ملخص
تبحث هذه الدراسة في مدى إسهام المرأة القطرية في تعزيز التنمية الاقتصادية من خلال مشاركتها في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في سياق التحول الاقتصادي الذي شهدته دولة قطر منذ مطلع الألفية الثانية. وتنطلق من تحليل البيئة الاقتصادية الكلية وجهود التنويع في إطار رؤية قطر الوطنية 2030، وصولًا إلى دراسة أنماط مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وريادة الأعمال.
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مستندة إلى بيانات رسمية صادرة عن الجهات الإحصائية والمؤسسات المعنية، وتناولت تطور معدل مشاركة المرأة في سوق العمل، والتوزيع القطاعي لنشاطها الاقتصادي، وطبيعة المشاريع التي تقودها، والقيمة الاقتصادية المضافة لهذه المشاريع من حيث مساهمتها في الأنشطة غير النفطية، وخلق فرص العمل، ودعم التنويع القطاعي والاقتصاد المعرفي.
أظهرت النتائج أن المرأة القطرية عززت حضورها في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولاسيما في مجالات التجارة والخدمات والأنشطة المهنية والمالية والرقمية، وأسهمت في تنشيط القطاع الخاص وتوسيع قاعدة الاقتصاد غير النفطي. غير أن تعظيم هذا الإسهام يواجه تحديات تتعلق بالوصول إلى التمويل في مراحل النمو، والكفاءة الإدارية، والمنافسة السوقية، ومحدودية البيانات الاقتصادية المفصَّلة حسب جنس مالك المشروع، وهو ما يحد من إمكانية قياس الأثر الفعلي للمشاريع التي تقودها النساء.
تخلص الدراسة إلى أن مشاركة المرأة القطرية في المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل ركيزة متنامية في مسار التنويع الاقتصادي. ويستلزم تعزيز أثرها التنموي تبني سياسات تدعم التوسع المؤسسي، وتحفز الابتكار، وتعزز ارتباط المشاريع التي تقودها النساء بشبكات التوريد والإنتاج المحلية، وإدماجها في العقود والمشروعات الكبرى، بما يرفع من استدامتها ومساهمتها في الناتج المحلي، ويعزز دورها شريكًا فاعلًا في التحول الهيكلي للاقتصاد القطري.
الكلمات المفتاحية: المرأة القطرية؛ المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ التنويع الاقتصادي؛ ريادة الأعمال النسائية؛ القيمة المضافة؛ رؤية قطر الوطنية 2030.
Abstract
This study examines the extent to which Qatari women have contributed to economic development through their participation in the small and medium-sized enterprise (SME) sector, within the broader context of Qatar’s economic transformation since the early 2000s. The analysis begins with an examination of the macroeconomic environment and diversification efforts under Qatar National Vision 2030 and proceeds to investigate patterns of women’s participation in economic activity and entrepreneurship.
The study adopts a descriptive-analytical approach, relying on official data issued by relevant statistical and institutional authorities. It analyses trends in female participation in the labour force, the sectoral distribution of women’s economic activity, the characteristics of women-led enterprises, and their economic value added in terms of contributions to non-hydrocarbon activities, employment generation, sectoral diversification and the knowledge-based economy.
The findings indicate that Qatari women have strengthened their presence in the SME sector, particularly in trade, services, professional, financial and digital activities, thereby contributing to private sector dynamism and the expansion of the non-oil economy. However, maximising this contribution remains constrained by challenges related to access to growth-stage finance, managerial capacity, market competition, and the limited availability of economic data disaggregated by the gender of the business owner, which restricts accurate measurement of the actual impact of women-led enterprises.
The study concludes that women’s participation in SMEs represents a growing pillar in Qatar’s economic diversification process. Enhancing its developmental impact requires policies that support institutional expansion, foster innovation, and strengthen the integration of women-led enterprises into local production and supply networks and major contracts, thereby increasing their sustainability and contribution to GDP and consolidating their role as active partners in the structural transformation of the Qatari economy.
Keywords: Qatari women, SMEs; economic diversification, female entrepreneurship, value added, Qatar National Vision 2030.
مقدمة
شهدت دولة قطر منذ مطلع الألفية الثانية تحولات اقتصادية وهيكلية عميقة انعكست في ارتفاع معدلات النمو، وتحسن مؤشرات التنمية البشرية، وتوسع القاعدة الإنتاجية تدريجيًّا خارج قطاع الهيدروكربونات. وتزامن هذا التحول مع استقرار سياسي مؤسسي تُوِّج بإقرار الدستور الدائم عام 2004، ثم إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030، التي أرست إطارًا إستراتيجيًّا طويل الأمد يستهدف تنويع الاقتصاد، وتعزيز التنمية البشرية، وترسيخ الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا السياق، برزت مشاركة المرأة القطرية في النشاط الاقتصادي مؤشرًا دالًّا على التحول البنيوي في المجتمع وسوق العمل. فقد ارتفعت معدلات التحصيل العلمي للنساء، واتسعت فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وتطورت الأطر التشريعية والتمويلية الداعمة لريادة الأعمال. وأضحت المشاريع الصغيرة والمتوسطة إحدى القنوات الرئيسة التي تمارس من خلالها المرأة دورًا اقتصاديًّا مباشرًا، في ظل توجه الدولة نحو تعزيز مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي وتقليل الاعتماد النسبي على عائدات الطاقة.
تنطلق هذه الدراسة من سؤال رئيس مفاده: إلى أي مدى أسهمت المرأة القطرية في تعزيز التنمية الاقتصادية من خلال مشاركتها في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟ ويتفرع عن هذا السؤال تحليل طبيعة هذه المشاركة، وتوزيعها القطاعي، والقيمة الاقتصادية المضافة للمشاريع التي تقودها النساء، والتحديات البنيوية التي تواجهها، ومدى فاعلية السياسات العامة في دعمها ضمن إطار التنويع الاقتصادي.
تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، استنادًا إلى تحليل البيانات الكمية الرسمية وربطها بإطار نظري يتصل بالتنويع الاقتصادي ودور المشاريع الصغيرة والمتوسطة في التحول الهيكلي. وقد اعتمدت على بيانات صادرة عن جهاز التخطيط والإحصاء، ومسح القوى العاملة بالعينة لعام 2023، وتقارير مصرف قطر المركزي، إضافة إلى تقديرات المؤسسات الدولية ذات الصلة، وذلك لتحليل المؤشرات الكلية، ومعدلات المشاركة الاقتصادية للمرأة، والتوزيع القطاعي للنشاط الاقتصادي، وطبيعة المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومساهمتها في الاقتصاد غير النفطي.
زمنيًّا، تغطي الدراسة الفترة الممتدة من مطلع الألفية الثانية حتى عام 2023، بما يتيح تتبع التحولات الهيكلية في الاقتصاد القطري ورصد تطور مشاركة المرأة في سوق العمل وريادة الأعمال ضمن سياق رؤية قطر الوطنية 2030. ويقوم التحليل على الربط بين المستوى الكلي للاقتصاد، والمستوى القطاعي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمستوى الجزئي للمشاريع التي تقودها النساء، بهدف تقييم القيمة الاقتصادية المضافة لهذه المشاريع من حيث إسهامها في الأنشطة غير النفطية، وتوليد فرص العمل، وتعزيز التنويع الاقتصادي.
وتقتصر الدراسة على البيانات الرسمية المتاحة، في ظل محدودية الإحصاءات المصنفة حسب جنس مالك المشروع، وهو ما يفرض اعتماد تحليل استدلالي يستند إلى توزيع المشاركة القطاعية ومكانة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني، بوصفها الإطار الذي تتحرك داخله المشاريع النسائية. ويتيح هذا النهج تقديم قراءة تحليلية متكاملة تربط بين تمكين المرأة اقتصاديًّا ومسار التحول الهيكلي للاقتصاد القطري.
أولًا: السياق الاقتصادي القطري
- المؤشرات الكلية للاقتصاد القطري
اتسم الاقتصاد القطري خلال العقدين الماضيين بتحسن ملحوظ في مؤشرات الاقتصاد الكلي، انعكس في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، واستقرار المالية العامة، وتطور التجارة الخارجية، وارتفاع مستويات التنمية البشرية، وزيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي. تحقق هذا الأداء في ظل اعتماد رئيس على قطاع الهيدروكربونات، بالتوازي مع مسار تدريجي استهدف تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية.
سجَّل الناتج المحلي الإجمالي معدلات نمو موجبة خلال معظم سنوات الفترة محل الدراسة، مدفوعًا بتوسع إنتاج الغاز الطبيعي المسال وارتفاع الاستثمارات العامة في البنية التحتية. شهد عام 2017 تراجعًا محدودًا نتيجة تقلبات أسعار الطاقة والتزامات خفض الإنتاج، كما تأثر عام 2020 بتداعيات جائحة كورونا وانخفاض الطلب العالمي على الطاقة. حافظ الاقتصاد مع ذلك على مسار عام يتسم بالمرونة، مستندًا إلى احتياطيات مالية كبيرة واستمرار الإنفاق الاستثماري.
على مستوى الأسعار، اتسم معدل التضخم بتقلبات ارتبطت بالأوضاع الاقتصادية العالمية، ثم اتجه إلى الاستقرار عند مستويات منخفضة نسبيًّا خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس قدرة السياسة النقدية على احتواء الضغوط السعرية ضمن إطار استقرار مالي عام.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المتوقع لعام 2026 يبلغ نحو 6.1٪، وفق ما ورد في تقرير World Economic Outlook. يعكس هذا التقدير تسارعًا متوقعًا في وتيرة النمو مقارنة بالسنوات السابقة، في سياق تعافٍ اقتصادي أعقب تباطؤًا مؤقتًا بعد استضافة كأس العالم 2022، مع استمرار توسع القطاعات غير الهيدروكربونية وتعزيز مساهمتها في النشاط الاقتصادي(1).
شكل رقم (1): تطور معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي القطري خلال الفترة (1980-2025)

المصدر: صندوق النقد الدولي، أكتوبر/تشرين الأول 2025، دولة قطر
فيما يتعلق بالمالية العامة، اضطلع الإنفاق الحكومي بدور محوري في تحفيز النشاط الاقتصادي، خاصة في سياق تنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة برؤية قطر الوطنية 2030. وأسهمت عائدات قطاع الطاقة في تحقيق فوائض مالية في عدد من السنوات، مع إدارة مرنة للعجز في فترات تراجع الأسعار العالمية.
أما من زاوية الهيكل الاقتصادي، فقد أظهر تقرير الاستقرار المالي الصادر عن مصرف قطر المركزي أن حصة القطاع الهيدروكربوني في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفضت من نحو 55% عام 2008 إلى نحو 37% عام 2022، مقابل ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية إلى 63%، مدفوعة بقطاعات البناء، والخدمات المالية، وتجارة الجملة والتجزئة، والعقارات. ويعكس ذلك تحولًا هيكليًّا تدريجيًّا نحو اقتصاد أكثر تنوعًا(2).
وتشير البيانات كذلك إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 97% من إجمالي شركات القطاع الخاص المسجلة، وتسهم بنسبة تتراوح بين 15% و17% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وهو ما يؤكد مركزية هذا القطاع في مسار التنويع الاقتصاي(3).
شكل رقم (2): حصة القطاع الهيدروكربوني في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في قطر

المصدر: مصرف قطر المركزي، تقرير الاستقرار المالي
أما في مجال التنمية البشرية، فقد انعكس الأداء الاقتصادي في ارتفاع مستويات الدخل الفردي؛ إذ تُظهر الإحصاءات الرسمية أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دولة قطر بلغ نحو 76 دولارًا أميركيًّا في عام 2024 بالأسعار الجارية، وفق بيانات البنك الدولي(4). ويعكس هذا المستوى المرتفع من الدخل الفردي المكانة الاقتصادية المتقدمة للدولة، ويشير إلى قدرة الاقتصاد القطري على توليد قيمة مضافة مرتفعة قياسًا بحجم السكان، في سياق يجمع بين عوائد قطاع الطاقة واتساع مساهمة الأنشطة غير الهيدروكربونية. ويُعد هذا المؤشر من أبرز المقاييس الدالة على مستوى الرفاه الاقتصادي والقوة الشرائية، كما يعزز قراءة المؤشرات السابقة التي أظهرت متانة الأداء الكلي واستدامة مسار النمو والتحول الهيكلي.
- الأزمات والتحديات التي واجهت الاقتصاد القطري
تعرَّض الاقتصاد القطري خلال العقدين الماضيين لسلسلة من الصدمات الخارجية والإقليمية التي شكَّلت اختبارات حقيقية لمرونته وقدرته على إدارة المخاطر. وكان من أبرز هذه الصدمات: الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة الديون الأوروبية، والتوترات الجيوسياسية الخليجية، والحصار عام 2017، وجائحة كورونا عام 2020، إضافة إلى التقلبات الدورية في أسعار الطاقة.
أثَّرت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 في الأسواق الدولية وأسعار الأصول، وانعكست على أسواق المال الخليجية، بما فيها السوق القطرية. غير أن الاقتصاد القطري تمكَّن من احتواء آثارها بفضل متانة القطاع المصرفي، وارتفاع الاحتياطيات المالية، واستمرار الاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية. وقد لعبت السياسة المالية دورًا داعمًا في الحفاظ على مستويات الإنفاق العام، بما حَدَّ من انتقال الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي(5).
أما أزمة الحصار عام 2017، فقد شكَّلت اختبارًا مباشرًا لسلاسل التوريد والتجارة والنظام المالي، نتيجة إغلاق المنافذ البرية والجوية والبحرية. واستجابت الدولة عبر تنويع الشركاء التجاريين، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في بعض السلع الإستراتيجية، ودعم القطاع المصرفي بسيولة كافية، وإعادة توجيه مسارات الاستيراد. وأسهمت هذه الإجراءات في تقليل أثر الصدمة وتحويلها إلى فرصة لإعادة هيكلة بعض القطاعات الإنتاجية(6).
جاءت جائحة كورونا، عام 2020، في سياق عالمي اتسم بانكماش اقتصادي واسع، وتراجع أسعار الطاقة، وتعطل قطاعات الطيران والسياحة والإنشاءات. واستجابت الدولة بحزم تحفيزية مالية، ودعم مباشر للقطاعات المتضررة، وتأجيل أقساط القروض، وضخِّ سيولة في النظام المصرفي. وقد حدَّت هذه الإجراءات من عمق الانكماش، وسرَّعت التعافي اللاحق.
إلى جانب هذه الأزمات، ظل تقلب أسعار الطاقة تحديًا هيكليًّا مستمرًّا، بحكم استمرار مساهمة قطاع الهيدروكربونات بنسبة مهمة في الإيرادات العامة. غير أن السياسات المتبعة خلال الفترة محل الدراسة اتجهت نحو توسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية، والاستثمار في الصناعة والخدمات والبنية التحتية، بما عزَّز القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
- 3. إستراتيجية قطر في إدارة الأزمات وتعزيز التنويع الاقتصادي
اعتمدت قطر إستراتيجية متعددة المحاور في مواجهة الأزمات، جمعت بين إدارة المخاطر قصيرة الأجل وبناء ركائز تنموية طويلة الأمد. وارتكزت هذه الإستراتيجية على ثلاثة أعمدة رئيسة(7):
الأول: تثبيت قطاع الطاقة وتعزيز قدراته الإنتاجية، ولاسيما من خلال التوسع في حقل غاز الشمال، بما وفر مصدرًا مستقرًّا للإيرادات العامة ودعم الاستدامة المالية.
الثاني: تسريع التنويع الاقتصادي عبر دعم الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والمناطق الحرة، وتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
الثالث: تفعيل أدوات السياسة المالية والنقدية بصورة مرنة، من خلال الحفاظ على مستويات إنفاق داعمة للنمو، وإدارة الفوائض والعجز وفق اعتبارات الاستدامة وضمان استقرار النظام المصرفي.
كما شهدت البيئة التشريعية تحديثات مهمة شملت تنظيم استثمار رأس المال غير القطري، وتوسيع نطاق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتسهيل إجراءات ممارسة الأعمال. وقد أسهمت هذه الإصلاحات في تعزيز جاذبية الاقتصاد للاستثمار ورفع كفاءة بيئة الأعمال.
يُظهر هذا النهج أن إدارة الأزمات في قطر اقترنت بتوجه هيكلي طويل المدى يستهدف تحويل الاقتصاد إلى نموذج أكثر تنوعًا، وأكثر اعتمادًا على دينامية القطاع الخاص، وهو ما يفسر الارتفاع التدريجي في مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
في هذا السياق الكلي المستقر نسبيًّا، والمتسم بتحول تدريجي نحو التنويع الاقتصادي، برز قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة إحدى الأدوات الرئيسة لتعزيز دور القطاع الخاص وتوسيع القاعدة الإنتاجية. ومع اتساع هذا القطاع، تزايد حضور المرأة القطرية فيه، سواء عبر المشاركة في سوق العمل أو من خلال تأسيس مشاريع خاصة.
ومن ثم، فإن تحليل الدور الاقتصادي للمرأة القطرية يقتضي الانتقال من قراءة السياق الكلي إلى دراسة أنماط مشاركتها الفعلية في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومدى إسهام هذه المشاركة في تعزيز مسار التنويع الاقتصادي.
ثانيًا: المرأة القطرية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة
- المشاركة الاقتصادية للمرأة القطرية في السياق الهيكلي للتحول الاقتصادي
يمثِّل تحليل مشاركة المرأة القطرية في النشاط الاقتصادي مدخلًا أساسيًّا لفهم موقعها داخل بنية الاقتصاد الوطني، ولاسيما في ظل التحولات الهيكلية التي شهدتها دولة قطر منذ مطلع الألفية الثانية. وتشير بيانات مسح القوى العاملة بالعينة لعام 2023 الصادر عن المجلس الوطني للتخطيط(8) إلى أن معدل مشاركة الإناث القطريات في النشاط الاقتصادي ممن هن في سن 15 سنة فأكثر بلغ 43.46%، مقابل 65.96% للذكور القطريين، وبمتوسط عام للقطريين قدره 54.43%. ويعكس هذا المستوى من المشاركة رسوخ اندماج المرأة في سوق العمل الوطني، وتحول حضورها من طابع رمزي أو محدود إلى مساهمة ذات وزن نسبي في هيكل القوى العاملة(9).
شكل رقم (3): السكان النشطون اقتصاديًّا (15 سنة فأكثر) بحسب النوع 2018-2023

المصدر: المجلس الوطني للتخطيط، دولة قطر، القوى العاملة، مسح بالعينة 2023، النشرة السنوية، ص 28.
تكتسب هذه النسبة دلالتها الإستراتيجية في ضوء مسار التحول الاقتصادي الذي انتقل تدريجيًّا من الاعتماد الكثيف على قطاع الهيدروكربونات إلى توسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية. فارتفاع معدل مشاركة المرأة لا يمثل مؤشرًا اجتماعيًّا فحسب، بل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بإعادة تشكيل هيكل العرض في سوق العمل، وبإدماج موارد بشرية ذات تأهيل عالٍ في قطاعات إنتاجية وخدمية متنامية.
يرتبط هذا التطور بعدة عوامل متداخلة، يأتي في مقدمتها التوسع الكبير في فرص التعليم العالي أمام النساء، وارتفاع معدلات التحصيل العلمي، ودخول تخصصات نوعية في مجالات الإدارة والعلوم الصحية والتقنية والاقتصاد. وقد أدَّى تراكم رأس المال البشري النسائي إلى توسيع قاعدة المهارات الوطنية، ورفع الكفاءة الإنتاجية الكلية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع متطلبات اقتصاد المعرفة. وتؤكد الأدبيات الاقتصادية أن زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة ترتبط بارتفاع إنتاجية العمل وتحسين تخصيص الموارد، خاصة في الاقتصادات التي تمر بمرحلة تحول هيكلي نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى.
إلى جانب العامل التعليمي، أسهم تطور البيئة التشريعية والتنظيمية في دعم هذا المسار، من خلال تنظيم العلاقة التعاقدية في القطاعين العام والخاص، وتوسيع نطاق الاستثمار، وتعزيز الإطار القانوني لريادة الأعمال. كما أن توسع القطاع الخاص ونمو القطاعات الخدمية والمالية والرقمية أوجدا فرصًا مهنية واستثمارية جديدة تتوافق مع طبيعة التأهيل العلمي والمهاري للنساء القطريات.
تُظهر هذه المعطيات أن مشاركة المرأة القطرية أصبحت عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل سوق العمل، وأن ارتفاع رأس المال البشري النسائي يشكِّل رافعة داعمة لمسار التنويع الاقتصادي. ويقود هذا التحليل بالضرورة إلى فحص التوزيع القطاعي لهذه المشاركة، بوصفه مؤشرًا على طبيعة الاندماج الاقتصادي ومدى ارتباطه بالتحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
- التوزيع القطاعي لمشاركة المرأة القطرية: بين التمركز التقليدي والتحول السوقي
يكشف تحليل التوزيع القطاعي لمشاركة النساء القطريات عن نمط مزدوج يجمع بين تمركز تاريخي في قطاعات محددة، وتحول تدريجي نحو قطاعات السوق. فقد ارتبطت المشاركة النسائية تقليديًّا بقطاعات الإدارة العامة، والتعليم، والصحة، والعمل الاجتماعي، وهي قطاعات ذات طابع خدمي ومؤسسي، وتشهد طلبًا مستقرًّا على الكفاءات الوطنية. ويعكس هذا التمركز ارتباطًا وثيقًا بين أنماط التعليم السائدة وبين فرص التوظيف المتاحة، إضافة إلى استقرار البيئة التنظيمية في القطاع العام.
في المقابل، تشير الاتجاهات الحديثة إلى توسع حضور المرأة في قطاعات السوق، لاسيما الأنشطة المالية والتأمين، والمعلومات والاتصالات، وتجارة الجملة والتجزئة، والنقل والخدمات اللوجستية. وتتميز هذه القطاعات بمرونة تنظيمية نسبية، وانخفاض في حواجز الدخول مقارنة بالصناعات الثقيلة، إضافة إلى اتساع نطاق الأنشطة القابلة للتأسيس في إطار المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
يمثل هذا التحول من الوظيفة العامة إلى بيئة الأعمال مؤشرًا على إعادة توزيع تدريجية للعمالة النسائية نحو فضاءات إنتاجية أكثر تنوعًا، ويعكس انتقالًا من نموذج التوظيف المستقر إلى نموذج المبادرة الفردية والاستثمار الخاص. كما أن اتساع الأنشطة الرقمية والخدمات القائمة على المعرفة يوفر مساحات جديدة لريادة الأعمال، تتطلب مهارات تخصصية أكثر من اعتمادها على كثافة رأسمالية مرتفعة.
تتقاطع هذه الخريطة القطاعية بدرجة كبيرة مع القطاعات التي تشكل قاعدة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يجعل تحليل طبيعة المشاريع التي تقودها المرأة القطرية امتدادًا منطقيًّا لهذا التحول.
- طبيعة المشاريع التي تقودها المرأة القطرية: الخصائص البنيوية والاتجاهات القطاعية
تتسم المشاريع التي تقودها المرأة القطرية بطابع صغير أو متوسط من حيث حجم رأس المال وعدد العاملين، مع حضور ملحوظ للمشاريع متناهية الصغر في الأنشطة الخدمية والتجارية. ويعكس ذلك نمط دخول تدريجي إلى سوق الأعمال يعتمد على استثمارات أولية محدودة نسبيًّا، مع توسع مرحلي يرتبط بأداء المشروع واستقراره وقدرته على بناء قاعدة عملاء مستقرة.
قطاعيًّا، تتركز المشاريع النسائية في التجارة وتجارة التجزئة، والخدمات المهنية، والأنشطة المالية، والسياحة، والصناعات الخفيفة، والأنشطة المرتبطة بالأمن الغذائي. كما يظهر حضور متزايد في مجالات المعلومات والاتصالات، والتسويق الرقمي، والخدمات الإلكترونية، وهو ما يتسق مع التحول نحو اقتصاد المعرفة وتزايد الطلب على الخدمات التقنية.
تتسم هذه المشاريع بعدة خصائص تشغيلية، منها الاعتماد على رأس مال متوسط أو محدود، والتركيز النسبي على السوق المحلية، ومرونة الإدارة بحكم نمط الملكية الفردية أو الشراكات الصغيرة، إضافة إلى قابلية عالية للتكيف مع تغيرات الطلب، خاصة في القطاعات الخدمية. ويلاحظ أن عددًا معتبرًا من هذه المشاريع ينشأ استنادًا إلى خلفية أكاديمية أو خبرة مهنية سابقة، بما يعكس انتقال رأس المال البشري النسائي من سوق العمل الوظيفي إلى فضاء ريادة الأعمال.
جغرافيًّا، يتركز معظم هذه المشاريع في الدوحة والمناطق الصناعية المحيطة بها، نتيجة تمركز السوق والبنية التحتية والخدمات المالية. ويؤثر هذا التمركز في طبيعة المنافسة، وحجم الطلب، وهيكل التكاليف، كما يحد من الانتشار المكاني الواسع خارج المركز الحضري الرئيس.
تعكس هذه السمات أن المشاريع النسائية تمثل امتدادًا مباشرًا للتحولات الهيكلية في الاقتصاد القطري، غير أن تقييم دورها يتطلب الانتقال من مستوى الوصف البنيوي إلى تحليل القيمة الاقتصادية التي تضيفها إلى الاقتصاد الوطني.
- القيمة الاقتصادية المضافة للمشاريع التي تقودها المرأة القطرية
لا يقتصر تقييم إسهام المرأة القطرية في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة على عدد المشاريع المسجلة أو حجمها الاسمي، بل يرتبط بطبيعة القيمة الاقتصادية التي تولِّدها هذه المشاريع داخل البنية الإنتاجية الوطنية، وبموقعها ضمن مسار التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا. ويمكن تحليل هذه القيمة عبر أربعة أبعاد مترابطة: الوزن القطاعي داخل الاقتصاد غير النفطي، والمساهمة في توليد فرص العمل، ودعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز الابتكار والاندماج في سلاسل القيمة.
تشير البيانات الصادرة عن المرصد العالمي لريادة الأعمال(10)، إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 97% من إجمالي شركات القطاع الخاص المسجلة في دولة قطر، التي يتجاوز عددها 25 ألف شركة، وتسهم بنسبة تتراوح بين 15% و17% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. كما تستهدف إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة تحقيق معدل نمو سنوي مركب قدره 6% في مساهمة هذا القطاع في الناتج غير النفطي، إلى جانب رفع نسبة الائتمان الموجه له إلى 7%، وتوسيع تمويل رأس المال الجريء من القطاع الخاص ليبلغ 70% من إجمالي تمويله، مع تخصيص ما يعادل 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي لتمويل الشركات الناشئة. ويعكس ذلك المكانة المحورية لهذا القطاع في بنية الاقتصاد غير النفطي، بوصفه قاعدة رئيسة لتوسيع المشاركة الإنتاجية خارج قطاع الهيدروكربونات. ومن ثم، فإن أي توسع نوعي في مشاركة المرأة داخل هذا القطاع يكتسب دلالة اقتصادية مباشرة تتجاوز البُعد الاجتماعي.
قطاعيًّا، تنشط نسبة معتبرة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجالات السياحة والضيافة، وتكنولوجيا المعلومات، وتجارة التجزئة، والعقارات، إلى جانب الخدمات المهنية والأنشطة المالية. وتتقاطع هذه الخريطة القطاعية مع مجالات تمركز المشاريع التي تقودها النساء، ولاسيما في الأنشطة الخدمية والمعرفية والرقمية. وبالنظر إلى أن هذه القطاعات تمثل العمود الفقري للنشاط غير النفطي، فإن تموضع المشاريع النسائية داخلها يعزز وزنها النسبي في عملية توليد القيمة المضافة، حتى في ظل غياب بيانات مفصلة حول نسبة مساهمتها الدقيقة في الناتج.
من زاوية التوظيف، يُعرف قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة بقدرته على خلق فرص عمل مقارنة بحجمه الرأسمالي، نظرًا لاعتماده النسبي على العمالة والخدمات. ويؤكد تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال لعام 2023 أن بيئة ريادة الأعمال في قطر شهدت تحسنًا ملحوظًا، مع ارتفاع إجمالي نشاط ريادة الأعمال في المرحلة المبكرة بنسبة 14.3%، وارتفاع معدلات الشركات الناشئة بنسبة 9.7%، والشركات الجديدة بنسبة 5.1%، إضافة إلى زيادة نسبة الشركات القائمة بنسبة 4.4%. وتعكس هذه المؤشرات دينامية متصاعدة في بيئة الأعمال، تمثل المشاريع النسائية جزءًا متناميًا منها. ورغم أن عدد الوظائف في المراحل الأولى قد يكون محدودًا بحكم صغر حجم المشروع، فإن قابلية التوسع التدريجي تمنح هذه المشاريع أثرًا تراكميًّا في سوق العمل، خاصة في ما يتعلق بتشغيل الكفاءات الوطنية الشابة(11).
أما في بُعد التنويع الاقتصادي، فإن التوجه الإستراتيجي للدولة نحو تعزيز التحول الرقمي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير أطر التمويل البديل، وتوسيع الوصول إلى أسواق رأس المال، يعزز من قدرة هذا القطاع على الإسهام في إعادة تشكيل القاعدة الإنتاجية. وقد حلَّت دولة قطر في المرتبة الخامسة عالميًّا والثالثة إقليميًّا في مؤشر بيئة ريادة الأعمال المحلية لعام 2023، محققة 5.9 درجات مقابل متوسط عالمي يبلغ 4.7 درجات، مع تصنيفها ضمن المراكز العشرة الأولى عالميًّا في محاور تشمل سهولة الحصول على التمويل، والسياسات الحكومية الداعمة، وتعليم ريادة الأعمال، ودعم ريادة الأعمال النسائية. ويؤكد ذلك أن البيئة المؤسسية الحاضنة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومنها المشاريع التي تقودها النساء، أصبحت أكثر نضجًا واستقرارًا(12).
وفي ما يتعلق بالابتكار، تشكل ريادة الأعمال النسائية رافدًا مهمًّا لتطوير خدمات ومنتجات جديدة، خاصة في المجالات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا. ويسهم ارتفاع مستويات التعليم بين النساء في دعم هذا الاتجاه، كما أن توسع برامج حاضنات ومسرِّعات الأعمال، وفي مقدمتها حاضنة قطر للأعمال، يعزز انتقال الأفكار إلى مشاريع قابلة للنمو. ويأتي دور بنك قطر للتنمية في هذا السياق محوريًّا، من خلال ركائزه الثلاث: الوصول إلى التمويل، والوصول إلى الأسواق، والوصول إلى تنمية القدرات، بما يوفر إطارًا متكاملًا لدعم دورة حياة المشروع من الفكرة إلى التصدير.
كما تكشف بيانات التمويل أن المدخرات الشخصية لا تزال تمثل المصدر الرئيس لتمويل رواد الأعمال، رغم تراجع نسبتها من 74.5%، في عام 2022، إلى 70.1%، في عام 2023، في مرحلة ريادة الأعمال المبكرة، وتراجعها إلى 64.5% لدى الشركات القائمة. ويعكس ذلك استمرار الحاجة إلى تطوير أدوات تمويل أكثر تنوعًا، بما في ذلك رأس المال الجريء والاستثمارات البديلة التي لم تتجاوز نسبتها 2.8% في تمويل رواد الأعمال في المرحلة المبكرة. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة للمشاريع النسائية؛ إذ يرتبط توسيع قاعدة التمويل بقدرتها على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النمو المؤسسي(13).
جدول رقم (1) خصائص ريادة الأعمال في قطر حسب الجنس، 2024

المصدر: المرصد العالمي لريادة الأعمال، تقرير دولة قطر، بنك قطر للتنمية، وGopal Entrepreneurship Monitor
إلى جانب ذلك، تسهم المشاريع التي تقودها النساء في دعم سلاسل القيمة المحلية، سواء من خلال التوريد للمؤسسات الكبرى، أو تقديم خدمات مساندة، أو العمل في أنشطة مكملة لقطاعات إنتاجية أخرى. ويعزز هذا الاندماج علاقاتها التعاقدية مع القطاعين العام والخاص، ويرفع من مستوى استدامتها، ويزيد من قدرتها على تحقيق أثر اقتصادي ممتد يتجاوز حدود المشروع الفردي.
فضلًا عن ذلك، فإن تمركز المرأة القطرية داخل القطاعات التي تشكِّل القاعدة الرئيسة لقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وارتفاع معدل مشاركة الإناث القطريات في النشاط الاقتصادي، والتحسن الملحوظ في مؤشرات بيئة ريادة الأعمال، كلها مؤشرات متكاملة تدل على أن الوزن الاقتصادي لهذه المشاريع يتجه نحو الاتساع، في إطار إستراتيجية وطنية واضحة لتعزيز دور القطاع الخاص.
يمكن، في ضوء ما تقدم، تلخيص القيمة الاقتصادية المضافة للمشاريع التي تقودها المرأة القطرية في ثلاثة مستويات مترابطة: أولًا: تنشيط الأنشطة غير النفطية وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي؛ ثانيًا: توسيع قاعدة المشاركة الوطنية في بيئة الأعمال ضمن منظومة مؤسسية داعمة؛ ثالثًا: دعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والخدمات الرقمية. ويقود هذا التقييم إلى ضرورة فحص التحديات البنيوية التي قد تحد من انتقال هذه المشاريع من مرحلة التأسيس المحدود إلى مرحلة النمو المؤسسي الواسع، بما يسمح بتعظيم أثرها التنموي في المدى المتوسط والطويل.
ثالثًا: التحديات التي تواجه المرأة في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة
يعكس تطور مشاركة المرأة القطرية في سوق العمل وانتقالها المتزايد إلى ريادة الأعمال تحولًا بنيويًّا في موقعها داخل الهيكل الاقتصادي. غير أن هذا التحول يصاحبه عدد من التحديات(14) التي تؤثر في قدرة المشاريع التي تقودها النساء على تجاوز مرحلة التأسيس المحدود والانتقال إلى مستوى النمو المؤسسي المستدام، بما يسمح بتعظيم أثرها في الناتج غير النفطي.
إشكالية التمويل بين التأسيس والتوسع
يمثل التمويل أحد المحددات الحاسمة لمسار المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويتخذ في الحالة المدروسة بعدًا مركبًا؛ إذ تشير البيانات إلى أن نحو خُمس رائدات الأعمال في المرحلة المبكرة يواجهن صعوبات مباشرة في تمويل مشاريعهن، كما أن أكثر من ربعهن يعتبرن مهارات التخطيط المالي والوصول إلى مصادر التمويل من أبرز التحديات التي تعترض توسع النشاط. وتعكس هذه المعطيات وجود فجوة بين توافر أدوات التمويل والقدرة الفعلية على النفاذ إليها بكفاءة(14).
وتكشف بنية التمويل عن اعتماد ملحوظ على المدخرات الشخصية بوصفها المصدر الرئيس لتمويل المشاريع، سواء لدى صاحبات الشركات القائمة أو من يعملن على تأسيس شركات جديدة، في حين تتوزع بقية الاحتياجات التمويلية بين قروض شخصية وتجارية بنسب أقل. ويشير هذا النمط إلى محدودية اللجوء إلى أدوات تمويل توسعية متخصصة، خصوصًا في المراحل اللاحقة للنمو؛ الأمر الذي يرفع درجة المخاطر الفردية، ويقيد قدرة المشروع على الاستثمار في الأصول الإنتاجية، أو التوسع الجغرافي، أو توظيف كفاءات إضافية.
كما أن تراجع الاعتماد النسبي على القروض التجارية لدى بعض الشركات القائمة يعكس بيئة ائتمانية أكثر تحفظًا أو حذرًا في قرارات التوسع، وهو ما يكرِّس بقاء عدد من المشاريع ضمن نطاق الحجم الصغير أو متناهي الصغر.
التعقيد الإجرائي وكلفة الامتثال التنظيمي
تتخذ القيود التنظيمية بعدًا ملموسًا في مرحلة التأسيس؛ إذ ترى نسبة تقارب نصف رائدات الأعمال أن اللوائح وإجراءات الترخيص تمثل التحدي الأكبر أمام انطلاق النشاط. وترتبط هذه الصعوبة بطول الإجراءات، وتعدد الجهات المعنية، وغياب مسار إجرائي مبسَّط يختزل الوقت والكلفة.
وعلى مستوى التشغيل، يُعد ارتفاع تكاليف الإيجار من أبرز العوامل المقيدة للنمو، حيث عَدَّتْه 28.6% من رائدات الأعمال في مرحلة التأسيس و35.1% من صاحبات الشركات القائمة العاملَ الأكثر تأثيرًا في قدرتهن على التوسع. وتكشف هذه النسب أن العبء لا ينحصر في البعد الإداري، بل يمتد إلى عناصر التكلفة الثابتة التي تؤثر مباشرة في هوامش الربحية، وتحد من القدرة على إعادة استثمار الفوائض في تطوير النشاط.
كما أن صعوبة بناء شبكات العلاقات المهنية -التي أشار إليها 22.2% من المشاركات بوصفها عائقًا رئيسًا- تعكس تحديًا يرتبط بالاندماج في منظومة الأعمال، والوصول إلى شراكات إستراتيجية أو فرص تعاقدية أوسع.
هيكل السوق والمنافسة
تتركز نسبة معتبرة من المشاريع التي تقودها النساء في قطاعات التجارة والخدمات، وهي قطاعات لا تتطلب عادةً مستويات مرتفعة من رأس المال أو اشتراطات تقنية معقدة؛ ما يسهِّل الدخول إليها مقارنة بالصناعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية؛ ما يفضي إلى منافسة مرتفعة الكثافة. ورغم أن مستويات التفاؤل بشأن نمو الأعمال مرتفعة -إذ تتوقع 86% من صاحبات الشركات القائمة و93% من رائدات الأعمال في مرحلة التأسيس توسعًا في نشاطهن- فإن تمركز معظم المشاريع داخل السوق المحلية يؤدي إلى زيادة تأثرها بتغيرات عدة من بينها تغير أولويات الاستهلاك، أو تأثير الصدمات الخارجية على القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات والإيرادات(16).
تحدي النمو المؤسسي والتحول من المبادرة الفردية إلى الكيان المنظم
تكشف المعطيات السابقة أن عددًا معتبرًا من المشاريع التي تقودها النساء يظل في إطار المبادرة الفردية أو التنظيم البسيط، دون الانتقال إلى بنية مؤسسية أوسع. ويرتبط هذا التحدي بالحاجة إلى تطوير مهارات الإدارة المالية والإستراتيجية، وإرساء نظم حوكمة أكثر تنظيمًا، وبناء فرق عمل متخصصة.
ويمثل التحول المؤسسي نقطة انعطاف حاسمة؛ إذ يتطلب استثمارات إضافية في رأس المال البشري والتنظيمي، وهي استثمارات يصعب تحقيقها في ظل قيود تمويلية وتشغيلية متراكبة. ومن ثم، فإن الفجوة بين مرحلة التأسيس ومرحلة التوسع لا تعكس ضعف المبادرة بقدر ما تعكس قيودًا هيكلية في بيئة النمو.
البعد الاجتماعي وتنظيم الوقت
تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع البنية الاجتماعية في تشكيل قرارات ريادة الأعمال. فالدوافع الرئيسة لتأسيس المشاريع تتمثل في تحقيق دخل أعلى بنسبة 53.5%، تليها الرغبة في الاستقلالية المهنية بنسبة 37.4%؛ ما يعكس توجهًا اقتصاديًّا واعيًا نحو المبادرة الاستثمارية. غير أن إدارة الوقت والتوازن بين المسؤوليات الأسرية ومتطلبات المشروع تظل عاملًا مؤثرًا في نمط النشاط المختار وسرعة التوسع، خصوصًا في القطاعات التي تتطلب حضورًا ميدانيًّا مكثفًا(17).
محدودية البيانات المصنفة حسب النوع الاجتماعي
رغم توافر بيانات استطلاعية مفصلة حول خصائص رائدات الأعمال، فإن غياب قاعدة بيانات وطنية شاملة مصنفة حسب النوع الاجتماعي حول مساهمة المشاريع النسائية في الناتج، أو التوظيف، أو الصادرات، يمثل قيدًا تحليليًّا وسياساتيًّا. ويحد هذا النقص من القدرة على قياس الوزن الاقتصادي الدقيق للمشاريع التي تقودها النساء داخل قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الذي يشكِّل نحو 97% من شركات القطاع الخاص ويسهم بما يتراوح بين 15% و17% من الناتج غير النفطي(18).
ويُعد تطوير نظام معلوماتي وطني مصنَّف حسب النوع الاجتماعي شرطًا أساسيًّا لتقييم الأثر الفعلي للمشاريع النسائية، وصياغة سياسات أكثر استهدافًا وكفاءة.
خاتمة
تُظهر نتائج الدراسة أن مشاركة المرأة القطرية في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة لم تعد مجرد امتداد اجتماعي لسياسات التمكين، بل أصبحت عنصرًا مكوِّنًا في البنية الاقتصادية المتحولة للدولة. فقد تزامن اتساع حضورها في ريادة الأعمال مع التحول التدريجي نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، وازدياد وزن الأنشطة غير الهيدروكربونية، وتنامي دور القطاع الخاص في توليد القيمة المضافة.
كشف التحليل أن المشاريع التي تقودها النساء تندمج بصورة مباشرة في القطاعات التي تشكل ركيزة الاقتصاد غير النفطي، وتسهم في توسيع قاعدة الإنتاج الوطني، وتعزيز دينامية السوق، ورفع مستوى المشاركة الوطنية في النشاط الاقتصادي. كما يتضح أن رأس المال البشري النسائي يشكل موردًا إستراتيجيًّا في مسار التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والخدمات المتقدمة.
في المقابل، بيَّنت الدراسة أن تعظيم الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع يرتبط بقدرتها على تجاوز قيود الحجم الأولي والانتقال إلى مرحلة التنظيم المؤسسي، وهو انتقال يتطلب بيئة تمويلية أكثر تنوعًا، وأطرًا تنظيمية أكثر كفاءة، ونظم معلومات دقيقة تتيح قياس الأثر الاقتصادي بصورة كمية واضحة. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة لا تتمحور حول توسيع المشاركة فحسب، بل حول تعميق أثرها الإنتاجي ورفع إنتاجيتها.
وعليه، فإن ترسيخ دور المرأة القطرية في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة يشكل ركيزة بنيوية في إعادة تشكيل القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. فكلما تعزز انتقال هذه المشاريع من المبادرة الفردية إلى الكيان المؤسسي المنظم، اتسع إسهامها في الناتج غير النفطي، وتتسع مساهمتها في شبكات الإنتاج والتوريد داخل الاقتصاد الوطني، وتَكَرَّس موقعها شريكًا فاعلًا في مسار التحول الهيكلي للاقتصاد القطري.
المراجع
(1) International Monetary Fund. World Economic Outlook Database, October 2024 Edition. “Qatar: Real GDP Growth.” Washington, DC: International Monetary Fund, 2024. https://www.imf.org/en/Publications/WEO/weo-database/2024/October (accessed February 23, 2026).
(2) Central Bank of Qatar. Annual Macroeconomic Report 2022. Doha: Central Bank of Qatar, 2023. https://www.qcb.gov.qa/PublicationFiles/QCB%20Annual%20Macroeconomic%20Report%202022-EN-Final.pdf (accessed February 23, 2026).
(3) Ibid.
(4) World Bank. World Development Indicators: GDP per Capita (Current US$) – Qatar. Washington, DC: World Bank, 2024. https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.PCAP.CD?locations=QA (accessed February 23, 2026).
(5) International Monetary Fund. “Spillovers from the Financial Market Crisis.” IMF Survey Online, October 22, 2008. https://www.imf.org/-/media/websites/imf/imported/external/arabic/pubs/ft/survey/so/2008/new102208aapdf.pdf (accessed December 15, 2021).
(6) مصرف قطر المركزي، 2018، التقرير السنوي، (تاريخ الدخول 22 فبراير/شباط 2026)،
https://www.qcb.gov.qa/PublicationFiles/2018_annual_year.pdf
(7) خالد بن راشد الخاطر، “إستراتيجية قطر في إفشال الحصار الاقتصادي”، في “صمود قطر”، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2018، ص 125.
(8) المجلس الوطني للتخطيط، مسح القوى العاملة بالعينة 2023، الدوحة، المجلس الوطني للتخطيط، 2023 (تاريخ الدخول: 22 فبراير/شباط 2026)،
https://www.npc.qa/en/statistics/Statistical%20Releases/Social/Labor%20F
orce/Annual_Bulletin_Labour_force_2023_AE.pdf
(9) المصدر السابق، ص 28
(10)، (11)، (12) المرصد العالمي لريادة الأعمال، تقرير دولة قطر لعام 2024، بنك قطر للتنمية، 4 مايو/أيار 2024
https://www.qdb.qa/ar-qa/insights-and-publications/entrepreneurship-reports
(13) “مستثمرات قطريات يطالبن بدعم أكبر للمشاريع الصغيرة”، مجلة جميلة، 28 يناير/كانون الثاني 2018 (تاريخ الدخول: 23 فبراير/شباط 2026)، https://www.jamila.qa/Article/Id/21327
(14) بنك قطر للتنمية، تقرير ريادة الأعمال لدى السيدات في قطر 2023، الاتجاهات والتحديات والفرص.
https://www.qdb.qa/-/media/qdbapp/publications-pdf/female_ent_report_en.pdf
(15) المصدر السابق.
(16) المصدر السابق.
(17) “المرأة القطرية بين تمكين الأمس وتحدي اليوم”، وكالة الأنباء القطرية، 5 مارس/آذار 2020 (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2020)، https://tinyurl.com/ykm56yww
(18) التحديات التي تواجه رائدات الأعمال القطريات، مرجع سابق.
