ملخص:
توظف هذه الدراسة أدوات ميدانية، كمية وكيفية، لاستكشاف أنماط التعبئة الانتخابية في المغرب، ومدى حضور ظاهرة شراء الأصوات والشبكات الزبائنية في السلوك الانتخابي للناخب المغربي وذلك عبر دراسة حالة الانتخابات العامة التي شهدها المغرب في الثامن من سبتمبر/أيلول 2021، ومقاربة القوانين والمعايير المنظمة للعملية الانتخابية، وأسلوب اختيار المرشحين، مرورًا بمظاهر انتشار الزبائنية الانتخابية في عملية التعبئة الانتخابية ودورها في توجيه النتائج الانتخابية، وصولًا إلى تأثير الزبائنية الانتخابية على طبيعة التمثيلية في النظام السياسي المغربي.
كلمات مفتاحية: الزبائنية الانتخابية، شراء الأصوات، التمثيلية السياسية، الولاءات التقليدية، النيوباتريمونيالية.
Abstract
This study utilises both quantitative and qualitative field tools to explore patterns of electoral mobilisation in Morocco. It investigates the extent of vote-buying and clientelistic networks in the electoral behaviour of Moroccan voters through a case study of the general elections held on 8 September 2021. The study examines the legal frameworks and standards governing the electoral process, methods for selecting candidates, the prevalence of electoral clientelism in mobilization efforts, its influence on electoral outcomes, and its impact on the representational nature within the Moroccan political system.
Keywords: electoral clientelism, vote buying, political representation, traditional loyalties, neopatrimonialism.
مقدمة
إذا كانت السوسيولوجيا الانتخابية تشكِّل حقلًا معرفيًّا راسخًا في الدراسات الغربية؛ فإنها في مجالنا التداولي العربي عامة والمغربي خاصة ما زالت تراوح مكانها ولم تستطع أن تفرض نفسها لاعتبارات عديدة: أولها الافتقاد إلى المقاربات الميدانية عن العملية الانتخابية، وتركيز المجهود البحثي على المعايير والأطر القانونية المنظمة للعملية الانتخابية ووظائفها السياسية. ثم من زاوية أخرى صعوبة اختراق ميدان عملية التصويت التي تتسم باختلالات عديدة وبممارسات يصعب رصدها إمبريقيًّا؛ لأنها تجري في كواليس العملية الانتخابية وليس على خشبة مسرحها، مثل مسألة الزبائنية الانتخابية وعملية شراء الأصوات التي ستكون موضوع مساءلتنا في هذه الدراسة. لهذا من أجل فهم أعمق للعملية الانتخابية في المغرب لا يكفي النظر والبحث في الفضاء الظاهر للانتخابات، ولكن يتوجب البحث فيما يجري وراء خشبة المسرح الانتخابي، والولوج إلى الكواليس التي تعد مبدأ العملية الانتخابية في المغرب ومنتهاها.
وعليه، لن تركز هذه الدراسة على نتائج العملية الانتخابية فحسب، وتأثيرها على طبيعة التمثيلية السياسية، ولكنها ستسعى كذلك إلى رصد مسارات عملية التصويت وأشكال التعبئة المعتمدة بها، ثم طبيعة المؤثرات والمحفزات التي يخضع لها الناخبون في اختياراتهم التصويتية. وذلك عبر اختبار خيارات الناخبين في عملية التصويت، من خلال محاولة الإجابة عن سؤال: هل هي خاضعة لدوائر التأثير القائمة على الولاءات الجماعية أم الاختيار الفردي القائم على الاقتناع الشخصي؟ ثم ما الذي يدفع المغاربة إلى التصويت على النحو الذي صوَّتوا به؟ وإذا تساءلنا بصيغة أنثروبولوجية، ما المعنى الذي يضفيه الناخب المغربي على صوته لما يختار التصويت لمرشح دون آخر؟
وفق هذا المنظور تعالج هذه الدراسة إشكالية التمثيلية والتعبئة الانتخابية من منطلق البنيات التقليدية المتحكمة في العملية الانتخابية بالمغرب، ومقاربة الإستراتيجيات التي يعتمدها المرشحون في التعبئة، وإفرازات التمثيلية التي تنتجها العملية الانتخابية انعكاسًا لأشكال التعبئة المعتمدة خلال اللحظة الانتخابية، ومن ثم البحث في التفاعل القائم بين التعبئة الانتخابية القائمة على الزبائنية وتفشي ظاهرة شراء الأصوات والتمثيلية السياسية. ونقصد بالتمثيلية السياسية، التعبير عن الإرادة الشعبية التي تتجسد عن طريق انتخاب أعضاء يمثلون أفراد الشعب داخل مؤسسات صناعة القرار التشريعي والسياسي، بحيث يعكس التمثيل السياسي بذلك داخل الأنظمة الديمقراطية إرادة الشعب وسيادته(1).
تجادل هذه الدراسة بأنه رغم مرور أزيد من سبعين سنة من الممارسة الانتخابية في المغرب، ورغم التحولات السوسيوثقافية والسوسيوسياسية التي شهدها المغرب طوال هذه السنوات، ما زالت تسجل على الممارسة الانتخابية بالمغرب المظاهر التقليدية في الاختيارات التصويتية، مثل الولاء للقبيلة، والشخصنة في الاختيارات، والزبائنية السياسية وغيرها من أشكال الولاءات التقليدية. فالانتخابات في المغرب تشكل لحظة -خاصة في المناطق القروية- لتقوية الهويات المحلية، والعلاقات الزبائنية، والولاءات المبنية على القرابة والعشيرة والقرب والغنائمية المتبادلة. ويصير تحقيق التمثيلية الانتخابية في ظل سيادة هذا النوع من الثقافة مع ما يسجل من تراجع في نسبة تصويت الطبقة المتوسطة، مرتبطًا بدرجة كبيرة بضرورة التجذر في العلاقات الاجتماعية بالمجتمعات المحلية، ومشاركة أفراد هذا المجتمع حياتهم الاجتماعية في أفراحهم وفي أحزانهم، وتقوية العلاقات التضامنية التي تنبني على تقديم الخدمات الاجتماعية والعطايا المادية.
وفق ذلك تعد عملية تحليل السلوك الانتخابي للناخب المغربي عملية محفوفة بصعوبات عديدة، أهمها أن ما يوجه هذا السلوك يجري في دوائر مغلقة محجوبة بستار يندرج في حقل ما يسمى المسكوت عنه وغير المصرح به؛ لأن محرك العملية الانتخابية يوجد في الكواليس أكثر مما يبرز على خشبة المسرح الانتخابي الظاهر للعيان، وهو ما يجعل من عملية رصد السلوك الانتخابي في المغرب بمجهر سوسيولوجي في حاجة إلى تعدد أدوات ومداخل التحليل، وبناء المؤشرات والمتغيرات المحددة لاختيارات الناخبين. ولهذا اعتمدت هذه الدراسة توليفة من الآليات وتقنيات البحث الميداني تمزج بين ما هو كيفي وما هو كمي: استبيانات، ومقابلات ميدانية، وملاحظة مباشرة. وقد اعتُمد في ذلك على عينة عشوائية موزعة على ثلاث دوائر انتخابية تراعي تمثيلية التوزيع الجغرافي وتنوع البنية الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وهي دوائر: مدينة “فاس” (شمال شرق، ثاني أكبر مدينة بعد الدار البيضاء)، ومدينة “أكادير” (الوسط الغربي) ومدينة “تارودانت” (جنوب المغرب) ومدينة “تاونات” (شمال وسط). عبر مئتين وعشر استمارات بهدف تقديم صورة وصفية لتمثلات الناخبين عن العملية الانتخابية بشكل عام، والممارسات الزبائنية على وجه خاص، من خلال استخراج التكرارات والنسب المئوية للمتغيرات التي تنبني عليها إشكالية الدراسة، إلى جانب دورها في اختبار فرضيات الدراسة. واستند الاستبيان على ثمانية عشر سؤالًا تروم تعضيض الفرضيات التي ينطلق منها البحث، من خلال سبر أغوار تمثلات ومواقف الناخبين المشاركين في العملية الانتخابية من ظاهرة الزبائنية الانتخابية كما تم توصيفها في الإطار النظري للدراسة.
فضلًا عن ذلك، استعانت الدراسة بعشرين مقابلة مع عينة ملائمة (Convenience Sampling) تراعي طبيعة الأسئلة الموجهة أساسًا للناخبين الذين اشتُرط فيهم أن يكونوا قد انخرطوا أو سبق أن استفادوا من أحد أشكال الممارسة الزبائنية. كما أنها تراعي تنوع المتغيرات التفسيرية المتعلقة بالأصول الاجتماعية، والوظيفية، والنوع، والعمر، والانتماء الجغرافي. ونظرًا لحساسية موضوع البحث، تم الاعتماد على تقنية شبكة كرة الثلج (Snowball Samling) لاستقطاب المشاركين في البحث، بحيث أن كل مشارك يحيلنا على مشارك آخر وهو ما ساعد في بناء جسور الثقة مع أعضاء العينة والحصول على أكبر قدر من المعطيات والحيثيات التي تكتنفها ظاهرة الزبائنية الانتخابية.
تعتمد الدراسة كذلك على الملاحظة المباشرة أثناء الحملة الانتخابية؛ وهي ملاحظات استقاها الباحث على امتداد التجارب الانتخابية التي شهدها المغرب منذ الانتخابات التشريعية في 2007. أما بخصوص فترة البحث فهي على ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية؛ عبر رصد عملية انتقاء المرشحين ومنح التزكيات الانتخابية وإعداد القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، ثم مرحلة الدعاية والتعبئة الانتخابية وما تشهده من استقطابات وتجاذبات بين المرشحين والأحزاب السياسية، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات وطبيعة التمثيلية التي أفرزتها داخل المؤسسات الدستورية.
وقد اهتمت أدبيات حقل السوسيولوجيا الانتخابية بمعالجة ظاهرة الزبائنية الانتخابية، وما تنتجه من ممارسات كشراء الأصوات (Vote buying) ودعم الولاءات التقليدية والتضامنات المحلية باعتبارها وسائل للتعبئة الانتخابية، وآلية فعالة لدى المرشحين لاستمالة أصوات الناخبين وضمان ولائهم الانتخابي، عبر الاستثمار في المنفعة التي يسعى الناخبون إلى جنيها من عملية التصويت، وهي منفعة لا تقوم على خدمة الصالح العام إنما خاصة. وقد أظهرت أدبيات الزبائنية الانتخابية في موجتها الأولى الممتدة منذ الستينات إلى حدود التسعينات من القرن الماضي، أن العلاقات الزبائنية تنتشر بدرجة كبيرة داخل الأوساط الريفية؛ حيث يسهل التأثير على الناخبين من خلال الروابط التقليدية والتضامنية التي تميز البيئة الريفية والمهاجرين نحو الحواضر من الريف. وكان يُنظر إلى الزبائنية على أنها دليل على التحديث غير المكتمل وأنها سمة ثقافية مميزة للمجتمعات “الزراعية” أو المتخلفة، والتي كان لابد أن تختفي في سياق التنمية السياسية أو التحول الديمقراطي. وقد جادل رواد هذه الموجة بأن التحديث السياسي وانتشار الثقافة المدنية وبروز المؤسسات الديمقراطية تسهم في تراجع الممارسات الزبائنية(2). فيما الموجة الثانية التي ستظهر خلال الثمانينات إلى حدود التسعينات اتجهت نحو تعميم الممارسات الزبائنية على مختلف دول العالم حتى الديمقراطية منها، باعتبارها ظاهرة تاريخية، ونموذجًا للتبادل الاجتماعي، وإستراتيجية للتعبئة السياسية والسيطرة، لا ترتبط بالدول التقليدية المتخلفة فحسب(3).
منذ أوائل التسعينات، أعادت الدراسات المتعلقة بالزبائنية تركيز اهتمامها على تأثيرات الزبائنية على المؤسسات الديمقراطية(4)، بحيث أضحت هذه الظاهرة تهدد أسس الديمقراطية؛ مما يؤدي إلى استيلاء جماعات المصالح وأتباعها على الحكومات، والإضرار بالأداء المؤسسي عن طريق الحد من شرعيتها وقدرتها على الإصلاح، وإضعاف أداء الدولة والتمثيلية السياسية(5). وهو ما ستحاول هذه الدراسة تقفيه من خلال اختبار أدوات اشتغال الزبائنية الانتخابية في المغرب، وأشكالها خلال العملية الانتخابية، ثم الأثر الذي تتركه في طبيعة التمثيلية السياسية. خصوصًا أن الأدب المطرد المنجز عن العملية الانتخابية في المغرب الذي تراكم منذ بداية الستينات، انصبَّ بدرجة كبيرة على مقاربة الشكليات المعيارية والقانونية التي تتأسس عليها العملية الانتخابية(6). ثم الوظائف السياسية للعملية الانتخابية ودور الانتخابات في تعظيم جوهر السلطة السياسية القائمة(7)، فيما انبرى جزء منه إلى اعتماد مقاربات سوسيولوجية تجمع بين ما هو نظري وما هو ميداني، غير أنها لم تعر كبير اهتمام لإشكالية الزبائنية وظاهرة شراء الأصوات بشكل رئيسي، فجاء تناولها لظاهرة الزبائنية وتشكلها داخل الممارسة الانتخابية جزئيًّا(8).
أولًا: في توصيف الزبائنية الانتخابية: خلفية نظرية
- الزبائنية الانتخابية وظاهرة شراء الأصوات
انتشر مفهوم الزبائنية الانتخابية بأشكال وصيغ مختلفة، ففي الولايات المتحدة الأميركية يأخذ مظهر ما يسمى بـ”سياسات برميل لحم الخنزير” (Pork Barrel Politics) وهي ممارسة مبنية على المتاجرة بالخدمات العامة مع الناخبين ومجموعات الضغط مقابل الحصول على الدعم السياسي خلال اللحظات الانتخابية(9). وفي اليابان يأخذ شكلًا يسمى “كيونكي” (Koenkai) وهي مجموعات دعم تنشأ في الدوائر الانتخابية تقوم بأدوار اجتماعية وسياسية تمكِّن المرشح الانتخابي من إنشاء شبكة من علاقات قرابة وصداقة مبنية على الاستفادة المتبادلة وضمان الولاء الانتخابي، نظرًا للمنافع التي يستفيد منها الناخبون داخل مجموعة الدعم Koenkai(10). أما في المكسيك وإسبانيا فتدعى الممارسات الزبائنية (Caciquismo) وفي البرازيل (Colonismo)، وكلها تختصر العلاقة التي تربط بين المرشحين والناخبين خلال العملية الانتخابية، والتي تأخذ شكل تبادل للمصالح والعطايا بين الطرفين من أجل ضمان الدعم السياسي للمرشحين.
تعرِّف سوزان ستوك (Susan Stokes) الزبائنية السياسية بالتوزيع المشروط للموارد مثل الخدمات والسلع والوظائف والمال، والتي تقدم مقابل الحصول على الدعم السياسي(11)؛ فعبر الزبائنية الانتخابية يمكن للمرشحين الحزبيين أن يقوموا بتوسيع الإقبال على التصويت لصالحهم والزيادة في إمكانية حصولهم على المقاعد الانتخابية، وذلك عبر شراء الأصوات، وشراء الامتناع عن التصويت، والذي يعرف بشراء التصويت السلبي أو شراء الامتناع الانتخابي(12)، وإغراء المترددين عن التصويت بالذهاب إلى صناديق الاقتراع(13). فالأمر يتعلق بعلاقة تبادلية بين طرفين هما (المرشح) و(الناخب)، يوظف فيها الطرف الأول جميع أنواع التعبئة من مكافآت مادية ومعنوية، ومن قرابة ودم وصداقة وانتماء قبلي من أجل تحفيز الطرف الثاني نحو تقديم الدعم السياسي الذي يؤدي إلى زيادة حظوظ الطرف الأول من أجل الحصول على مقعد انتخابي.
تُرجع الأبحاث الحديثة انتشار الزبائنية الانتخابية وما يتفرع عنها من مظاهر مثل شراء الأصوات، وشخصنة الاختيارات الانتخابية والعنف السياسي إلى عدة عوامل، منها ما يرتبط بطبيعة الثقافة السياسية السائدة(14)، ومنها ما يرتبط بعامل طبيعة النظام السياسي القائم واحتكار موارد السلطة ومركزية الحكم(15)، ومنها ما يرتبط بطبيعة التعددية السياسية السائدة ودرجة المنافسة الانتخابية(16)، فضلًا عن عامل الحكامة الرشيدة وكفاءة تدبير المؤسسات الدستورية ومستوى النمو الاقتصادي(17). فالسياقات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية تلعب دورًا محفزًا على توسيع دوائر اشتغال الزبائنية خلال اللحظة الانتخابية.
في هذا الباب تُظهر بعض الدراسات الإمبريقية أنه كلما اتسعت رقعة انتشار الطبقة الوسطى ونزاهة المنافسة السياسية، وإنزال العقوبات وكفاءة الآلة القانونية يقل الطلب على الزبائنية الانتخابية، وتضيق مساعي المرشحين في توظيف إستراتيجيات العلاقات الزبائنية(18). وكلما انتشرت الهشاشة الاجتماعية وارتفعت نسبة العوز والفقر، فضلًا عن تقلص المنافسة السياسية وهامش الديمقراطية وجدت الزبائنية ضالتها، وانتشرت مظاهرها بشكل يؤثر في مسار العملية الانتخابية برمتها.
بالعودة إلى التعريفات السابقة للزبائنية، يمكن القول: إن الزبائنية الانتخابية تقوم على إستراتيجية الاستثمار في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة، عبر استمالة الناخبين وتحفيزيهم إما من أجل التصويت أو من أجل الامتناع عن التصويت، الأولى تكون موجهة لفئة الناخبين المحسوم في اختياراتهم والأوفياء من الأتباع السياسيين أو الذين لم يستقروا بعد على تحديد توجههم الانتخابي (الأصوات المتأرجحة) (Swinging votes). أما الثانية فتوجه نحو فئة الناخبين التابعين للمرشحين المنافسين، أو الذين يعرفون بولائهم إما الشخصي أو القبلي أو العائلي للمنافسين الانتخابيين.
علاوة على ذلك؛ تتجه إستراتيجية الزبائنية الانتخابية نحو تقديم العطايا والمكافآت إلى الأفراد أو المجموعات الصغيرة أثناء العلمية الانتخابية، في تبادل رهين باستمالة خيارات التصويت. وتتخذ العطايا والمكافآت شكل سلع (بما في ذلك الطعام والشراب) والخدمات والنقود المالية، كما يتم تحديد نوع الخدمة أو السلعة المقدمة بناء على حدة ودرجة التنافسية السائدة في الدائرة الانتخابية بين المرشحين، ثم مستوى ونوعية الناخبين الاجتماعية والمهنية، فضلًا عن مدى اتساع رقعة الشبكات الاجتماعية للناخبين(19).
- الزبائنية الانتخابية بوصفها نمطًا من تبادل المصالح
تتأسس الزبائنية الانتخابية على علاقة تبادلية بين طرفين غير متكافئين وفق قواعد غير رسمية، يستخدم فيها الطرف الأول الذي هو بمنزلة الراعي/السيد (Patron) نفوذه وموارده الخاصة لتوفير الحماية والمنفعة أو كلتيهما لشخص في وضعية اجتماعية أدنى منه، هو العميل أو الزبون (Client) الذي يعرض من جانبه الدعم السياسي مقابل الحصول على الخدمات والمنافع الشخصية. من خصائص هذه العلاقة أنها غير متكافئة بحيث لا يملك الزبون خيارًا غير الإبقاء على ولائه للراعي. ويتوسط هذه العلاقة وسيط (Mediator) خصوصًا في الحالات التي يكون فيها للراعي عدد كبير من الزبناء، ويشكل الوسيط هنا حلقة الوصل بين الراعي والزبون، ويبقى الفرق الأساسي بين الراعي والوسيط هو أن الوسيط لا يملك موارد خاصة وإنما يكتفي فقط بتوزيع تلك التي حصل عليها من الراعي(20). بيد أنه يشترط في الوسيط أن يتمتع بدراية وخبرة كبيرة بالدوائر الانتخابية وجغرافيتها وناخبيها والعائلات المحلية، ويتمتع بقدرة كبيرة على الاستقطاب انطلاقًا من الشبكات العلائقية التي ينسجها مع سكان الدائرة الانتخابية، هذا فضلًا عن الثقة التي يتمتع بها بين الطرفين الرئيسيين للعلاقة الزبائنية سواء أكان من جانب الراعي أم الزبون.
وبذلك تكون الزبائنية الانتخابية في عمقها وإن كانت علاقة شخصية غير متكافئة بين طرفين تتوزعهما المنفعة الشخصية، إلا أنها قائمة على الاستفادة المتبادلة من الخيرات والخدمات للزبون من جهة، والدعم والتصويت للراعي من جهة ثانية، وهو ما يجعلها تتسم بأربع صفات: الهرمية وتبادل المصالح ثم الشخصنة وعدم المأسسة.
فالعلاقة الزبائنية تفترض وجود طرف يتمتع بنفوذ سياسي واجتماعي ورأسمال مادي ورمزي معتبر حتى يستطيع عرضه أن يفي بمطالب وحاجيات الزبون، وحتى يتمكن عرضه من التفوق على باقي عروض المرشحين من أجل تحفيز الناخبين واستمالتهم للحصول على دعمهم السياسي. فالأمر يتعلق ببناء شبكة من التوزيع الزبائني فيها طرف قادر بنفوذه ورأسماله الاجتماعي والمادي أن يخلق دوائر واسعة من الولاءات الشخصية، تشكل أتباعًا دائمين له ما دامت أن مصلحتهم مستمرة معه.
تفترض العلاقة الزبائنية كذلك أن يملك كلا الطرفين موارد وخدمات قابلة للتبادل، وأن يجد كل طرف منفعته في الخدمات التي يقدمه الطرف الآخر. فهي علاقة، وإن كانت هرمية وغير متكافئة مبنية على مصلحة متبادلة، “لا تقوم بين الأطراف التي تملك نفس الموارد، ولا بين تلك التي تملك موارد ليس الطرف الآخر في حاجة إليها”(21)، وإنما تنشأ إزاء بروز حاجة متبادلة بين طرفين يملكان خدمات متباينة لكنها مشبعة لحاجيات كليهما.
تنشأ العلاقة الزبائنية وفق قواعد غير رسمية وعلى اتفاقات غير ممأسسة، يتعهد فيها كل طرف بتقديم ما وعد به للطرف الآخر دون وجود أي آلية لإلزام الأطراف بالوفاء بتعهداتها، غير عنصر الثقة الذي يربط الطرفين والذي يكون فيه للوسيط دور محوري بناء على طبيعة الشبكات التي ينشئها بين الأطراف، والتي يتولى فيها عنصر الصداقة والقرب والدم والعائلة ثم حجم وطبيعة العطايا دورًا أساسيًّا في إنجاح هذه الاتفاقات.
من الضروري، كما يبدو؛ أن نجاح إستراتيجية بناء الشبكات الزبانية خلال العملية الانتخابية، يتوقف بدرجة كبيرة على الحسابات التي يقيمها الزبون تجاه الراعي والتي توجه اختياراته الانتخابية بالمشاركة أو عدمها في العملية الانتخابية برمتها. وعليه، فإننا إزاء عملية مبنية على علاقة منفعية تخضع لحسابات عقلانية ومدروسة بشكل واع أو غير واع للمشاركة، شبيهة بالعلاقات التجارية التي تخضع لمنطق الربح والخسارة(22). فالزبون في هذه العلاقة يسعى إلى الحصول على أكبر فائدة مادية وخدماتية ممكنة مقابل الإدلاء بصوته الانتخابي، وكلما احتدت المنافسة وتعددت عروض المرشحين الموسومين بالرعاة في هذه العلاقة، اتسع نطاق الحسابات تجاه من يقدم أفضل عرض وأكبر قدر من المنفعة سواء كانت لحظية أو كانت مستمرة. لهذا يمكن أن نجادل التوجه القائل بأن شخصنة الاختيارات الانتخابية، يرفع عنها الحسابات العقلانية وفق مدرسة “الاختيار العقلاني”، لكن بالنظر إلى جوهر هذه الاختيارات المبنية على الولاءات والاستفادة من المنافع والخدمات، سنجد أنها تقوم على منطق عقلاني يخضع إلى حسابات الربح والخسارة خصوصًا حينما يتنوع العرض الانتخابي القائم على الإغراءات الزبائنية.
فالزبون بطبيعته؛ هو باحث عن قضاء مصلحة وإشباع منفعة، وهو بذلك بحاجة لمن يتوسط له لبلوغ ذات المصلحة، لهذا فهو لا يغامر بتقديم ولائه إلا لمن يتوفر على علاقات تفيده حتمًا في تحقيق مراده. لكن يتوجب أن نعي جيدًا أنه في الوقت الذي يخدم الراعي (Patron) زبونه، فإنه يسهم في خدمة نفسه أولًا(23). لذلك يتوقف حشد الزبائن والأتباع على مدى جاذبية العرض الذي يقدمه السيد/العين/المرشح، وكذا حجم الرساميل الرمزية والمادية التي يتوفر عليها، من قبيل الأصل العائلي والامتداد العشائري والرأسمال المادي والقدرة على الإنفاق وحجم العلقات وقوتها مع السلطة المركزية.
- الزبائنية وإعادة إنتاج الرعوية
بناء على ما انتهينا إليه، تأخذ الزبائنية الانتخابية عدة أشكال (شراء الأصوات، تقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، الولاءات الشخصية، القبلية، العائلية، الدموية…)، لكن لماذا يلجأ المرشحون إلى شراء الأصوات وتوظيف شبكات العلاقات الاجتماعية والدموية والعائلية لتوجيه خيارات الناخبين في العملية الانتخابية؟ الإجابة هي أنها تمثل في العادة إستراتيجية ناجحة لضمان حظوظ أوفر للفوز بالمقعد الانتخابي، وكذلك؛ لأن المرشحين في ظل انتشار الزبائنية، لا يملكون وسائل أخرى فعالة من حيث التكلفة للتأثير على الناخبين وتعبئتهم لصالحهم(24).
ومن ثمة؛ فمن الأرجح أن الزبائنية الانتخابية ترتبط بالسياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافة الجماعية التي تسهم في إنتاجها، فالمجتمعات التي تشهد انخفاضًا في التنمية الاقتصادية، وضعف الثقة في النخب السياسية، وعدم قدرة السياسيين على تقديم التزامات وبرامج تتمتع بالمصداقية لدى الناخبين(25). فضلًا عن أن بعض الصفات الاجتماعية والثقافية لدى الناخبين تشكل عاملًا في إنتاج الزبائنية الانتخابية، فالناخبين الذين لا يهتمون بالشؤون السياسية ولا يتمتعون بقيم مدنية، يكونون أكثر عرضة للقبول بشراء الأصوات، من الناخبين الذين يحوزون مستوى أعلى من الثقافة المدنية والسياسية(26). فبعض الناخبين يقبلون بالعطايا الانتخابية؛ لأنها تتوافق في نظرهم مع مفهومهم للعدالة الاجتماعية ويرون في هذه المكافآت مطالب شرعية بالموارد من الطبقات الاجتماعية الأعلى وفرصة لتحقيق قدر من الكرامة الاجتماعية(27).
وتكون المجتمعات المستندة إلى أنظمة القرابة التقليدية عرضة للزبائنية الانتخابية؛ حيث يُنظر لهذه الممارسة كامتداد لشبكة متينة من الدعم لأفراد العائلة الموسعة أو “القبيلة” أو “العشيرة”(28)؛ بحيث تقوم الزبائنية على هذا النحو بإنشاء سلسلة متشابكة من الروابط والعلاقات، حصرها أولفييه روا (Olivier Roy) في ثلاثة أنماط معرفية:
أ- الشبكة المعاونة التي تتشكل حول رجل يتمتع بسلطة ما والتي تزول بزوال هذه السلطة.
ب- العصبية التقليدية المتمثلة في العشيرة والقبيلة والقرية والأسرة الموسعة.
ج- العصبيات الحديثة الاجتماعية والسياسية (النقابات، الأحزاب)(29).
وفق هذا التوصيف تشكل الزبائنية طريقة لوصف نمط التبادل الهرمي غير المتكافئ الذي يميز المجتمعات التقليدية، حيث يرتبط الرعاة والزبائن بعلاقات دائمة من خلال إحساس قوي بالالتزام والواجب(30)؛ وهو ما دفع كثيرًا من الدارسين إلى ربط انتشار الزبائنية واستمرارها بسيادة نمط الدولة النيوباتريمونيالية(31)؛ حيث يعتمد الرعاة على تعبئة الولاءات والتضامنات التقليدية لضمان حضورهم السياسي واستدامة نفوذهم الاجتماعي. وتكشف الزبائنية، وفق هذا الوضع، عن تبعية الفرد للجماعة التي تضمن له مجموعة من المصالح بواسطة علاقات متداخلة مع الراعي، وبالتالي ينصهر الفرد في الجماعة التي تطلب مصلحتها في الراعي الذي يوفر لها الخدمات والحاجيات باستمرار. وهو ما يقر به خافيير أوييرو Javier Auyero) ( وآخرون حينما اعتبروا أن ظاهرة الزبائنية ظاهرة ثقافية بامتياز، “فهي ليست مجموعة من المبادلات الظرفية يقوم بها أشخاص يبحثون عن الاستفادة فحسب، ويحسبون الكلفة والأرباح. لكنها تكشف في عمقها عن مجموعة من العلاقات الاجتماعية القائمة على المساعدة والتضامن والعلاقات الصداقة، والعديد من الالتزامات الأخلاقية والاجتماعية(32).
يلتقي مفهوم الزبائنية بهذا التصور مع الممارسات التي تسود داخل الدولة النيوباتريمونيالية، التي تعتمد في عملية التسيير على قنوات غير شكلية وقواعد غير رسمية، وإطار سياسي لا يؤدي فيه التنافس إلى تكريس الشرعية الانتخابية لصنَّاع القرار. يستوعب مفهوم النيوباتريمونيالية على هذا النحو كافة أشكال الممارسة السياسية التي تفرزها الزبائنية، التي قوامها الحضور المكثف للمؤسسات غير الرسمية في ترسيم العلاقات الاجتماعية وعلاقة السلطة بالولاءات الجماعية(33). هذه العلاقة التي تفسر لنا منطق الممارسات المشخصنة للعملية الانتخابية، التي تعطي الأولوية للولاءات والأشخاص قبل النظر إلى البرامج والتوجهات السياسية للمرشحين الانتخابيين، ومن ثمَّ تسهم الزبائنية في إعادة إنتاج سلطة الرعوية والتبعية للأشخاص بدل المؤسسات. وعليه، فإن الالتزام الذي يربط بين الطرفين هو التزام بتبادل خدمات ومنافع شخصية ذات مصلحة فردية، وليس التزامًا بتحقيق برنامج وأهداف جماعية التي تطغى عليها المصلحة العامة.
الأمر الذي يثير سؤال التمثيلية السياسية والغاية من العملية الانتخابية على المحك، فإذا كانت التمثيلية السياسية تروم عبر الانتخابات التنافسية إضفاء الشرعية على الحكم والمؤسسات الدستورية، وضمان وصول صوت أفراد الشعب عبر القنوات التمثيلية. فإن انتشار مظاهر الزبائنية السياسية يقوض مضمون التمثيلية ويجعل من العملية الانتخابية لحظة لاستدامة منطق التبعية والولاءات التحتية، وبالتالي تكريس الممارسات الرعوية التي تتعارض مع مفهوم المشاركة والمواطنة في الممارسات السياسية الحديثة.
ثانيًا: هندسة انتخابية منتجة للزبائنية
- قوانين وأنماط اقتراع في خدمة الزبائنية الانتخابية
شهدت الانتخابات العامة التي أُجريت بالمغرب، في الثامن من سبتمبر/أيلول 2021؛ مجموعة من التعديلات على النظام الانتخابي المعمول به، يأتي على رأسها التراجع عن اعتماد نمط الاقتراع باللائحة داخل المدن التي يقل تعداد سكانها عن 50 ألف نسمة؛ مما يعني توسيع مجال تطبيق نمط الاقتراع الفردي، الذي كان المغرب قد سعى منذ سنة 2002 في عهد “حكومة التناوب” بزعامة الراحل عبد الرحمن اليوسفي، إلى التخلص من مساوئه، بالتوجه نحو الاقتراع اللائحي النسبي(34). ومن مساوئ نمط الاقتراع الفردي هو شخصنة العملية الانتخابية، وتوجيه سلوك الناخب نحو المكانة الاعتبارية والرمزية للمرشح بدل البرامج والتوجهات السياسية التي يعبِّر عنها. وهو ما من شأنه أن يوسِّع من مجال توظيف بعض الممارسات التي تؤثر بالسلب على نزاهة وسلامة العملية الانتخابية، ومنها تضخم مظاهر الزبائنية الانتخابية وتوظيف المال الانتخابي لاستمالة الناخبين.
من التعديلات الأخرى التي أقدم عليها المشرِّع المغربي عشية الانتخابات العامة للثامن من سبتمبر/أيلول 2021، إلغاء العتبة الانتخابية المطلوبة للمشاركة في عملية توزيع المقاعد في الدوائر الانتخابية للانتخابات التشريعية. بعدما كانت في انتخابات 2011 محصورة في 6 في المئة، ثم تم تقليصها مع انتخابات 2016 إلى 3 في المئة، قبل أن تلغى نهائيًّا من عملية احتساب الأصوات. ثم الإقدام على تعديل طريقة احتساب القاسم أو الحاصل الانتخابي والمقصود به المعدل الذي يحتسب على أساسه عدد المقاعد المحصل عليها، والذي كان في السابق يُحتسب على أساس الأصوات المعبَّر عنها بشكل صحيح، قبل التراجع عن ذلك في انتخابات 2021، باحتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين باللوائح الانتخابية سواء أكانوا أدلوا بصوتهم أم لم يدلوا، وهو ما يعني تقليص إمكانية حصول لائحة معينة على أكثر من مقعد في الدائرة الواحدة ومنح حظوظ أكثر للأحزاب الصغرى؛ مما يفقد معنى وجوهر الاقتراع اللائحي النسبي مع تطبيق أكبر بقية المعمول به في الانتخابات التشريعية المغربية. ويبدو لافتًا في هذه التعديلات تقليص مكانة الأحزاب الكبرى داخل الخريطة الانتخابية، والسماح لبروز الأحزاب الصغرى تفاديًا لخلق أي قطبية حزبية داخل المشهد السياسي المغربي، فضلًا عمَّا يكرسه هذا النمط من الاقتراع من تفشي مظاهر الولاءات الشخصية والزبائنية القائمة على توظيف الولاءات التحتية من القرابة العائلية والدم والقبيلة والانتماء العشائري.
- التقطيع الانتخابي وانتشار الولاءات التقليدية
من زاوية أخرى، لا تلعب القوانين وأنماط الاقتراع لوحدها أدوارًا محفزة للممارسات الزبائنية في المغرب فحسب، بل تتدخل محددات أخرى داخل الهندسة الانتخابية، تشكل بدورها عاملًا محفزًا نحو خلق فضاءات تقليدية موجهة لسلوك الناخب المغربي. ونقصد بذلك مسألة التقطيع الانتخابي، على اعتبار أن تحديد معايير تقسيم الدوائر الانتخابية يكون عاملًا مؤثرًا في طبيعة النتائج الانتخابية. خصوصًا أنها تعد واحدة من العناصر المهمة التي تنبني عليها الإستراتيجية السياسية لأي انتخابات، كما ينظر إليها باعتبارها آلية حقيقية لإدارة سياسة التحكم في الخريطة الانتخابية(35).
وإذا كان المبدأ المعمول به في التقطيع الانتخابي داخل الأنظمة الديمقراطية حيث تسود التنافسية والنزاهة الانتخابية هو “صوت واحد يساوي ممثلًا واحدًا”، عملًا بمبدأ المساواة بين أصوات الناخبين انطلاقًا من التوزيع الديمغرافي للسكان. فإنه ما يسجل على طبيعة التقطيع الانتخابي بالمغرب، أنه ينحو بدرجة أولى نحو خلق التوازنات السياسية وضبط الخريطة الانتخابية. وهو ما يتجسد في النخب التقليدية القروية بدرجة أولى، كما نعتها ريمو لوفو Rémy Leveau)) في أطروحته بالمدافعة عن العرش(36)، والتي تكون أداة طيعة في يد السلطة السياسية خدمة لمصالحها الإستراتيجية وضمانًا لضبط المشهد السياسي والحزبي. فلطالما لجأت وزارة الداخلية، وهي الجهة الوصية على تدبير العملية الانتخابية في المغرب، أثناء عملية التقطيع الانتخابي إلى إلحاق المناطق القروية أو شبه القروية بالمجموعات الحضرية، وذلك لتتمكن من إغراق المرشحين المحسوبين على التيارات المعارضة في دوائر الطبقات الفقيرة، تماشيًا مع فكرة أن الفئات الفقيرة هي الأكثر تعرضًا لإغراءات الزبائنية الانتخابية، وضغط السلطة عكس الطبقات الوسطى التي تملك نوعًا من الاستقلال النسبي(37). بهذه الكيفية جعل النمط المتبع في التقطيع الانتخابي في المغرب علاقة محترفي الانتخابات ببعض الدوائر الانتخابية علاقة تبعية مما يؤكد على أن العملية الانتخابية في المغرب لا تتأسس على علاقات تعاقدية وسياسية، بقدر ما تتأسس على علاقات قوامها الولاءات الشخصية والزبائنية الانتخابية.
وللمحاججة عن هذه الفرضية يمكن الرجوع إلى نسبة السكان المنتشرة بالعالم القروي في المغرب والمقدرة بـ54 في المئة، والذي يتمركز فيه 70 في المئة من الفقراء، وضعف الأمية المنتشرة بالمجال الحضري(38)، مقابل 55 المنتشرة في المدار الحضري. بمعنى أنه عملًا بمبدأ المساواة تعطى الأفضلية في عدد المقاعد الانتخابية للدوائر الحضرية، وهو ما لا يتجسد على مستوى الواقع، الذي نجد فيه على سبيل المثال لا الحصر في تقسيم دوائر الجماعات الترابية أن الدائرة التي يفوق عدد سكانها 400 ألف نسمة، وهي في العادة حضرية، تحظى فقط بـ61 مقعدًا، في حين تحظى الدوائر التي لا يتعدى سكانها 7500 نسمة، وهي في الغالب دوائر قروية بـ10 مقاعد. وهذا ما يفسر تمثيل الدوائر القروية بما يقارب عشرة أضعاف الدوائر الحضرية(39). وهو معطى تفسيري يمكن ربطه بنمط الاقتراع الفردي المعمول به داخل الدوائر التي يقل عدد سكانها عن 50 ألف نسمة، والتي تكون ذات طابع قروي، حيث تسود الممارسات السياسية التقليدية المرتبطة بالأعيان والولاءات والتضامن القبلي، أكثر ما تسود فيه الممارسات المرتبطة بالتسيس الحزبي والمشاريع والبرامج الانتخابية.
وهو ما يسمح بالقول: إن التقطيع الانتخابي في المغرب خاضع لمبدأ الضبط السياسي للمجال الانتخابي، عبر ترييف الدوائر الانتخابية وذلك لما يتيحه المجال القروي من انتعاش النخب التقليدية، المتمثلة أساسًا في الأعيان بما تملكه من رأسمال مادي ورمزي، وقدرتها على خلق الولاءات السياسية المبنية على الشبكات الزبائنية.
وتجدر الإشارة إلى أن الهندسة الانتخابية لانتخابات الثامن من سبتمبر/أيلول 2021، أفضت إلى إجراء الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية في يوم واحد، في سابقة تاريخية لم يشهدها المغرب من قبل. وبالرجوع إلى القراءة الموضوعية للمؤشرات التي وفرها الميدان الانتخابي لعلمية الجمع بين الانتخابات الوطنية والمحلية في يوم واحد، نجدها تدعم أيضًا فرضية البحث عن كسب رهانات وطنية بآليات محلية. وذلك على مستويين: مستوى أول متمثل في الرفع من نسبة المشاركة الانتخابية التي بلغت 51% في 2021، في حين لم تكن تتجاوز في الاستحقاقات السابقة معدل 40% خصوصًا على مستوى الانتخابات التشريعية، بالمقارنة مع الانتخابات المحلية التي يقترب فيها المعدل إلى حدود 50%. الأمر الذي يدل على أن الجمع بين انتخابات الجماعات الترابية التي يحضر فيها بدرجة كبيرة منطق القرب والشخصنة، وتأثير الولاءات والتضامن القبلي، مع الانتخابات التشريعية التي يقل فيها تأثير هذه الحسابات على سلوكات الناخبين، كان الغرض منه هو تأثير المصوِّتين للمرشحين في الانتخابات الجماعية الترابية على المرشحين للانتخابات التشريعية. وهذا ما يؤدي إلى المستوى الثاني من التحليل في ارتباط مع ما سبق، متمثل في الدور المحوري للأعيان داخل الدوائر الانتخابية المحلية الصغيرة في التأثير على الناخبين من أجل كسب ولائهم للتصويت عليهم محليًّا، ثم التصويت على من يناصرونهم من مرشحين على مستوى الانتخابات التشريعية، وهو ما أدى إلى توسيع دوائر اشتغال أدوات الزبائنية في انتخابات 2021.
من العوامل القانونية الأخرى التي تساعد على توسيع موارد الزبائنية في النظام الانتخابي المغربي؛ انتشار ظاهرة الجمع بين الانتدابات، وعندما نتحدث عن الجمع بين الانتدابات الانتخابية، فإننا نتحدث عن منظومة وممارسة متفردة تفرض على النخبة السياسية التحرك بشكل متوازي ومتزامن في الموقع المحلي والوطني(40)، بمعنى أن تتعدد أوجه التمثيلية الانتخابية بين ما هو محلي من خلال الجماعات الترابية والجهوية، وبين ما هو وطني من خلال التمثيلية النيابية سواء بمجلس النواب أو بمجلس المستشارين. هذا التعدد في التمثيلية الذي يسمح به القانون الانتخابي المغربي، يوسع ظاهرة انتشار الزبائنية الانتخابية كما يقوي دور الأعيان في اللعبة الانتخابية.
ثالثًا: الزبائنية الانتخابية والرهان على التمثيلية الجاهزة
- الأعيان وكلاء للزبائنية الانتخابية
توصف عملية اختيار المرشحين الانتخابيين خصوصًا للانتخابات التشريعية، بالعملية الأساس عند كل الأحزاب السياسية، باعتبارها المرحلة التي تحدد الفاعلين على مستوى التمثيلية السياسية، وهو ما يدفع معظم الأحزاب السياسية نحو تكليف قياداتها على المستوى المركزي بالمصادقة على الترشيحات ومنح التزكيات للمرشحين. على اعتبار أن اختيار المرشحين الانتخابيين هي عملية تستثمر في نوعية معينة من فرسان اللعبة الانتخابية كما يدعوها عبد المنعم لزعر، وهي نوعية تملك الصلاحية للعب الانتخابي، وامتلاك الصلاحية معناه تكريس الفاعل لعمره البيولوجي وزمنيَته وتاريخه للعبة، من أجل تبيئة تلك الكفاءة المعترف بها اجتماعيًّا والمتجسدة في المؤهلات والرساميل التي يحوزها فاعل من الفاعلين(41).
وتتجسد طبيعة هذه الرساميل بالأساس في قوة شبكات العلاقات الاجتماعية والقرابية والقبلية والعائلية، ثم قوة الامتداد الترابي للمرشح وتمثيليته المحلية، فضلًا عن قدرته في بناء شبكة من الأتباع المحليين التابعين في إطار علاقة يطبعها تبادل المنافع والعطايا. وبعبارة أخرى، من يملك حظوظًا أوفر بالفوز وحصد عدد كبير من الأصوات. إن الحديث هنا ينصب عن نوعية من المرشحين هم “الأعيان” ورجال المال والأعمال، الذين يشكِّلون رقمًا أساسيًّا في معادلة اللعبة الانتخابية بالمغرب، لما يملكونه من رساميل مشكَّلة من ثلاثية: المال والأرض والعلاقات الزبائنية(42). لهذا تتجه الأحزاب في رهاناتها الانتخابية إلى اختيار المرشحين المتوفرين على الرساميل المادية والقادرين على تمويل الحملة الانتخابية بأنفسهم(43).
وبالرجوع إلى المرشحين للانتخابات التشريعية للثامن من سبتمبر/أيلول 2021 على مستوى الدائرة الانتخابية أكادير-إداوتنان، نجد أنه من أصل 19 وكيل لائحة فإن نسبة 67% مقاولون، و13% تجار، و15% موظفون، ثم 5% متقاعدون. ونجد أنه من أصل 19 وكيل لائحة انتخابية 83% منهم لديهم انتدابات محلية في الولاية الانتخابية لسنة 2015، إما كرؤساء جماعات أو كأعضاء في المجالس الترابية. بينما أسفرت النتائج الانتخابية للثامن من سبتمبر/أيلول 2021 عن فوز ثلاثة مقاولين ورجال أعمال بمقاعد انتخابية مقابل موظف بمقعد انتخابي واحد. بمقابل عمالة تاونات حيث نجد على مستوى دائرتي تاونات-تيسة والقرية-غفساي من أصل 19 وكيل لائحة 58% مقاولون، 16% فلاحون، و13% تجار ثم 10% موظفون و3% متقاعدون. ومن أصل 19 وكيل لائحة انتخابية نجد نسبة 89% لديهم انتدابات محلية خلال الولاية الانتخابية لسنة 2015. وقد أسفرت النتائج الانتخابية لسنة 2021 عن فوز ثلاثة مقاولين بمقاعد انتخابية من أصل ثلاث مقاعد متبارى عليها بدائرة تاونات-تيسة، ثم مقاول وفلاح وموظف بالثلاثة مقاعد المتبارى عليها بدائرة القرية-غفساي. أما على مستوى دائرتي عمالة فاس الشمالية والجنوبية فنجد من أصل 39 وكيل لائحة انتخابية، 47% مقاولون، و19% تجار، و25 موظفون ثم 9% متقاعدون، ونجد أيضًا أسوة بدوائر عمالتي أكادير وتاونات أن نسبة 77% لديهم انتدابات انتخابية في الانتخابات المحلية لسنة 2015. وقد أسفرت النتائج الانتخابية عن فوز ثلاثة مقاولين بمقاعد انتخابية ودكتور طبيب بمقعد انتخابي من أصل أربعة مقاعد متبارى عليها بدائرة فاس الجنوبية، بينما أسفرت النتائج عن فوز مقاولين بمقعدين انتخابيين، ثم دكتور طبيب وموظف بمقعدين، من أصل أربعة مقاعد متبارى عليها بدائرة فاس الشمالية.
تحيل هذه الأرقام على أن الرهان على التمثيلية الجاهزة في الانتخابات المغربية رهان إستراتيجي لدى الأحزاب السياسية، لما تملكه هذه الفئات من رصيد انتخابي وإمكانيات مادية واجتماعية قادرة على المنافسة الانتخابية. وهو ما تؤكده تصريحات بعض القيادات الحزبية في المغرب خلال العملية الانتخابية حيث يؤكد الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الدستوري على أن منطق منح التزكيات للانتخابات التشريعية يخضع بدرجة أولى لمعيار التمثيلية السابقة للمرشحين(44). بنفس التصور يتجه الأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية الذي يؤيد فكرة أن منطق منح التزكيات للمرشحين يرتكز على من سيتمكن من الفوز وحصد أكبر عدد من الأصوات(45). بغضِّ النظر عن الامتداد الحزبي والسياسي للمرشح، فالمعيار الأساس هو ما يتوفر عليه من إمكانيات مادية ورمزية، ونفود محلي يمكِّنه من خوض العملية الانتخابية وتمويلها، وجلب الأصوات بأي طريقة كانت.
لعل أول ما تجدر إليه الإشارة بهذا الصدد؛ أن معيار اختيار المرشحين للانتخابات في المغرب لا يتأسس بدرجة كبيرة على الانتماء والولاء الحزبي والقدرة على المرافعة السياسية حول برنامج الحزب، بقدر ما يرتكز على النخب المحلية التقليدية المعروفة بالأعيان، والتي توصف بأنها نخب غنية تنحدر في الغالب من أسر ذات شأن ونفوذ كبيرين، وتنتمي إلى قبيلة محلية معروفة. فضلًا عن اكتساب العين مجموعة من الصفات التي تؤهله لدور الزعامة القيادية، وتجعله محط جذب للاستثمار السياسي من قبل الأحزاب، ومنها قربه من سكان الدائرة الانتخابية وما يمثله مركزه الاجتماعي ونسبه وإمكانياته الاقتصادية والمالية لدى مخيلة السكان، باعتبارها تعبيرًا عن قدرته على البذل والعطاء وتقديم خدمات للساكنة. ومن سمات الأعيان أنهم لا يملكون مشروعًا سياسيًّا، ولا يحملون أفكارًا اجتماعية وسياسية متميزة عما هو شائع وذائع بين العامة، كما أنهم لا يهتمون بالأيديولوجيات والخلفيات السياسية للأحزاب التي يمثلونها، كما لا يشغل بالهم الهموم الفكرية التي يحملها المناضلون والمثقفون(46). وهو ما يفسر ظاهرة الترحال الدائم للأعيان الانتخابيين، فهم لا يملكون انتماء سياسيًّا قارًّا، أو تصورًا خاصًّا للعمل الحزبي، ولكن المقياس الذي على أساسه يفاضلون بين الأحزاب السياسية، هو ما تتيحه من فرص لربط علاقات وتحالفات يتم استغلالها للمحافظة على امتيازاتهم، وتحقيق مكاسب مادية ومعنوية لنفسه وأتباعه(47). لهذا، يكون اختياره للأحزاب قائمًا على درجة قرب الحزب من السلطة والمشاركة في الحكومة، والابتعاد عن التوجهات المعارضة لها.
وعليه، تمر عملية انتقاء المرشحين عبر مسطرة يتم الحسم فيها ليس على مستوى الفروع المحلية والجهوية للأحزاب، ولكن يتم الحسم فيها على المستوى المركزي للأحزاب، فالقيادات الحزبية المركزية هي التي تعطي التزكيات الانتخابية بناء على معايير تكتنفها رهانات شخصية أكثر منها رهانات سياسية وأيديولوجية؛ فلا يهم تاريخ الانتماء إلى الحزب، كما لا يهم التدرج في الانتماء لهياكل الحزب والولاء الأيديولوجي، لكن الأهم الذي يحضر في عملية الانتقاء هو السلطة الرمزية والمادية التي يحظى بها المترشح للحصول على التزكية، ثم الانتماء المجالي للدائرة الانتخابية، والانحدار العائلي والدموي للمرشح بالدائرة ثم درجة الوفاء والولاء الشخصي والتقرب للمسؤولين الحزبيين.
يتشكل إزاء ذلك هيكل بنيوي هرمي من الزبائن، قاعدته الزبائن الذين يدلون بصوتهم للمرشحين الانتخابيين المتمثلين في الأعيان المحليين، والذين يجسدون بدورهم زبائن للمسؤولين الحزبيين على المستوى الوطني الذين يضعون مجموعة من الشروط والقواعد في اختيار المرشحين الذين يملكون “بروفايلات”، من ميزاتها الإمكانيات المادية والرمزية التي يحضون بها، ثم قدرتهم على البذل والعطاء وتوزيع الخدمات والمنافع في عملية التعبئة الانتخابية.
- الترحال السياسي آلية للاستقطاب الزبائني
ارتباطًا ببروز ظاهرة الأعيان باعتبارها محركًا أساسيًّا للحقل الانتخابي المغربي؛ تبرز ظاهرة الترحال السياسي كإستراتيجية دائمة في العملية الانتخابية بالمغرب، ومحركها الرئيسي أيضًا هو العين الانتخابي الذي تظل رهاناته السياسية والحزبية قائمة على ما يمكن للحزب تحقيقه له من أهدافه وأغراضه، والاستجابة لطلباته وتدخلاته، وإذا لم يعد الحزب يؤدي تلك الوظائف، تخلى عنه، وتبعه في ذلك زبائنه وأنصاره وأتباعه. لهذا نلاحظ أنه يكفي في بعض الأحيان أن يغير العين انتماءه السياسي، ليحدث تحول مهم في الخريطة السياسية المحلية، ولتنقلب موازين القوى بين التيارات والتنظيمات السياسية الموجودة محليًّا(48). فالانتماء السياسي لا يتحدد هنا، كما خلصنا سابقًا، على المرجعيات والأيديولوجيات والخلفيات التاريخية للحزب، وإنما على الإمكانات التي سيوفرها الحزب للعين بعد الحصول على المقعد الانتخابي.
بناء على المعطى السابق، تعد ظاهرة الترحال السياسي وتغيير الانتماء الحزبي ظاهرة ملازمة للزمنية الانتخابية في المغرب، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الأرقام التي تقدمها لنا الانتخابات العامة للثامن من سبتمبر/أيلول 2021، التي تكشف أنه من أصل 92 وكيل لائحة محلية على مستوى الانتخابات التشريعية تمت تزكيتهم للتنافس على 305 مقاعد خلال الانتخابات التشريعية لـ 8 من سبتمبر/أيلول 2021، قام حزب التجمع الوطني للأحرار بمنح التزكية لـ 39 وافدًا من أحزاب سياسية أخرى بنسبة 42.39%. يليه حزب الاستقلال الذي منح التزكية لـ 28 وافدًا من أصل 92 لائحة تم اعتمادها خلال الانتخابات بنسبة 30.43%. يليه حزب التقدم والاشتراكية الذي منح التزكية لـ 24 وافدًا من أصل 91 لائحة تم اعتمادها من طرف الحزب خلال الانتخابات أي بنسبة 26.37%. يليه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي منح التزكية لـ21 وافدًا، من أصل 92 لائحة قام باعتمادها خلال الانتخابات بنسبة 22.82%. يليه حزب الاتحاد الدستوري الذي منح التزكية لـ 15 وافدًا، من أصل 62 لائحة تم اعتمادها من طرف الحزب في الانتخابات أي بنسبة 24.19%. يليه حزب الأصالة والمعاصرة الذي منح التزكية لـ 12 وافدًا، من أصل 92 لائحة تم اعتمادها من طرف الحزب في الانتخابات بنسبة 13.04%. يليه حزب الحركة الشعبية الذي قام بتزكية تسع وافدين من أصل 79 لائحة تم اعتمادها من طرف الحزب في الانتخابات أي بنسبة 11.39%. في حين لم يقم حزب العدالة والتنمية باستقطاب أي مرشح من حزب آخر على مستوى وكلاء 92 لائحة تم تقديمها خلال هذه الانتخابات(49).
وهو ما يُظهر أن الترحال السياسي بالرغم من القيود القانونية التي حاولت تطويقه، يظل متغيرًا فارضًا نفسه في الحقل الانتخابي المغربي. وما تكشفه هذه الظاهرة أيضًا أن الترحال السياسي ينبني على نوعية خاصة من المرشحين التي تبحث عن ضالتها في الأحزاب التي من المتوقع أن يكون لها حضور على قمة الهرم الانتخابي، والتي يتم التسويق لها أنها من الأحزاب المقربة من السلطة.
كما أن النظر في نوعية النخب المعنية بالترحال السياسي نجد أنها نخب تكتسي طبيعة خاصة ورساميل مادية ورمزية، قادرة على المنافسة الانتخابية وتأمين الفوز بالمقعد الانتخابي واستقطاب عدد كبير من الأتباع والناخبين للحزب. وهو ما يفسر أيضًا توجه الأحزاب في اختياراتها للمرشحين الانتخابيين خصوصًا في الانتخابات التشريعية نحو استقطاب فئة الأعيان الانتخابية بغض النظر عن انتماءاتها الحزبية السابقة، ما دام أنهم يتوفرون على رساميل مادية ورمزية وامتداد عائلي ووجاهة اجتماعية وكفاءة مالية لتمويل العملية الانتخابية. لهذا نجد أن القاسم المشترك لدى معظم المعنيين بالترحال السياسي في انتخابات 2021 هم إما برلمانيون سابقون، أو رؤساء جماعات وأصحاب تمثيلية جاهزة من المؤهلين والقادرين على المنافسة في السباق الانتخابي. الأمر الذي يدل على أن الانخراط في الحزب السياسي عشية الانتخابات يتأسس على أغراض انتخابية صرفة، تخدم الإستراتيجيات الزبائنية للمرشحين، “لذلك تقوم مفاضلتهم بين الأحزاب السياسية المختلفة على أساس فعالية الشبكة الزبائنية التي يتوفر عليها كل واحد منها”(50).
رابعًا: أنماط الزبائنية في الممارسة الانتخابية المغربية
- تعبئة الموارد: مرتكزات الزبائنية في إستراتيجية المرشحين
كشفت معطيات البحث الميداني أن من إستراتيجية الأعيان في التعبئة الانتخابية هو لجوؤهم إلى نسج شبكة من العلاقات الزبائنية مع محيطهم الصغير، ثم العمل على توسيعها لتضم أكبر عدد ممكن من الأشخاص. ويحرصون على تقوية هذه العلاقات واستدامتها، حتى خارج فترة الانتخابات، بتقديم مختلف أنواع الخدمات وإقامة الحفلات والولائم، والحضور في الأعراس والجنائز، وتقديم الدعم للمحتاجين؛ مما يُكسبهم مكانة وسمعة طيبة داخل شبكة علاقاتهم، أي زبائنهم، داخل الجماعة التي ينتمون إليها؛ الأمر الذي يجعلهم يستقطبون زبائن جددًا(51). وهو ما ساعدنا في الإجابة عن سؤال: ما الذي يدفع الناخبين المغاربة للتصويت؟ وهنا تساءلنا عن طبيعة العلاقة التي تربط المرشح بالناخبين وإن لم تكن هناك علاقة مباشرة بين الطرفين هل هناك وجود لوسطاء في هذه العلاقة؟ هل هي علاقة عمودية بين المرشح وأتباعه المناضلين المنتمين لنفس الهوية السياسية أم علاقة أفقية تخضع لشبكات ذات طبيعة اجتماعية وقراباتية وترابية ومنفعة مادية؟
يُظهر الجانب العملي من عملية التعبئة الانتخابية في المغرب، ثلاثة أصناف من الناخبين الذين يدخلون في علاقة يحكمها طابع زبائني مع المرشح: صنف يعرض ولاءه للمرشح للتعبير عن امتنانه ورد دينه للمرشح، باعتباره كزبون دائم التبعية نظير المنافع السابقة التي تلقاه من المرشح. إما بالحصول على خدمات من المصالح العمومية عبر وساطة مباشرة من طرف المرشح، أو عبر تقديم منافع عينية تتمثل في الحصول على لوازم مدرسية أو أدوية أو المساهمة في شراء أضحية العيد، أو رخص إدارية…، باعتبارها موارد نادرة خصوصا في الأوساط القروية.
ثم هناك صنف آخر من الزبائن الذي يكون وليد اللحظة الانتخابية ويتم استقطابه من طرف الوسطاء بمقابل منفعة مادية لحظية، حيث يعد اللجوء إلى استعمال المال للحصول على الصوت الانتخابي لهذا النوع من الناخبين وسيلة لكسب ولائهم، نظرًا لاعتبارهم العملية الانتخابية لحظة للانتفاع اللحظي ومناسبة للبيع والشراء. وهنا يسترعي الانتباه قول أحد المشاركين في البحث لما سئل عن تمثله للعملية الانتخابية، معبَّرا عن: “أنها فرصة لاستغلال أكبر قدر ممكن من العطايا والمقابلات المادية، فلن أسمح للمرشح بالفوز بالمقعد الانتخابي ثم يمضي لحال سبيله ويترك لنا “الفراغ”. وتأكيدًا لهذا المعطى تمت معاينة، عبر الملاحظة بالمشاركة في العملية الانتخابية، العديد من أشكال السؤال عن المقابل المادي للإدلاء بالصوت الانتخابي للمرشح. الفعل الانتخابي وفق هذا التصور لا يعبر عن عملية مواطنتيَة للمشاركة في صناعة الخريطة الانتخابية وانتداب الممثلين في المجالس والبرلمان، بينما هو عمل يحتاج للانتفاع المالي أو بالأحرى هو مقايضة بين طرفين في حاجة لتبادل سلعهما.
وهناك نوعية ثالثة من الناخبين؛ التي توقفنا عندها في بعض المداشر القبلية والدواوير التي تعتبر أعمال الإنارة وفتح المسالك الطرقية أو المساهمة في بناء مساجد للعبادة أو مجاري المياه العادمة، التي يعمل المرشح إما بصفته عضوًا بالجماعة القروية أو رئيسها على تسويقها لنفسه، تعتبر دَيْنًا على سكان الدوار يؤدونها ويردونها، عبر الإدلاء بأصواتهم للمرشح الذي يكون هو نفسه العضو الجماعي، أو يكون العضو الجماعي وسيطًا للمرشح للانتخابات التشريعية. ثم إن الهبات المقدمة من المرشح قبل الانتخابات من قبيل المساهمة في عقد بعض التظاهرات الرياضية، والفنية، والثقافية، التابعة لجمعيات محلية، والمساعدات المادية المقدمة في الأفراح والأتراح للمحتاجين، هي هبات تنتظر مقابلًا يُرد يقوم الاقتراع. وهي إستراتيجيات لشراء الولاءات الانتخابية بشكل مسبق، يعمل المرشحون الذين يحملون مقاعد انتخابية على تسخير الآليات والموارد الجماعية التابعة للجماعات التي يرأسونها أو يشكلون أغلبية مجالسها، من أجل تقديم خدمات بشكل جماعي للدواوير، كما سلف الذكر، كسبًا لولائهم الانتخابي. وحتى نتائج البحث الميداني تدل في معظمها على تفضيل الناخبين للمرشح الخدماتي عن المرشح البرامجي، فالأول يكون أكثر نفعًا وأكثر قربًا وأسرع في الاستجابة لحاجيات ومطالب المواطنين، التي هي في الأصل خدمات عمومية لكن يسوَّق لها من طرف المرشحين على أنها خدمات تحتاج إلى تدخل خاص من طرفهم.
وقد أكدت العينة المعتمدة في البحث الميداني، عن أن إستراتيجية تعبئة الموارد الانتخابية عبر توفير الخدمات والعطايا يعد معطى ثابتًا في اللعبة الانتخابية، فقد أدلت نسبة 42% عن تلقيها عروضًا من أجل تقديم المساعدة المالية وخدمات مقابل الإدلاء بالصوت الانتخابي، مقابل 51% التي نفت ذلك، في حين أن نسبة 7% رفضت الإجابة.

- المصدر: من إعداد الباحث.
وفي سؤال عن الاستفادة من خدمات أو عطايا من قبل المنتخبين، أكدت نسبة 38% استفادتها من خدمات وعطايا من طرف المنتخبين، في مقابل 47% من المشاركين الذين عبَّروا عن عدم تلقيهم لأي خدمات أو عطايا، في حين سجلت نسبة 15% تحفظها للإجابة على السؤال، وإن كان توجهنا يذهب نحو اعتبار رفض الإجابة هو إقرار ضمني بتأكيد فعل تلقي عرض مادي من أجل الإدلاء بالصوت الانتخابي.

- المصدر: من إعداد الباحث.
وعلى مستوى آخر من التعبئة الانتخابية؛ يلعب الوسطاء دورًا محوريًّا في إنجاح العلاقات الزبائنية خلال اللحظة الانتخابية، وهؤلاء يتكونون من المقربين وأهل الثقة من المرشح، ويتعدد الوسطاء حسب حجم الدائرة الانتخابية وطبيعة العلاقات الاجتماعية والقبلية السائدة بها. يتسم الوسطاء بقدرتهم العالية على التواصل والانخراط في العلاقات الاجتماعية، ودرايتهم الكبيرة بالدائرة الانتخابية وشهرتهم بها، وكفاءتهم في استقطاب الأتباع. فدور الوسيط ليس توزيع المنافع التي يحرص المرشح على توزيعها بعقلانية، كما أن دوره في استمالة الناخبين لا يتأسس على التعريف بمشروع وبرنامج الحزب الذي ينتمي إليه المرشح الذي لا يكون له دراية به في غالب الأحيان، وهنا أستحضر إجابة أحد الوسطاء داخل أحد أسواق الجماعات الترابية أثناء الحملة الانتخابية، لما سألته كنوع من الاختبار، عن طبيعة البرنامج الحزبي للمرشح الذي يقود حملته الانتخابية: لوَّح بهمة وبنوع من التحدي بيده نحو جيبه، في إشارة بليغة إلى أن برنامجهم الانتخابي يرتكز على ما يقدمونه من منافع وعطايا للناخبين.
وفي بعض الأحيان يظهر الوسطاء أكثر قوة من المرشحين خصوصًا في الحشود الانتخابية، فيكون هو الناطق الأول الذي يصيح بأهمية وأحقية وقوة المرشح باعتباره ابن المنطقة وابن العائلة التي تتمتع بباع تاريخي طويل وصاحب “الدار الكبيرة” حيث بابه مفتوح للناخبين في أي وقت، كما يدعوهم للقاء بالمساء في بيت المرشح للتعرف أكثر على حقيقة كلامه. وتكون هذه الإستراتيجية في الخطاب بمنزلة دعوة مبطنة للانخراط في الشبكات الزبائنية، وتوسيع عدد الأتباع لضمان أكبر عدد من الأصوات. فضلًا عن أنها عنصر من إستراتيجية اختبار الولاءات الانتخابية، فالمرشحون لا يجازفون بأموالهم جزافًا كما قد يتبادر إلى الذهن، فهم يتخذون ما يكفي من الاحتياطات لضمان أصوات الناخبين والتقليص من احتمالات خسارتهم(52). ومن جملة تلك الاحتياطات، الاختيار الدقيق للأشخاص والأسر المستهدفة من بناء شبكة العلاقات الزبائنية الانتخابية.
- استثمار الولاءات التحتية
يتسم المجتمع المغربي في عمومه ببنية اجتماعية، تحركها العلاقات العائلية والقبلية والانتماءات الترابية بشكل كبير. لهذا يسجل بدرجة كبيرة حضور ذوي القرابة العائلية والأصدقاء والجيران في الصفوف الأمامية لدعم المرشحين خلال الحملة الانتخابية، مع تسجيل حضور باهت للمنتمين والمتعاطفين الحزبيين للمرشحين. في هذا الباب يقول مارسيل موس: “إن الولاءات القبلية تبقى عاملًا أساسيًّا في تحديد التمثيلية السياسية، أي إن الناخبين يصوتون على المرشح الذي يمثل انتماءهم القبلي”(53). وكان ريمي لوفو (54) قد حاجَّ في رصده للظاهرة الانتخابية خلال ستينات القرن الماضي حول عامل القبيلة في العملية الانتخابية، الذي فطنت له السلطة السياسية في المغرب من أجل إضعاف دور المعارضة في التعبئة الانتخابية. من خلال دفع الأعيان الانتخابيين إلى العملية الانتخابية، وتقسيم الدوائر الانتخابية على أساس الخصائص الثقافية والقبلية المحلية. وهو ما أدى إلى بروز دور الأعيان في تحريك العملية الانتخابية، وتحولهم إلى رقم أساسي في التمثيلية الانتخابية في جميع الانتخابات التشريعية والجماعية التي عرفها المغرب.
بروز الأعيان في العملية الانتخابية وفق خلفية قبلية وعشائرية وعائلية، أدى إلى تنامي ظاهرة الاستثمار في اللجوء الاجتماعي إلى العين، سواء لقاء قضاء مآرب اجتماعية أو إدارية أو طلب مساعدة مادية. في هذا الصدد وجوابًا على سؤال لأحد المشاركين في البحث، حول: لماذا بالضبط التصويت على المرشح الذي يعد من أعيان المنطقة دون مرشح آخر؟ فكان الجواب: “لأنه صاحب البيت المضياف (صاحب الدار الكبيرة) الذي نجده في السراء والضراء، في العزاء وفي الأفراح”. وفي جواب لمشارك آخر: “هو الذي ييسر لنا عملية الحصول على الخدمات الصحية، وهو الذي يوفر سيارات الإسعاف للمرضى من أجل التنقل إلى مستشفى المدينة، وهو الذي يساعد على فك من تم حجز سيارته لدى مصالح الدرك الملكي، وهو الذي يقيم العزاء في المآتم ويوفر الخيم والمؤن في الأفراح”. “اللجوء الاجتماعي إلى العين الذي يؤسس لتبعية مستمرة في الزمان، يؤكد على أن الزبائن دائمًا في حاجة إلى أعيان يقومون بالدفاع عنهم والذود عن مصالحهم لدى المصالح الإدارية”(55). وهو ما يؤشِّر أيضًا على أن العلاقة الزبائنية هي علاقة غير متكافئة تقوم على تبادل منفعي بين من يملك ومن لا يملك.
فالأعيان الانتخابيون يعون جيدًا أن الرهان على كسب العملية الانتخابية لا يرتبط باللحظة الانتخابية فقط، ولكنه عمل مستمر يستثمر من خلاله رساميله المادية والرمزية وعلاقاته الشخصية مع المصالح الإدارية، من أجل الاستجابة لمطالب وحاجيات الزبائن، الذين يتحولون إلى قاعدة انتخابية ثابتة ووفية بحكم المعروف الذي يقدمه العين الانتخابي للناخبين. وهنا جاء جواب أحد المشاركين في البحث لتأكيد هذا المعطى: “فالحاج (المرشح)…خيره سابق ومعروفه ثابت، وإذا ما احتجته فهو لا يفوت الفرصة على قضاء الحاجة، وحتى إذا لم يكن ترشح بنفسه كنت سأصوت على الشخص الذي يدعوني إلى التصويت عليه، نحن أبناء الأصل وثقافتنا علمتنا ألا نفوت أصلنا”. إنها ثقافة التبعية التي تكرسها العلاقات الزبائنية في المجتمعات النيوبارتريمونيالية، وإن كانت الخدمات الاجتماعية التي يوفرها العين الانتخابي تعد من حقوق وواجبات السلطات الإدارية على مواطنيها، وحتى إن كانت معظم الحاجيات التي يوفرها العين لأتباعه ليست من ملكه الخاص، كتوفير آليات لتعبيد الطرق وتسهيل الولوج للمرافق الصحية والتعليمية. إلا أن حضور رمزية العين وثقل وجوده، يعد في تمثلات الزبائن الانتخابيين معروفًا لا يمكن تجاوزه، إلا برد الجميل عبر التصويت له في العملية الانتخابية. والتصويت هنا لا يكون بالضرورة فرديًّا ولكن يكون في كثير من الأحيان جماعيًّا، مرتبطًا بحجم امتداد الأسرة والعائلة التي أسدى لفرد من أفرادها الخدمات والحاجيات التي أداها العين الانتخابي.
وجاءت الإجابة عن سؤال المحفزات والدوافع التي أدت بالمشاركين في البحث لاختيار مرشح دون آخر، عن أن المرشح الذي يسهر على تقديم الخدمات للمواطنين بنسبة 26% والذي يكون قريبًا من المواطنين بنسبة 25%، وعامل الدافع الجغرافي 17%، والقرابة العائلية 14%، في حين لم يكن الدافع المتعلق بمقاومة الفساد إلا 3%، ودافع تحسين البنية التحتية والصحية والاستثمارية للدائرة الانتخابية إلا نسبة 11%.

- المصدر: من إعداد الباحث.
وبخصوص الجواب عن سؤال طبيعة العلاقة التي تربط الناخبين بالمرشحين، أجابت نسبة 23% عن أن طبيعة العلاقة التي تربطها بالمرشح تنطوي على الاستجابة والتواصل الإيجابي كلما احتاج للمرشح. ونسبة 25% أقرت بانتماء المرشح للمجال القبلي والجغرافي للناخب، كما أن 21% من العينة أكدت على أن العلاقة التي تربطها بالمرشح ترجع لخدمات سابقة أسداها المرشح للناخب. مقابل 13% التي أكدت على طبيعة الصداقة التي تربط المرشح بعائلة الناخب، في حين أكد 3% من العينة على الانتماء العائلي للمرشح، بينما لم ينفِ إلا 13% أي علاقة وصلة تربطهم بالمرشح.

- المصدر: من إعداد الباحث.
كما يبدو، تعتبر الرابطة القبلية والعائلية إلى جانب القرب وإسداء الخدمات، دافعًا ومحفزًا للناخبين من أجل الإدلاء بأصواتهم وتحديد اختياراتهم الانتخابية، في حين لا تلعب عوامل النهوض بالبنيات التحتية والصحية والاستثمارية ومحاربة الفساد، دورًا مؤثرًا في اختيارات الناخبين. نحن إذن أمام علاقة تطغى عليها الأبعاد الشخصية والقرابة العائلية والانتماء الجغرافي محدداتٍ ودوافع بارزة بدرجة كبيرة للاختيار والتعبير عن القناعات الانتخابية. هذه القناعات التي تتغذى على البنية التقليدية التي توجه رؤية الناخب وتصوراته للعملية الانتخابية؛ حيث تركز على معايير القرابة والانحدار العائلي ودرجة الانتماء القبلي وحجم العطاء الذي يقدمه المرشح للناخبين.
بيد أنه؛ على الرغم من نسبية المؤشرات التي تفصح عنها نتائج البحث السابقة ودرجة تمثيليتها لشكل سلوك الناخب المغربي، إلا أنها تقدم لنا دلالات ومعطيات سوسيولوجية عن بعض أنماط الممارسة الانتخابية في المغرب. من جملتها أن الرهانات الأساسية للمرشحين والناخبين في العملية الانتخابية في المغرب، لا تتأسس على أبعاد سياسية بقدر ما تتأسس على رهانات شخصية، والاستفادة المتبادلة بين طرفين يملكان سلع قابلة للمقايضة. الأمر الذي يطرح إشكالية التمثيلية السياسية، وكيف تقوض ظاهرة الزبائنية الممارسة الانتخابية في المغرب.
رابعًا: كيف تؤثر الزبائنية الانتخابية على التمثيلية السياسية؟
من دون شك أن الممارسات الزبائنية وما يرتبط بها من تفشي ظاهرة شراء الأصوات والولاءات التقليدية، يكون لها تأثير على تفضيلات الناخبين واختياراتهم الانتخابية، كما يكون لها تأثير بالغ على المسار الديمقراطي للبلدان، لما من شأنها من إضعاف الثقة في المؤسسات الدستورية للدول، وتقليص نسبة المشاركة السياسية فيها. ووفق دي سوزا (De Sousa) تعيق الزبائنية ركائز الشرعية الديمقراطية مما يؤدي إلى انخفاض واضح في مستويات الثقة ودعم مؤسسات الدولة: فهي تلحق الضرر بشرعية مدخلات (Input legitimacy) العملية الديمقراطية من خلال تحجيم عملية التصويت إلى شكل من التبادل والمقايضة، وتلحق الضرر أيضًا بشرعية الإنجاز(Throughput legitimacy) لأنها تحرف قواعد اللعبة بطريقة غير شفافة لصالح مصالح الرعاة Patron؛ وتلحق الضرر أيضًا بشرعية المخرجات(output legitimacy) ؛ لأنها تؤدي إلى إنفاق عام غير مسؤول وغير خاضع للمساءلة(56).
يحيل واقع العملية الانتخابية في المغرب، وفق الدلالات الإحصائية السابقة، على أن الفعل الانتخابي بالمغرب يتم تمثله عملًا مؤدًّى عنه، وليس فعلًا مواطنتيًّا للمشاركة أو المساهمة في صناعة القرار، فهو عمل يتوجب الحصول على أجرته، وتحضر فيه قوة النسب ومعطى التجذر الاجتماعي(57). فالمرشح يقدم نفسه ابنًا للقبيلة وليس ممثلًا للحزب، كما يعرض نفسه صاحب معروف ومغدقًا في الخدمات وليس حاملًا لبرنامج أو مشروع سياسي. فتعاقده الانتخابي يقوم على ما وفره ويوفره وما سيوفره للناخبين الزبائن والأتباع، وليس على تصورات في تطوير السياسات العمومية وتجديد أشكال تدبير الشأن العام كما تفرضه الممارسة الانتخابية التنافسية.
وهو المعطى الذي تؤكده نتائج البحث الميداني حيث إن معظم المشاركين فيه الذين تصل نسبتهم 67% لم يطلعوا على البرنامج الانتخابي للمرشح، وإذا أضفنا لهم 31% الذين يدعون أنهم لم يتوصلوا بأي برنامج انتخابي من طرف المرشح تصبح نسبة عدم الاطلاع 98%. وهو ما يدفع إلى الاستنتاج بأن السلوك التصويتي لهؤلاء الناخبين لم ينبنِ على تعاقدات سياسية وبرامج حزبية أو وعود انتخابية، التي من المفروض أن تجسد التمثيلية السياسية في الأنظمة الانتخابية الديمقراطية؛ الأمر الذي يفرض البحث عن أشكال أخرى من التعاقدات التي كانت قوام الممارسة الانتخابية لهؤلاء الناخبين. وهنا نستحضر إجابة أحد المشاركين في البحث الذي أشار إلى: “أن اختياره للمرشح انبنى بدرجة أولى على قدرته وإمكانياته في تقديم الخدمات وقضاء المصالح الشخصية له ولعائلته”، فيما عبَّر مشارك آخر بصيغة أكثر وضوحًا لما اعتبر أن: “المال ومن يدفع أكثر هو الدافع له للتصويت، فيجب اقتناص اللحظة والاستفادة منها بأكبر قدر ممكن، فهي مناسبة لا تعاد سنويًّا والمرشح لن نراه إلا بعد سنوات أخرى لما يقترب موعد الانتخابات القادمة”؛ الأمر الذي يتوافق أيضًا مع نسبة المعبِّرين عن أن الانتخابات في المغرب تشكِّل فرصة للبيع والشراء التي بلغت نسبة 42%، واختيار من يخدم حاجيات الأفراد الشخصية داخل المصالح الإدارية 30%، وليس فرصة لمحاسبة المنتخبين التي جاءت بنسبة 06%، ولا لحظة لاختيار من يمثل المواطنين في المؤسسات التمثيلية 12% فقط. بمعنى أن نسبة ضئيلة من تعير اهتمامًا للخلفية السياسية وللتطلعات الانتخابية للحزب الذي ينتمي إليه المرشح، بقدر ما تحظر محددات أخرى.

- المصدر: من إعداد الباحث.

- المصدر: من إعداد الباحث.
ويُستنتج من المعطيات السابقة أن التمثيلية السياسية في المغرب، لا تخضع لاعتبارات سياسية فقط ولكن في جزء كبير منها تخضع للولاءات القبلية، وللاعتبارات العائلية، وللعوامل التحفيزية من قبيل العطايا والبذل والخدمات المنتفعة بشكل شخصي من طرف الناخبين. إن التمثيلية السياسية على هذا النحو في تصور الناخبين هي مدى القرب الذي يجسده المرشح إلى الناخبين، والمقابل الذي يقدمه المرشح لتحفيز الناخبين من أجل تحديد اختياراتهم الانتخابية، وهو تجسيد أيضًا للانتماء الجغرافي والقبلي والدموي للمرشح. إنه تمثيل للقبيلة والجماعة وليس لاختيارات تُبنى على رهانات سياسية واجتماعية واقتصادية من طرف الناخب، تجاه ما يأمل أن يقدمه المرشح عندما يفوز بالمقعد الانتخابي داخل قبة البرلمان أو داخل المجالس التدبيرية. وهو ما يجعل التمثيل السياسي في المغرب في ظل نسبة التصويت المنخفضة خاضع بدرجة معتبرة إلى مركزية الهويات الجماعية، خصوصًا في المناطق القروية التي تشهد أعلى نسبة من التصويت، لاعتبارات تحركها هذه الهويات والانتماءات الجماعية. وهو ما استنتجته منية بناني الشرايبي في بحث سابق لما جادلت بالقول: إن ميكانيزمات الهويات الجماعية تلعب دورًا محوريًّا خصوصًا في المناطق القروية؛ “حيث الانتخابات تتحول إلى لحظة تتقوى فيها الانتماءات القبلية والعائلية”(58). بهذا المعطى يضحي من شروط التمثيلية التجذر في الانتماءات المحلية والقدرة على تعبئة الموارد الرمزية والولاءات التحتية.
وعليه، ليست الزبائنية الانتخابية بهذا الشكل، كما يذهب حافظ عبد الرحيم، إلا إعادة إنتاج للرعية وترسيخها، باعتبارها أن الناخب يتلقى الحسنات والهبات والعطايا والتميز والمنافع والخدمات(59)، مقابل التعبير عن موقف من المفروض أن يشكل حقًّا من الحقوق الدستورية التي يعبِّر عنها بشفافية عبر القنوات المؤسساتية الشرعية، بتجرد من أي ولاءات أو ممارسات غير قانونية. فتتحول التمثيلية الانتخابية جرَّاء ذلك من تعاقد سياسي بين طرفهم على برنامج ووعود من المفروض أن تتجسد في شكل سياسات عمومية، إلى تعهدات غير رسمية منتجة لشبكة من الولاءات والتبعية التي تحضر فيها المصلحة الخاصة أكثر من المصلحة العامة.
خاتمة
تكشف خلاصات هذه الدراسة أن مسار الزبائنية الانتخابية في المغرب يبدأ من البنية القانونية المؤطِّرة للعملية الانتخابية المغذية للممارسات الزبائنية، مرورًا باختيار المرشحين وطرق شراء الولاءات الحزبية، وصولًا إلى عملية التعبئة الانتخابية التي ترتسم عبر شبكات من العلاقات الزبائنية بمختلف أشكالها، من شراء الأصوات، وتوظيف الولاءات التحتية، والقبلية، والعشائرية، والانتماءات الجغرافية، والانحدار العائلي. ويمثل اللجوء إلى الممارسة الزبائنية بهذا الشكل آلية من آليات التعويض عن التزوير المباشر للعملية الانتخابية، على اعتبار أن التلاعب بنتائج الانتخابات بشكل ظاهر يفقد الأنظمة السياسية شرعيتها وصدقيتها.
تخلص الدراسة كذلك إلى أن الاستثمار في الولاءات التحتية في الممارسات الانتخابية بالمغرب؛ يعد أمرًا في غاية الأهمية لتوسيع دائرة الأتباع وبالنتيجة التوفر على حظوظ أكثر للفوز بالمقعد الانتخابي، الأمر الذي يُبرز ألا رهانات المرشحين ولا الناخبين تنطوي على خلفيات سياسية، ومرجعيات أيديولوجية أو برامجية، ولكنها ترمي إلى الاستفادة المتبادلة المباشرة؛ إذ تحضر رهانات غنائمية تدور في فلك المصالح والرموز والخدمات والولاءات الشخصية.
تكشف الدراسة كذلك أنه بالرجوع إلى تاريخ العملية الانتخابية في المغرب، نجد أن المجال يعد متغيرًا بارزًا في توجيه التمثيلية السياسية في المغرب؛ فالولاءات التقليدية والعلاقات الشخصية، والشبكات الزبائنية تفرض نفسها محددًا رئيسًا في اختيارات الناخبين التصويتية. وإذا كانت التمثيلية السياسية داخل التجارب الديمقراطية تتأسس على النزاهة الانتخابية، التي تتأسس بدورها على الشفافية في التنافس الانتخابي، فإنه حينما تحضر مظاهر الزبائنية وشراء الولاءات الانتخابية عبر العطايا وتقديم المزايا، تصبح التمثيلية السياسية من دون معنى ولا تخدم غاياتها الديمقراطية. ومن ثمَّ سيؤدي استمرار حضور بنيات الولاءات التحتية، وأصحاب المكانة والمال والنفوذ في الممارسة الانتخابية، إلى عدم فتح المجال لظهور المرشحين السياسيين الذين يعتمدون على مرجعياتهم الحزبية، وبرامجهم السياسية في التعبئة الانتخابية.
المراجع
- Haskell Fain, “Hanna Pitkin’s The Concept of Representation”, Journal of Noûs, vol. 14, no. 1, (March 1980), p. 110.
- من رواد الموجة الأولى لدراسة الزبائنية السياسية، انظر:
Jean Franqois Medard, “Le Rapport de Clientèle, du phénomèneSocial A l’analyse Politique”,Revue Frangaise de Science Politique, no. 26, (1978), p.p. 103-31. Lemarchand, René and Legg, Keith, “Political Clientelism and Development: A Preliminary Analysis”, Journal of Comparative Politics, vol. 4, no. 2, (January 1972), p.p. 149-178. James C, Scott, “Comparative Political Corruption”, Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, Inc., (1972), p.p. x-166. Ernst Gellner & john Waterbury (ed.), Patrons and Clients in Mediterranean Societies, (London: Duckworth 1977).
- من رواد الموجة الثانية لدراسة الزبائنية السياسية، انظر:
Chistopher Clapham, (ed.), Private Patronage and Public Power, (New York: St. Martin’s Press 1982). Sharon Kettering, Patrons,Clients and Brokers in Seventeenth Century France (Oxford University Press 1986). A.Wallace-Hadrill, (ed.), Patronage in Ancient Society, (London: Routledge and Kegan Paul 1989).
- من رواد الموجة الثالثة لدراسة الزبائنية السياسية، انظر:
Piattoni, Simona (ed.), Clientelism, Interests, and Democratic Representation: The European experience in historical and comparative perspective, (Cambridge University Press 2001).Jean-Louis Briquet & Frédéric Sawicki (ed.), Le Clientélisme politique dans les sociétés contemporaines, (Presses Universitaires de France 1998).
- Roniger Luis, “Political Clientelism, Democracy, and Market Economy”, Comparative Politics, vol. 36, no. 3, (April 2004), p. 362.
- للاستزادة، انظر:
Mustapha Sehimi, Etudes des Elections Législatives au Maroc, (Casablanca Somadel 1978).
محمد باسك منار، الانتخابات بالمغرب: ثبات الوظائف وتغير في السمات، (الرباط، دار أبي رقراق للنشر والتوزيع، 2011). بثينة قروري، السياسة الانتخابية: دراسة في الأنساق والوظائف، (أطروحة دكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، جامعة محمد الخامس/الرباط، 2010/2011).
- للاستزادة، انظر:
ريمي لوفو، الفلاح المغربي المدافع على العرش، ترجمة: محمد الشيخ، (الدار البيضاء، منشورات وجهة نظر، 2006). رقية المصدق، منعطف النزاهة الانتخابية: معالم الانحسار في تدبير الانتخابات التشريعية المباشرة، (الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2006). عبد المنعم لزعر، اللعبة الانتخابية ورهانات الحقل السياسي، (سلا، مطبعة شمس برانت، 2021).
- للاستزادة، انظر:
عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الأعيان: آليات إنتاج الوجاهة السياسية في المغرب، (الدار البيضاء، منشورات دفاتر العلوم الإنسانية، 2013). حمان أوقفلي، السلوك الاجتماعي والسياسي للنخبة المحلية، (الرباط، مركز طارق ابن زياد، 2002). حسن قرنفل، أصوات الفقراء، (الرباط، دار أبي رقراق للنشر والتوزيع، 2021).
Mounia Bennani-Chraibi, Myriam Catusse & Jean-Claude Santucci (ed.), Scènes et Coulisses de l’élection au Maroc : Les législatives 2002, (Paris : Editions Karthala 2004).
- Thomas D. Lancaster, “Electoral Structures and Pork Barrel Politics”, International Political Science Review, vol. 7, no. 1, (1986), p.68.
- Jean Marie Bouissou, “Le Clientélisme Organisé dans une Démocratie Moderne. Le Cas des kôenkai Japonaises”, Dans :Jean-Louis Briquet et Frédéric Sawicki (ed.), Le Clientélisme politique dans les sociétés contemporaines, (Presses Universitaires de France 1998), 147.
- Stokes, S., Dunning, T., Nazareno, M., Brusco, V., Brokers, Voters, and Clientelism: The Puzzle of Distributive Politics, (Cambridge: University Press 2013).
- Oliver Joseph and Vasil Vashchanka, Vote buying, (Stockholm: International IDEA 2022), p. 5.Acceded on 13/02/2023, at: https://2u.pw/HPEHOOv1.
- Jordan Gans-Morse, Sebastián Mazzuca & Simeon Nichter, “Varieties of Clientelism: Machine Politics During Elections”. American Journal of Political Science, vol. 58, no. 2, (April 2014), p.p. 415–432.
- Ernst Gellner &John Waterbury (ed.), Patrons and Clients in Mediterranean Societies, (London: Duckworth 1977).
- Carolien Van Ham&Staffan I. Lindberg, Vote Buying Is A Good Sign: Alternate Tactics of Fraud in Africa 1986-2012, (Gothenburg: University of Gothenburg 2015), Acceded on 11/03/2023, at: https://2u.pw/mN8lODM9.
- Kitschelt, Herbert, Wilkinson, Steven (eds.), Patrons, Clients, and Policies: Patterns of Democratic Accountability and Political Competition,(Cambridge University Press 2007), p. 35.
- Ward Berenschot and Edward Aspinall, “How Clientelism Varies: Comparing Patronage Democracies”. Journal of Democratization, vol. 27, (November 2019), p. 16. Acceded on 12/03/2023, at: https://2u.pw/QVa02ZME.
- Simeon Nichter, Vote buying in Brazil: from impunity to prosecution, (Cambridge University Press 2022), p.14.
- Cesi Cruz, “Social Networks & the Targeting of Vote Buying”, Comparative Political Studies, vol. 52, Issue. 3, (March 2019), p. 385. Acceded on 12/03/2023, at: https://2u.pw/b053a1yq.
- Wolfgang Muno, “Conceptualizing and Measuring Clientelism”, German Institute of Global and Area Studies, Hamburg, (August 2010), acceded on 12/03/2023, at: https://2u.pw/6Q3ZXpmF.
- حماني أوقفلي، السلوك الاجتماعي والسياسي للنخبة المحلية، (الرباط، مركز طارق بن زياد، 2002)، ص307.
- Oliver Joseph & Vasil Vashchanka, Vote buying, (Stockholm: International IDEA 2022), p. 24. Acceded on 13/02/2023, at: https://2u.pw/HPEHOOv1.
- عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الأعيان: آليات إنتاج الوجاهة السياسية في المغرب، (الدار البيضاء، منشورات دفاتر العلوم الإنسانية، 2013)، ص117.
- Allen Hicken, “Clientelism”, Annual Review of Political Science, vol. 14, (June 2011), p. 296. Acceded on 20/03/2023, at: https://2u.pw/LOiKr1Ei.
- Philip Keefer, Razvan Vlaicu, “Democracy, Credibility, and Clientelism”, The Journal of Law, Economics, and Organization, vol. 24, Issue. 2, (October 2008), p. 378, acceded on 20/03/2023, at: https://2u.pw/MAxeikXH.
- Isabela Mares & Lauren Young, “Buying, Expropriating, and Stealing Votes, Buying, Expropriating, and Stealing Votes”,Annual Review of Political Science, vol. 19, (May 2016), p.270, acceded on 26/03/2023, at: https://2u.pw/6W6FPElg.
- Frederic Charles Schaffer (ed.), Elections for Sale: The Causes and Consequences of Vote Buying, (Lynne: Rienner Publishers 2007), p. 13.
- Burhanuddin Muhtadi, Vote Buying in Indonesia, The Mechanics of Electoral Bribery, (Jakarta: Palgrave Macmellan 2019), p. 11.
- أولفييه روا، “الزبائنية والمجموعات المتضامنة: هل هم من بقايا الماضي أم يشهدون نشأة جديدة؟”، في ديمقراطية من دون ديمقراطيين: سياسات الانفتاح في العال العربي/الإسلامي، تحرير غسان سلامة، ط2 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص366.
- Jonathan Hopkin, “Conceptualizing Political Clientelism: Political Exchange and Democratic Theory”,Paper prepared for APSA annual meeting, Philadelphia, (31 August – 3 September 2006), p. 2. Acceded on 02/05/2023, at: https://2u.pw/5OIGltDa.
- S. N. Eisenstadt & Luis Roniger, Patrons, Clients and Friends: Interpersonal Relations and the Structure of Trust in Society, (Cambridge University Press, 2011), p. 67.
- Javier Auyero, Pablo Lapegna& Fernanda Page Poma, “Contestation et Patronage : Intersections et Interactions au Microscope“, Revue internationale de Politique Comparée, vol. 17, (Février 2010), p. 78.
- أشرف عثمان، “الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية”، عمران، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، العدد 11، شتاء 2015)، ص45.
- عادل نجدي، “جدل بالمغرب بسبب توسيع الاقتراع الفردي بانتخابات 2021″، العربي، 12 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://2u.pw/6gyVEQr0.
- يوسف الفاسي الفهري، القانوني الدستوري، (فاس، إنفوبرانت، 1997)، ص166.
- لمزيد من التفاصيل، انظر: لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، مرجع سابق.
- Mustapha Sehimi, “Les Elections Législatives au Maroc“, Maghreb Machrek, n°107, (Janvier-Février-Mars 1985), p. 25.
- حسن الأشرف، “العالم القروي..كنز من الأصوات الانتخابية”، العربية، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2011، (تاريخ الدخول: 17 أغسطس/آب 2023)، https://n9.cl/jjl1f.
- بلال التليدي، الزلزال السياسي: ديناميات السياسة قبل وبعد 7 أكتوبر، (الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2018)، ص18.
- Laurent Olivier, La Perception du Cumul des Mandats Restriction Contextuelles et Politiques à un Apparent Consensus, Revue Française de Science politique, vol. 48, no. 6, (Décembre 1998), p. 756.
- لزعر، اللعبة الانتخابية، مرجع سابق، ص103.
- عبد الرحيم العطري، حوار، الأحداث المغربية، 3 يونيو/حزيران 2015، ص12.
- لزعر، اللعبة الانتخابية، مرجع سابق، ص103.
- محمد ساجد، الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الدستوري، حوار، الصباح، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، ص4.
- محند العنصر، الأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية، حوار، أخبار اليوم، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2011، ص5.
- أوقفلي، السلوك الاجتماعي والسياسي للنخبة المحلية، مرجع سابق، ص30.
- المرجع السابق، ص32.
- المرجع السابق، ص32.
- للاستزادة، انظر: لزعر، اللعبة الانتخابية، مرجع سابق.
- أوقفلي، السلوك الاجتماعي والسياسي للنخبة المحلية، مرجع سابق، ص313.
- قرنفل، أصوات الفقراء، مرجع سابق، ص263.
- أوقفلي، السلوك الاجتماعي والسياسي للنخبة المحلية، مرجع سابق، ص147.
- Monia Benanai Cheraibi, Scène et Coulisses, Op., Cit. p. 45.
- لمزيد من التفاصيل، انظر: لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، مرجع سابق.
- Abdelhamid Henia (ed.), Être Notable au Maghreb : Dynamique des Configurations Notabiliaires, (Tunis : Institut de recherche sur le Maghreb contemporain 2014), p. 19.
- Luís de Sousa, “Clientelism and the Quality(ies) of Democracy Public and Policy Aspects”, CEU: Center for Study of Imperfections in democracy, (Februry 2008), p. 12. Acceded on 06/12/2023, at: https://2u.pw/SJmtzVxu.
- العطري، سوسيولوجيا الأعيان، مرجع سابق، ص152.
- Monia Bennai Cheraibi, Op. Cit., p. 21.
- حافظ عبد الرحيم، “الممارسة الانتخابية في تونس بين الركح والكواليس”، في التعبئة الانتخابية في تونس: دراسة حالة الانتخابات التشريعية 2014، تحرير: المهدي مبروك، (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص98.
