّلت هذه البقعة الصغيرة في خليج غوانتانامو في الأراضي الكوبية إلى رمز للصراع بين القانون الدولي وحقوق الإنسان من جهة، والأمن القومي من جهة أخرى، بل أصبحت استثناءً على القانون الداخلي ذاته بحجج سياسية لا تستند إلى أساس قانوني، فأضحت بذلك تجسِّد الخروج على القانون في مختلف أبعاده.
كانت غوانتانامو في الأصل مؤجرة للولايات المتحدة منذ عام 1903، فاتخذتها مطارًا وميناءً وقاعدة بحرية ومنشآت عسكرية متعددة، ضمن مساحة لا تتجاوز 117 كيلو مترًا مربعًا. ولم تستطع الحكومة الكوبية، منذ عام 1959، إلغاء عقد الإيجار؛ مما جعل غوانتانامو حالة استثنائية قانونًا وسياسة؛ فهي أرض كوبية تديرها قوة أجنبية بصورة دائمة، وفق نظام قانوني استثنائي.
ويكشف موقع غوانتانامو جانبًا آخر من وظيفتها؛ فقد اختارتها واشنطن نقطة ارتكاز بين خليج المكسيك، والمحيط الأطلسي، وقناة بنما، لتتمكن من مراقبة أهم الممرات البحرية في غربي الكرة الأرضية. ويتميز هذا الخليج بميناء طبيعي صالح لاستقبال كبريات القطع البحرية، وبذا شكَّلت هذه القاعدة رأس الرمح في التدخل الأميركي في أميركا الوسطى، وحماية طرق الملاحة والتجارة في القارة. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وما ترتب عليها مما سُمي “الحرب على الإرهاب”، أصبحت قاعدة غوانتانامو الإطار القانوني الاستثنائي المثير للجدل للاحتجاز والتحقيق(17).
وهنا تتجسد حقيقة صناعة الجغرافيا للنفوذ وفق قواعد العزل؛ فأميركا لم تكن تريد كوبا كلها، وإنما أرادت جزءًا تعزله عن سيادتها وقانونها، لتحقق به التوازن الإستراتيجي عبر قاعدة بحرية مركزية في الإقليم. ولذلك رفضت التخلي عنها حتى بعد انتهاء الحرب الباردة؛ لأن موقعها يمنحها من النفوذ ما يغني عن السيطرة على النظام الكوبي كله، وما يترتب على ذلك من كلف قانونية وسياسية.
وفي السياق القانوني، تبدو غوانتانامو مثالًا لإشكالات قانونية مركبة؛ فهي، من المنظور الكوبي، فاقدة المشروعية منذ إلغاء عقد إيجارها، كما أنها ذات طبيعة قانونية خاصة فلا تخضع خضوعًا كاملًا للقانون الأميركي ولا للقانون الكوبي، بما يجعلها ذات طبيعة قانونية استثنائية خارجة عن النظامين القانونِيَّيْنِ. وهي في اتخاذها محتَجَزًا للمطلوبين أميركيًّا، تخرج على القانون الأميركي، وعلى القانون الدولي، وعلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان(18).
وهنا يبدو منظور لاكوست واضحًا في تفسير وضعية غوانتانامو؛ فالإستراتيجية هي التي تحدد قيمة وأهمية المكان. فقد تحولت هذه البقعة الصغيرة، بفعل قرار سياسي، إلى قاعدة عسكرية مُسَيطِرة، تؤمِّن الملاحة، وتدير ملفات نفوذ في السياسة والقانون ذات أثر عالمي. ويؤكد ذلك أن المطلوب ليس ضَمَّ الأراضي، وإنما التحكم في العقد الإستراتيجية؛ فالمجال منصة لإنتاج النفوذ، وتنبع قيمته بقدر مما يتيحه من قدرة على التحكم المستمر، وهو ما يؤكد خلاصة رأي لاكوست من أن الجغرافيا، في جوهرها، عِلْمٌ بالصراع على المجال، وأن اختيار المواقع يتجاوز كثيرًا مساحتها الجغرافية.
وكان اختيار الإدارة الأميركية لغوانتانامو قاعدةً لاحتجاز متهمي ما أسمته “الحرب على الإرهاب”، من المنتمين للقاعدة وحركة طالبان وغيرهما، قرارًا قانونيًّا في المقام الأول. فقد وجدت فيها الإدارة الأميركية بغيتها للخروج على قيود دستورها وقانونها، بإدارة هذا الملف في موقع لا تُلزم نفسها فيه بالخضوع الكامل لقانونها، بما يتيح لها التصرف في المحتجزين على نحو استثنائي.
وبموجب هذا الاستثناء القانوني، وصفت واشنطن محتجزيها في تلك المنطقة بأنهم “مقاتلون أعداء غير شرعيين”، وامتنعت عن تصنيفهم “أسرى حرب”، حتى لا تطبِّق عليهم قواعد القانون الدولي، ولاسيما اتفاقية جنيف؛ كما حرمتهم من حقوق الموقوفين وفقًا لقوانين الإجراءات الجنائية الأميركية.
ولذا احتُجز هؤلاء سنين طويلة، وحقَّقت معهم لجان عسكرية من دون توجيه اتهامات رسمية، أو إحالتهم إلى المحاكمة الجنائية العادية. وقد انتقد القانونيون ودعاة حقوق الإنسان في أميركا وغيرها هذا النهج، وعَدَّوْه مخالفًا لمبادئ المحاكمة العادلة، بينما تمسكت الإدارات الأميركية المتعاقبة بحجة وجود “ظروف استثنائية” فرضتها -وفقًا لمنطقها- مواجهة تنظيمات عابرة للحدود، لا تنطبق عليها، في رأيها، جميع القواعد التقليدية للحروب بين الدول.
وبذلك تُجسِّد غوانتانامو تحكُّم الجغرافيا في القانون وهيمنتها عليه؛ فالموقع هنا أنتج مجالًا استثنائيًّا أعاد صياغة العلاقة بين القانون، والأمن، والسيادة. فتحولت تلك القاعدة من مجرد موقع عسكري إلى مركز للنقاش العالمي بشأن استغلال الجغرافيا لتغيير الإطار القانوني وحدود سلطة الدولة في سياق ما تسميه “مكافحة الإرهاب”(19). وهكذا تعود مقولة لاكوست إلى الصدارة: إن الجغرافيا وسيلة لإدارة القوة، وإعادة تعريف حدود القانون، وليست وصفًا مجردًا للمكان.
2- جزر التجارب النووية
يجسد اختيار الجزر مسرحًا للتجارب النووية، الهادفة إلى تطوير أسلحة قادرة على إبادة البشر، أطروحة إيف لاكوست في أن الجغرافيا أداة للقوة والهيمنة، وليست وصفًا محايدًا للمكان. فاختيار هذه الجزر لم يكن وليد المصادفة، وإنما نتاج حسابات إستراتيجية دقيقة، تداخلت فيها اعتبارات المجال والأمن والسياسة.
ومن أبرز هذه الجزر:
بيكيني أتول: إحدى جزر المارشال، وقد أجرت الولايات المتحدة الأميركية فيها زهاء عشرين تجربة نووية، بين عامي 1946 و1958، من بينها تجربة “كاستل برافو”، التي تعد أقوى تجربة نووية أميركية، وتسببت في تهجير السكان الأصليين، بعد أن أصبحت غير صالحة للحياة.
ويكشف اختيار بيكيني عن منطق الجغرافيا السياسية؛ إذ وقع عليها الاختيار لبُعدها عن البر الأميركي، وقلَّة سكانها، وسهولة عزلها بحريًّا وعسكريًّا، والقدرة على مراقبة آثار الانفجارات، فضلًا عن خضوعها للإدارة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية.
إنيوتاك أتول: كانت، كسابقتها، موقعًا للتجارب النووية الأميركية، وشهدت أربع تجارب نووية، من بينها أول تجربة للقنبلة الهيدروجينية، عام 1952. واختيرت للأسباب ذاتها؛ إذ تتسم بالعزلة وقلة السكان وسهولة الإخلاء، فضلًا عما تتيحه من قياس آثار الانفجارات النووية الكبرى بعيدًا عن التجمعات الحضرية.
موروروا وفانغاتوفا: تحولت هاتان الجزيرتان إلى ميدان للتجارب النووية الفرنسية بعد استقلال الجزائر، واضطرار فرنسا إلى نقل مواقع تجاربها من الصحراء الجزائرية إلى المحيط الهادئ. وقد أجرت فيهما عشرات التجارب النووية، جوًّا وتحت الأرض، بين ستينات القرن الماضي وتسعيناته.
وقد وقع الاختيار عليهما لأسباب تؤكد ما سبق بيانه؛ فموقعهما البعيد عن أوروبا، لوقوعهما في قلب المحيط الهادئ، وتبعيتهما المباشرة للإدارة الفرنسية، وما توفرانه من طوق جغرافي عازل، كلها عوامل حدَّت من ضغوط الرأي العام الفرنسي، ويسَّرت استمرار تلك التجارب.
وفايا زيمليا: شكَّلت هذه الجزيرة ميدانًا للتجارب النووية السوفيتية، وشهدت، عام 1961، تفجير “قنبلة القيصر”، أكبر قنبلة نووية في التاريخ. واختيرت، كسابقاتها، لمناخها القطبي، وندرة سكانها وسهولة ترحيلهم، وإمكان فرض السيطرة الكاملة على مجاليها البحري والجوي، إلى جانب قربها من المنشآت العسكرية السوفيتية الشمالية.
جزيرة كيريتيماتي: مثَّلت هذه الجزيرة موقع التجارب النووية البريطانية خلال خمسينات القرن الماضي، كما استخدمتها الولايات المتحدة لاحقًا. ولم تختلف أسباب اختيارها عن سابقاتها؛ إذ اتسمت بانخفاض الكثافة السكانية، وموقعها النائي في المحيط الهادئ، واتساع مساحتها التي تسمح بتكرار التجارب النووية(20).
وبالرجوع إلى أسباب اختيار هذه الجزر، نجد أنها تكاد تنحصر في معايير واحدة، تتمثل في:
- العزلة الجغرافية، والبُعد عن المراكز البشرية الحضرية، بما يقلِّل الخسائر المباشرة، ويحد من احتمالات تسرب المعلومات.
- انخفاض الكثافة السكانية، بما يُسهِّل إخلاء السكان أو تهميش حقوقهم.
- السيطرة السياسية؛ إذ كانت معظم هذه الجزر مستعمرات أو أقاليم خاضعة مباشرة للدول النووية الاستعمارية، بما مكَّنها من إجراء التجارب دون اعتبار لإرادة السكان المحليين أو مصالحهم.
- سهولة فرض العزل العسكري بحرًا وجوًّا طوال فترة التجارب.
- الملاءمة العلمية، بما يوفره الفضاء المفتوح، الخالي من المؤثرات، من إمكانات لقياس الموجات الانفجارية، والإشعاعات، وآثارها في السفن والمنشآت، بعيدًا عن المؤثرات الطبيعية والعمرانية.
وبالرجوع إلى منظور لاكوست يتضح أن اختيار هذه الجزر لم يكن قرارًا تقنيًّا مجردًا، تحكمه خصائص الموقع الطبيعي وحدها بل كان تجسيدًا للعلاقة بين المعرفة الجغرافية والقوة السياسية. فقد أُجريت هذه التجارب في جزر تقع على هامش النظام الدولي، بعيدًا عن أراضي الدول النووية نفسها، وفي أقاليم مستعمرة أو تابعة؛ حيث تكلفة الموقف السياسي محدودة وإمكانية الاعتراض ضعيفة.
وهكذا أصبحت هذه الجزر مجالًا لممارسة سيادة الدولة المركزية بأقصى درجاتها، دون مراعاة لحقوق السكان المحليين.
وتمثل هذه الجزر نمطًا آخر من “جزر الشر”؛ فهي ليست فضاءً للجريمة المنظمة، كما في جزيرة إبستين، ولا مجالًا لتعليق القانون، كما في غوانتنامو، وإنما مختبر للتكنولوجيا السرية المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل؛ حيث تتقاطع السرية مع العزلة، وتتداخل حسابات القوة مع تقنيات الإبادة. وهكذا تغدو ملاذًا آمنًا، لا لإخفاء الجرم الجنائي وإنما لإخفاء عنف الدولة وتقنيات القتل الجماعي(21).
3- جزر الاقتصاد السري
يمثل هذا النمط من الجزر صورة أخرى من صور الشر، وإن كان أقل حدة من النماذج السابقة؛ فهو يجسد، بوضوح، منطق الاستثناء والسلطة والتحكم في تشكيل الجزر الوظيفية. وفي ضوء الإطار النظري السابق، تتوافر في هذه الجزر خصائص العزلة، والاستثناء، وضعف الرقابة القانونية، وما يترتب على ذلك من محدودية تأثير الرأي العام.
وتندرج هذه الجزر الضريبية ضمن بنية النظام المالي العالمي؛ إذ تؤدي دورًا مهمًّا في جذب الاستثمارات وتوفير السيولة، وتثير، في المقابل، إشكالات تتعلق بالعدالة الضريبية، وحرمان الدول من إيرادات كبيرة، وإخفاء الثروات، وأحيانًا تسهيل غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
وتتسم هذه الأقاليم الجزرية بصغر المساحة، مع منح مزايا واسعة للشركات والأفراد؛ فالضرائب فيها منخفضة أو معدومة، والسرية المصرفية مرتفعة، وخصوصية الملاك والمستثمرين مصونة، كما يمكن تأسيس الشركات خلال ساعات أو أيام، في ظل تشريعات مرنة تنظِّم حركة رؤوس الأموال(22).
ويبرز هنا تصور لاكوست للجغرافيا بوصفها أداة لإنتاج القوة والتحكم؛ إذ تؤدي هذه الجزر وظيفة محورية في إدارة رأس المال العالمي، وتوجيه تدفقاته، بما ينعكس على توزيع الثروة على المستوى الدولي.
وتحولت هذه الجزر، تبعًا لذلك، إلى مراكز لإدارة الأموال العالمية؛ فهي تستقطب الثروات المتولدة في أماكن أخرى، وتعيد توجيهها وإدارتها عبر منظومة مالية عابرة للحدود.
ومن أبرز هذه الجزر(23):
جزر كايمان: تستضيف آلاف صناديق الاستثمار، والشركات المسجلة والبنوك، وتعد من أكبر المراكز المالية، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز عشرات الآلاف. وتتمتع هذه الجزر باستقرار سياسي كبير، ونظام قانوني مستمد من القانون البريطاني، ولا توجد فيها ضرائب على الدخل، ولا على أرباح الشركات.
جزر فيرجن البريطانية: توجد فيها مئات الآلاف من الشركات القابضة أو الوهمية، المستخدمة في عمليات الاستحواذ والدمج وإدارة الأصول، وحماية الملكية، وتقليل الالتزامات الضريبية.
برمودا: تستقطب عددًا كبيرًا من الشركات متعددة الجنسيات، وتعد مركزًا عالميًّا لشركات التأمين والخدمات المالية، لما تتيحه من نظام ضريبي مغرٍ.
جيرزي وغرينزي: تؤديان دورًا محوريًّا في إدارة الثروات الأوروبية وصناديق الاستثمار، وتخضعان للتاج البريطاني.
ويقارب هذه الجزر في الوظيفة عدد من النظم المالية التي تقوم على الاستثناء في إدارة الأموال والشركات والبنوك، في مقدمتها: لوكسمبورغ، وسنغافورة، وسويسرا، وإيرلندا، في بعض أنظمتها الضريبية.
ويبرز هنا سؤال جوهري: لماذا اختيرت هذه الجزر لتؤدي هذا الدور في إدارة جانب مهم من ثروة العالم؟
وتسهل الإجابة عن هذا السؤال إذا علمنا أن هذه الجزر جميعها تتشابه في الخصائص الجغرافية والسياسية؛ فهي دول صغيرة المساحة، مستقرة سياسيًّا، وتتمتع بأنظمة قانونية مرنة، قادرة على تعديل تشريعاتها بما يعزز قدرتها التنافسية في جذب رؤوس الأموال. كما يعتمد اقتصادها أساسًا على الخدمات المالية، وأغلب ارتباطاتها دوليًّا بالقوى الغربية الكبرى ولاسيما المملكة المتحدة، فضلًا عن وقوع كثير منها بين أوروبا وأميركا الشمالية، وفي قلب التجارة العالمية، بما يسهِّل إدارة العمليات الدولية. وحتى مصطلح الأوفشور (Offshore)، المرتبط بها، يحمل دلالة جغرافية واضحة؛ إذ يعني “خارج الشاطئ” أو “بعيدًا عن الحدود”.
في هذه الجزر، تتجلى بوضوح تصورات فوكو عن العلاقة بين السلطة والمعرفة، وأفكار أغامبن عن الاستثناء القانوني، كما يؤكد منظور لاكوست أن الجغرافيا أداة لتوزيع السيادة والقانون والسلطة والهيمنة، وليست مجرد تضاريس أو مناخات متعددة.
وفق هذا المنظور، لا تختلف هذه الجزر في بنيتها الوظيفية، عن جزر التجارب النووية؛ فالاختلاف بينهما يكمن في الأداة لا في المنطق. ففي الجزر النووية استُخدم المجال لتعظيم وإنتاج القوة العسكرية، أما في جزر الأوفشور فقد استُخدم المجال لإنتاج وإعادة توزيع القوة المالية. وهكذا أصبحت الجغرافيا مجالًا لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، بحيث تنتقل الأرباح من المراكز الصناعية الكبرى إلى مراكز مالية صغيرة، تستمد أهميتها من وضعها القانوني والسياسي أكثر مما تستمدها من مواردها الطبيعية أو موقعها الجغرافي بالمعنى التقليدي.
وتجسد هذه الجزر بوضوح انتقال الهيمنة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على رأس المال، إدارةً وتدفقًا؛ فهذه المراكز الصغيرة تدير تريليونات الدولارات سنويًّا، وتعيد إنتاج أنماط جديدة من السيطرة الاقتصادية العالمية، لتحل الشبكات المالية، في كثير من الأحيان، محل الأساطيل والقواعد العسكرية، عبر منظومة من الجزر الصغيرة التي تنطبق عليها معظم خصائص الاستثناء.
وخلاصة الأمر أن هذه الجزر تمثل مجالات جغرافية صغيرة، تمتلك سيادة مُسلَّعة؛ إذ تصوغ تشريعات للشركات السرية، تقوم على سهولة التسجيل، وسرية النشاط والحسابات. فهي مواقع مكتملة السيادة قانونًا، لكنها لا تعكس وزنًا اقتصاديًّا حقيقيًّا بقدر ما تؤدي وظيفة مالية عالمية. والشر الذي تجسده هذه الجزر هو شر اقتصادي، احتيالي، على الضرائب، وحركة رؤوس الأموال، وتمكين اقتصاد الظل، دون أن يكون قائمًا على الجرائم الجسدية أو العنف المباشر؛ فاستثناؤها ينحصر في المجال المالي والضريبي، وما يرتبط به من سرية حركة الأموال وتدفقها(24).
وتوضح النماذج الثلاثة سابقة الذكر -جزر التجارب النووية، وغوانتانامو، وجزر الاقتصاد السري- أن “الجزر الوظيفية”، على اختلاف صورها، تشترك في خصائص بنيوية واحدة، فهي:
- مكان أنتج الاستثناء، وأنتجه الاستثناء، فهو مستثنى طبيعةً، ومستثنى وظيفةً وأداءً،
- وهذا الاستثناء تنتج عنه صعوبة أو استحالة المحاسبة القانونية، أو الأخلاقية، وضعف تأثير الرأي العام،
- وهي عامةً تُدار بمنطق الشبكات، سواء تجسد ذلك في السيادة المالية، كما في جزر الاقتصاد السري، أو في القوة العسكرية، كما في جزر التجارب النووية، أو في تعليق القانون، كما في غوانتانامو.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن الجزر، في الجغرافيا السياسية المعاصر، ليست مجرد تكوينات طبيعية معزولة، وإنما قد تتحول إلى فضاءات وظيفية تنتج الاستثناء، وتعيد توزيع العلاقة بين القانون، والسلطة، ورأس المال، والرقابة. ومن هذا المنظور، لا تمثل “جزيرة إبستين” حالة منفردة، بل تكشف “نمطًا جيوسياسيًّا” يتكرر بصور مختلفة، كما ظهر في غوانتانامو، وجزر التجارب النووية، وجزر الاقتصاد السري، مع اختلاف الوظيفة واتحاد البنية.
وفي هذا النمط الجيوسياسي، تؤدي الجزر ثلاث وظائف رئيسة، تقوم جميعها على خصائص الاستثناء، والعزلة، والقدرة على التحكم، وهي:
وظيفة سيادية: تتحول فيها الجريمة إلى حالة استثنائية شاذة، منفصلة عن شبكات النفوذ مكانًا ومتصلة بها وظيفةً.
وظيفة نفسية: يُزاح فيها الشر إلى مكان آخر، تخفيفًا لوطأة الاعتراف بأنه بنيوي أصيل في الشبكة، حاضر في ممارساتها.
وظيفة إعلامية: تتشكل فيها سردية الإثارة، بما تحمله من دلالات، فتستحوذ على الاهتمام، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالبنية العميقة لشبكات النفوذ.
وهنا يبرز منطق فوكو الذي يتحدث عن تنظيم الظهور والإخفاء داخل ما يسميه “اقتصاد الحقيقة”، وهو اقتصاد -وفق توصيفه- تهيمن عليه مؤسسات وقوى تحدد ما ينبغي إظهاره، وما ينبغي حجبه، بحيث لا يُقدَّم للناس الواقع كله، وإنما القدر الذي تسمح به بنية السلطة.
وهكذا تُظهر الجغرافيا السياسية للشر أن سؤال: لماذا الجزيرة؟ ليس سؤالًا جغرافيًّا أو أدبيًّا بل سؤال هيمنة وسلطوية بامتياز. فالجزر تمنح خصائص العزلة، والتحكم، والسرية، وتخفيف السيادة، فتتحول إلى منصات استثناء، تؤدي وظائف لا يسهل أداؤها في المجال المتصل بالمجتمع والدولة. ومن ثم، فإن “جزيرة إبستين” ليست عودة للأسطورة، وإنما تحوُّل لتلك الأسطورة إلى مؤسسة حديثة؛ تتجسد فيها “جزيرة الشر القديمة” في صورة عُقَد شبكية، توفر شروط الإفلات من المحاسبة، وتحيط نفسها بسردية تصرف الانتباه عن البنية التي تحميها.
وتؤكد الدراسة، في ضوء أفكار فوكو وأغامبن ولاكوست، أن الجغرافيا ليست حيادية في إدارة الانحراف الأخلاقي أو السياسي، فمن “سفينة المجانين” التي حملت المختلفين بعيدًا عن المدينة، إلى فضاءات الاستثناء المعاصرة التي يُعلَّق فيها القانون، يظهر أن السلطة لا تُقصي الشر فحسب بل تُعيد هندسة موضعه. وهكذا يصبح الفضاء أداة تنظيم للمرئي والمخفي، ويغدو العزل الجغرافي أحد أشكال إنتاج الحقيقة السياسية ذاتها.
ولعل أهم ما تنتهي إليه هذه الدراسة هو أن “جزر الشر” ليست مفهومًا جغرافيًّا، ولا توصيفًا أخلاقيًّا، وإنما نموذج تفسيري لفهم الكيفية التي توظَّف بها الجغرافيا في إنتاج فضاءات الاستثناء، وإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون والشبكات، بما يجعل المكان نفسه أداةً من أدوات الهيمنة في الدولة الحديثة والنظام الدولي المعاصر.
المراجع
(1) جيفري إبستين (1953–2019): رجل أعمال ومستثمر أميركي، أُدِين، عام 2008، في قضية تتعلق باستدراج قاصر للدعارة، ثم أُلقي القبض عليه مجددًا، عام 2019، بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات. توفي داخل محبسه في نيويورك قبل محاكمته، وأُغلقت القضية الجنائية بوفاته، بينما استمرت التحقيقات والإجراءات المدنية المتعلقة بشبكة علاقاته والجرائم المنسوبة إليه.
(2) جزر العذراء الأميركية: أرخبيل يقع في البحر الكاريبي شرق بورتوريكو، ويضم ثلاث جزر رئيسة، هي: سانت توماس، وسانت جون، وسانت كروا، إلى جانب عدد من الجزر الصغيرة. انتقلت السيادة عليه من الدنمارك إلى الولايات المتحدة، عام 1917. ويُعد الإقليم تابعًا للولايات المتحدة دون أن يكون ولايةً أميركية؛ إذ يتمتع بحكومة محلية تدير شؤونه الداخلية، بينما تبقى السيادة والاختصاصات الرئيسة، مثل الدفاع والعلاقات الخارجية، بيد الحكومة الفيدرالية الأميركية.
لمزيد من التفاصيل حول الوضع القانوني لهذه الجزر ومنها جزيرة إبستين، يُراجَع:
U.S. Department of the Interior, Office of Insular Affairs. “U.S. Virgin Islands.” Accessed July 6, 2026. https://www.doi.gov/oia/islands/virgin-islands.
(1) Bernd Debusmann Jr., “Previously Unseen Images of Epstein’s Island Released,” BBC News, December 4, 2025, accessed July 5, 2026, https://www.bbc.com/news/articles/c4g5rrlve33o.
(2) Bobby Allyn, “U.S. Virgin Islands Officials: Epstein Trafficked Girls On Private Island Until 2018,” NPR, January 16, 2020, accessed July 5, 2026, https://www.npr.org/2020/01/16/797011139/u-s-virgin-islands-officials-epstein-trafficked-girls-on-private-island-until-20.
(3) Lewis Wiseman, “Here’s What Is Known About Sex Offender Jeffrey Epstein’s Islands in the Caribbean,” ABC News, December 4, 2025, accessed June 27, 2026, https://www.abc.net.au/news/2025-12-04/what-is-known-about-epstein-island/106027098.
(4) U.S. House of Representatives, HHRG-119-JU08-20250227-SD007-U7, February 27, 2025, accessed June 18, 2026, https://www.congress.gov/119/meeting/house/117951/documents/HHRG-119-JU08-20250227-SD007-U7.pdf.
(5) Jon Swaine, “FBI Raids Jeffrey Epstein’s Private Caribbean Island,” The Guardian, August 13, 2019, accessed June 11, 2026, https://www.theguardian.com/us-news/2019/aug/13/fbi-raids-jeffrey-epsteins-private-caribbean-island.
(6) Debusmann Jr., “Previously Unseen Images of Epstein’s Island Released.”
(7) Liz Landers, “Never-before-Seen Images of Epstein’s Private Island Released,” PBS NewsHour, December 3, 2025, accessed June 8, 2026, https://www.pbs.org/newshour/nation/never-before-seen-images-of-epsteins-private-island-released.
(8) Dhruv Mehrotra and Dell Cameron, “Jeffrey Epstein’s Island Visitors Exposed by Data Broker,” WIRED, March 28, 2024, accessed May 24, 2026, https://www.wired.com/story/jeffrey-epstein-island-visitors-data-broker-leak/.
(9) CNN Staff, “What’s Inside the Latest Epstein Files Released by the Justice Department,” CNN, updated January 31, 2026, accessed July 2, 2026, https://edition.cnn.com/2026/01/31/politics/jeffrey-epstein-files-release-doj.
(10) Reuters, “Little Saint James, the Small Private Island Formerly Owned by the Late Financier Jeffrey Epstein,” Reuters Connect, November 30, 2025, accessed June 22, 2026, https://www.reutersconnect.com/item/little-saint-james-the-small-private-island-formerly-owned-by-the-late-financier-jeffrey-epstein/dGFnOnJldXRlcnMuY29tLDIwMjU6bmV3c21sX1JDMkM2SUFOTEVKSg.
(11) ديفيد هارفي، منظِّر اجتماعي ماركسي بريطاني، أستاذ لعلم الاجتماع والجغرافيا في جامعة مدينة نيويورك، له كتابات في نقد النيوليبرالية.
(12) يُراجع:
David Harvey, Spaces of Hope (Berkeley: University of California Press, 2000)؛
و
محمد رياض، الجغرافيا السياسية: أسس وتطبيقات (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2004).
(13) ميشيل فوكو، فيلسوف ومؤرخ أفكار فرنسي، اشتهر بتحليلاته للعلاقة بين السلطة والمعرفة، وكيف تُستخدم المعرفة أداةً للضبط والتحكم في المجتمعات. في فلسفته هنا، يُراجع: ميشيل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006).
(14) جورجيو أغامبن، فيلسوف إيطالي بارز ومفكر سياسي، تقوم شهرته على مشروعه الكبير “الإنسان المستباح“، الذي يقدم نقدًا جذريًّا للدولة الحديثة ومفاهيمها. يُراجع في هذا الموضوع: جورجيو أغامبن، حالة الاستثناء، ترجمة نائلة الخوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013).
(15) إيف لاكوست، عالم جغرافيا سياسية فرنسي، يُعد الأب الروحي للجغرافيا السياسية الحديثة في فرنسا، وعُرف بنقده للاستعمار وإبراز الدور الإستراتيجي للجغرافيا في الصراعات الدولية. يُراجع عن نظريته: إيف لاكوست، الجغرافيا السياسية للمتوسط، ترجمة زهيدة درويش (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2007)؛
و
Yves Lacoste, La Géographie, ça sert, d’abord, à faire la guerre (Paris: La Découverte, 2012).
(16) مانويل كاستلز، عالم اجتماع إسباني، يُعد من أبرز منظِّري “مجتمع الشبكات” وعصر المعلومات، وقد ركزت أعماله على تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصال في إعادة تشكيل الاقتصاد والسلطة والهوية والعلاقات الاجتماعية. يُراجع عن نظريته: إدريس الغزواني، “مانويل كاستلز ومفهوم مجتمع الشبكات: نحو مقاربة تأويلية للهوية والسلطة في عصر المعلومات”، عمران، العدد 33 (2020): 143–164،
https://omran.dohainstitute.org/ar/Issue033/Pages/Omran-33-2020-El%20Ghazouani.pdf.
(17) يُراجع في هذا المجال: لونيسي، علي، “الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في معتقل غوانتانامو”، مجلة الاجتهاد القضائي، جامعة محمد خيضر بسكرة، العدد 5، 2009.
(18) يُراجع في هذا المجال: “المحاكم الاستثنائية بغوانتانامو”، و”غوانتانامو.. سجن يستهجنه العالم”، و”غوانتانامو.. صفحة سوداء في تاريخ أميركا تنتظر الطي”، موسوعة الجزيرة نت، 16 أغسطس/آب 2011، (تاريخ الدخول: 7 يوليو/تموز 2026)،
https://n9.cl/xmvm0 و https://n9.cl/ha9bfe و https://n9.cl/4n30p
(19) يُراجع في هذا المجال: منظمة العفو الدولية، غوانتانامو: عقدان من انتهاكات حقوق الإنسان، 2021، https://n9.cl/57rop5؛ ومحمد عواد، حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب (القاهرة: دار النهضة العربية).
(20) يُراجع في هذا المجال: التجارب النووية الفرنسية في الجزائر وآثارها على البيئة، سوري إينان، وبن سهلة ثاني بن علي، جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان، الجزائر، 27 أبريل/نيسان 2022، (تاريخ الدخول: 9 يوليو/تموز 2026)، https://tinyurl.com/bdznf4n2
(21) يُراجع في هذا المجال: “كاتب روسي: شبح النووي يطل على العالم وهذه أهم التجارب السابقة”، الجزيرة نت، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، (تاريخ الدخول: 6 يوليو/تموز 2026)، https://n9.cl/hubqj
(22) يُراجع في هذا المجال: عطية بيبرس، “مواجهة التجنب الضريبي الدولي في ظل استخدام الملاذات الضريبية”، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، العدد 83 (2023). https://jlr.journals.ekb.eg/article_323153.html
(23) يُراجع في هذا المجال: “تعرف على أبرز الملاذات الضريبية في العالم لعام 2021″، الجزيرة نت، 14 يوليو/تموز 2021 (تاريخ الدخول: 2 يوليو/تموز 2026)، https://n9.cl/cxjbt
(24) يُراجع في هذا المجال: جميل الصابوني، الملاذات الضريبية (القاهرة: دار النهضة العربية، 2010).
