ملخص
في الفترة من 28 فبراير/شباط وحتى 8 أبريل/نيسان 2026، شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا جوية وصاروخية استمرت أربعين يومًا ضد إيران أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد كبير من القيادات الإيرانية في ساعاتها الأولى، واستدعت هجمات إيرانية انتقامية على جميع دول مجلس التعاون الخليجي التي لم تكن طرفًا في الحرب -وبذل بعضها جهودًا مضنية لتجنيب إيران والمنطقة ويلاتها قبل اندلاعها-، كما أعادت الحرب فتح الجبهة اللبنانية عبر حزب الله، وأغلقت مضيق هرمز. وتجادل الورقة بأن حرب 2026 لم تكن حدثًا طارئًا بقدر ما كانت ذروة متوقعة لتصعيد استمر ثلاث سنوات، بدأ بحرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومَرَّ بحرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، وانفجر في لحظة حرجة جدًّا بالنسبة إلى إيران. واللافت للنظر في هذه الحرب أنها أول حرب أميركية/إسرائيلية مشتركة في المنطقة، كما أنها أول حرب إقليمية يتم فيها قصف دول مجلس التعاون الخليجي في توقيت متزامن، وهي أول حرب إسرائيلية-إيرانية واسعة بعد المواجهات التي تمت في 2024 و2025. أما تداعياتها، فتتجاوز البعد الإقليمي إلى المجال الدولي على المستويات المختلفة، السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية. وبالرغم من أن الانتهاء من كتابة الورقة تزامن مع إعلان وقف إطلاق نار في 8 أبريل/نيسان لمدة أسبوعين، توسطت فيه باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أنه ترك جميع الأسئلة الإستراتيجية التي شُنَّت الحرب من أجل تسويتها ظاهريًّا دون حل جوهري مع إمكانية تجديده لفترة أخرى أو عودة الحرب بشكل أكبر وأكثر كثافة.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم إضاءة سريعة، توثيقية وتحليلية، للحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران عام 2026، من خلال التطرق إلى سياقها وأسبابها، ومحطاتها ومنعرجاتها، وأبعادها وتداعياتها.
كلمات مفتاحية: الحرب الأميركية/الإسرائيلية، إيران 2026، الأمن الخليجي، مضيق هرمز، التصعيد الإقليمي.
Abstract:
Between 28 February and April 8, 2026, the United States and Israel waged a 40-day air and missile campaign against Iran, resulting in the killing of Supreme Leader Ali Khamenei and a large number of senior Iranian officials in its opening hours. The war prompted retaliatory Iranian attacks against all Gulf Cooperation Council (GCC) states, despite their non-involvement in the conflict—some of which had made strenuous efforts to spare Iran and the region its consequences prior to its outbreak. It also reopened the Lebanese front through Hezbollah and led to the closure of the Strait of Hormuz.
This paper argues that the 2026 war was not an abrupt event, but rather the expected culmination of an escalation that had unfolded over three years, beginning with the war on Gaza in October 2023, passing through the “Twelve-Day War” in June 2025, and erupting at a particularly critical moment for Iran. Notably, this war represents the first joint US–Israeli war in the region, the first regional conflict in which GCC states were bombed simultaneously, and the first large-scale Israeli–Iranian war following the confrontations of 2024 and 2025. Its implications extend beyond the regional level to the international arena across political, economic, defence and security dimensions.
Although the completion of this paper coincided with the announcement of a two-week ceasefire on 8 April—mediated by Pakistan between the United States and Iran—the ceasefire left the core strategic questions that ostensibly triggered the war unresolved, with the possibility of renewal or an escalation into a broader and more intense conflict.
This paper aims to provide a concise documentary and analytical overview of the 2026 US–Israeli war on Iran by examining its context and causes, its key phases and turning points, as well as its dimensions and implications.
Keywords: US-Israeli war, Iran 2026, Gulf security, Strait of Hormuz, regional escalation.
خلفية حرب 2026 وسياقها
في 6 فبراير/شباط 2026، التقى المفاوضون الإيرانيون والأميركيون بشكل غير مباشر في العاصمة العمانية، مسقط، لعقد الجولة الثانية من المحادثات النووية بعد وقف إطلاق النار، في 25 يونيو/حزيران 2025. وكان من المقرر عقد جولة أخرى في جنيف، لكن -وخلال خطابه أمام الكونغرس في 24 فبراير/شباط، صرَّح الرئيس ترامب بأن إيران استأنفت برنامجها النووي وتعمل على تطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وهي مزاعم تجاوزت ما هو مُعلن في السجلات العامة. من جهتها، أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران خزَّنت يورانيوم عالي التخصيب في منشأة تحت الأرض لم تتضرر خلال الحرب السابقة، لكنها ذكرت أيضًا أنه لا يوجد لديها دليل على وجود برنامج عسكري إيراني أو جهد جارٍ لصنع قنبلة، مشيرةً إلى أنها لا تستطيع التحقق من أن البرنامج النووي سلمي تمامًا لأن عمليات التفتيش مُعلقة منذ منتصف عام 2025(1).
في 13 فبراير/شباط، تم نشر مجموعة حاملة الطائرات “جيرالد فورد” الضاربة في المنطقة؛ وبين 15 و20 فبراير/شباط، ضاعفت إيران صادراتها النفطية ثلاث مرات وخفضت مخزونها المحلي(2)، في نمط فسره المحللون بأنه تحسب لشنِّ ضربات تم تأجيلها بسبب الجهود الإقليمية لإقناع الرئيس ترامب بعد شن الحرب. لكن الجانب الإيراني ربما لم يأخذ هذه التجهيزات على محمل الجد وكان يعتقد أنها مجرد مناورة للضغط خلال المفاوضات.
في 27 فبراير/شباط، أعلن وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، ما وصفه بالاختراق الدبلوماسي. ووفقًا لما ذكره، وافقت إيران على عدم تخزين اليورانيوم المُخصب مطلقًا، وعلى قبول التحقق الكامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعلى خفض مستوى تخصيب اليورانيوم عالي التخصيب لديها بشكل نهائي إلى أدنى مستوى ممكن تقنيًّا. قال البوسعيدي: إن السلام بات وشيكًا، وإن الجولة التالية من المحادثات مقررة في الثاني من مارس/آذار(3). لكن المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، كان قد وصف في إحاطة صحفية له الموقف الإيراني بأنه إصرار على حق غير قابل للتصرف في التخصيب، وقال: إن المفاوضين الإيرانيين تباهوا بأن 460 كيلوغرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60% تكفي لصنع أحد عشر سلاحًا نوويًّا(4). وخلال ساعات من تصريحات البوسعيدي، شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، وأعرب البوسعيدي علنًا عن استيائه، قائلًا: إن المفاوضات الجادة والفعالة قد قُوِّضت(5).
قدمت إدارة ترامب سلسلة من المبررات خلال الأسبوع الأول من الحرب(6). فقد زعم المسؤولون، بالتتابع وأحيانًا بالتزامن، أن الضربات كانت ضرورية لاستباق هجوم إيراني وشيك على القوات الأميركية؛ ولدرء أي محاولة إيرانية لامتلاك سلاح نووي (مستشهدين بتقييمات لمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60% يكفي لصنع ما يصل إلى إحدى عشرة قنبلة)؛ ولتدمير قدرة إيران على إنتاج الصواريخ؛ وفي الصيغة التي عاد إليها ترامب نفسه في أغلب الأحيان، لإجراء تغيير في النظام من خلال تمكين المعارضة الإيرانية من الوصول إلى السلطة. وبدا كذلك أن إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قد دفعت الولايات المتحدة إلى هذه الحرب.
في المقابل، فإن بذور هذه الحرب كانت قد وُضعت بُعَيد حرب يونيو/حزيران 2025 ضد إيران. فعند انتهاء تلك الحرب كان هناك توقعات لدى الرئيس ترامب بأن تذهب إيران إلى طاولة المفاوضات. السيناريو المفترض آنذاك هو أن تفاوض طهران على اليورانيوم الذي بحوزتها على صفقة مع الجانب الأميركي تقتضي تخلِّي إيران عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وضمان عدم إنتاجها سلاحًا نوويًّا، والتخلي عن أذرعها المسلحة في الإقليم، ومناقشة برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية مقابل أن تقوم الولايات المتحدة برفع كامل للعقوبات وتتعهد بعدم فرض عقوبات جديدة ويتم فتح الاقتصاد الإيراني في المقابل للشركات الأميركية. كان من شأن مثل هذه الصفقة أن تعطي ترامب القدرة على تصويرها انتصارًا، وأن تُجنِّب إيران الحرب وتعزز عمقها الإقليمي من خلال شراكات حقيقية مع جيرانها، وأن تعزل إسرائيل(7)
لكن ما جرى لاحقًا هو العكس تمامًا؛ حيث تم حرمان ترامب من إمكانية التوصل إلى اتفاق مما جعله تحت رحمة الضغوط الإسرائيلية لإطلاق حرب جديدة. كما أن الجانب الإيراني كان يرى -على ما تشير الوقائع- أنه بالإمكان إعادة إحياء أذرع إيران في الإقليم وترميم إستراتيجية “الدفاع المتقدم” والتحضير لمواجهة جديدة؛ حيث رفض حزب الله تسليم سلاحه للدولة والانخراط فيها كحزب سياسي فقط(8)، كما بدأت الميليشيات العراقية تتحضر لانخراط العراق في الحرب إلى جانب إيران هذه المرة، وتم الدفع بالميليشيات المحسوبة عليها إلى الانتخابات حيث حظيت بعدد كبير من المقاعد البرلمانية(9)، تبع ذلك ترشيح رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، لرئاسة الوزراء في العراق(10). كل هذه المؤشرات كانت توحي بأن الجانب الإيراني لم يفهم الرسالة من حرب الـ12 يومًا عام 2025، وأنه يحضِّر للتصعيد بناءً على نفس الحسابات التي ثبت خطؤها سابقًا. وفي مثل هذه الأجواء رفضت طهران مفاوضات جدية عرضتها تركيا(11) وكانت من المفترض أن تجمع الجانب الأميركي والجانب الإيراني للاتفاق على النقاط الخلافية الأساسية وفق رؤية إقليمية(12)، وقامت طهران باختيار سلطة عُمان(13) وهو ما أعطى الانطباع بأن المفاوضات ما هي إلا إعادة تدوير لنفس التكتيك الإيراني القديم في كسب الوقت.
إسرائيل كانت المستفيد الوحيد من هذه الفجوة المتسعة بين أميركا وإيران، وكانت ترى أنه يجب استغلال الفرصة التي أتاحتها حرب 2025 للانقضاض على إيران. وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي يواجه ضغوطًا متزايدة على الصعيد الداخلي في التحقيقات المتعلقة بملفات فساد الملياردير، جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، انتقل السجال فجأة إلى الملف الإيراني ثم ما لبثت الولايات المتحدة وإسرائيل أن أطلقتا الحرب، في 28 فبراير/شباط 2026، لتكون هذه الحرب هي الحرب الرسمية الأولى التي تتم بالشراكة بين أميركا وإسرائيل.
مراحل الحرب الأساسية
مع انطلاق الحرب، شنَّت إسرائيل غارات دقيقة على مجمع القيادة الإيرانية حيث كان المرشد الأعلى، علي خامنئي، مع كبار المسؤولين في البلاد في اجتماع هناك. أدَّت الغارة إلى مقتل المرشد الأعلى وعدد كبير من أقاربه والمسؤولين الإيرانيين. خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى، أكدت إيران مقتل وزير الدفاع، عزيز ناصر زاده، وقائد الحرس الثوري، محمد باكبور، وأمين مجلس الدفاع، علي شمخاني، وأربعة مسؤولين كبار في وزارة الاستخبارات، ومحمد شيرازي، رئيس المكتب العسكري للمرشد الأعلى(14). وأصاب أول الصواريخ الافتتاحية للحرب مدرسة للبنات؛ ما أسفر عن مقتل نحو 170 شخصًا، معظمهم من الأطفال. وفي وقت لاحق، أعلنت إسرائيل مقتل سبعة على الأقل من كبار قادة الأمن الإيرانيين. لم يقتصر استهداف هذه القوات على القيادة فحسب؛ إذ تم تنفيذ ما يقرب من 900 غارة أميركية وإسرائيلية في الساعات الاثنتي عشرة الأولى، استهدفت منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، والدفاعات الجوية، والبنية التحتية العسكرية، ومراكز القيادة والسيطرة، وامتدت آثارها إلى عمق المناطق المدنية في إيران.
وخلال وقت قصير، ردَّت إيران بإطلاق صواريخ ومسيرات ضد عدد كبير من البلدان، من بينها دول الخليج العربي والأردن بالإضافة إلى إسرائيل. ومن ثم توسعت في اليوم التالي لتشمل أيضًا إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه سلطنة عُمان وأذربيجان وتركيا(15). وقد برَّرت إيران هذا الهجوم الواسع على هذه الدول لاسيما دول المجلس الست -التي تعرضت لأول مرة في تاريخها لهجوم متزامن- بسردية مفادها التذرع بوجود قواعد عسكرية في هذه الدول، ثم ما لبثت هذه السردية أن تطورت من يوم إلى آخر لتدَّعي أن أراضي وأجواء الدول الخليجية قد تم استخدامها خلال العدوان على إيران، حيث تجاهلت هذه السرديات حقيقة أن الجانب الإيراني لم يقدم أي دليل موثوق على استخدام أراضي أو أجواء الدول الست ضد إيران عند انطلاق الحرب، في يوم 28 فبراير/شباط 2026. كما أنه وبخلاف التصريحات الإيرانية فقد جرى استهداف منشآت مدنية واسعة ومنشآت طاقة ومنشآت تحلية مياه ومنشآت مواصلات ومطارات…إلخ، ثم أنشأ الجانب الإيراني معادلة مفادها أنه إن قامت أميركا أو إسرائيل بقصف منشآته فسترد إيران بقصف منشآت خليجية. ناهيك عن غياب التفسير المتعلق بالتناقض الكامن بين اعتذار الرئيس الإيراني عن ضرب الدول المجاورة وشكره السعودية على منع استخدام أراضيها وأجوائها من جهة، وبين استمرار الحرس الثوري باستهداف الدولي العربية(16). وقد مرَّت الحرب في عدة مراحل رئيسية، لعل أبرزها:
المرحلة الأولى: استهداف القيادة الإيرانية
شهد الأسبوعان الأولان من الحرب سيطرة شبه مطلقة للمقاتلات الإسرائيلية والأميركية على الأجواء الإيرانية، ومع اغتيال المرشد الأعلى في اليوم الأول، تحرك الجانب الإيراني باتجاه اختيار قيادة بديلة. وفي هذه الأثناء، تسلَّم مجلس قيادي انتقالي مكون من ثلاثة أشخاص من بينهم الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، المهام الدستورية. وفي 3 مارس/آذار، عقد مجلس الخبراء اجتماعًا سريًّا عبر الإنترنت؛ بعد أن كانت المقاتلات الإسرائيلية قد قصفت قبلها بساعات مبنى مكتب مجلس الخبراء في قم؛ مما أسفر عن مقتل عدد من الموظفين الإداريين. وفي الجولة الأولى من التصويت في ذلك اليوم، حصل مجتبى خامنئي -نجل المرشد الأعلى الراحل، وهو رجل دين متوسط الرتبة وله صلات وثيقة بالحرس الثوري الإيراني- على أغلبية الثلثين اللازمة(17). تأجل الإعلان لأسباب أمنية بناءً على طلب من علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي اغتيل لاحقًا في غارة في 17 مارس/آذار(18).
وقدَّم الرئيس الإيراني، بزشكيان، في 7 مارس/آذار، خلال بيان متلفز، اعتذارًا علنيًّا لدول مجلس التعاون الخليجي عن استهدافها(19)، وشكر المملكة العربية السعودية على عدم السماح باستخدام أراضيها وأجوائها، وأعلن وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي، وهو قرار يُقال: إن المجلس الانتقالي اتخذه وأثار استياء قادة الحرس الثوري الإيراني الذين يديرون الحرب(20). وبعد خطابه بدقائق، قام الحرس الثوري بقصف عدد من الدول الخليجية، من بينها السعودية، في تعبير عن رفض الحرس لتوجه الرئيس الإيراني. ولاحقًا، أُعلن رسميًّا عن تنصيب مجتبى خامنئي، في 8-9 مارس/آذار 2026، لملء الفراغ في هيكل السلطة في إيران. وقد أشارت تقارير إلى أنه كان قد أصيب خلال الغارة التي قتلت والده ما أدى إلى تشوه بليغ في جسده نتيجة الغارة؛ مما حال دون ظهوره على الجمهور صورةً أو صوتًا، واقتصار رسائله الموجهة إلى داخل وخارج إيران على البيانات المكتوبة(21).
عسكريًّا، أغرقت غواصة أميركية الفرقاطة الإيرانية (IRIS Dena) في المحيط الهندي قبالة سواحل جالي، سريلانكا، مما أسفر عن مقتل 87 من أفراد طاقمها، بعد أن شاركت الأخيرة في عرض بحري استضافته الهند. وتُعد هذه العملية الأولى التي تقوم فيها غواصة أميركية بإغراق سفينة بعد الحرب العالمية الثانية(22). وذكرت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها دمَّرت، في أوائل شهر مارس/آذار، حوالي 19 سفينة إيرانية وغواصة واحدة ونحو 2000 هدف فردي.
المرحلة الثانية: امتداد الصراع إقليميًّا
تميزت المرحلة الثانية بتوسع الصراع أفقيًّا؛ ففي 2 مارس/آذار، أطلق حزب الله بضعة صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل ردًّا على اغتيال علي خامنئي(23). كان بعض اللبنانيين -من بينهم من هو مؤيد للحزب- يعتقدون أن هناك جهة تريد توريط حزب الله ولبنان في المعركة وجرَّ إسرائيل إلى الداخل اللبناني عبر هذه العملية قبل أن يتبنَّاها حزب الله. ردَّت إسرائيل بحملة جوية مكثفة استهدفت البنية التحتية لحزب الله، أعقبها توغل بري في جنوب لبنان. ما بدأ كعملية أميركية/إسرائيلية مشتركة ضد إيران، تحول كذلك إلى “حرب لبنان 2026” التي أسفرت، بحلول أوائل أبريل/نيسان، عن مقتل أكثر من 1400 لبناني وتشريد حوالي خُمس سكان لبنان(24).
في غضون ذلك، وعلى الرغم من إعلان بزشكيان، في 7 مارس/آذار، ازداد العدوان الإيراني ضد أهداف خليجية، وأُعلن لاحقًا عن إغلاق منشآت طاقة وإيقاف العمل بها نتيجة “القوة القاهرة” بعد استهدافها بشكل مباشر من قبل إيران ما أدى إلى خروجها عن الخدمة. وشمل ذلك منشآت في دول مثل قطر، والكويت، والإمارات، والبحرين. كما استهدفت إيران مجموعة واسعة من الأهداف المدنية والبنى التحتية الحيوية في الخليج.
كما استهدفت إيران مرافق شركة أمازون لخدمات الويب في الإمارات العربية المتحدة والبحرين؛ مما أدى إلى أضرار جسيمة في البنية التحتية السحابية. وفي 11 مارس/آذار، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارًا بعد أن قدمت البحرين مشروعه إلى مجلس الأمن. ويطالب القرار بوقف الهجمات الإيرانية على الدول العربية والمدنيين، ويؤكد مجددًا حق السفن في عبور مضيق هرمز بعد قيام الحرس بإغلاقه، في 2 مارس/آذار.
المرحلة الثالثة: أزمة مضيق هرمز والصدمة الاقتصادية
تمحورت المرحلة الثالثة حول إغلاق إيران لمضيق هرمز وما نتج عنه من تداعيات على منظومة الطاقة العالمية. بررت إيران إغلاق المضيق بأنه ردٌّ على الهجمات التي استهدفت جزيرة خارك وحقولًا إيرانية. وقد غيَّرت شركات الشحن مسارها واتجهت إلى رأس الرجاء الصالح حتى قبل أن تُهدد إيران رسميًّا بإطلاق النار على السفن العابرة. وارتفع سعر خام برنت بشكل حاد؛ ووافقت وكالة الطاقة الدولية، التي تضم 32 دولة، على طرح 400 مليون برميل من احتياطياتها الإستراتيجية في محاولة لتحقيق استقرار الأسعار(25)، من بينها 172 مليون برميل من احتياطي الولايات المتحدة لعامي 2026-2027.
وقدَّر صندوق النقط الدولي أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار الطاقة خلال عام 2026 سيضيف نحو نصف نقطة مئوية إلى التضخم العالمي. وحذَّرت منظمة التجارة العالمية من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يُقلِّص 0.3 نقطة مئوية من النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2026، وأكثر من نقطة مئوية كاملة من النمو الأوروبي. امتدت الصدمة النفطية إلى ما هو أبعد من الغرب حيث تأثرت الدول الآسيوية بشكل كبير أيضًا. وزعمت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني تدميرها عشر سفن تجارية حاولت عبور المضيق خلال الأزمة(26). وفي 25 مارس/آذار، قدَّم مسؤولون باكستانيون مقترحًا من 15 بندًا، صاغته الولايات المتحدة، إلى طهران -أول جهد وساطة جاد في الحرب-(27)، رفضته إيران ووصفته بأنه متشدد. وفي 31 مارس/آذار، قدمت باكستان والصين معًا مبادرة من 5 بنود تدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية ووصول المساعدات الإنسانية؛ إلا أنها رُفضت أيضًا(28).
المرحلة الرابعة: مسار باكستان ووقف إطلاق النار
تميزت المرحلة الرابعة والأخيرة بتضافر الضغوط الدبلوماسية والعسكرية. ففي 5 أبريل/نيسان، طرحت باكستان إطارًا لوقف إطلاق النار على مرحلتين لمدة 45 يومًا، تم التفاوض عليه بين قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، ونائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، والمبعوث، ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي(29). رفضت إيران مهلة الـ45 يومًا، لكنها ردَّت بخطة من 10 نقاط(30).
وفي 6 أبريل/نيسان، وصف ترامب علنًا الرد الإيراني بأنه خطوة مهمة، لكنها غير كافية، وحذَّر من عواقب وخيمة إذا لم يُفتح المضيق. اشتدت الضربات، وفي مساء 7 أبريل/نيسان، قصفت القوات الأميركية والإسرائيلية جزيرة خارك ومجمعات البتروكيماويات في ماهشهر وعسلوية. وفي الساعات الأخيرة قبل الموعد النهائي الذي حدَّده ترامب عند منتصف الليل، وبينما كان يحذر علنًا من إمكانية “فناء حضارة بأكملها” بحلول الصباح، أقنع رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، الطرفين بقبول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين(31).
أصدر وزير الخارجية الإيراني، عراقجي، بيانًا رسميًّا نيابة عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني(32)، أعلن فيه الالتزام بوقف ما سماه العمليات الدفاعية شرط توقف الهجمات الأميركية، مشيرًا إلى أن إيران ستسمح بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز لمدة أسبوعين، لكنه ربط ذلك بضرورة “التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية” ومراعاة “القيود الفنية” القائمة. وجاء بيان عراقجي ردًّا على مقترح أميركي مكون من 15 نقطة ومقترح إيراني مضاد مكون من 10 نقاط. وفي المقابل، أعلن ترامب وقف إطلاق النار على منصة TruthSocial قبل ساعة واحدة فقط من انتهاء المهلة، قائلًا: إن مقترح إيران المكون من عشر نقاط يشكل أساسًا عمليًّا للتفاوض، وإن طهران وافقت على إعادة فتح المضيق.
أكد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قبول اتفاق التفاوض المباشر على التفاصيل مع الولايات المتحدة في باكستان، مشيرًا بوضوح إلى أن ذلك لا يعني إنهاء الحرب، وأن السلطة لا تزال على أهبة الاستعداد لإطلاق النار. وتشير تقارير لاحقة إلى أن القبول الإيراني النهائي ومباركة المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، للتفاوض جاء عقب تدخل صيني في اللحظات الأخيرة مع طهران؛ وقد أكد ترامب في مقابلة لاحقة مع وكالة فرانس برس اعتقاده بأن بيجين لعبت دورًا حاسمًا. وعلى الرغم من أن إيران كانت قد اشترطت إيقاف الحرب على جميع الجبهات في المنطقة، مهددة بعدم حضور المفاوضات إذا لم يتم إيقاف الحرب على حزب الله في لبنان، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بذلك واستمرت في العمليات العسكرية، كما أن إيران حضرت المفاوضات ولم تنسحب، وقد تذرعت فيما بعد بأنها كانت مستعدة للرد على إسرائيل إلا أن الجانب الباكستاني أقنعها بخلاف ذلك(33).
أبعاد الحرب المختلفة
أولًا: البُعد العسكري
غلب طابع الهجوم الجوي والصاروخي على طبيعة الحرب حيث سيطرت الولايات المتحدة وإسرائيل سيطرة جوية شبه كاملة منذ البداية على الأجواء الإيرانية الأمر الذي أتاح لها حرية حركة غير مسبوقة وذلك نتيجة لتدمير معظم الدفاعات الجوية الإيرانية، لاسيما الرئيسية منها، في حرب الـ12 يومًا، في يونيو/حزيران 2025. وخلال أقل من 40 يومًا، نفذت إسرائيل أكثر من 10800 غارة جوية على إيران، وألقت ما يزيد عن 18000 قنبلة(34)، بينما نفذت الولايات المتحدة ما يقرب من 13000 غارة استهدفت البنية التحتية العسكرية والمواقع النووية والقيادات العسكرية والقوات الجوية والبحرية وأنظمة الدفاع الجوي ومخازن السلام والقواعد المحصنة تحت الأرض بالإضافة إلى البنية التحتية الحيوية المتعلق بالطاقة والمواصلات على وجه الخصوص(35).
عوَّضت إيران ذلك بالاعتماد على ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيرة، فأطلقت مئات الصواريخ الباليستية وآلاف الطائرات المسيرة ضد مجموعة واسعة من البلدان الإقليمية. وتشير الإحصاءات إلى أن إيران أطلقت خلال 41 يومًا ما يزيد عن 7500 صاروخ ومسيرة(36)، حوالي 83% منها ضد الدول العربية (دول الخليج+الأردن)، مقابل 13% فقط ضد إسرائيل(37). أدَّت أنظمة ثاد الأميركية، وآرو الإسرائيلية، وإيجيس التابعة للبحرية الأميركية أداءً جيدًا، وكذلك فعلت الدفاعات الخليجية التي تصدرتها أنظمة ثاد وباتريوت. لكن إغراق هذه الدفاعات سواء بالنسبة إلى أعداد الصواريخ والمسيرات التي تُطلق ضد الدول العربية أو نوعية الصواريخ الانشطارية في الحالة ضد إسرائيل أتاح لها اختراق الدفاعات؛ الأمر الذي أدى إلى وقوع خسائر مادية وبشرية.
ثانيًا: البعد الاقتصادي والطاقوي
البُعد الثاني للحرب هو الصدمة التي أحدثتها في الاقتصاد العالمي؛ إذ يمر ما يقارب 20% من النفط المنقول بحرًا في العالم عادةً عبر مضيق هرمز، وكان حتى الإغلاق الجزئي كافيًا لتغيير مسار الشحن العالمي ورفع الأسعار بشكل حاد. وقد أصدر كلٌّ من صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ووكالة الطاقة الدولية تحذيرات من آثار سلبية متوقعة على التضخم والنمو؛ كما أشار الخبراء في هذه المؤسسات إلى أن الأسواق الناشئة والدول النامية ستكون الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الإمدادات(38).
وتشير التقديرات إلى أن الحرب تكلف الولايات المتحدة ما بين مليار إلى 2 مليار دولار يوميًّا. وبالرغم من أن اغلاق المضيق يرفع من أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، إلا أن واشنطن تُعد الأقل تضررًا بالإغلاق مقارنة بغيرها، ليس لأن الولايات المتحدة ما عادت تعتمد على نفط الخليج فقط بل لأن الولايات المتحدة تُعد كذلك أكبر منتج للنفط في العالم، ومن أكبر مصدِّري البترول أيضًا. أما إيران، فإن تكاليف الدمار الذي أصاب منشآتها ومرافقها وقواعدها ومؤسساتها مرتفعة جدًّا. وفقًا لتقديرات عام 2018، فإن البرنامج النووي الإيراني كلَّف لوحده آنذاك ما يزيد عن نصف تريليون دولار. ومن المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بأكثر من 10% إذا عادت الأمور إلى طبيعتها(39).
وفيما يتعلق بإسرائيل، فهي تبدو الأقل تضررًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدعم الأميركي الذي تحظى به من جهة، وحجم ما أصيبت به من أضرار مقارنة بالجانب الإيراني من جهة أخرى، وحجم الأضرار البالغة التي أصيبت بها الدول الخليجية من جهة ثالثة. وتعد قطر والكويت من أكثر الدول الخليجية المتضررة في الحرب الحالية من الناحية الاقتصادية، فالدوحة على سبيل المثال معتمدة بشكل حصري على تصدير غازها عبر المضيق، والضربة الإيرانية التي تلقتها في منشآت الغاز فقط لوحدها تكلف بحسب التصريحات الرسمية حوالي 20 مليار دولار. ودفعت إيران باتجاه فرض رسوم على السفن التي تمر في مضيق هرمز، وهو ما يعد مخالفًا لقواعد القانون الدولي وتسييسًا للممرات الدولية.
ثالثًا: البُعد الإنساني
وتتوزع الخسائر البشرية بشكل متفاوت على الأطراف المشاركة وغير المشاركة في الحرب. تحملت إيران العبء الأكبر في هذه الحرب حيث تشير الأرقام المتوافرة حتى 10 أبريل/نيسان 2026 إلى مقتل 2076 شخصًا في مقابل 13 أميركيًّا و26 إسرائيليًّا(40). أما الدول العربية فقد تحملت الجزء الأكبر من الخسائر البشرية بعد إيران؛ إذ قُتل 1830 شخصًا في لبنان و28 في دول مجلس التعاون الخليجي و118 في العراق و4 في سوريا. لكن من المتوقع أن ترتفع الأرقام الإيرانية بشكل أكبر فور وقف الحرب وذلك نظرًا لغياب عملية التوثيق في صفوف العسكريين خلال الحرب وأيضًا بسبب عدم القدرة على رفع الأنقاض في كثير من الأماكن. فعلى سبيل المثال، أفادت “إيران إنترناشونال”، في 31 مارس/آذار، بمقتل ما لا يقل عن 4700 من أفراد الأمن الإيرانيين. أما فيما يتعلق بالجرحى فهم بعشرات الآلاف لاسيما أن الحرب لا تزال مستمرة، لكن المسجل حتى بداية أبريل/نيسان هو بحدود ما يزيد عن 26500 جريح في إيران، و4927 جريحًا في لبنان، و7451 في إسرائيل.
رابعًا: البعد القانوني
كان البُعد القانوني محل جدل حاد منذ بداية الحرب. زعمت الولايات المتحدة أن ضرباتها كانت دفاعًا استباقيًّا مشروعًا عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. لكن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دان الضربات الأميركية/الإسرائيلية بوصفها مخالفة للميثاق. وترى الأغلبية الساحقة من الحقوقيين والخبراء أن هذه الحرب ضد إيران غير مشروعة وفق الحجج التي تم تقديمها عند البدء بها. لكن بموازاة العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران، قامت إيران باستهداف 12 دولة معتبرة أن ذلك تم في معرض الدفاع عن نفسها وهو ادعاء غير صحيح أيضًا. فالرد الإيراني أنشأ ما يمكن تسميته بالحرب الإيرانية على دول الخليج العربي، وهي حرب غير مشروعة وغير قانونية أيضًا بالرغم من محاولة إيران تسويق تبريرات وأعذار وسرديات مغايرة حول هذا الأمر. وفي هذا السياق، صدر، في 11 مارس/آذار 2026، قرار عن مجلس الأمن الدولي كانت البحرين قد قدمت مشروعه بالنيابة عن الدول الخليجية والأردن. وقد دان القرار إيران وعَدَّ هجومها ضد الدول الخليجية والأردن بحجة الدفاع عن النفس غير شرعي. كما حظي القرار برقم قياسي من قبل الرعاة لمشروعه وبلغ عددهم 136(41).
وبموازاة ذلك، نشأ خلاف أيضًا حول الإجراءات التي تم اتخاذها بخصوص مضيق هرمز؛ إذ قامت إيران بإغلاقه ووضع ألغام بحرية فيه، كما أقرَّ برلمانها مشروع قانون يتيح جباية أموال من السفن التي يتم السماح لها بالمرور، وهي كلها أمور غير قانونية من منظور القانون الدولي على اعتبار أن مضيق هرمز ليس مضيقًا إيرانيًّا وإنما ممر ملاحة دولية لا يحق لإيران إغلاقه ولا جباية أموال منه. وفي المقابل، استخدمت واشنطن إستراتيجية إيران المتعلقة بإغلاق المضيق ضد طهران حيث فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًّا على مضيق هرمز وهو ما يعد كذلك غير قانوني. هدف الحصار إلى منع إيران من تصدير نفطها وأي صادرات أخرى وذلك لزيادة الضغوط الاقتصادية عليها، ولدفع مستهلكي النفط الإيراني من الدول الأخرى إلى الضغط على الحكومة الإيرانية للموافقة على شروط الولايات المتحدة لإنهاء الحرب حيث من المتوقع أن تخسر إيران نتيجة لهذا الحصار حوالي نصف مليار دولار يوميًّا. وقد غيَّرت واشنطن المسمى لاحقًا إلى حصار الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز مع السماح للسفن الأخرى بالعبور، وهو أمر لا يشرعه القانون كذلك.
نتائج الحرب المتوقعة وتداعياتها
نتائج الحرب مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي تعتمد في نهاية المطاف على الشكل الذي ستؤول إليه هذه الحرب. حتى تاريخ كتابة هذه الورقة كان وقف إطلاق النار الهش لا يزال قائمًا بالرغم من الخروقات التي تعرض لها، وقد قرر ترامب فرض حصار على الحصار الإيراني لمضيق هرمز. ومع ذلك، فإن فرص التسوية تساوي فرص التصعيد علمًا بأن الجانب الإيراني لم يتبقَّ لديه الكثير ليخسره، وسيكون مضطرًّا لخوض مفاوضات؛ ذلك أن فرض واشنطن للحصار يتسبب بخسائر تُقدَّر، كما سبق القول، بحوالي نصف مليار دولار يوميًّا؛ ما يعني أن قدرة إيران الاقتصادية على الصمود في مثل هذا الوضع لن تكون طويلة. أما إذا قررت إيران التصعيد، فسيكون لدى ترامب فرصة تدمير جزيرة خارك أو السيطرة عليها وهو ما سيُفقد إيران قدرتها على تصدير النفط فضلًا عن إمكانية تنفيذ تهديده بتدمير الشبكة الكهربائية ومعامل الكهرباء في إيران؛ الأمر الذي إن حدث سيترك آثارًا مدمرة على إيران لسنوات طويلة وسيحرمها إلى حدٍّ كبير من قدراتها على التصنيع وإعادة الإعمار وقد يطلق ثورة داخلية. وهذا يعني أن خيارات إيران محدودة وأن الاتفاق مع واشنطن لا يزال يمثل البوابة المثلى بالنسبة لها.
وفيما يتعلق بالنتائج المتوقعة في هذا السياق، وبعيدًا عن السرديات التي يتم الترويج لها من قبل جميع الأطراف، وبالاستناد إلى الاتجاه العام المبني على ما تم حتى تاريخ كتابة هذه الورقة من تطورات ونتائج (لا يأخذ هذا التقييم بعين الاعتبار احتمال قيام عملية برية والنتائج المترتبة عليها أو احتمال وجود تغيير كبير في المعادلة نتيجة خسائر فادحة في الأرواح لدى الجانب الأميركي أو الإسرائيلي)، فإن النتائج المحتملة للحرب ستكون على الأرجح تدهورًا إستراتيجيًّا في موقع ودور إيران بشكلها التقليدي، وتراجع الثقة في سياسات وقدرات الولايات المتحدة الأميركية إقليميًّا ودوليًّا مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على دور الولايات المتحدة الدولي والعلاقة المستقبلية مع الحلفاء والمنافسين على حدٍّ سواء. وفي المقابل، ستخرج إسرائيل على ما يبدو بأكبر قدر من المكاسب من هذه الحرب في مقابل أقل قدر من الخسائر، بشريًّا، وماديًّا، وماليًّا، وسياسيًّا، وعسكريًّا كذلك.
أولًا: إيران: تدهور إستراتيجي متعدد الأبعاد
من المرجح أن تخرج إيران من الحرب في وضع أضعف بكثير مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاعها، وقد يمثل ذلك أحد أشد مراحل الضعف التي تواجهها منذ عام 1979. وفي حال لم يكن هناك تفاهم شامل مرضٍ للجميع في نهاية المطاف، فمن المُتوقع أن تواجه إيران عزلة إقليمية متزايدة، وذلك نتيجةً للحرب التي شنَّتها ضد أطراف ثالثة (دول الخليج على وجه التحديد) بذريعة الدفاع عن نفسها، وهو الأمر الذي سيدفع هذه الدول التي سعت سابقًا إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع طهران إلى إعادة تقييم سياساتها وتقليص مستوى الانفتاح والتعاون معها.
عسكريًّا، تعرضت القدرات التقليدية الإيرانية إلى دمار واسع وهي التي كانت تعاني أصلًا من تحديات هيكلية قبل الحرب، ومن المتوقع أن تؤدي العمليات العسكرية إلى إضعافها بشكل ملحوظ، بما يشمل القوات الجوية والبحرية وأنظمة الدفاع الجوي والبنى القيادية والمواقع العسكرية. كما يُتوقع أن تتعرض القدرات الصاروخية وأنظمة الطائرات المسيرة -التي تشكل ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية الإيرانية- لاستنزاف كبير مع نهاية الحرب. من المرجح كذلك أن تتراجع فاعلية أذرع إيران الإقليمية بشكل كبير، خاصة بعد الضربات المتوالية التي تعرضت لها في السنوات السابقة وتتعرض لها خلال الحرب، وهو ما سيؤدي إلى تراجع دورها العملياتي وانخفاض مستوى قبولها المحلي في البيئات التي تنشط فيها، وغياب شرعية عملها.
اقتصاديًّا، من المتوقع أن تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية حادة، خصوصًا في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة واستمرت العقوبات؛ إذ ستكون إيران بحاجة إلى سنوات من إعادة الاعمار والعودة باقتصاد البلاد إلى ما كان عليه قبلها. وستتزامن الحاجة إلى إعادة الإعمار مع تحديات اقتصادية مزمنة؛ ما قد يزيد من احتمالات التوتر والصراع الداخلي، خاصة إذا انعكس التدهور الاقتصادي على الأوضاع الاجتماعية للناس.
وفيما يتعلق بالقدرات النووية، فإن الجزء الأكبر من برنامج إيران النووي قد تم تدميره بالفعل على مراحل آخرها الحرب الحالية. وتحتفظ إيران بقدر من اليورانيوم المخصب والذي من المتوقع أن يتم المساومة عليه مع الجانب الأميركي لاحقًا. وتتراوح الخيارات في هذا الجانب بين تسليمه إلى الولايات المتحدة أو تخفيفه داخليًّا أو تسليمه إلى طرف ثالث. وبشكل عام، فإن الآثار القاهرة للحرب على إيران ستبدأ بالظهور بشكل جلي بعد الحرب مباشرة وليس خلالها.
ثانيًا: الولايات المتحدة: كلفة إستراتيجية واستمرار التراجع النسبي
من المرجح أن تسهم هذه الحرب في تعميق مسار تراجع الولايات المتحدة كقوة عالمية، وهو اتجاه بدأ منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. صحيح أن الولايات المتحدة أثبتت مرة أخرى أنها قوة عسكرية لا يمكن مضاهاتها، لكن التراجع لا يرتبط بالضرورة بوجود هذه القوة بدليل أن الاتحاد السوفيتي تفكك عندما كان لا يزال يمتلك ثاني أقوى جيش -وأكبرها- في العالم، وإنما بتآكل مصداقية الولايات المتحدة بشكل كبير على الصعيد الدولي، وغياب الثقة بسياساتها وبضماناتها الأمنية لدى حلفائها (باستثناء إسرائيل)، وتراجعها الاقتصادي، وتقهقرها الداخلي. على المستوى البنيوي، ستؤدي هذه الحرب إلى إضعاف بنية النظام الدولي بشكل أكبر، وإلى تعقيد علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، حتى في حال تحقيق نتائج عسكرية إيجابية.
داخليًّا، قد تشهد الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب تصاعدًا في حدة الاستقطاب السياسي والانقسام المجتمعي، مع عودة قضايا داخلية مؤجلة إلى الواجهة. اقتصاديًّا، ستؤدي الحرب على الأرجح إلى زيادة الأعباء المالية، من خلال ارتفاع الإنفاق العسكري وتفاقم مستويات الدَّيْن العام. أما جيوسياسيًّا، من المتوقع أن تستفيد قوى منافسة -وفي مقدمتها الصين- من استخلاص دروس إستراتيجية من هذا الصراع، لاسيما فيما يتعلق بمضيق ملقا ومستقبل تايوان، وهو ما قد يؤثر في موازين القوى الدولية مستقبلًا.
ثالثًا: إسرائيل: مكاسب قصيرة الأمد ومخاطر طويلة الأمد
ستخرج إسرائيل على ما يبدو بأكبر قدر من المكاسب من هذه الحرب في مقابل قدر قليل من الخسائر، بشريًّا، وماديًّا، وماليًّا، وسياسيًّا، وعسكريًّا. بنيويًّا، أسهم الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الأميركي لتل أبيب في تقليص الأعباء المباشرة على إسرائيل؛ ما عزَّز من قدرتها على تحقيق أهدافها العسكرية بأقل كلفة ممكنة. عملياتيًّا، يُتوقع أن تستفيد إسرائيل من إضعاف قدرات إيران وأذرعها الإقليمية بشكل كبير على المستوى الإقليمي. علاوةً على ذلك، فإن تحقيق اختراقات استخباراتية عميقة داخل بنية النظام والمجتمع الإيراني وفي المناطق التي تقع تحت النفوذ الإيراني، كلبنان والعراق واليمن، سيعطيها الأفضلية مستقبلًا والقدرة على التأثير في مجرى الأحداث كذلك.
كل هذه المعطيات تعني أنه سيكون بإمكان إسرائيل تركيز قدراتها ومواردها مستقبلًا على فاعل إقليمي جديد غير إيران. ومن المحتمل أن تتجه إسرائيل إلى التركيز على سياسات ونشاطات كل من تركيا والمملكة العربية السعودية ومناطق نفوذهما بعد انتهاء الحرب على إيران. لكن تحقيق إسرائيل لمكاسب إستراتيجية ملموسة، لاسيما فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي وقدرات إيران العسكرية ونفوذ إيران الأمني في المنطقة، قد يقترن بمخاطر مستقبلية. إستراتيجيًّا، قد تؤدي هذه النتائج إلى تنامي شعور الثقة المفرطة بالنفس لدى تل أبيب بما يدفعها نحو توسيع نطاق الترتيبات الإقليمية ومحاولة فرض وقائع جديدة في الشرق الأوسط. إلا أن هذا المسار ينطوي على مخاطر سوء تقدير إستراتيجي على المدى الطويل. كما أن التحولات المحتملة في الرأي العام داخل الولايات المتحدة -وخاصة تزايد الانتقادات لطبيعة العلاقة الثنائية- قد تفرض قيودًا مستقبلية على البيئة الإستراتيجية لإسرائيل. وأي تغير جوهري في هذا الاتجاه قد ينعكس سلبيًّا على استدامة وضع إسرائيل الحالي.
رابعًا: دول مجلس التعاون الخليجي: خسائر مادية وبيئة أكثر تعقيدًا
من المرجح أن تخرج دول مجلس التعاون الخليجي بمزيج من الخسائر المادية الكبيرة على المدى القصير والمكاسب المحتملة على المدى المتوسط والتحديات البنيوية على المدى الطويل، وذلك نتيجة للحرب وما سينجم عنها من إعادة تشكيل في موازين القوى الإقليمية. اقتصاديًّا، وعلى الرغم من أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه الحرب ستكون متفاوتة الوقع على دول مجلس التعاون الخليجي إلا أن الأكيد أن التكاليف ستكون عالية نتيجة الأضرار الجسيمة في البنى التحتية لاسيما تلك المتعلقة منها بالطاقة، بالإضافة إلى تكاليف عرقلة أو شل الحركة الاقتصادية عبر مضيق هرمز أو عبر القصف المستمر لدول الخليج، وتكاليف الإنفاق الدفاعي للتصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية. ومن المتوقع أن تكون دولة قطر هي الأكثر تضررًا في هذا المجال (ضربة منشآت الغاز تكلف لوحدها وفق التقديرات الرسمية حوالي 20 مليار دولار كما سبقت الإشارة إلى ذلك) نظرًا لاعتمادها الكامل على المضيق لتصدير الغاز المسال الذي يعتمد الناتج المحلي الإجمالي للدولة عليه بشكل شبه كامل. فضلًا عن قطر، تُعد الكويت والبحرين من الدول الأكثر تضررًا من الناحية الاقتصادية.
سياسيًّا، قد تستفيد دول المجلس من تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني؛ ما يخفف من الضغوط الأمنية المباشرة ويعزز هامش الحركة الدبلوماسية. إلا أن هذا التراجع قد يخلق في المقابل فراغًا نسبيًّا في توازن القوى الإقليمي؛ ما يفرض على هذه الدول أدوارًا أكبر في إدارة الاستقرار الإقليمي. كما يُتوقع أن تعيد بعض الدول الخليجية تقييم علاقاتها مع طهران، مع الحفاظ على قنوات اتصال محدودة لأغراض احتواء المخاطر. كما من المتوقع أن يتم إعادة تقييم علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة الأميركية. بعض الدول قد تتجه إلى تعميق هذه العلاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. قد تتزايد الضغوط المرتبطة بإعادة تشكيل النظام الإقليمي على دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك التوسع المحتمل في ترتيبات التطبيع والتحالفات الجديدة.
أمنيًّا وعسكريًّا، رغم انخفاض مستوى التهديد التقليدي القادم من إيران نتيجة تدهور قدرات إيران والهدنة المستمرة حتى تاريخ كتابة هذه الورقة أو وقف إطلاق النار، فإن البيئة الأمنية ستبقى غير مستقرة على المدى القصير على الأقل. احتمالات التصعيد غير المتماثل -بما في ذلك الهجمات السيبرانية أو العمليات عبر وكلاء- ستظل قائمة، وإن بوتيرة أقل. في المقابل، قد تتجه دول المجلس إلى تسريع برامج التحديث العسكري وتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، إضافة إلى توسيع مجالات التعاون الأمني البيني. إستراتيجيًّا، ستواجه دول المجلس بيئة دولية أكثر تعقيدًا في ظل تراجع نسبي للدور الأميركي وعدم موثوقية الضمانات الأميركية التي تم اختبارها خلال محطات عديدة في العقد الأخير، هذا الواقع قد يدفعها إلى تعزيز قدراتها الذاتية، وتعميق تنويع شراكاتها الدولية، والبحث عن نظام أمني إقليمي، مع الحفاظ على المظلة الأمنية الأميركية ولكن بصيغة أكثر حذرًا وتوازنًا.
خامسًا: تركيا: توسع في الدور الإقليمي مقابل تحديات هيكلية متزايدة
نجحت تركيا في تجنيب نفسها الانخراط في الحرب؛ إذ منعت استخدام أراضيها أو أجوائها في الحرب ضد إيران كما أنها حذَّرت من أن استهداف أراضيها سيؤدي إلى ردِّ فعل حتمي وهو أمر لا تريده إيران. وبالرغم من النأي بالنفس ومحاولة بذل الجهود لإيقاف الحرب، فإن تداعياتها تصيب أنقرة في جميع الأحوال. ليس أقله على المستوى الاقتصادي، ولاسيما الارتفاع الحاد في أسعار النفط حيث من المنتظر أن ينعكس ذلك بشكل سلبي على جهود التعافي الاقتصادي التي بذلتها الحكومة التركية خلال السنوات الماضية.
لكن في المقابل، من المرجح أن تخرج تركيا من تداعيات الحرب بموقع إقليمي أكثر بروزًا، لكن ضمن بيئة معقدة تفرض عليها موازنة دقيقة بين الفرص والمخاطر. سياسيًّا وجيوسياسيًّا، قد تستفيد تركيا من تراجع النفوذ الإيراني في الإقليم؛ ما يفتح المجال أمامها لتعزيز حضورها في عدد من الساحات التي كانت تشهد تنافسًا غير مباشر مع طهران. كما قد تسعى أنقرة إلى تقديم نفسها قوةَ توازنٍ إقليمية، قادرة على ملء جزء من الفراغ الناتج عن إضعاف إيران، مع الحفاظ على قنوات تواصل براغماتية مع مختلف الأطراف. إقليميًّا، من المرجح أن تواجه تركيا بيئة أكثر تنافسية، خصوصًا في حال سعي إسرائيل إلى توسيع نفوذها الإقليمي وترتيباتها السياسية والأمنية. هذا التداخل في مجالات النفوذ قد يرفع من احتمالات الاحتكاك غير المباشر، خاصة في مناطق مثل سوريا وشرق المتوسط وبعض الساحات العربية.
أمنيًّا، ورغم تراجع بعض مصادر التهديد المرتبطة بإيران، قد تستمر التحديات الأمنية لتركيا في أشكال أخرى، بما في ذلك عدم الاستقرار الإقليمي، وتداعيات الصراعات الممتدة، واحتمالات تفعيل أوراق الأقليات في الإقليم سواء الكردية أو الشيعية؛ مما من شأنه أن يشكِّل مصدر قلق أمني مستمر. كما أن احتمالات التهجير والنزوح من البلدان غير المستقرة التي تحيط بتركيا نتيجة للحروب القائمة أو المحتملة تُبقي الوضع التركي تحت ضغط شديد. اقتصاديًّا، قد تستفيد تركيا من بعض الفرص المرتبطة بإعادة الإعمار الإقليمي، ومن إعادة توجيه مسارات التجارة والطاقة إلا أن هذه الفرص ستبقى مقيدة بالتحديات الاقتصادية الداخلية، مثل التضخم، وتقلبات العملة، والحاجة إلى استقرار مالي طويل الأمد. إستراتيجيًّا، ستجد تركيا نفسها أمام ضرورة إعادة ضبط توازناتها الدولية. فمن جهة، قد يدفع تراجع الثقة بالدور الأميركي إلى توسيع هامش استقلالية القرار التركي وتعميق الشراكة مع دول الخليج والجوار مما من شأنه أن يدفع إلى إعادة فتح النقاش حول نظام أمني إقليمي يرتكز على المثلث التركي-السعودي-الباكستاني. ومن جهة أخرى، ستسعى أنقرة للحفاظ على موقعها داخل المنظومة الغربية، مع الاستمرار في تنويع شراكاتها مع قوى دولية أخرى.
خاتمة
شكَّلت الحرب لحظة كاشفة أطاحت بخمس من أبرز المسلَّمات الأمنية التي بُنيت عليها الإستراتيجيات الدفاعية في المنطقة لعقود طويلة(42). فقد انهار أولًا مفهوم “الدفاع المتقدم” الإيراني القائم على شبكة الأذرع الإقليمية؛ إذ إن الهدف الأساسي لهذه الأذرع كان منع انتقال أي حرب إلى العمق الإيراني والاشتباك مع التهديد خارج الحدود الإيرانية. لكن هذه الإستراتيجية سقطت، وعند سقوطها تبين أنه ليس هناك من خط دفاع ثانٍ يحمي إيران حيث فشلت الصواريخ والمسيرات في التأسيس لردع يمنع الحرب أو يوقفها أو يحمي إيران، وتعرضت الأراضي الإيرانية لقصف غير مسبوق في التاريخ الحديث.
وعلى صعيد موازٍ، تبددت سردية الاتفاقات الإبراهيمية بوصفها منظومة أمنية إقليمية لحماية بعض الدول من إيران؛ فبدلًا من أن يوفر التطبيع مع إسرائيل مظلة حماية لهذه الدول في هذه الحالة، حوَّلها إلى أهداف للضربات الايرانية وكلَّفها أعباء سياسية باهظة، لاسيما أن إسرائيل ذاتها عجزت عن حماية أراضيها من الضربات الإيرانية. وفي السياق نفسه، تراجعت صورة القواعد العسكرية الأميركية بوصفها ضمانًا أمنيًّا للدول المضيفة؛ فقد أثبتت الأحداث المتتالية أن هذه القواعد لم تمنع الهجمات ولم تكفل تدخلًا أميركيًّا فوريًّا بل غدت هي نفسها بحاجة إلى من يدافع عنها في بعض الأوقات؛ مما يفتح باب المراجعة الجادة لنموذج الاستضافة الخليجي القائم منذ حرب الخليج.
كذلك سقطت مقولة: “الوساطة درع حمائي”، بعد أن تعرضت كلٌّ من قطر وعُمان لضربات رغم دورهما التاريخي قناتين دبلوماسيتين موثوقتين مع طهران وواشنطن، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الحياد في لحظات التصعيد العنيف. وأخيرًا، تبين أن فكرة الدفاع الخليجي الموحد تظل أقرب إلى الشعار منها إلى الواقع، في ظل ضعف تكامل القيادة ومحدودية التنسيق العملياتي وانعدام تنسيق القدرات الهجومية الجماعية، وهو ما يدفع نحو مناقشة عميقة لهذا النموذج بحد الحرب وذلك أيضًا بموازاة تبلور نموذج أمني إقليمي أوسع يضم السعودية وتركيا وباكستان وربما مصر بوصفه راعيًا إقليميًّا للأمن الإقليمي.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول: إن الحرب أعادت تعريف معادلة الأمن الإقليمي من جذورها؛ فالردع التقليدي، والتحالفات الرسمية، والوساطة، والاعتماد على الحماية الخارجية، لم تعد أدوات كافية بمفردها لصون الأمن والاستقرار. وبات جليًّا أن مرحلة ما بعد الحرب تستلزم إعادة صياغة جوهرية للعقائد الإستراتيجية في المنطقة، تنطلق من الاعتراف بأن افتراضات الماضي قد سقطت تحت وطأة الاختبار الفعلي، وأن هندسة أمنية جديدة تلوح في الأفق، يرسم ملامحها تشابك أوسع للتحالفات خارج الأطر التقليدية التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
المراجع
(1) Loft, Philip. US/Israel-Iran Conflict 2026. Research Briefing. 2026. https://researchbriefings.files.parliament.uk/documents/CBP-10521/CBP-10521.pdf. (accessed Apr. 4, 2026).
(2) Soon, Weilun, and Julian Lee. “Iran Ramps Up Oil Tanker Loading as US Builds Military Force.” Bloomberg, February 25, 2026. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-02-25/iran-ramps-up-oil-tanker-loadings-as-us-amasses-military-force. (accessed Mar. 6, 2026).
(3) Full Transcript: Omani Foreign Minister Badr Albusaidi Tells “Face the Nation” a U.S.-Iran Deal Is “within Our Reach.” February 27, 2026. https://www.cbsnews.com/news/full-transcript-omani-foreign-minister-badr-albusaidi/. (accessed Mar. 4, 2026).
(4) Sundby, Alex, and Sarah Lynch Baldwin. Trump Envoy Steve Witkoff Says Iran Claimed It Had Enough Enriched Uranium to Make 11 Nuclear Bombs. March 3, 2026. https://www.cbsnews.com/news/trump-steve-witkoff-iran-enriched-uranium-11-nuclear-bombs/. (accessed Mar. 15, 2026).
(5) Foreign Ministry of Oman. “Minister Expresses Dismay over Undermining of Washington–Tehran Negotiations.” February 28, 2026. https://www.fm.gov.om/en/38102/. (accessed Mar. 1, 2026).
(6) Sabbagh, Dan. “How Have Trump’s Iran War Aims Changed and Has He Achieved Any of Them?” World News. The Guardian, April 2, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/apr/02/how-have-trump-iran-war-aims-changed. (accessed Apr. 4, 2026).
(7) Bakir, Ali. “How Tehran Turned Strategic Failure into Regional Risk.” Türkiye Today, January 31, 2026. https://www.turkiyetoday.com/opinion/how-tehran-turned-strategic-failure-into-regional-risk-3213812. (accessed Mar. 5, 2026).
(8) “مصادر العربية: حزب الله يرفض تسليم السلاح وغضب داخل الدولة اللبنانية”، العربية، العرب والعالم، 23 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2026)، https://www.alarabiya.net/arab-and-world/2025/07/23/مصادر-العربية-حزب-الله-يرفض-تسليم-السلاح-وغضب-داخل-الدولة-اللبنانية.
(9) المخزومي، خير الدين، “الميليشيات الموالية لإيران هي الفائزة الكبرى في الانتخابات العراقية”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2026)، https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/almylyshyat-almwalyt-layran-hy-alfayzt-alkbry-fy-alantkhabat-alraqyt.
(10) “رغم تحذيرات واشنطن.. المالكي يتمسك بالترشح لرئاسة وزراء العراق”، 11 فبراير/شباط 2026، الجزيرة، (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2026)، https://www.aljazeera.net/news/2026/2/11/رغم-تحذيرات-واشنطن-المالكي-يتمسك
(11) Abushamala, Rania, and Esra Tekin. “Türkiye Ready to Mediate between Iran, US, Rejects Military Action against Tehran: President Erdogan.” Anadolu Agency, February 4, 2026. https://www.aa.com.tr/en/politics/turkiye-ready-to-mediate-between-iran-us-rejects-military-action-against-tehran-president-erdogan/3819980. (accessed Mar. 10, 2026).
(12) France 24 (Istanbul). “Turkey to Offer Mediation in US-Iran Showdown.” January 29, 2026. https://www.france24.com/en/live-news/20260129-turkey-to-offer-mediation-in-us-iran-showdown. (accessed Mar. 10, 2026).
(13) Yeni Şafak. “Iran Rejects Turkish-Mediated Summit, Opts for US Talks in Oman.” February 4, 2026. https://en.yenisafak.com/world/iran-rejects-turkish-mediated-summit-opts-for-us-talks-in-oman-3714151. (accessed Mar. 10, 2026).
(14) “من هي أبرز الشخصيات الإيرانية التي قتلت في الحرب؟”، 28 مارس/آذار 2026، سكاي نيوز عربية، (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2026)، https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1861089-أبرز-الشخصيات-الإيرانية-قتلت-الحرب
(15) Al Jazeera. “Mapping US and Israeli Attacks on Iran and Tehran’s Retaliatory Strikes.” February 28, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/2/28/mapping-us-and-israeli-attacks-on-iran-and-tehrans-retaliatory-strikes. (accessed Mar. 9, 2026).
(16) Bakir, Ali. “No Bases, No Case? Debunking Iran’s Gulf Attack Narrative.” Türkiye Today, March 27, 2026. https://www.turkiyetoday.com/opinion/no-bases-no-case-debunking-irans-gulf-attack-narrative-3216962. (accessed Mar. 27, 2026).
(17) Al Jazeera. “Who Is Mojtaba Khamenei, Iran’s New Supreme Leader amid War?” March 8, 2026. https://www.aljazeera.com/features/2026/3/8/who-is-mojtaba-khamenei-a-contender-for-irans-leadership-amid-war. (accessed Mar. 11, 2026).
(18) Regencia, Ted, Zaid Sabah, Stephen Quillen, et al. “Iran War Updates: Tehran Confirms Larijani, Soleimani Killed.” Al Jazeera, March 17, 2026. https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2026/3/17/iran-war-live-trump-scolds-allies-for-not-joining-strait-of-hormuz-mission. (accessed Apr. 1, 2026).
(19) Arab News (Dubai). “Strikes Continue despite Iranian President’s Apology.” March 7, 2026. https://arab.news/6y2pn. (accessed Mar. 8, 2026).
(20) Iran International. “Rift Deepens between Iran’s President and Guards Chief over War, Economy.” March 28, 2026. https://www.iranintl.com/en/202603288722. (accessed Apr. 2, 2026).
(21) Hafezi, Parisa, and Angus McDowall. “Iran’s New Supreme Leader Has Severe and Disfiguring Wounds, Sources Say.” Reuters (Dubai), April 11, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/irans-new-supreme-leader-has-severe-disfiguring-wounds-sources-say-2026-04-11/. (accessed Apr. 12, 2026).
(22) Lendon, Brad. “In Torpedoing an Enemy Warship, the US Navy Just Did Something It Hasn’t Done in Eight Decades.” CNN, March 6, 2026. https://www.cnn.com/2026/03/05/middleeast/us-iran-submarine-warship-analysis-intl-hnk-ml. (accessed Mar. 14, 2026).
(23) “أمين حزب الله: رشقتنا الصاروخية رد على اعتداءات إسرائيل واغتيال خامنئي”، الشرق، 4 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 10 مارس/آذار 2026)، . https://asharq.com/iran/174502/حزب-الله-أطلقنا-صواريخ-على-إسرائيل-ردا-على-اغتيال-خامنئي
(24) أرسلان، محمد إقبال، وهشام صبانلي أوغلي، “مسؤول أممي: إسرائيل تشرد في شهر خمس سكان لبنان” (مقابلة)، وكالة الأناضول، 8 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)، https://www.aa.com.tr/ar/دولي/مسؤول-أممي-إسرائيل-تشرد-في-شهر-خمس-سكان-لبنان-مقابلة/3897234
(25) International Energy Agency. “IEA Member Countries to Carry out Largest Ever Oil Stock Release amid Market Disruptions from Middle East Conflict.” March 11, 2026. https://www.iea.org/news/iea-member-countries-to-carry-out-largest-ever-oil-stock-release-amid-market-disruptions-from-middle-east-conflict. (accessed Mar. 14, 2026).
(26) Mehr News Agency. “Over 10 Oil Tankers Hit in Strait of Hormuz.” March 4, 2026. https://en.mehrnews.com/news/242319/Over-10-oil-tankers-hit-in-Strait-of-Hormuz. (accessed Mar. 6, 2026).
(27) Arab News (London). “Pakistan Confirms Mediating US-Iran Talks as 15-Point Proposal under Review.” March 26, 2026. https://www.arabnews.com/node/2637751/amp. (accessed Mar. 29, 2026).
(28) Ministry of Foreign Affairs People’s Republic of China. “Five-Point Initiative of China and Pakistan for Restoring Peace and Stability in the Gulf and Middle East Region.” Beijing, March 31, 2026. https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/wjbzhd/202603/t20260331_11884511.html. (accessed Apr. 4, 2026).
(29) Al Jazeera. “Pakistan Offers ‘Two-Phased’ Truce Deal to End US-Israel War on Iran.” April 6, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/4/6/pakistan-offers-two-tier-truce-iran-wont-open-hormuz-under-temporary-one. (accessed Apr. 7, 2026).
(30) Bearak, Max, Farnaz Fassihi, Shirin Hakim, and Erika Solomon. “Iran’s 10-Point Proposal Demands an End to Attacks and Sanctions.” The New York Times, April 6, 2026. https://www.nytimes.com/2026/04/06/world/middleeast/iran-10-point-proposal.html. (accessed Apr. 7, 2026).
(31) Hussain, Abid. “How Pakistan Managed to Get the US and Iran to a Ceasefire.” Al Jazeera (Islamabad), April 8, 2026. https://www.aljazeera.com/features/2026/4/8/how-pakistan-managed-to-get-the-us-and-iran-to-a-ceasefire. (accessed Apr. 8, 2026).
(32) Seyed Abbas Araghchi [@araghchi]. “Statement on behalf of the Supreme National Security Council of the Islamic Republic of Iran: https://t.co/cEtBNCLnWT.” X, April 7, 2026. https://x.com/araghchi/status/2041655156215799821. (accessed Apr. 7, 2026).
(33) “نائب وزير الخارجية الإيراني: كنا على وشك الرد على خرق وقف إطلاق النار أمس لكن باكستان تدخلت والساعات القادمة حاسمة”، الجزيرة مباشر، https://t.co/BLaek71n8X ، 9 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)، https://x.com/ajmubasher/status/2042228005078995082.
(34) أرناؤوط، عبد الرؤوف، “إسرائيل تعلن قصف إيران بأكثر من 18 ألف قنبلة خلال 40 يومًا”، وكالة الأناضول، 10 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)، https://www.aa.com.tr/ar/دولي/إسرائيل-تعلن-قصف-إيران-بأكثر-من-18-ألف-قنبلة-خلال-40-يوما/3901137
(35) Warner, Gary. “US Has Used Scores of Weapons to Hit Thousands of Targets in 38 Days of War with Iran.” Stars and Stripes, April 6, 2026. https://www.stripes.com/theaters/middle_east/2026-04-06/weapons-used-targets-struck-operation-epic-fury-21298231.html. (accessed Apr. 7, 2026).
(36) De Luce, Dan, Justin Goldman, and Jiachuan Wu. “Tracking Iran’s Missile and Drone Attacks on Gulf States.” NBC News, April 9, 2026. https://www.nbcnews.com/data-graphics/iran-war-drones-missile-strikes-military-attack-capabilities-rcna263382. (accessed Apr. 10, 2026).
(37) Asharq Al-Awsat (Riyadh). “Iran Launched 83% of Missiles and Drones at the Gulf Compared to 17% at Israel.” March 26, 2026. https://english.aawsat.com/node/5255374. (accessed Mar. 29, 2026).
(38) Shalal, Andrea. “Economic Shock of Middle East War to Cast Shadow over IMF, World Bank Meetings.” Reuters (Washington), April 12, 2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/economic-shock-middle-east-war-cast-shadow-over-imf-world-bank-meetings-2026-04-12/. (accessed Apr. 13, 2026).
(39) Hafezi, Parisa, and Angus McDowall. “Iran’s Shattered Economy Means Any Success in War May Be Fleeting.” Reuters (Dubai), April 8, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/irans-shattered-economy-means-any-success-war-may-be-fleeting-2026-04-08/. (accessed Apr. 8, 2026).
(40) Al Jazeera. “US-Israel Attacks on Iran: Death Toll and Injuries Live Tracker.” March 1, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/3/1/us-israel-attacks-on-iran-death-toll-and-injuries-live-tracker. (accessed Apr. 13, 2026).
(41) Massoud, Adla. “Iran Demands Compensation from Gulf States after Accusing Them of Role in US-Israeli Strikes.” The National, April 14, 2026. https://www.thenationalnews.com/news/2026/04/14/iran-demands-reparations-from-gulf-states-after-accusing-them-of-role-in-us-israel-strikes/. (accessed Apr. 14, 2026).
(42) Bakir, Ali. “Five myths destroyed by Israel’s wars on Iran.” Amwaj, March 26, 2026. https://www.turkiyetoday.com/opinion/no-bases-no-case-debunking-irans-gulf-attack-narrative-3216962. (accessed Apr. 7, 2026).
