ملخص
كثيرة هي الأدبيات التي اهتمت بدراسة السلوك الاحتجاجي في مجموعة من المناطق في العالم، معتمدة في ذلك على مداخل نظرية وتحليلية، وكذا متغيرات اجتماعية واقتصادية، ونفسية وأخلاقية وقيمية، كشفت عن مجموعة من القضايا، والنماذج والبراديغمات، التي على ضوئها يمكن تفسير الفعل الاحتجاجي، والإجابة عن السؤال المركزي: لماذا يحتج الناس؟ وفي هذا الصدد تبرز محددات وعناصر مستقلة عن الدرس النظري للحركات الاجتماعية، تسعى إلى تفسير وفهم الفعل الاحتجاجي، بالاعتماد على الذاكرة الجمعية، والهوية، والمنظومة الاخلاقية والقيمية التي تنظم وتحدد علاقة الفرد والجماعة بالسلطة السياسية.
تقدم هذه الورقة، مراجعة مركزة للأدبيات التي تناولت الذاكرة السياسية في علاقتها بالاحتجاج، وكذا الأدبيات التي تبحث في محددات أخرى أخلاقية وقيمية لفهم أسباب الاحتجاج، كالاقتصاد الأخلاقي الذي يجسد منظومة الأحكام القيمية لمجموعة بشرية، وتهدف الورقة كذلك إلى فحص كيفية مساهمة هذه المحددات متعددة الأبعاد، في تغذية السلوك الاحتجاجي من خلال استصحاب حالات نموذجية وتجارب احتجاجية مقارنة.
الكلمات المفتاحية: الاحتجاج، الذاكرة السياسية، الاقتصاد الأخلاقي
Abstract
Much of the literature that is guided by the study of protest behavior in a group of regions of the world, relying on theory and analysis, as well as social, economic, psychological, moral and value variables, has revealed a set of issues, models and paradigms, in light of which the protest action can be explained, and the central question of why people respect can be answered. In this regard, determinants and elements independent of the theoretical study of social movements emerge, and seek to explain and understand the protest action, and rely on collective memory, identity, and the moral and value system that organizes and defines the relationship of the individual and the group with political authority. This paper presents a review of the literary center that deals with political memory in its relationship to protest, as well as the literature that examines other moral and value determinants to understand the justification for protest, such as the moral economy that embodies the system of value judgments appropriate to the human being, so that the paper can also examine how to contribute to these multidimensional determinants, in feeding protest behavior by taking model cases and comparative protest experiences
Keywords: Protest, political Memory, Moral economy
مقدمة
اعتمدت أدبيات دراسة الفعل الاحتجاجي، والممارسة الاحتجاجية بشكل عام، على مجموعة من المداخل النظرية والتحليلية، كشفت من خلالها على مجموعة من النماذج والبراديغمات التي يمكن على ضوئها تفسير الفعل الاحتجاجي. ويمكن التمييز في هذا الصدد بين النظريات الكلاسيكية للاحتجاج التي تتفرع إلى اتجاهات ومدارس متمايزة كالمدرسة الماركسية من خلال أطروحة الصراع الطبقي، والمدرسة البنائية الوظيفية من خلال مقترب الحرمان النسبي، الذي يركز في تفسيره للاحتجاج على مؤشرين أساسيين، أولهما نفسي، يعزي الاحتجاج إلى الحرمان النسبي الذي يختزل كل مشاعر الكبت والحقد والآمال في نفس المحتج، أما المؤشر الثاني فيتمثل في قابلية السلوك الإنساني للعنف -ويُعد تيد روبيرت غير أحد رواد هذا المقترب النفسي الاجتماعي- والنظريات أو النماذج الجديدة في تفسير الحركات الاجتماعية، والتي ترتبط أساسًا بسوسيولوجيا الحركات الاجتماعية التي تقدم نفسها كتخصص معرفي يهتم بالتغيير الاجتماعي. ويمكن أن نذكر هنا بعض هذه النظريات، كنظرية تعبئة الموارد التي تبحث في تشكل الحركات الاحتجاجية وآليات تدبيرها بواسطة الموارد الاقتصادية والسياسية والتواصلية التي تتوافر للأفراد والجماعات المنخرطة في الفعل الاحتجاجي مع القدرة على استعمال هذه الموارد، ومن منظِّريها: جون مكارتي ومايير زالد. ونظرية الفرص السياسية، التي يرى أصحابها أن نجاح أي حركة احتجاجية يعتمد على مدى التقاطها للفرص السياسية التي تتيحها القنوات الداخلية والخارجية من أجل تحقيق مطالب الحركة، ويعد بيتر سنغر (Peter Eisinger) ودوك ماك آدم (Doug McAdam)، من أهم روادها. ونظرية التأطير لديفيد سينو(David Snow)، وويليام جامسون (William Gamson)، التي تربط الفعل الاحتجاجي بالقدرة على إعطاء معان ودلالات وخلق إطارات تسهِّل عملية التعبئة لاستثمار الحدث. وبراديغم الفعل/الهوية، ومن أصحاب هذا النموذج التفسيري نجد ألبرتو ميلوتشي (Alberto Melucci)، وسيدني تارو(Sidney Tarrow). ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أنه ينبغي فهم الاحتجاجات كفعل من أجل تحصين الهوية؛ حيث يكتسي الصراع الطبقي طابعًا اجتماعيًّا ثقافيًّا، وليس ذا طبيعة اجتماعية واقتصادية، ثم نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة التي تنظر للحركات الاجتماعية كفعل اجتماعي عاكس للتناقضات الجديدة في طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة، ومن روادها آلان توران ( Alain Touraine )، ويورغن هابرماس(Jürgen Habermas)، وآخرون.
وقد يفيد هذا المتن النظري المتعلق بدرس الحركات الاجتماعية في تفسير الفعل الاحتجاجي في كل بقاع العالم، وفي المغرب بشكل عام ومنطقة الريف المغربي بشكل خاص. لكن لابد من الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الخصوصيات والسياقات الزمنية والبيئات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية والثقافية والتاريخية التي ظهرت فيها هذه النظريات، والمؤاخذات الموجهة لها. مع ضرورة مراعاة مجموعة من المتغيرات الداخلية والخارجية المتحكمة في اندلاع الفعل الاحتجاجي في المناطق التي ستشكل موضوعًا للدراسة.
وفي هذا الإطار تبرز عناصر ومتغيرات، ومحددات أخرى مرتبطة بالذاكرة الجماعية والهوية الجماعية، وعوامل أخرى تدفع بالمواطن في كل بقاع العالم إلى الانخراط في الاحتجاج، ترتبط أساسًا بعلم النفس الاجتماعي حيث أثار انتباه بعض المختصين في الاحتجاج (فان زومير وآخرون، 2004)، دور العواطف والأحاسيس، والاندماج الاجتماعي في دراسة السلوك الاحتجاجي. (1) زيادة إلى الأعراف والمشاعر التي تتعلق بمسؤوليات وحقوق الأفراد والمؤسسات تجاه الآخرين، وهذا ما يجسده الاقتصاد الأخلاقي، حسب سايرSayer Andrew) ((2). وأمام هذا التعدد في المقتربات النظرية التي تسعى إلى تفسير وفهم العمل الاحتجاجي، سنقتصر على الأدبيات التي اهتمت بدراسة السلوك الاحتجاجي من خلال الذاكرة السياسية والاقتصاد الاخلاقي، ولاسيما على مستوى الفكر الغربي.
وتهدف هذه الدراسة إلى إبراز التحولات الجديدة التي عرفتها ديناميات الحركة الاحتجاجية خلال الألفية الثالثة في المغرب وإسبانيا ومواقع أخرى، من خلال تسليط الضوء على متغيرات ودوافع جديدة للاحتجاج تنهل من الثقافة السياسية والذاكرة الجماعية، والمنظومة الأخلاقية. كما تشكل هذه المراجعة محاولة لتحليل إسهام الذاكرة الجمعية والاقتصاد الاخلاقي في بلورة أشكال احتجاجية راقية وسلمية أحدثت القطيعة ولو نسبيًّا مع الاحتجاجات العنيفة التي طالما ميزت التاريخ الاجتماعي للمغرب، كما أسهمت في بناء براديغمات تفسيرية جديدة تحوم حول الذاكرة والثقافة السياسية. وعليه، سنعمل في محاور هذا المقال على دراسة الفعل الاحتجاجي على ضوء التذكر الجماعي أولًا، على أن نتطرق للاقتصاد الاخلاقي وتغذية الاحتجاج ثانيًا.
أولًا: الممارسة الاحتجاجية على ضوء التذكر الجماعي: حالات نموذجية معاصرة من المغرب وإسبانيا
تستلهم الشعوب والمجتمعات البشرية سلوكياتها، ومواقفها، وقيمها من الذاكرة الجماعية(3) التي تتشكل في إطار زمكاني، من ذاكرات فردية متعددة، ومتنوعة تسهم في تأسيس الوعي الجمعي للجماعة التذكرية. وتوصف الذاكرة الجماعية على أنها ذلك الأرشيف الرئيسي لتمثلات المجتمع للماضي، ومورد ثقافي، منه يستلهم عند الحاجة. فالذاكرة الجماعية هي بمنزلة ذلك الخزان الذي يحفظ ثقافة الشعوب بمختلف تجلياتها وأبعادها؛ فهي تؤثر في الحركات الاحتجاجية إلى حدِّ أنها أصبحت عنصرًا أساسيًّا للتعبئة الاجتماعية، كما أن الحركات الاحتجاجية تسهم بشكل كبير في بناء الذاكرة وانتقالها بين الأجيال. وتضطلع الذاكرة الجماعية بدور ريادي في دينامية الحركات الاجتماعية في مجموعة من المواقع والأقطار.
- حول الذاكرة الجمعية
يعتبر عالم الاجتماع الفرنسي، موريس هالبواش (Maurice Halbwachs) في كتاباته حول الذاكرة، وخاصة في عمله الأول “الأطر الاجتماعية للذاكرة “(1925)، أن الذاكرة هي أيضًا ظاهرة مجتمعية وليست إرثًا بيولوجيًّا كما كانت الأوساط العلمية تعتقد(4) في بداية العشرينات من القرن الماضي، وكانت تحصرها آنذاك في عملية داخلية ترتبط بالفرد المتذكر فحسب.
عمل هالبواش على البعد الاجتماعي للذاكرة ليؤكد الطابع الجمعي للذكريات الفردية، رغم فردانيتها الظاهرية، ولكنها ذات طبيعة مشتركة، فهي جمعية يذكِّرنا بها المحيط وإن كان الأفراد وحدهم من يعنى بها. كما يشير إلى أن النسيان لا يمكن فهمه ببساطة بوصفه عملية فسيولوجية، وإنما يتصل بالأطر الاجتماعية نفسها المؤثرة في عملية التذكر الفردية. وفي هذا الإطار يميز بين نمطين من التذكر: التذكر الفردي والتذكر الجمعي، معتبرًا التذكر الفردي هو الأصعب والأعقد من التذكر الجمعي؛ حيث إن الأخير هو الأسهل في استعادة أحداث وقعت في الحيز العام المشترك، بخلاف النمط الفردي الذي هو شخصي. ولا يرى أي تعارض بينهما، معتبرًا أن “كل ذاكرة فردية هي وجهة نظر تطل على الذاكرة الجمعية(5).
ويشير هالبواش إلى أن الذاكرة الفردية ليست مغلقة ومعزولة، لكي يستذكر الفرد ماضيه الخاص، فهو في حاجة إلى ذكريات الآخرين، مبرزًا أن الذاكرة الفردية والجماعية تربط بينهما علاقة تكاملية. مضيفًا أن استناد ذاكرة الفرد إلى ذاكرة الجمع إنما هو لسد ثغرات الذاكرة الفردية، بل توطيدها أيضًا، من دون أن يُقلِّل هذا الأمر من استقلاليتها ودورها في تشكيل الذاكرة الجمعية التي تتطور وفق قوانينها الذاتية، وأنها في نهاية المطاف، مؤلَّفة من ذاكرات فردية متعددة ومتنوعة تسهم في تأسيس الوعي الجمعي للجماعة التذكرية، حالما تتموضع بصورة لا فردية، أي جمعية(6). إلا أنه يقر في الوقت نفسه في كتابه “الأطر المرجعية للذاكرة والذاكرة الجماعية” على أن الذاكرة الجماعية أبعد من أن تتشكل من مجموع من الذكريات الفردية، بل هي أساس الذاكرة والوعي الشخصي(7). وهذا التحليل يختزل الوعي الشخصي إلى مصدر جماعي، أي إلى الأطر الاجتماعية التي ينتمي إليها. فالوسط الاجتماعي يتحرك فينا، سواء كنَّا واعين بتأثيره أم لا. بهذا تخفي أفكارنا أو ذكرياتنا الأكثر حميمية شبكة من المعاني القادمة من المجتمع الخارج عنَّا(8).
ويقيم هالبواش تعارضًا واضحًا بين الذاكرة والتاريخ، فهو ضد خلط الذاكرة بالتاريخ، وضد الاستعمال غير الدقيق لهذا المصطلح حتى في الأدبيات الغربية، التي أخذت عنها النصوص العربية ما بات يُعرف بالذاكرة التاريخية، ويبرر رفضه هذا بقوله: “لو كان نسيج الذاكرة الجمعية مجرد سلسلة من التواريخ وقوائم من الوقائع التاريخية، فإنها لم تكن لتلعب إلا دورًا ثانويًّا في تثبيت ذكرياتنا الفردية”. ومن هذا المنطلق يفرق هالبواش بين التاريخ المكتوب الذي لا يوثق إلا جانبًا من الماضي وليس الماضي كله والتاريخ المعيش والحي الذي تستند إليه الذاكرة الجمعية التي تتميز عن التاريخ بخاصيتين أساسيتين، هما: الاستمرارية والتنوع. فهي، بحسب رأيه، تيار أفكار مستمر، لا تصنع فيها لأنها لا تحتفظ من الماضي إلا بما هو حي أو قادر على البقاء حيًّا عند الجماعة التي تحمله. أما التاريخ في نظره خارج الجماعات وأعلى منها لأنه يهتم بالفوارق والتضاد. وعلى مستوى التنوع كذلك، فبعكس الذاكرة فالتاريخ واحد، فهو يجمع في برهة قصيرة ويرمز بحركة سريعة إلى تاريخ شعوب وأفراد وتطورات جمعية حدثت ببطء. كما يهتم هالبواش بالذاكرة في علاقتها بالعامل الزمني؛ حيث يعتبر هذا الأخير مع المكان والجماعة شروطًا أساسية لتشكل الذاكرة في بعديها، الفردي والجمعي(9)
من جهته، حاول الفيلسوف الفرنسي، بول ريكور(Paul Ricœur) ، فهم الذاكرة الجماعية انطلاقًا من سؤالين جوهريين، الأول يتعلق بالذكرى: ماذا؟ والسؤال الثاني: لمن هي الذاكرة؟ مقترحًا بذلك فهمًا جديدًا للذاكرة على المنهج الفينومينولوجي لإدموند هوسيرل(Edmund Husserl) ، يقوم على ما أسماه فينومينولوجيا الذاكرة، التي تقدم أدوات لدراسة العلاقة بين الذاكرة والزمان والمكان والهوية الشخصية، وتحليل كيفية تشكل الذاكرة من خلال التفاعل بين الذات والعالم الخارجي. وذلك تماشيًا مع توجهه الفلسفي العام الفينومينولوجيا، ومنهجه التأويلي القائم على التداولية اللغوية.
واستقصاء للظواهر الذاكرية وعملًا على تحصين الذاكرة من الاستعمالات السيئة لها لاستهدافها الصادق للحقيقة، وعملًا كذلك على تحقيق هذا المفهوم الجديد، صنَّف بول ريكور الذاكرة في ثلاثة مستويات، هي: المستوى المرضي المتعلق بالذاكرة المعوَّقة، والمستوى العملي المتعلق بالذاكرة المحرَّفة والمتلاعب بها، والمستوى الأخلاقي والسياسي المتعلق: “باستحضار الذاكرة تعسفيًّا حين يتناغم الاحتفال بالذكرى مع إعادة التذكر(10). وهذه التصنيفات في حدِّ ذاتها أشكال من بين الأشكال المتعددة لسوء الاستعمال التي تظهر الهشاشة الأساسية للذاكرة والتي تأتي من العلاقة بين غياب الشيء المتذكَّر وبين حضوره على نمط التمثل أو التصور.
وفي سياق رصده للعوامل التي تقف وراء هشاشة الذاكرة والتلاعب بها، يتوقف ريكور عند عامل الأيديولوجية ودورها في إعطاء صبغة شرعية للنظام السياسي، وكخطاب تبريري للسلطة، والدفاع عن مصالحه ورؤيته، وتوحيد المتنوع داخل المجتمع في نسق رمزي واحد، وتقديم أساس للفعل والعمل المشترك. وبعدها تتدخل الرواية، والتصوير السردي ليقوم بوظيفته في تثبيت الذاكرة المؤدلجة من خلال القصص التأسيسية التي تروي المجد والإذلال والانتصار والهزيمة. فالعنصر الأيديولوجي حاضر في عملية التشويه والتزوير والتحريف، وذلك من خلال لعبة القسمة بين تاريخ مسموح به ورسمي، وتاريخ مرفوض ومنسي، كما يتم تثبيت الذاكرة والتدريب عليها من خلال التعليم(11). ويقول ريكور: “حتى الطاغية يحتاج إلى خطيب متصنع، وإلى سفسطائي كي يعطي سندًا كلاميًّا لمشروعه في الترغيب والترهيب”، ويظهر ذلك بوضوح في عمليات السرد المختلفة حيث يتم الربط بين الذاكرة وتشكل الهوية، وتشكيلها بمواد سردية معترف بها، وبرفض أو عدم الاعتراف بهويات أخرى أو تشويهها أو نفيها، وذلك كله يعود إلى الطابع الانتقائي للسرد المدعوم بإستراتيجية ماكرة للتذكر والنسيان(12)
ويبحث ريكور كذلك عن أسباب هشاشة الذاكرة المتلاعب بها في إشكالية الهوية؛ حيث يعد الطابع الافتراضي للهوية سببًا في هشاشة الذاكرة، وسبب هشاشة الهوية نابعة من العلاقة الصعبة مع الزمان، الشيء الذي يبرر اللجوء إلى الذاكرة كعنصر مكون زمني للهوية، والصلة بالزمن تشكل صعوبة بسبب الطابع المبهم لمفهوم ما يبقى هو عينه، القائم في الهوية المتطابقة. وقد أغنى تحليله بتفكير داخلي حول دور الذاكرة في تشكل الهوية الإنسانية، ويفصل بين دلالتين أساسيتين للهوية:
المعنى الأول: في اللاتينية idem، التي تعني نفسه بل عينه، وينطبق تشابه الهوية على أي كائن موجود في الوقت المناسب.
المعنى الثاني: في اللاتينيةIpse ، والذي يرادف ذاته وهنا نتحدث عن الأنانية واستمرارية الذات في الزمن تستند إلى لعبة معقدة بين التماثلية أو التشابه، والذاتية، ما هو ذات.
فالهوية بالمعنى الأول تحيل على وجود تراتبية من الدلالات، والهوية بالمعنى الثاني لا تتضمن أي تأكيد يخص وجود نواة لا تتغير داخل الشخصية. وعليه، سيعتبر بول ريكور أن مدلول العينية يرادف الهوية التطابقية، بينما جعل مدلول الذاتية يرادف الهوية الذاتية(13).
وعليه، فريكور يقدم ثلاثة عوامل أساسية تتصل بهشاشة وضعف الذاكرة، وبالتالي سهولة خضوعها للاستغلال والتلاعب، وهذه العوامل هي: العلاقة بالزمن، والعلاقة النزاعية بالآخر، وأخيرًا العلاقة بميراث العنف التأسيسي. ويعني هذا العامل الأخير، أنه لا وجود لجماعة تاريخية وُلدت من دون علاقة أصيلة بالعنف والحرب، وهو ما يتم الاحتفال به باسم الأحداث المؤسسة، وهي عبارة عن أفعال عنيفة تم صبغها بصبغة الشرعية من خلال قيام الدولة، بالاحتفال على سبيل المثال بأعياد الاستقلال والتحرير(14).
ولا يمكن إقامة سياسة عادلة للذاكرة من دون تجاوز بعض أشكال الذاكرة، ومنها على وجه التحديد الذاكرة المعاقة، والذاكرة المتلاعب بها، والذاكرة الإلزامية .
تتصل الذاكرة الأولى بالتحليل النفسي، وتواجه مقاومة من قبل جراح الماضي وآلامه؛ وتنتج الثانية من خضوعها للتشويه من قبل الأيديولوجيات والاحتفالات، أي التذكر بالقوة أو التذكر المجبر، وتخضع الثالثة لمبدأ الواجب والإلزام. ولذا، فإنها تتحول إلى أداة، أي يجب تذكر هذا وليس ذاك.
ويتصل المستوى الثالث من الذاكرة أي (المستوى الأخلاقي والسياسي) بمسألة سياسة الذاكرة العادلة التي تعد من المواضيع السياسية والأخلاقية الآنية. فهي لا تعني الوقوف عند واجب الذاكرة فقط، وإنما تحيل إلى مختلف المبادرات المتصلة بالوفاق والمصالحة في الحاضر والمستقبل، وإنزال الماضي في منزلته المحددة، وذلك درءًا لتجاوزات استخدام الذاكرة، وهو ما يتطلب تضافر البحث العلمي والموقف الأخلاقي والسياسي. وإذا كان البحث العلمي من مسؤولية علم التاريخ، فإن الموقف الأخلاقي والسياسي يجب أن يقوم على مثل وقيم أساسية، ومنها على -وجه الخصوص- قيمة العدل والإنصاف والحرية، وعلى كل ما يسمح بتأسيس مواطنة حرة وعادلة ومشاركة في مؤسساتالنظام الديمقراطي، وذلك لأنه من دون هذه المواقف والمبادئ، فإن سياسات المصالحة سيكون مآلها الفشل(15).
ومن جهته، يقول بيير نورا، الذي تحدث عما أسماه بأماكن الذاكرة، بغرابة الذاكرة وبتحويل الذكريات إلى سياسات وطنية بمعنى توطين الذاكرة. وهنا يوافقه الرأي بول ريكو، ويقدم عدة إمكانات للاستعمال الأمثل للذاكرة وتضميد جراحها بالرغم من الاستعمالات السيئة، ومخاطر النسيان، ومكر الأيديولوجيا التي أصابتها، ومن هذه الإمكانات الآتي(16)
- التصور الشامل والكلي للذاكرة.
- ربط الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية، واعتبار جراح والآم الذاكرة شخصية وجماعية.
- أفضل استعمال للذاكرة هو خدمتها والاهتمام بها، وبخاصة في مواجهة النسيان بمختلف أشكاله، وبخاصة النسيان التعسفي الذي يأخذ أشكالًا مؤسساتية متمثلة في العفو والعفو الشامل، حيث يتم تجاوز النسيان، ويمكن أن يتحول إلى موضوع للمتابعة القضائية. وبلا شك، فإنه أمام النزاعات السياسية العنيفة لا تملك البشرية إلا سياسة العفو، لأنها السياسة الوحيدة التي يمكن أن تحقق ما يسميه بهدوء الذاكرة، مستشهدًا في هذا السياق بالديانات السماوية التي تُجمع على الرحمة.
وتفاديًا لجر الظواهر المرتبطة بالذاكرة إلى الطريق المسدود، اختار أن يطرح سؤال ماذا؟ قبل سؤال مَنْ؟ فسؤال ماذا يشير إلى ماذا نتذكر وما هو تمثلنا عن الماضي ووعينا به، بينما سؤال من يشير إلى إرجاع فعل التذكر إلى أحدٍ ما سواء كان بصيغة المتكلم (أنا أو نحن) أو صيغة المخاطب أو الغائب، فالذاكرة هي علاقة الإنسان بالماضي الذي يمثل زمنًا لم يعد موجودًا ولكنه كان، وتمثل هذا الماضي. كما يعالج ريكور الذاكرة في علاقتها بالتاريخ والنسيان؛ حيث قال: إن الذاكرة تحفظ الماضي، والتاريخ يحفظ أحداث الماضي، والنسيان يقول لنا أي ذاكرة تستحق أن نحتفل بها وأي ذاكرة يجب علينا أن نتركها تذهب بسلام ليلفها النسيان. ويشترط ريكور كذلك الآخر حتى نكون أمام ذاكرة، فهي لا تعود لفرد واحد، فهناك ذكريات مشتركة يعيشها الفرد مع الآخرين. فكل مجموعة تشترك في ذكريات تتداخل فيما بينها. فمصير الذاكرة هي ألا تبقى خاصة بواحد فقط، والذاكرة هي التي تقودنا إلى التاريخ، وهي التي تحفظه وهي الحاملة للتاريخ ولولاها لما كان هناك من علم يهتم بكتابة التاريخ. فالذاكرة هي المورد الوحيد الذي يتيح الإحالة إلى الماضي. ويستشهد على ذلك من التراث اليوناني من أفلاطون وأرسطو، فالذاكرة عند الأخير زمان وعند أفلاطون هي التمثل الحاضر لشيء غائب(17). ويميز ريكور كذلك بين الخيال والذاكرة وإن كان لهما سمة مشتركة هي حضور الغائب، فالخيال وهم قصصي غير حقيقي، لكن الذاكرة هي الحقيقة السابقة وهي التي تضفي الحقيقة على ما جرى في الماضي.
ويميز بول ريكور بين الذاكرة الجسدية وذاكرة الأماكن، فالأولى مليئة بذكريات مطبوعة بدرجات مختلفة من التباعد الزمني، فلحظة الاستذكار تكون عندها لحظة التحقق، وهنا يمكن أن يتجاوز كل المستويات من إعادة التذكر المضمرة إلى الذاكرة التصريحية الجاهزة مرة أخرى من أجل السرد. أما ذاكرة الأماكن التي تتم بفعل أعمال مهمة لا يمكن تذكرها بمعزل عن مكان حدوثها، فكل الأشياء التي نتذكرها، ترتبط داخليًّا وجوهريًّا بأماكن معينة، فعلى هذا المستوى تنشأ ما يسمى بظاهرة أماكن الذاكرة قبل أن تصبح مرجعية للمعرفة التاريخية. وتعمل أماكن الذاكرة كعلامات للاستذكار وتشكِّل سندًا للذاكرة المتخاذلة وإنابة صامتة عن الذاكرة الميتة. وهذه الأماكن تظل كتابات وكأنصاب تذكارية وأحيانًا كوثائق(18). ويبرز دور أماكن الذاكرة في حراسة الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية.
لكن سيخلص في نهاية المطاف، إلى اعتبار موضوع الذاكرة هو الأنا بصيغة المتكلم المفرد، ومن ثم فمفهوم الذاكرة الجماعية سيكون ضمن مفهوم تقابلي. فبول ريكور يقيم علاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، وهنا يطرح السؤال الجوهري حول كيفية انتقال الذكريات الشخصية المتميزة بتفردها الراديكالي إلى ذكريات المجتمع، وفي هذا الإطار يحلل ريكور أطروحة هالبواش التي تنص على أن الذاكرة جماعية، فمن أجل التذكر لابد من الآخرين، فالذاكرة الجماعية هي تقاسم مجموعة من السمات التي تميز الذاكرات الفردية. فحاول بول ريكول إذن فهم ظاهرة الذاكرة الجماعية بالتماثل أو التناظر مع الذاكرة الشخصية أو الفردية، ولكن هذا الفهم بحسب بعض الدارسين(19)، سيؤدي إلى إغفال أبعاد الذاكرة الجماعية التي تنفلت من مثل هذه العلاقة التماثلية، ولهذا يحاول جيفري أندرو براش (Jeffrey Andrew Barash) في مقاله الموسوم بـ “ما الذاكرة الجماعية عند بول ريكور؟” أن يكشف أبعادًا غير التي وقف عندها بول ريكور في تأويله للذاكرة. وقد كرَّس دراسته هذه لمفهوم الذاكرة مستفسرًا عن تأويل بول ريكور وتصوره لهذا المفهوم في كتابه الذاكرة التاريخ والنسيان، فهو يقدم قراءة نقدية لتأويل بول ريكور للذاكرة، من خلال محاولته تجاوز إطار هذا التماثل الذي تحدث عنه ريكور، عبر تحليله لمصادر رمزية والميتاشخصية للذاكرة الجماعية.
وفي مقالته “ما الذاكرة؟”، يشير براش إلى أن موضوع الذاكرة الجماعية يؤثر بشكل أساسي على مسألة مبدأ التماسك الاجتماعي، ويؤدي دورًا فريدًا في السياق غير المتجانس للمجتمعات المعاصرة. فالوظيفة العامة للذاكرة الجماعية في شكل إحياء ذكريات أو متاحف، مثل استحضار الذكريات الأليمة للمجتمع بأكمله، تثير نقاشًا حيويًّا في عدد كبير من الحقول المعرفية بدءًا بالعلوم السياسية، وعلم الاجتماع والتخصصات الأخرى من العلوم الاجتماعية)20).
في الخلاصة، فالذاكرة الجمعية هي خزان يحفظ ثقافة الشعوب بكل أبعادها وأعماقها الأنثروبولوجية، وتاريخها وما يوثق من صيرورات الإنسان في الزمان والمكان، كما تمد الشعوب والمجتمعات بالسلوكيات والمواقف والقيم. وانطلاقًا من خاصية الاستمرارية التي تتميز بها الذاكرة، حسب هالبواش، فهي تمد الأفراد مهما اختلفت ثقافتهم وتوجهاتهم بالطاقة الضرورية للاستمرار والديمومة، ومن ثم تتخذ هذه الذاكرة أبعادًا متعددة حسب سياقات توظيفها واستغلالها؛ حيث يصبح البناء الثقافي أحد تجليات هذه الذاكرة ومؤشراتها القوية التي تتعدد في صيغ مختلفة بحسب الرابط الاجتماعي الذي يصل بين مكونات المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية(21).
- – استحضار الذاكرة الجمعية والاحتجاج
انطلاقًا مما سبق، فالذاكرة التي تتناقلها الأجيال عبر القصص والروايات والحكي الشفهي، تشكِّل مدخلًا لفهم العقل الجمعي وتطوره عبر التاريخ حول ثنائية الذاكرة والنسيان، وجعل من الذاكرة أداةً لفهم مجموعة من الظواهر الاجتماعية، فمن أجل التذكر لابد من الآخرين(22)، وعملية التذكر لا تتم إلا في إطار زمني ومكاني ضمن إطار اجتماعي معين؛ حيث تنشأ ثقافة معينة تؤسس لنسق جمعي يجعل الخبرات والتجارب الذاتية للفرد قابلة للتذكر وللتأويل بصورة جمعية. وهنا تظهر الوظيفة العامة للذاكرة الجمعية، كما يراها هالبواش، وهي تأسيس هوية جمعية، وضمان ديمومتها على اعتبار أن هذه الهوية المشتركة ماهي إلا نتيجة لتفسير مشترك للماضي الخاص بهذه الجماعة. فكل ما يتم استذكاره على المستوى الفردي هو استجابة لمصالح ورغبات جمع معين. ومنه فالذاكرة الجمعية هي تعبير عن هوية خاصة وثقافة جماعية في إطار سياق تاريخي معين(23)
وتبرز أهمية دراسة الذاكرة الجمعية في سياق الحركات الاجتماعية بوضوح في مقال كتبه لورينزو زامبوني: Lorenzo Zamponi))، الموسوم بـ”الذاكرة الجماعية والحركات الاجتماعية”؛ حيث يشير إلى أن هناك اهتمامًا متزايدًا ببناء هويات جماعية في البحوث الحديثة حول الحركات الاجتماعية، التي تركز على البعد الرمزي للعمل الجماعي، فهو يعرِّف الذاكرة الجماعية كمجموعة من الرموز والممارسات التي تشير إلى الماضي ويشترك فيها مجتمع معين، وتعرَّف أيضًا أنها الذاكرة المشتركة لمجتمع أو مجموعة ما(24).
كما يركز في هذه المقالة على دور وسائل الإعلام والخطابات التي تنتجها، أو تمررها في تشكيل الذاكرة الجماعية وتشكيل هوية الحركات الاحتجاجية، وتعتبر وسائل الإعلام أداة مهمة لنشر رسائل الحركات الاجتماعية وإبراز قضاياها؛ حيث تمكِّنها من الوصول إلى جمهور أوسع وإحداث تأثير أكبر، وتعزز هذا التأثير، وتواجدها في الرأي العام(25). كما يتم استخدام التنسيق السردي للوصول إلى جمهور الحركة الاجتماعية، ويسوق الكاتب في هذا الإطار اعترافات العديد من الباحثين بخصوص دور أحداث الماضي في سياق الأحداث التي تجري حاليًّا.
وتشكِّل الذاكرة عمومًا الأرشيف الرئيسي لتمثلات المجتمع للماضي، ومنه يستمد ويستلهم عند الحاجة(26). ويقر كذلك الكاتب بمعية مجموعة من الباحثين (هاريس(27)، وماير(28)، وبوليتا(29) بأن الذاكرة هي أحد العوامل الأساسية في اندلاع التوترات الاجتماعية. وبهذا سيكون الكاتب قد كشف عن تلك العلاقة القائمة بين الحركات الاجتماعية والذاكرة الجماعية بالتركيز على البعد الرمزي للعمل الجماعي وكيفية دخول الذاكرة الجماعية إلى دراسة الحركات الاجتماعية. وتسهم دراسات الذاكرة هذه، في تبيان تأثير بناء الذاكرة الجماعية على عمل الحركات الاجتماعية، وكيفية تشكيل هويتهم الجماعية، كما يشير إلى أن نجاح الحركات الاجتماعية يتوقف على القدرة على التذكر، وكذا تأثير الشكل التذكاري المختار لدى الجمهور، وإمكانية التأسيس لهذا الشكل. وتستند كل هذه الدراسات حول الذاكرة الجماعية في علاقتها بالفعل الاحتجاجي إلى العمل الأساسي لموريس هالبواش.
وتطرق الكاتب الإسباني، “أغيلار”، إلى التأثير المتبادل بين السياسة والذاكرة، ويشير كذلك إلى تأثير السياسات الرسمية في تشكيل وتوجيه الذاكرة الجماعية وكيف يتم استخدام الذاكرة لتعزيز الهوية الوطنية والاحتجاج عليها(30).
وتعتمد الأدبيات الحديثة الدارسة لعلاقة الذاكرة الجماعية بالحركات الاجتماعية ثلاثة مستويات من التحليل، وتقدم اقتراحات بحثية مستقبلية، وتتحدد هذه المستويات في الماكرو والميكرو ومستوى وسطي من التحليل(31)، وتتلخص أهم الاقتراحات البحثية في أهمية مفهوم “المجموعة المتاحة(32) وعلاقتها بالذاكرة. المجموعات التكتيكية والثقافية توفر الموارد اللازمة لبناء الذاكرة الجماعية، وتمكِّن نشطاء الذاكرة من التفاعل مع المجال السياسي وإحداث التغيير وتعزيز التضامن داخل منظمات الحركة الاحتجاجية، بما أن مفهوم “المجموعة المتاحة” يكشف عن عملية التذكر وهو مصطلح مستخدم على نطاق واسع في دراسات الحركات الاجتماعية، فإنه يوفر أداة صدى للبحوث المستقبلية في مجال الحركات الاجتماعية والذاكرة.
وبالعودة إلى مستويات التحليل الثلاثة للذاكرة، فالمستوى الأول المتعلق بالميكرو أو التحليل الدقيق، تكون فيه الذاكرة الجماعية مجموعة من المواقف والمعتقدات الفردية، وتشمل الدراسات على المستوى الدقيق استطلاعات الرأي العام؛ حيث يقوم المحلل بتحليل إحصائي لأنماط المعتقدات الفردية واكتشاف صعود، وانخفاض سمعة قادة الحركة أو صور الحركة. ويتيح هذا المستوى من التحليل دراسة الأفكار الفردية، وإصدار تصريحات قابلة للتعميم حول فاعلية استغلال النشطاء للرموز التاريخية، كما يقدم إشارات حول كيفية مساهمة المواقف الفردية في الذاكرة الجماعية(33).
أما على المستوى الثاني، أي الماكرو، فتهتم الدراسات التي تعتمد هذا التحليل بالإرث التاريخي والسجل التاريخي لإظهار أن التذكر يساعد على تحفيز العمل الجماعي الحالي. ويسوق الكاتب مجموعة من الأمثلة، فكل الحركات الثورية في العالم، كما الحركات الاجتماعية، استخدمت الذاكرة والذكريات في سبيل قضاياها، فإحياء ذكرى جون براون ( John Brown)، الناشط الاجتماعي والمناهض للعبودية في أميركا، كشخصية وبطل مؤثر في تاريخ حركة إلغاء العبودية، ونضال الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية، حفز النشاط المناهض للعقوبة في الشمال الأميركي في العام2001(34) وفي السياق نفسه، استعمل نشطاء حركات حقوق الإنسان صورة أبراهام لينكولن في التعبئة الاجتماعية، كما يتم استخدام الحركات الاحتجاجية لذكريات النجاحات السابقة في الأعمال الحالية. الذاكرة هي مورد ثقافي مهم يستخدمه النشطاء لأغراض سياسية في الحاضر. وتتناول دراسات المستوى الماكرو العملية التاريخية التي يساعد فيها تذكر الماضي الناس على التعبير عن مصالحهم السياسية في الحاضر(35)،كما تكشف عن أنماط في بناء الذاكرة الجماعية.
في حين ينبني المستوى المتوسط من التحليل، على اعتبار بناء الذاكرة كعملية تفاعلية بين أعضاء المجموعة، ويستخدم الباحثون في هذا المستوى أساليب إثنوغرافية لدراسة كيفية بناء المعنى في سياق المجموعة، ويتم ملاحظة كيف يقوم الأفراد داخل المجموعة بتطوير تعريف مشترك للوضع الحالي واستخدام الماضي لفهمه. يعتمد هذا المستوى على مراقبة التفاعلات الشخصية بين أعضاء المجموعة وتقديم وصف مفصل لهذه التفاعلات. وتظهر الدراسات على هذا المستوى الوسطي، أن النشطاء يستخدمون الذاكرة لإعادة إنتاج المعاني المتوقعة والمترنحة، مما يسمح لهم بتعزيز روحانية رسالتهم للمجندين وخلق استمرارية بين الحركة الحالية والحركات السابقة الناجحة. يميل مستوى الوسط إلى رؤية إنتاج واقتباس الثقافة كعملية داخلية، بدلًا من كونها عملية تفاعل المجموعة مع الثقافة الأوسع(36).
ومن خلال المستويات الثلاثة من التحليل، يمكن القول: إن الذاكرة تؤثر في الحركات الاجتماعية إلى حدِّ أنها أصبحت عنصرًا مهمًّا للتعبئة، كما أن الحركات الاجتماعية تسهم بشكل كبير في بناء الذاكرة، وإعادة تنشيطها، وانتقالها بين الأجيال. وتضطلع الذاكرة الجماعية بدور ريادي في دينامية الحركات الاجتماعية في مجموعة من الأقطار، مثل البرازيل حيث يعرف عن المجتمع البرازيلي أنه حيوي في حركة دائمة منذ إسقاط العبودية 1888، مرورًا بمجموعة من المحطات الأساسية حتى في ظل حكم العسكر، إلى يومنا هذا، وخير دليل على ذلك تأثير الحركات الاجتماعية في إحداث تغييرات سياسية مهمة، كالإطاحة بمجموعة من الحكومات، وتحقيق انتقال ديمقراطي سلس الذي يشكل نموذجًا لقدرة الحركات الاجتماعية على إحداث تغيير اجتماعي وسياسي، وكل الحركات الاجتماعية التي عرفتها البلاد فيما بعد كانت فيها للذاكرة الجماعية كلمتها؛ حيث إن حفظ ذاكرة العنف السياسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هو أحد نتائج هذه الحركات الاجتماعية، فضلًا عن تأثيرها في بناء السياسات العامة وتعزيز حقوق المواطنة وتحقيق الديمقراطية. وتعد الذاكرة الجماعية عنصرًا حاسمًا في الصراع السياسي المتعلق بالماضي، وحق تسجيل التاريخ الوطني(37).
من جانبه، تحدث جيمس سكوت، السوسيولوجي وعالم السياسة الأميركي، في بعض أعماله عن المقاومة، والسلطة والحركات الاجتماعية، وخاصة في كتابه (الهيمنة وفنون المقاومة)، الذي يسلط الضوء فيه على الفئات الفقيرة والمهمشة، وكيف يمكن لهؤلاء الأفراد والمجموعات أن يجدوا طرقًا للتعبير عن أنفسهم ومواجهة السلطة المهيمنة، من خلال استخدام كل المؤهلات الفنية والثقافية وأحداث التاريخ غير الرسمي كوسائل للتعبير عن مطالبهم ومقاومة الظلم والقمع، كما يركز على قوة الذاكرة الجماعية والفنون في تحفيز المجتمعات على الاحتفاظ بتاريخها ومحاربة النسيان(38).
ويظهر عامل التذكر أو استحضار الماضي في الحاضر، واضحًا في تغذية الفعل الاحتجاجي في مجموعة من التجارب المقارنة، ونذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، ما يعرف بحركة الساخطين في إسبانيا أو ما يعرف بالإسبانية(Los indignados) ، التي ظهرت في سياق احتجاجات الساخطين في إسبانيا عام 2011، وهي من الحركات القليلة التي نظمت بشكل صريح حول هوية الأجداد وأسهم ظهور هذه الحركة في تحول عام في نقاش الذاكرة في إسبانيا، وإشكالية ذاكرة الانتقال نفسها على خلفية الأزمة الاقتصادية القائمة(39). وتمثل حركة الساخطين هذه، التي تنظم أنشطتها الاحتجاجية، شهادة تاريخية لدعم الحركة الاحتجاجية الشبابية، أقلها الشهادة على إرثهم التاريخي في النضال من أجل الديمقراطية، بل منهم من يعتمد على سردية التحول المهيمن، ويعيد تأطيرها، وترديد شعار الساخطين: الديمقراطية الحقيقية الآن(40).كما أعادت هذه الحركة تنظيم هوية الأجيال من النشطاء الذين ظلوا لفترة طويلة بعيدًا عن الذاكرة العامة في إسبانيا. من جهة أخرى، يسهل انتقال الذاكرة الجماعية بين الأجيال، وكذا مرجعيات الخلاف داخل حركة الغضب أو حركة الساخطين. وشكلت حركة الأجداد والناي أو ما اصطلح عليه (Yayoflautas)(41) في حد ذاتها مثالًا لتذكر الأمل، بنقلها للتجارب الخاصة بروادها في التضامن والفاعلية، وفرص الديمقراطية لتشجيع الأجيال الفتية على الاحتجاج والتخيل السياسي.
ظهرت حركة الأجداد في إسبانيا على غرار ما ظهر في الولايات المتحدة الأميركية واليونان في سياق الأزمة المالية التي ضربت هذه الدول عام 2008، إلا أن ما يميز هذه الحركة في إسبانيا، هو كون ناشطيها يقدمون أنفسهم للجماهير على أنهم جيل المحاربين الذين حققوا مستقبلًا أفضل لأبنائهم وبناتهم، من خلال بيانهم في 2011 (Yayoflautas)(42)؛ فهمم يستخدمون إستراتيجية تأطير الأجيال من أجل فضح الظروف المعيشية البيئية للأجيال الشابة أو للتعبير عن التضامن مع الموظفين وضحايا القمع السياسي.
ورغم تجاهل هذه الحركة أكاديميًّا، إلا أنها تمثل حالة نموذجية لدراسات الذاكرة الجماعية من خلال مرجعياتها المبنية على إستراتيجية تأطير الأجيال والإحالة على الذاكرة من خلال استذكار مجموعة من الأحداث التاريخية التي شهدتها إسبانيا عبر التاريخ. وحتى ظهور هذه الحركة في حدِّ ذاته شكَّل تحولًا كبيرًا في الذاكرة العامة أو الجماعية في إسبانيا. فمعظم النقاشات الأكاديمية والعامة كانت حول الذاكرة الجماعية حول “ميثاق الصمت” أي غياب العدالة الانتقالية والذاكرة التاريخية للعنف السياسي المدني والفرانكوية في سياق الانتقال إلى الديمقراطية (1975-1982). وما يميز هذه الحركة أيضًا، أن أعضاءها من المسنين الذين عاشوا الديكتاتورية الفرنكوية، والانتقال الديمقراطي كذلك، ويقدمون شهادات تاريخية على ما حصل، ويسلطون الضوء على أوجه التشابه بين تلك الفترة، وهذه، وما يطبق من سياسات التقشف غير المبررة. وكحركة قائمة على أساس هوية الأجيال، فهي تسلط الأضواء حول كيفية استغلال الذاكرة الجماعية والشهادة التاريخية في التعبئة والتعبير عن المطالب لدى المحتجين الشباب(43). ويلاحظ في هذه الحالة، أنه تم استدعاء الذاكرة التي تسهم في تشكل هوية الأجيال، واستعمالها، بل استغلالها في التعبئة الاجتماعية للحركة الاحتجاجية الشبابية في إسبانيا، حول المطالب الاجتماعية والسياسية.
كما أن الذاكرة حاضرة بقوة في حراك الريف(44)، شمال المغرب، وتجلى البعد الذاكراتي لهذا الحراك من خلال الحضور المستمر للماضي ورموزه في الفعل الاحتجاجي، ومن خلال استحضار الأمجاد وحتى الكبوات والنكسات، بل الجروح المادية والمعنوية التي أسهمت فيها الدولة المغربية خلال فترات معينة من التاريخ.
والرجوع إلى الذاكرة والتمسك بها في حالة حراك الريف، جاء نتيجة التهميش والإقصاء الذي مورس على المنطقة عبر التاريخ، واستحضار الذاكرة لدى أبناء هذه المنطقة يتم بطريقة راديكالية(45)، حيث يتم اختزال الماضي في بعض الأحداث الأليمة والهامشية، ويتم التمسك بها لمواجهة الواقع المتردي. كما يتم الاعتزاز بالذات وتمجيد الهوية الجماعية عندما يمارس الواقع التهميش والإقصاء على الفرد والجماعة(46) والاحساس بعدم العدالة الاجتماعية البنيوية التي يرى بعض الباحثين(47)، أن الدولة عملت على تكريسها من خلال خلق اقتصاد هامشي ضعيف في المنطقة كسياسة عقابية لها، حيث تم تجاهلها ثم التخلي عنها وعدم الاهتمام بها(48).
فالذاكرة الجمعية بكل أبعادها وخصائصها التي تربط الماضي بالحاضر، فإنها لا تستحضر طبق النسخة القديمة وبطريقة تامة، بل تقوم بإعادة بناء الماضي وتشكيله في زمن الحاضر بنوع من الانتقائية.
وبصيغة أخرى، يجب انتقاء ما ينبغي تذكره، وما يجب نسيانه من أجل بناء هوية وطنية حقيقية ومتوازنة تتسع للجميع، وهذا يتوقف على الآخر الذي يجب أن يكون هو الآخر غير الراديكالي في التعاطي مع قضايا الذاكرة والعدالة الانتقالية ضمن جدلية الهوية والغيرية(49).
فالانتهاكات التي شهدتها المنطقة عبر فترات، يعود تاريخها إلى الاستعمار الإسباني، مرورًا بالعنف الذي مورس من طرف الدولة على السكان في مناسبات مختلفة بعد الاستقلال، سيدع ندوبًا عميقة في ذاكرة الانسان في الريف، كما خلَّف لديه إحساسًا عميقًا بالظلم؛ مما سيسهم في تبجيل التاريخ لأهداف سيكولوجية، سينشأ عنها ذاكرة جماعية تأبى النسيان، وستصطبغ برفض السلطة (المخزن)(50) الخفي منه والعلني، مشكِّلة بذلك ممانعة سياسية تنتقل بين الأجيال(51) وهو ما حدا ببعض الباحثين إلى وصف أبناء الريف أنهم يولدون يساريين، وهذا الوصف نابع بالأساس من رفضهم الدائم للسلطة واستعدادهم للمقاومة السياسية والانخراط في أي فعل احتجاجي. وهذه خاصية تتميز بها هذه المنطقة أكثر من غيرها، وإن كانت هناك مناطق أخرى تعرضت أيضًا لمثل هذا الإخصاء الرمزي، لا تجد فيها ذاكرة حية مماثلة(52).
فثقل الذاكرة والتاريخ، وما يرتبط بهما من إشكالات المصالحة مع الريف، عوامل حاضرة في تغذية الفعل الاحتجاجي لحراك الريف، ولم تكن العزلة والتهميش الاقتصادي السبب فقط في اندلاع هذا الحراك، بل ما حدث في هذه المنطقة من غليان هو انفجار طاقة تراكمت عبر عقود من الزمن؛ حيث تحولت هذه الطاقة من الكمون إلى الفعل (53) فزخم وعمق حراك الريف يرتبط أساسًا بجذور التاريخ، التي تمتد إلى الذاكرة الجماعية لساكنة الريف التي توصف بالجريحة، والتي أصابها التهميش(54). فتضافُر كل هذه العوامل سيفرز إحساسًا جمعيًّا بالمظلومية التاريخية والحرمان الذاكراتي والاستثناء الرسمي لها وخاصة لهويتها وذاكرتها التي تقف موقف المواجهة مع الذاكرة المعيارية للدولة(55).
وانطلاقًا من هذه الخصوصيات التي تتسم بها الذاكرة في الريف، فإنه من الصعب بمكان، حفظ الذاكرة في هذه المنطقة، دون اعتماد مقاربات جديدة قائمة على الإبداع وتفادي الانغماس في الماضي، والانفعالية الزائدة، والتركيز على المستقبل بدل الاشتغال على الماضي فحسب(56). وفي هذا الصدد، تقترح الأستاذة الباحثة في العلوم الاجتماعية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بديهة النحاس، ضرورة الخروج من هذه الأماكن الضيقة، والتوجه نحو الجمهور الكبير واعتماد وسائل بيداغوجية أكثر متعة. كما تقترح إعادة تفكيك العلاقة بين الذاكرة والمجتمع، درءًا لجمودها. فالذاكرة تتطور ولا يمكن حصرها في مؤسسة أو متحف أو شيء من هذا القبيل. لذلك يتعين استخدام الذاكرة بشكل إيجابي وإبداعي للتأثير في الحاضر وصناعة مستقبل أفضل(57).
ثانيًا: منظومة الأحكام الأخلاقية والقيمية وتغذية الاحتجاج
ثمة عدة عوامل تسهم في خلق الشروط المتحكمة في ظهور سيكولوجيا الاحتجاج، فإلى جانب الحرمان النسبي والذاكراتي، تبرز عوامل أخرى ترتبط بمنظومة الأحكام القيمية والأخلاقية ذات الصلة بالكرامة والإهانة، كالإحساس بالظلم وعدم العدالة، وخرق الميثاق الأخلاقي للمجموعة البشرية. هذه المنظومة الأخلاقية، والقيمية، تطرق لها المهتمون بعلم النفس الاجتماعي في إطار نظرية العدالة الاجتماعية، مثل (تايلر وسميث،1998)، في محاولة منهم للجواب على السؤال الجوهري: لماذا يحتج الناس؟ وفي هذا الصدد، تميز أدبيات هذه النظرية بين نوعين من العدالة الاجتماعية: العدالة التوزيعية والعدالة الإجرائية، فالأولى مشتقة من نظرية الحرمان النسبي، وهي تشير إلى النتائج، بينما العدالة الإجرائية متعلقة بإجراءات اتخاذ القرار، والجوانب العلائقية للعملية الاجتماعية بشكل عام كالمعاملة باحترام، والكرامة وما إلى ذلك من الإجراءات؛ حيث يهتم الناس بكيفية معاملتهم من طرف السلطة: هل تعاملهم باحترام؟ وهل يمكن الوثوق في قيام السلطات بأعمال جيدة من أجل شعوبها؟ وعلى هذا الأساس يقترح تايلر وسميث أن العدالة الإجرائية قد تكون مؤشرًا أقوى على المشاركة في الحركة الاحتجاجية من عدمها(58). بينما تعرض لها آخرون، مفكرون، وأنثربولوجيون، في إطار ما يسمى بالاقتصاد الأخلاقي، الذي يعبِّر عن منظومة الأحكام والمعايير الأخلاقية المحددة للعلاقة مع السلطة. كما تتحدث بعض الأدبيات الأخرى عن أهمية المتغيرات الأخلاقية في التنبؤ بالمشاركة في أي عمل جماعي، ولاسيما الخروج للشارع للاحتجاج.
- جينيالوجيا الاقتصاد الأخلاقي
يعد إدوارد بالمر تومسون (Edward P. Thompson) ، أول من استخدم مصطلح الاقتصاد الأخلاقي (The moral Economy ) في1971(59) لوصف سلوك الجماهير في إنكلترا خلال القرن الثامن عشر، ويرجع أصل اقتراحه هذا، إلى إضفاء الطابع الأخلاقي على القراءة الماركسية للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي في الأوساط الشعبية والفقيرة.
وتعود بدايات المصطلح إلى 1963، من خلال إقحامه من طرف المؤرخ البريطاني المذكور في كتابه (صناعة الطبقة العاملة الإنكليزية)؛ حيث ظهر هذا المصطلح بالصدفة، عندما تم نهب المحلات التجارية والمستودعات خلال فترة ارتفاع أسعار الخبز. هذا النهب الذي يُشرعَن باقتصاد أخلاقي قديم يؤكد على عدم أخلاقية الأساليب الجائرة التي يتم بها رفع أسعار المواد الغذائية، مستغلين في ذلك حاجة الشعب(60) وتم إثارة الموضوع من جديد وفي سياق مختلف نسبيًّا، يتعلق الأمر بالاشتباكات بين العمال وأرباب المعامل في المصانع بحيث إن أخطر النزاعات كانت دائرة حول القضايا غير الناجمة عن المشاكل المرتبطة بتكلفة المعيشة والمشاكل المتعلقة بالتغذية، بقدر ما كانت حول القضايا التي تكون فيها القيم كالأعراف التقليدية والعدالة والاستقلال والأمن أو الاقتصاد الأسري على المحك.
وإن كانت المسألة متعلقة بالمشاعر والقيم، فصفة أخلاقي لم تستعمل في الواقع كما يجب بل استعملت في اتجاه آخر، فصيغة الآلة الأخلاقية تحدد العمل الأيديولوجي للكنائس، الميثودية والكالفينية، على وجه الخصوص؛ حيث الأخلاق بجانب أصحاب الأخلاق، وليس بجانب الفلاحين والعمال(61).
ولم تظهر الصيغة الحقيقية تحت اسم الاقتصاد الأخلاقي إلا في 1971، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، حيث تم نقشها على رخامة مجلة “الماضي والحاضر(62) من خلال مقالة لإدوارد بالمر تومبسون تحت عنوان (الاقتصاد الأخلاقي للجمهور الإنكليزي في القرن الثامن عشر) لإعارة الاهتمام لنشأة أعمال الشغب بسبب الجوع في إنكلترا القرن الثامن عشر، مع تعريف للاقتصاد الأخلاقي للفقراء الذي يتشكل حسب وجهة النظر التقليدية من الأعراف والمعايير والالتزامات الاجتماعية، والوظائف الاقتصادية المناسبة التي يشغلها مختلف الأطراف في الجماعة.
إلا أن أعمال عالم السياسة الأميركي، جيمس سكوت(63)، حول الاقتصادات الأخلاقية لفلاحي جنوب شرق آسيا مع بداية ثمانينات القرن الماضي؛ حيث اهتم لفترة طويلة بممارسات مقاومة مزارعي الأرز في ماليزيا وفي “مجتمعات بدون دولة” التي طورت أنظمة سياسية للإدارة الذاتية. مهدت الطريق لشبكة حقيقية من الباحثين الملتزمين بتحليل المنطق الاقتصادي والتعبئة الاجتماعية في أرياف البلدان النامية، وكما أدت في أميركا الشمالية، إلى إعادة قراءة جذرية ومختلفة تمامًا للاقتصاد الأخلاقي في مجال الدراسات الاجتماعية، بتوجيه من المؤرخة “لورين داستون”. وستظهر فيما بعد سلسلة من الأعمال، في أواخر التسعينات من القرن الماضي(64). ومن هنا أصبح الفقراء، وبفضل المؤرخ البريطاني، يتمتعون بمنطق خاص بهم ومعايير توجههم في تقييمهم لما هو جيد وعادل، يعتمدون عليها في حركيتهم في هذا العالم، بما في ذلك احتجاجاتهم التي تخضع لهذه المعايير والقيم.
وبالرغم من ذلك، فإن النجاح الذي لقيه مفهوم الاقتصاد الأخلاقي لم يتلاش منذ ظهوره، وذلك بعيدًا عن أوساط التاريخ الاجتماعي والفكر الماركسي؛ حيث أثار حماسًا وانتقادات كبيرة. وبالمقابل، فإن هذا المفهوم أُعيد اكتشافه من جديد من طرف الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك من خلال عالم السياسة، جيمس سي سكوت(65).
وإجابة عن انتقادات زملائه، أعاد “بالمر تومبسون”، النظر في هذا المفهوم الشهير (الاقتصاد الأخلاقي)، الذي صاغه قبل عقدين من الزمن من خلال نص أصدره في 1991(66) قدم فيه تنازلًا غير متوقع مشيرًا فيه إلى أن المشكلة تكمن في كلمة (أخلاقي)؛ حيث أثارت جدلًا أكاديميًّا حادًّا، ولا شيء أثار الغضب أكثر لدى منتقديه، من فكرة “أن محتجًّا جائعًا يمكن أن يكون ذا أخلاق أكثر من تلميذ لآدم سميث”.
واستعمل هذه الصيغة أيضًا “ديدي فسان” (Didier Fassin) في محاولة منه لفهم مجموعة من الوقائع الاجتماعية حول الفقر، والهجرة والعنف في فرنسا، وبدا له الأمر ضروريًّا لخوض تجربة التوضيح هذه، بشأن مساهمات مختلف المقاربات، مقترحًا في الوقت نفسه التشديد والتجديد النظريين. وعاد ليؤكد المساهمة الأساسية للمؤرخ البريطاني “إدوارد بالمر تومبسون” في هذا الإطار، وتطرق بعد ذلك للآفاق المفتوحة من طرف “جيمس سكوت” بالنسبة لأنثروبولوجيا الاحتجاجات الشعبية. ليقترح في نهاية المطاف بعض المسارات من أجل إعادة تفعيل استعمال مفهوم الاقتصاد الأخلاقي خارج الاستعمال التافه؛ حيث يشكل اليوم موضوعًا للعلوم الاجتماعية.
ولا يشير مصطلح الاقتصاد الأخلاقي دائمًا إلى الأخلاقيات الاقتصادية فحسب، بل يستخدم أيضًا بحسب “ساير” للإشارة إلى الطريقة التي يعمل بها المجتمع عمومًا؛ فالمجتمع الذي يسير وفق قواعد العدالة والمساواة، والمجتمع الذي تحدد فيه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس العدل والكرامة والاحترام والعدالة الاجتماعية يكون أكثر أخلاقًا، فلا يتعلق الأمر باستبدال الأخلاق بالمال فقط، بل يستخدم الاقتصاد الأخلاقي للإشارة إلى أية عملية أو قاعدة أو عادة يكون فيها العدل الأخلاقي غالبًا على حركة السوق.
2- الاقتصاد الأخلاقي للاحتجاج
إن اعتماد أو الاستعانة بالاقتصاد الأخلاقي، الذي يعبِّر عن منظومة الأحكام القيمية والأخلاقية المرتبطة بالكرامة والإهانة والمشاعر والأحاسيس المحددة للعلاقة مع السلطة، في دراسة السلوك الاحتجاجي لا يزال محدودًا، بل منعدمًا في أدبيات الدراسات السياسية العربية.
فبالرغم من حداثة مفهوم الاقتصاد الأخلاقي، إلا أنه ظهر قديمًا مع المؤرخ البريطاني “إدوارد بالمر تومبسون”، في تحقيقه حول الطبقة العاملة الإنكليزية(67) إذ عارض المقاربة المادية التي تعتمد على سلسلة الأسعار والأجور في قراءته الإثنوغرافية. ويركز المؤلف على توثيق وصف تجارب الأفراد وتفاصيلها بدلًا من الاهتمام بالأرقام والمقاييس الكمية. ويسعى إلى فهم الصفات والخصائص الفريدة للتجارب والتفاعلات بدلًا من التركيز على الكميات المجردة، فهو ضد القياس الكمي، وفي بعض الأحيان تقييم الكيف، بالرغم من كون البعدين، الكمي والكيفي، أساسيين في فهم العالم الاجتماعي، وخاصة من منظور الفقراء. فالمؤرخ الإنكليزي لا يقيم أي علاقة ميكانيكية بين ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أو انخفاض أسعار القمح وانتفاضة الشعوب، ولا يوجد في نظره أي محدد اقتصادي أو حاجة أو أولوية فيزيولوجية للاحتجاجات والتعبئة الاجتماعية(68)كما أنه لا ينفي وجود أي رابط بين الواقع المادي والأحداث الاجتماعية، لكن بكل بساطة يقول: إنه ليس هو الرابط أو المحدد الأوحد الذي يشكل السبب في اندلاع الاحتجاجات.
ويذهب إدوارد بالمر تومبسون (Edward P Thompson) أبعد من ذلك، وبنوع من السخرية من التأويلات الميكانيكية لبعض زملائه، يذهب إلى مقارنة المحللين الذين يقيمون ارتباطًا إحصائيًّا بين نسب البطالة أو مستويات الأسعار واندلاع أعمال الشغب الشعبية، بالباحثين الذين يبرهنون على وجود ارتباط بين بداية النضج الجنسي ونسبة التردد على النشاط الجنسي. لكن يتساءل الكاتب: كيف ذلك: بمجرد أن يجوع الناس أو يبلغوا النضج الجنسي ماذا يفعلون؟ وحتى إن سلمنا بضرورة الشروط الاقتصادية في تغذية وتطور الفعل الاحتجاجي، لكن لا يمكن اعتبارها كافية، فالشغب ليس مجرد ردة فعل على الإحساس بالجوع. وفي هذا الإطار يسوق تومبسون مجموعة من الأمثلة والنماذج من مختلف بقاع العالم، حيث تمرد الفلاحون على الملاك الكبار، لا لأن الموارد بدأت تنضب لكن أيضًا باسم المعايير والقواعد العامة التي أصبحت لا تُحترم، ومجموعة من الحقوق والالتزامات لا يتم الوفاء بها.
كما أنه يشير إلى أن الكثير من المؤرخين يعتقدون أن أعمال الشغب مجرد ردود أفعال بيولوجية تقريبًا على قساوة ظروف المعيشة. ومثيرو الشغب لم يكونوا خاضعين تاريخيًّا، وكان لابد من انتظار الثورة الفرنسية ليظهر مشروع سياسي حقيقي للتغيير(69) من هنا فالأمر لا يتعلق فقط باقتصاد سياسي، حيث السوق يفرض قانونه الصارم فحسب، بل هناك اقتصاد أخلاقي يذكر ويحيل إلى إمكانية وجود شكل آخر من التبادل.
ولما أصبح العمل الجماعي بمختلف مظاهره وتجلياته، يشكل مسألة مركزية في مجالات البحث الاجتماعي، فإن هذا الاهتمام أسفر عن بناء وتأسيس متغيرات أثبتت جدواها في تفسير والتنبؤ بالممارسة الاحتجاجية. ومن هذه المتغيرات يقترح جامسون في عمله حول “إطارات العمل الجماعي (1992): الظلم، والفاعلية، والهوية”(70). كما تم إدخال هذه المتغيرات الأخلاقية في الأدبيات التي تهتم بالبحث في فهم الأسباب التي تدفع الناس للخروج إلى الشارع لكن دون ايلاء العناية اللازمة لكيفية ارتباط هذه البنيات فيما بينها. وبهدف توضيح هذا الارتباط والتمييز بين هذه البنيات المتمثلة في الالتزام الأخلاقي والمعايير الأخلاقية والقناعة الأخلاقية، ومقارنة قدرتها على التنبؤ بالعمل الجماعي، تم إنجاز بحوث ودراسات ميدانية متنوعة، شملت كل دراسة عينة من المستجوبين، تتراوح كل عينة بين 171 و622 مستجوَبًا ومستجوَبة، وتمحورت هذه الأبحاث حول تصور الالتزام الأخلاقي وتفعيله، واختبار قدرته التنبؤية حول النية في المشاركة في الاحتجاجات، ثم اختبار الالتزام الأخلاقي في سياق حقيقي. ومن أهم النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسات، أن البنيات الاخلاقية السابقة تختلف عن بعضها البعض، وأن الالتزام الاخلاقي يختلف عن القناعة الأخلاقية، والمعايير الأخلاقية، كما أنه يعتبر مؤشرًا أكثر فعالية على التنبؤ بالمشاركة الحقيقية في العمل الجماعي. كما يعد الالتزام الأخلاقي عنصرًا قبليًّا أساسيًّا وعاملًا مؤثرًا في إرادة ونية الأفراد في الإقبال على أية مشاركة احتجاجية(71) وأسهمت هذه النتائج المتوصل إليها في هذه الدراسات، في التشجيع على استعمال الالتزام الأخلاقي كمتغير لتعزيز النماذج التنبؤية الحالية للأعمال الجماعية وخاصة الاحتجاج منها.
ووصل هذا المفهوم، أي الاقتصاد الأخلاقي، مستويين مختلفين من التحليل، لم يحد عنهما غالبية المهتمين من بعد، الشيء الذي أسهم في التشويش على النقاش الدائر حوله. فالمستوى الأول اقتصادي يتوافق ونظام تبادل السلع والخدمات، ويميز مجتمعات ما قبل السوق، سواء تعلق الأمر بالمجتمعات التقليدية البعيدة التي درسها علماء الإثنولوجيا أو المجتمعات القديمة التي وصفها المؤرخون. وهناك الكثير من الكتَّاب المعاصرين الذين نسبوا مفهوم الاقتصاد الأخلاقي الذي جاء به “إدوار بالمر تومبسون” إلى عمل كارل بولاني، ولكن تومبسون لم يشر في كتاباته إلى ذلك(72).
وفي الجوهر يمكن القول: إن التحول الكبير، هو الانتقال من الاقتصاد الأخلاقي إلى الاقتصاد السياسي أو بصفة أدق من اقتصاد متجذر بعمق في النشاط الاجتماعي إلى اقتصاد مستقل عبر اقتصاد السوق(73).
وفي المستوى الثاني، يشير الاقتصاد الأخلاقي كذلك إلى منظومة من الالتزامات والمعايير (الأخلاق)، التي توجه الأحكام والأعمال، وعلى أساسها يتم تمييز ما يجب أن يُفعل وما يجب ألا يُفعل، أكثر من كونها قواعد اقتصادية، هي قواعد الحياة الكريمة، والعدل، والكرامة، والاحترام، ويمكننا القول باختصار: إنه يتقاطع مع الاعتراف، حسب أكسيل هينوث . (74)(Axel Honneth)
وفق هذا المفهوم، فنحن لسنا بصدد مجال لإنتاج وتوزيع السلع والخدمات فقط، لكن نحن بصدد التقييم والعمل الذي يخص طبعًا الاقتصاد، وأصنافًا أخرى من الأنشطة الاجتماعية. والملاحظ، وفقا لساير(75) أن معظم الأعمال والبحوث التي تحلل مفهوم الاقتصاد الأخلاقي تضع جانبًا هذا البعد الثاني ( البعد الاجتماعي) بالرغم من أنه حاضر في فكر إدوارد تومبسون. ويرى هذا الأخير أن كل الانتفاضات الشعبية في إنكلترا القرن الثامن عشر قائمة على مبدأ الشرعية، ويستند من شارك في هذه الانتفاضات من الرجال والنساء على الاعتقاد بأنهم يدافعون عن حقوقهم وعاداتهم التقليدية وأنهم مدعومون بإجماع واسع من مجتمعهم. فالاقتصاد الأخلاقي يقوم على الشرعية التقليدية. إن هذا الشعور المشترك في جماعة الانتماء، هو الذي يجب أن يلملم الفلاحين والعمال في مصير واحد، والذي قد يصل إلى حد الثورة.
والاقتصاد الأخلاقي، حسب تومبسون، يدمج بُعدين أساسيين، البعد الأول اقتصادي والثاني أخلاقي. البعد الأول يخص الإنتاج ودوران السلع والخدمات، أما الثاني فيتعلق ببناء واستعمال الأعراف والالتزامات. حسب المعنى الأول، الاقتصاد الأخلاقي يعارض الاقتصاد السياسي، كالمنطق الشيوعي بالنسبة للمنطق الليبرالي، أو أيضًا الفلاحين بالنسبة لآدم سميث من تومبسون. وبالمفهوم الثاني ليس هناك نقيض، وإن كان، فسيكون الاقتصاد الأخلاقي للسادة كبار الرأسماليين وملاك الأراضي الكبار في مواجهة الاقتصاد الاخلاقي للعمال والبروليتاريا والفلاحين.
ويعود تومبسون لاحقًا بعد عقدين من الزمن إلى النقاشات التي يثيرها مفهوم الاقتصاد الأخلاقي، ليؤكد تعريفه الأول قائلًا: “استعمالي لهذا المصطلح بشكل عام، في المواجهة حول الأسواق للحصول على المواد الغذائية الأساسية، وليس فقط مجموعة من المعتقدات والعادات والأشكال المرتبطة بتوزيع المواد الغذائية في أوقات الندرة” والتي يمكن تجميعها بشكل ملائم تحت نفس الاسم (الاقتصاد الأخلاقي). لكن الأحاسيس والمشاعر العميقة التي يثيرها الجوع، والمطالب التي تصوغها الجماهير تجاه السلطات خلال هذه الأزمات، والغضب الناجم عن اللهث وراء الأرباح في المواقف التي تكون فيها الحياة مهددة، هذه المجموعة، هي التي كان تومبسون بالاقتصاد يعنيها الأخلاقي(76).
وتناول المفهوم كذلك عالم السياسة الأميركي، جيمس سكوت، من خلال إدراجه في عنوان لمؤلفه “الاقتصاد الأخلاقي للفلاح”، كمحاولة لفهم شروط إمكانية قيام ثورات الفلاحين، فهو لم يهتم بالإجابة عن مسألة أسباب وعوامل الانتفاضات، بقدر ما اهتم بشروط احتمال قيامها، ما يهمه هو ما أسماه بأخلاق العيش. (Subsistence Ethic) للفلاحين(77).
ويتعلق الأمر بفهم الإستراتيجيات الاقتصادية للفلاحين الفقراء الذين يواجهون وضعية غير مستقرة بسبب ضعف مواردهم العقارية، والمخاطر الطبيعية التي يواجهونها. وبعيدًا عن التصرف كما يفترضه الاقتصاد الليبرالي، يُجبرون على تقليل مخاطر الخسارة بدلًا من محاولة تحقيق أقصى ربح ممكن، لأنهم دائمًا على حافة العوز. لهذا يجب الانطلاق من هذه الرغبة الملحَّة في الأمن كأساس مطلق لـ “الحقوق الأخلاقية”، بما في ذلك “حق العيش”، لفهم أن انتهاك هذه المبادئ العملية من قبل المستعمرين في الماضي، والدولة، والهيئات الدولية، أو المنظمات غير الحكومية في الوقت الحاضر، يمكن أن يؤدي إلى “الغضب والمقاومة، ليس فقط لعدم الارتياح الحاصل بسبب عدم تلبية الاحتياجات، ولكن لأن الحقوق تُنتهك(78). فالاقتصاد الأخلاقي، حسب جيمس سكوت (James C. Scott) ، يتوافق مع منظومة القيم التي تكمن وراء التعبير عن المشاعر وليس العكس كما في بعض التقاليد الفلسفية. فالاقتصاد الأخلاقي للفلاحين، بحسب سكوت، هو تصورهم وفهمهم الخاص للعدالة الاقتصادية وتعريفهم العملي للاستغلال، وما هو مقبول ومسموح به، وما هو غير مقبول به وفق وجهات نظرهم بخصوص مطالبهم حول الإنتاج. وفي سبيل هذه المنظومة القيمية يمكن لهؤلاء الفلاحين أن ينتفضوا ويخاطروا بكل شيء(79) للإشارة، فالكثير اعترفوا على ضوء التاريخ الكولونيالي، بأن هذه الثورات كانت في الواقع هزائم، تم إخمادها وإبادة فلاحيها وذبحهم.
وبعد فترة، سيستخدم مفهوم الاقتصاد الأخلاقي بشكل أفضل ومثمر في العلوم الاجتماعية، وخاصة في إطار الأنثروبولوجيا، بالشكل الذي تم إدراجه من طرف تومبسون. وخلف هذا الإرث مفارقة مزدوجة: من ناحية، العديد من المؤرخين يناقشون وينتقدون هذا المفهوم سواء انطلاقًا من التحليل الماركسي، أو العكس من زاوية ليبرالية، فعلماء الأنثروبولوجيا هم من تبنَّوا المفهوم بكثير من الحماس. ومن ناحية أخرى، فإذا أصبح الاقتصاد الأخلاقي وسيلة ضرورية للأنثروبولوجيا، ولاسيما في العالم الأكاديمي لأميركا الشمالية، فقد تم استعارة المفهوم من العلوم السياسية وليس التاريخ(80) وخير مثال على المسار الذي قطعه مفهوم الاقتصاد الأخلاقي الذي اخترعه المؤرخ، واستورده عالم سياسة في الأنثروبولوجيا حيث عرف نجاحه الكبير. وتتميز مقاربة جيمس سكوت للاقتصاد الأخلاقي بكونه نجح بين كل علماء الأنثروبولوجيا، لأنه تناول الاقتصاد الأخلاقي للفلاحين، ومقاومتهم من أجل البقاء وتحدث عن الأشكال اليومية لمقاومة الفلاحين. والصراع الدائم بينهم وبين من يبحث عن ابتزازهم في العمل في التغذية والإيجار والفوائد، كما أن كتابه المعنون بالاقتصاد الأخلاقي للفلاحين يشكِّل مساهمة حاسمة بالنسبة للأنثروبولوجيا الكولونيالية، بل وتنميتها في هذه الفترة.
سلَّطت هذه المساهمة الأضواء على الصراعات العادية أكثر من التمردات الاستثنائية، ورغم أهميتها عندما تقوم ثورات الفلاحين التي تكون قليلة ومتباعدة في الزمن، فإن غالبيتها العظمى تُسحق بشكل غير رسمي، وإن نجحت في حالات نادرة، فإن نتائجها تكون عمومًا غير التي كان يتوقعها الفلاحون، ومن هنا ظهر ما أسماه بالأشكال اليومية لمقاومة الفلاحين(81). ويحدد أشكال هذه المقاومة اليومية في مجموعة من السلوكيات: التخريب، وإشعال النار، والقذف، والتظاهر…. وأشكال أخرى من الصراع الطبقي.
وفي هذا الإطار، يخلص ديدي فاسان (Didier Fassin) إلى أن الاقتصاد الأخلاقي على النحو الذي تم تحديده، يتطور من طابعه المحلي إلى العالمي، مع اتخاذه لأشكال تاريخية فريدة في كل مكان(82) إنه يعتمد على المشاعر والقيم والمعايير والالتزامات التي يمكن اعتبارها سماتٍ للحظة تاريخية معينة من تاريخ الغرب المعاصر(83).
فبالنظر إلى مسألة أعمال الشغب الحضرية، بدلًا من التحليلات العامة حول الأسباب الاجتماعية لهذه الأعمال التي توضح لاسيما الخلفية وشروط إمكانية الوقوع. فاكتشاف العوالم الأخلاقية لمتزعمي هذه الأعمال، سيمكن من فهم الآليات المتسلسلة التي أدت إلى حدوث العنف(84) فالأحداث التي عرفتها فرنسا في خريف 2005، وصيف 2023، وصفها الكثير على أساس أنها انفجارات عفوية لا تحمل معاني سياسية، ويصورها على أنها مظاهرات مجتمعية من نوع إثني أو ديني. لكن بالنظر إلى خطابات هؤلاء الشباب والمراهقين وحتى سلوكيات بعض مشعلي النيران، تسلط الضوء على مبادئ الجمهورية التي يدعي معظمهم أنها لا تحترم عندما يتعلق الأمر بهم. وبعيدًا عن المطالبة بقيم خاصة، فإن معظم سكان الأحياء المنبوذة، تم إقحامهم في هذه الأعمال كمتفرجين، وليس كمتزعمين لها ولا يفهمون أعمال الشغب هذه. ولكن من يرتكب هذه الأفعال، يعد الإذلال والإقصاء والتمييز التي يتعرض لها في حياته اليومية وخاصة من طرف القوات العمومية هي السبب في اندلاع أعمال الشغب في فرنسا.
فعلى مرِّ العقود الثلاثة في فرنسا تبدأ التفاعلات العنيفة والسلبية مع قوات إنفاذ القانون؛ مما أدى إلى مقتل مراهقين وشباب كما الشأن بالنسبة لانتفاضات الفلاحين الإنكليز أو بورما، التي أسهمت في وضع تصورات للاقتصادات الأخلاقية. وليس عدم المساواة أو الظلم المعاش بشكل يومي هو السبب لأعمال العنف وإلا كانت دائمة، كما لاحظ “إدوارد بالمر تومبسون” و”جيمس سكوت”. لكن بسبب القطيعة مع نوع من الميثاق الأخلاقي الذي يربط ساكنة هذه الأحياء الهامشية والقوات العمومية، هناك من يموت “من أجل لا شيء” حسب شعار المتظاهرين تخليدًا لذكرى “استشهاد” الضحيتين المراهقين. ويتم بسبب هذه القطيعة كذلك، ازدراء ساكنة هذه الأحياء الهامشية بمواصفات مثل “الرعاع” حسب تصريح وزير الداخلية، نيكولا ساركوزي، في تلك الفترة (2005). ومنذ هذه الأحداث تم التفكير بجدية فيما يسمى بالاقتصاد الأخلاقي، ومن ثم يجب البحث عن آليات جديدة لفهم هذا الجانب المتعلق بمثيري الشغب وبشكل عام مراهقي وشباب هذه الأحياء الهامشية، وتفادي سجلات التنديد والتعاطف وإحياء الانسجام وإعطاء معنى للقيم والأعراف والمشاعر، دون تشكيل أي خطورة بحبسهم في ثقافات فرعية أو إنتاج ثقافات معينة تطبق في الأوساط الشعبية(85). ولكن ليس هناك ما يبرر الاقتصار في دراسة الاقتصادات الأخلاقية على شباب الضواحي فقط، بل العكس يجب تحليل الجانب المتعلق بقوات حفظ النظام العام التي تتدخل في هذه الأحياء، كما يمكن التفكير في القيم والمعايير التي يتم تمريرها لحراس الأمن المستقبليين في المدارس والمراكز التي يتلقون فيها تكويناتهم، ويجب ألا ننسى أن التعيينات الأولى لهؤلاء تتم في هذه الأحياء الفقيرة التي تعتبر صعبة. كما يجب فحص الكيفية التي تصبح فيها الفئات المبنية على أساس العرق موضوعًا لأحكام أخلاقية؛ حيث يبرر استعمال العنف أخلاقيًّا(86).
من هذا المنظور، فإن هذه الفئة من الشباب القاطن في الأحياء الشعبية الفقيرة(Bidonville)، لا تحتج من أجل تحسين الأوضاع الاجتماعية، أو رفع الظلم الاجتماعي، بقدر ما تحتج لأن منظومة قيمها التي يعبَّر عنها بالاقتصاد الأخلاقي قد تم المساس بها. وهذا المساس قد يأخذ أشكالًا عديدة ومتنوعة منها الإقصاء والإذلال والتنقيص منها وتسميتها بأسماء تحط من كرامتها.
ويمكن تلخيص أهم الأدبيات التي تطرق إليها هذا المقال على الشكل الآتي:
| دوافع الفعل الاحتجاجي | الأدبيات التقليدية | الأدبيات الحديثة |
|
الذاكرة السياسية |
تدرس الذاكرة الجماعية من زاوية تأثيرها في الوعي الجمعي، ومساهمتها في تشكيل الهوية السياسية الجماعية، وكيف تستخدم في تأجيج الاحتجاج. وتؤكد كذلك على أهمية تذكر الأحداث التاريخية، وإعطائها دلالات بالشكل الذي يخدم الذاكرة الجماعية والتأثير في الاحتجاج. ويمثل هذه الأدبيات الكلاسيكية كل من موريس هالبواش MauriceHalbwachs من خلال كتابه الذاكرة الجماعية، والسياسة الاجتماعية للذاكرة لبول كونرتون Paul Connerton، واقتصرنا في هذا المقال على هالبواش وبول ريكور. | تقدم الأدبيات الحديثة حول الذاكرة الجماعية رؤى جديدة وواسعة حول الذاكرة الجماعية، حيث تدرس الذاكرة الجماعية في تفاعلها مع الحركات الاحتجاجية، وتشكل أعمال Dafi وZamponi ، أهم الأعمال في هذا المجال من خلال مقال لهما صدر في 2019 حول استغلال الذاكرة. |
|
الاقتصاد الأخلاقي |
تدرس هذه الأدبيات كيف يتصرف الناس والفلاحين بناء على فهمهم الخاص للقيم والأخلاق والعدالة، وتمييزهم بين ما هو أخلاقي وغير أخلاقي وفق معايير خاصة بهم وتعريفهم العملي للاستغلال، وتبين كذلك كيف تدفعهم هذه القيم إلى الاحتجاج في حالة المساس بها وانتهاكها، ويمثل هذه الأدبيات على وجه الخصوص جيمس سكوت الذي اكتشف الاقتصاد الأخلاقي من خلال دراسته لأساليب المقاومة اليومية التي يستخدمها الضعفاء كوسيلة للاحتجاج ضد الظلم في كتابه الاقتصاد الأخلاقي للفلاحين. وقبله إدوار بالمر تومبسون الذي يعد أول من استخدم مصطلح الاقتصاد الأخلاقي سنة 1971، في وصفه لسلوك الجماهير في إنكلترا القرن الثامن عشر، وهو يقيِّم العلاقة بين الاحتجاج والقيم والمعتقدات التي لا تحترم. | تدرس الأدبيات الحديثة القيم الأخلاقية وأدوارها الحاسمة في تحفيز الحركات الاحتجاجية، وتحاول كذلك إعادة تفعيل استعمال مفهوم الاقتصاد الأخلاقي خارج الاستعمال التقليدي؛ حيث يشكل اليوم موضوعًا للعلوم الاجتماعية. استعمل المفهوم ديدي فسان Didier fassin لفهم مجموعة من الوقائع الاجتماعية حول الفقر، والهجرة والعنف في فرنسا وخاصة في الضواحي والهامش. وتطرق لهذه المنظومة القيمية والأخلاقية المهتمون بعلم النفس الاجتماعي في إطار نظرية العدالة الاجتماعية، مثل (تايلر وسميث، 1998)، في محاولة منهم للجواب على السؤال الجوهري: لماذا يحتج الناس؟
وتناقش كذلك دور العواطف والأحاسيس، والاندماج الاجتماعي في دراسة السلوك الاحتجاجي. |
خاتمة
رغم أهمية الذاكرة في علاقتها بالاحتجاج، وبالرغم من تأكيد مجموعة من الدراسات السياسية والأنثروبولوجية وعلم النفس الاجتماعي الغربي على وجه الخصوص، على مركزية المفاهيم الجمعية في دراسة السلوك الاحتجاجي. حيث خلصت هذه الدراسات إلى أن انتفاضة الشعوب، واحتجاجها، لا تتوقف على محدد الحرمان النسبي، أو محددات أخرى ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل هناك متغيرات أخرى، وعناصر ترتبط بمفاهيم جمعية، لا تقل أهمية عن العوامل الأخرى في تفسير السلوك الاحتجاجي في مجتمع معين، وتتجلى هذه المفاهيم في الهوية الجماعية، والقيم والمعتقدات، والتفاعلات الاجتماعية بخصوص الظلم الاجتماعي وعدم المساواة. وكذا طبيعة المنظومة القيمية والثقافية التي تنتمي إليها هذه المجموعة البشرية موضوع الدراسة(87) الرغم من كل هذا وذاك، لم تحظ هذه المحددات بالدراسات اللازمة في مختلف بقاع العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث الدراسات السابقة التي تناولت المفاهيم الجمعية في دراسة السلوك الاحتجاجي قليلة ولا تزال في بداياتها. كما أن الأطروحات المنجزة حول الحركات الاجتماعية في المنطقتين، رغم تزايد عددها تبقي نظرية في مجملها، تناولت الموضوع من زاويا مختلفة، كل باحث تناول موضوعه من جانب معين، حسب تصوره وانطلاقاته المنهجية والنظرية وأهدافه والنتائج التي يريد التوصل إليها. وعادة ما تنساق وراء أحكام القيمة أو التحليلات ذات الطابع الصحفي مع حضور للذات بشكل ملحوظ كما أن معظم النتائج المتوصل إليها، لم تنبثق عن معطيات إحصائية ميدانية، بل انبثقت عن أدبيات سياسية سابقة، كما أن ندرة البحوث الميدانية في الموضوع، تجعل منه موضوعًا ذا راهنية، يحتاج إلى المزيد من البحث والتنقيب، وخاصة من زاوية إبراز دور الذاكرة السياسية والاقتصادي الأخلاقي في تأجيج الفعل الاحتجاجي، ومن هنا أهمية هذه المراجعة للأدبيات.
المراجع
([1]) Jacquelien van stelkenburg and Bert klandermans, The social psychology of protest, septembre 2013, Current sociology .https://www.researchgate.net/profile/Jacquelien-Stekelenburg?_tp=eyJjb250ZXh0Ijp7ImZpcnN0UGFnZSI6InB1YmxpY2F0aW9uIiwicGFnZSI6InB1YmxpY2F0aW9uIn19
(2) Andrew Sayer, ‘Moral Economy’, published by the Department of Sociology, Lancaster University, 2004, look at:
http://www.comp.lancs.ac.uk/sociology/papers/sayer-moral-economy.
(3) استعملت في هذ المقال مصطلحي الذاكرة الجماعية والجمعية بشكل تبادلي للدلالة على نفس المفهوم.
(4) يمثل هذه الأوساط العلمية كل من دوركايم وسيغموند فرويد.
(5) موريس هالبفاكس، الذاكرة الجماعية، ترجمة نسرين الزهر، بيت المواطن للنشر والتوزيع، بيروت، 2016، ص 69.
(6) المرجع نفسه
(7) Jeffrey Andrew BARASH, Université de Picardie, Amiens : qu’est ce que la mémoire collective? Réflexions sur l’interprétation de la mémoire chez Paul Ricœur. Presses universitaires de France , 2006/2 n° 50 pages 185 à 195.
(8) Jeffrey Andrew, op. cit., p. 187.
(9) موريس هالبفاكس، الذاكرة الجماعية، ترجمة نسرين الزهر، مرجع سابق، ص.104
(10) بول ريكور، الذاكرة، التاريخ والنسيان، ترجمة الدكتور جورج زيناتي، علي مولا، دار الكتاب الجديد، طبعة 2000، ص 109..
(11) بول ريكور، الذاكرة، التاريخ والنسيان، مصدر سابق، ص 148.
(12) المرجع نفسه.
(13) Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Editions du seuil, Paris , Mars 1990.
(14) بول ريكور، الذاكرة، التاريخ والنسيان، مصدر سابق.
(15) الزواوي بغورة، الذاكرة والعدل: موقف بول ريكور، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث: https://www.mominoun.com/articles
(16) المرجع نفسه.
(17) بول ريكور، الذاكرة، التاريخ والنسيان، مرجع سابق.
(18) المرجع نفسه.
(19) Jeffrey Andrew Barash, Université de Picardie, Amiens : Qu’est-Ce Que La mémoire Collective ? Réflexions sur l’interprétation de la mémoire chez Paul Ricœur, https/www.cairn.info/Revue
(20) Ibid., p. 185.
(21) بلال أعياد، الذاكرة الجماعية على ضوء الصحافة والتاريخ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث: https://www.mominoun.com/articles/6622
(22) زهير سوكاح، “نظريات الذاكرة الجمعية وتطورها في ميادين العلوم الإنسانية”، مجلةDragoman ، العد 2، يونيو/حزيران2017..
(23) محمد سعدي، حراك الريف: ديناميات الهوية الاحتجاجية دراسة ميدانية، سليكي أخوين- طنجة، الطبعة الأولى 2019، ص 49.
(24) Lorenzo Zamponi, Collective memory and social movements, 2013, Snow, D., Della Porta, D., Klandermans, B. and McAdam, D. (eds.) The Wiley-Blackwell Encyclopedia of Social and Political Movements
(25) Lorenzo Zamponi, Social Movements, Memory and Media: Narrative in Action in the Italian and Spanish Student Movements, 2018.
(26) Lorenzo zamponi, Collective memory and social movements, op. cit.
(27) Harris, F.C. (2006) It takes a tragedy to arouse them: Collective memory and collective action during the civil rights movement .Social Movement Studies, p. 19-43.
(28) Meyer, D. (2006) Claiming credit: Stories of movement influence as outcomes. Mobilization 11(3), 281–298.
(29) Polletta, F. (2006), It Was Like a Fever: Storytelling in Protest and Politics. University of Chicago Press, Chicago.
(30) Aguilar, P. Polıticas de la memoria y memorias de la polıtica. Alianza Editorial, Madrid 2008.
(31)Timothy Kubal and Rene Becerra, Social Movements and Collective Memory, Sociology Compass 8/6 (2014): 865–875, 10.1111/soc4.12166
(32) تشير المجموعة المتاحة في سياق دراسة الذاكرة والحركات الاجتماعية، إلى مجموعة من الرموز الثقافية والعلامات والشخصيات التاريخية والأحداث الرمزية التي يمكن استغلالها من طرف النشطاء والفاعلين الاجتماعيين من أجل بناء الذاكرة الجماعية والرؤى الجماعية للحركات الاحتجاجية.
(33) Timothy Kubal and Rene Becerra, Social Movements and Collective Memory, op. cit., p. 867.
(34) Timothy Kubal and Rene Becerra, op cit.,
(35) Ibid.,
(36) Ibid., p. 871.
(37) The Consequences of Brazilian Social Movements in Historical Perspective, Edited by Valesca Lima, Rafaela N. Pannain and Gabriela Pereira Martins, First published 2023 by Routledge 605 Third Avenue, New York, NY 10158.
(38) James C. Scott, La domination et les arts de la résistance, Fragments du discours subalterne, Éditions Amsterdam 2019.
(39) Christoph H Schwarz , Collective memory and intergenerational transmission in social movements: The “grandparents’ movement” iaioflautas, the indignados protests, and the Spanish transition, Memory Studies 1–18.2019
(40) Ibid.,
YayoFlautas (41)، حسب الصفحة الرسمية للأكاديمية الملكية للغة الإسبانية، تم توثيق المصطلح أول مرة بمعنى شخص مسن يدعو إلى تغيير في النظام السياسي والاقتصادي الحالي في مقال نشر في صحيفة La Vanguardia في برشلونة في 2012، ويرجع أصل هذه الكلمة إلى كلمة perroflauta، وأصبحت الكلمة الجديدة Yayoflautas تطلق على الأشخاص المسنين الذين يتبنون، جزئيًّا أو كليًّا، مطالب حركة 15 مايو/أيار 2011.
(42) Christoph H Schwarz, Collective memory and intergenerational transmission in social movements, op. cit.
(43) Ibid.,
(44) المقصود هنا بحراك الريف، الحركة الاحتجاجية التي اندلعت على إثر حادث مقتل السماك محسن فكري مساء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016 بمدينة الحسيمة شمال المغرب.
(45) محمد سعدي، حراك الريف: ديناميات الهوية الاحتجاجية دراسة ميدانية، سليكي أخوين- طنجة، الطبعة الأولى 2019.
(46) المرجع نفسه.
(47) Badiha Nahhass, “le Rif : Appartenance Nationale dissidente et Formation de l’état”, Revue Arrabiea n 9 ,2018 ,p .206.
(48) محمد أملاح، “ديناميات حراك الريف وتداعياته: مقاربة حقوقية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية، 2021/2022، ص 95.
(49) أشلحي يوسف، تأويل الهوية في فلسفة بول ريكور: قراءة في كتاب “الذات عينها بوصفها آخر” متاح على موثع: www.nama-center.com
(50) يطلق مصطلح المخزن على البنية التقليدية والهرمية للدولة المغربية، ويشير إلى التحالف القائم بين مختلف مكونات السلطة المركزية في البلد.
(51)محمد أملاح، “ديناميات حراك الريف وتداعياته: مقاربة حقوقية، مرجع سابق، ص 96.
(52)بن أحمد حوكا، حسن دنان، محمد النضر، “احتجاجات الريف المغربي: من الديمغرافيا السياسية إلى فنومنولوجيا الذاكرة”، مركز دراسات الوحدة العربيةCaus ، https://caus.org.lb/ar
(53) الحسن أسويق، “حراك الريف بين سؤال الاعتراف وسياسة الذاكرة”، مجلة الربيع، العدد 9/2018، ص 149.
(54) محمد أملاح، مرجع سابق، ص46 .
)55) محمد الغلبزوري، الدولة وتدبير حراك الريف، تدبير أزمة أو أزمة تدبير، مطبعة سليكي أخوين-طنجة، ص 66.
(56) Entretien avec Mme Badiha Nahhas, chercheur au Centre marocain des sciences sociales, à l’Université Hassan II-Casablanca, “La préservation de la mémoire : Adopter une approche créative et éviter le passéisme”, https://www.cndh.org.ma/fr/bulletin-d-information/
(57) Ibid.,
(58) Jacquelien van stelkenburg and Bert klandermans, The social psychology of protest, op. cit.
(59) Edward P. Thompson, “The moral economy of the English crowd in the eighteenth century”, Past & Present, 50, 1971, p. 76-136.cité dans Didier Fassin, les economies Morales revisitées, Éditions de l’EHESS 2009. https://www.Cairn.info/revue-annales- 2009.
- 1238.
(60) Didier Fassin, op.cit.,
(61) Didier Fassin , les économies morales revisitées . Éditions de l’EHESS .2009.
(62) Edward P. Thompson, op .cit., p. 1238.
(63) James C. Scott, The moral economy of the Peasant: Rebellion and Subsistence in South East Asia, New Haven, Yale University Press, 1976, cité dans Didier Fassin, op. cit., p. 1239.
)64) من بين هذه الأعمال:
- Lorraine Daston, “The moral economy of science“-
-Benjamin S. Orlove, “Meat and strength: The moral economy of a Chilean food riot“ , Cultural Anthropology. 1997.
– Jean Pierre Olivier de sardan, “A moral economy of corruption in Africa?“ ,The Journal of Modern African Studies.1999
(65) James C. Scott, The moral economy of the peasant p. 1239.
(66) Edward, P. Thompson, “The moral economy reviewed“, Customs in common, London, The Merlin Press, 1991, p. 259-351.
(67) Edward P. Thompson, The making of the English working class, op. cit., p. 230-231.
(68) Edward P. Thompson, “The moral economy of the English crowd in the eighteenth century“, op. cit., p. 77-79.
(69) Ibid., p. 77.
(70) José-Manuel Sabucedo, Marcos Dono, Mónica Alzate and Gloria Seoane, The Importance of Protesters’ Morals: Moral Obligation as a Key Variable to Understand Collective Action, Frontiers in psychology, publisched 27 March 2018, pages (1-12).
(71) Ibid., p. 01.
(72) Diddier Fassin, op. cit., p. 1243
(73) Karl Polanyi, La grande transformation. Aux origines politiques et économiques de notre temps, Paris, Gallimard, 1972, en particulier, p. 71-86.
(74) Axel Honneth, La lutte pour la reconnaissance, Paris, Éd. du Cerf, [1992] 2000, notamment le chapitre 5 « Modèles de reconnaissance intersubjective » cité dans Didier Fassin .op. cit., p. 1244.
(75) Andrew Sayer, “Moral economy”, Department of sociology, Lancaster University, 2004, op. cit.,
(76) Didier Fassin, op. cit., p. 1246
(77) James C. Scott, The moral economy of the peasant: Rebellion and subsistence in Southeast Asia, New Haven, Yale University Press, 1976.
(78) Ibid.,
(79) J, C. Scott, The moral economy of the peasant…, op. cit.,
(80) Didier Fassin, “Le capital social, de la sociologie à l’épidémiologie. Analyse critique d’une migration transdisciplinaire“, Revue d’épidémiologie et de santé publique, 51-4, 2003, p. 403-413.
(81) James C. Scott, Weapons of the weak: Everyday forms of resistance, New Haven, Yale University Press, 1985, p. XVI.
(82) Lauren Berlant, (dir.), Compassion: The culture and politics of emotion, New York/London, Routledge, 2004.
(83) Didier Fassin, op. cit., p. 1260.
(84) Laurent Mucchielli et Véronique Le Goaziou (dir.), Quand les Banlieues Brûlent. Retour sur les émeutes de novembre 2005, Paris, La Découverte, 2006.
(85) David Lepoutre, Cœur de banlieue. Codes, rites et langages, Paris, Odile Jacob, 1997.
(86) Didier Fassin, économies morales revisitées. op.cit., p. 1263.
(87) Ben Ahmed Hougua, «Les Dimensions verticales et horizontales de l’individualisme et du collectivisme dans le contexte culturel marocain,» Les Cahiers psychologie politique [En ligne], no. 27 (juillet 2015), <http://lodel.irevues.inist.fr/cahierspsychologiepolitique/index.php?id=3065> –
