ملخص
تجادل هذه الدراسة بأن الصبر الإستراتيجي يمثل إستراتيجية طويلة الأمد واعية ومدروسة، وليس مجرد استسلام سلبي أو امتناع عن الفعل. ويُمكِّن هذا النهج الدول الأضعف والجهات الفاعلة غير الحكومية من تجاوز الاختلالات قصيرة الأجل في ميزان القوى عبر ضبط النفس المنهجي، والتراكم التدريجي للقدرات، واتخاذ القرار الحاسم في اللحظة المواتية.
وتحدد الدراسة ثلاثة مرتكزات رئيسية يقوم عليها الصبر الإستراتيجي الفعَّال، هي: التعامل مع الزمن بوصفه أصلًا إستراتيجيًّا، والتراكم المستمر للقدرات، وبلوغ لحظة الذروة في مواجهة مدروسة ضمن ظروف مواتية. كما تبحث الدراسة في التفاعل الديناميكي بين إستراتيجيات الصبر التي تعتمدها الأطراف الأضعف وبين ضغوط الخصوم الأقوى الساعين إلى كسر هذا النهج أو استنزافه. وفي هذا السياق، تحدد الدراسة أربعة مسارات محتملة لمآلات الصبر الإستراتيجي، تتراوح بين الانفجار الداخلي، والانزلاق نحو الاستسلام التدريجي، والاندفاع إلى مواجهة غير مواتية، أو الاستمرار المرن القادر على امتصاص الضغوط ومواصلة بناء القوة.
وتخلص الدراسة إلى أن الصبر الإستراتيجي ليس مجرد انتظار سلبي بل عملية إستراتيجية معقدة تتطلب درجة عالية من الانضباط المؤسسي، ومعايير واضحة لتحديد حدود التصعيد، ويقظة دائمة لرصد التحولات في البيئة الجيوسياسية. ومن دون هذه العناصر، قد ينحرف الصبر الإستراتيجي إلى حالة من الشلل الإستراتيجي أو يؤدي إلى تفويت اللحظة المناسبة لاتخاذ القرار الحاسم.
كلمات مفتاحية: الصبر الإستراتيجي، الزمن الإستراتيجي، تراكم القدرات، الردع والاستنزاف، الصراعات الدولية.
Abstract
This study argues that strategic patience constitutes a deliberate long-term strategy rather than a form of passive capitulation or inaction. It enables weaker states and non-state actors to overcome short-term asymmetries in the balance of power through systematic restraint, gradual capability accumulation, and the timely execution of decisive action when favourable conditions arise.
The study identifies three core pillars underpinning effective strategic patience: treating time as a strategic asset, the continuous accumulation of capabilities, and the attainment of a calculated culmination under favourable circumstances. It further examines the dynamic interaction between patience-based strategies adopted by weaker actors and the counter-pressures exerted by stronger adversaries seeking to undermine or prematurely terminate such strategies. In this context, the study outlines four possible trajectories for the outcomes of strategic patience, ranging from internal implosion and gradual capitulation to premature confrontation, or resilient endurance that enables the continued accumulation of power.
The study concludes that strategic patience is not merely passive waiting but rather a complex strategic process requiring a high degree of institutional discipline, clearly defined escalation thresholds, and continuous vigilance in monitoring geopolitical shifts. Absent these elements, strategic patience risks degenerating into strategic paralysis or leading to the loss of the critical moment for decisive action. This requires exceptional discipline, clear escalation thresholds, and constant vigilance to prevent deterioration into strategic paralysis or missed opportunities for decisive action.
Keywords: strategic patience, strategic time, capability accumulation, deterrence and attrition, international conflicts.
مقدمة
يتحدى الصبر الإستراتيجي الحكمة التقليدية حول ديناميكيات الصراع القائمة على استعراض القوة أو الحسم الفوري؛ إذ يمنح الصبر الإستراتيجي الأولوية للتموضع طويل الأجل على حساب المكاسب قصيرة الأجل، ولضبط النفس بدل العدوان، وللإعداد المنهجي بدل ردود الفعل الانفعالية. كما يسمح للجهات الفاعلة الأضعف ماديًّا بتحدي الخصوم الأقوى أو ردعهم من خلال إدارة الزمن والتحمل الإستراتيجي.
وتتجاوز الأهمية النظرية للصبر الإستراتيجي تطبيقاته التكتيكية لتشمل أسئلة جوهرية تتعلق بالقوة والزمن والتفاعل الإستراتيجي في العلاقات الدولية. فغالبًا ما تركز المناهج الواقعية التقليدية في تحليل الصراعات على تفاوت القوة المباشر، وتفترض أن الجهات الفاعلة الأقوى ستنتصر بفضل قدراتها المادية المتفوقة. ومع ذلك، يشير مفهوم الصبر الإستراتيجي إلى أن الديناميكيات الزمنية قد تعيد تشكيل موازين القوة بصورة جذرية، بما يسمح للجهات الفاعلة الصبورة بتحويل العيوب الأولية إلى مزايا إستراتيجية في نهاية المطاف.
منهجية وأسئلة البحث
تعتمد هذه الدراسة على تصميم بحث نوعي (Qualitative) يجمع بين المنهج الوصفي في تحليل الحالات التاريخية، والاستعانة بالمنهج التحليلي لتطوير توليف نظري للصبر الإستراتيجي بوصفه إطارًا مفاهيميًّا للممارسة في النزاعات الدولية. كما تدمج منهجية البحث مقاربة الاستقراء لمعالجة الأبعاد الزمنية والسياقية المعقدة للصبر الإستراتيجي، وصولًا إلى بناء إطار مفاهيمي يحدد تعريفه وركائزه ومبادئه.
وتسترشد هذه الدراسة بأربعة أسئلة بحثية رئيسية تتناول الأبعاد النظرية والتجريبية للصبر الإستراتيجي:
السؤال الأول: ما تعريف الصبر الإستراتيجي؟ وما ركائزه وعناصر نجاحه ومبادئه؟
السؤال الثاني: في أي ظروف ينجح الصبر الإستراتيجي بوصفه إستراتيجية صراع لدى الجهات الفاعلة الأضعف؟
السؤال الثالث: كيف يُكيِّف الخصوم الأقوى إستراتيجياتهم استجابةً للخصوم الصبورين؟ وما الديناميكيات التفاعلية التي تنشأ عن هذا التفاعل الإستراتيجي؟
السؤال الرابع: ما المعايير التي ينبغي أن توجه الانتقال من الصبر الإستراتيجي إلى العمل الحاسم؟
أهمية الدراسة
يكتسب مفهوم الصبر الإستراتيجي أهمية متجددة في العلاقات الدولية، لا سيما بعد بروزه في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي عام 2015. ورغم حضوره الجيوسياسي المتزايد في السنوات الأخيرة، لا يزال الصبر الإستراتيجي غير مطوَّر نظريًا بوصفه نهجًا للتعامل مع النزاعات والتنافسات الإستراتيجية المطولة وغير المتكافئة في النظام الدولي المعاصر.
ولما كانت الأدبيات الحالية تتناول الصبر الإستراتيجي غالبًا من زاوية جيوستراتيجية وتُسقطه على العلاقات والصراعات الدولية دون تقديم إطار مفاهيمي واضح، فإن هذه الدراسة تسعى إلى تأصيل مفهوم الصبر الإستراتيجي وتقديمه بوصفه إطارًا إستراتيجيًا مفاهيميًا متماسكًا من حيث التعريف والمرتكزات والمبادئ وظروف النجاح ومساراته الحرجة. كما تسعى إلى إظهار قابليته للتطبيق ليس فقط في المجال الجيوسياسي، بل أيضًا في مجالات المنافسة الدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية.
دراسات سابقة
تناولت الدراسات السابقة مفهوم الصبر الإستراتيجي من منظور جيوستراتيجي مع إسقاطه على الصراعات الدولية. ففي هذا السياق، يوضح شميدت-فيلزمان كيف اعتمد الاتحاد الأوروبي الصبر الإستراتيجي في علاقاته مع روسيا، من خلال مشاركة طويلة الأمد قائمة على التكامل الاقتصادي والسياسي، انطلاقًا من افتراض أن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفاهم متبادل وعلاقة تعاونية. كما بيَّن أن الاتحاد الأوروبي حافظ على إيمانه بأن “الصبر الإستراتيجي والإبداع السياسي” قد يساعدان على تحقيق التفاهم المتبادل والشراكة المنشودة مع روسيا على المدى الطويل. ومع ذلك، يجادل فيلزمان بأن اعتماد الاتحاد الأوروبي على الصبر الإستراتيجي، وعدم استعداده لمواجهة الاختلافات الجوهرية في المصالح والنهج مع روسيا، أسهما في انهيار العلاقة في نهاية المطاف(1).
ويفسر ناكاياما مبدأ أوباما بوصفه شكلًا من أشكال الصبر الإستراتيجي المتجذر في التعددية والقيادة الحذرة، ومقاومة العمل العسكري المتسرع في عالم شديد الترابط. ويعكس هذا النهج ضبطًا للنفس وتحولًا متعمدًا من التدخل العدواني إلى المشاركة الحذرة طويلة الأمد، مع اعتماد الانخراط التدريجي وتجنب السياسات المتسرعة، والتركيز على بناء التحالفات بدلًا من العمل الأحادي. وهكذا يجسد الصبر الإستراتيجي استخدامًا مقيَّدًا للقوة الأميركية، ويمثل تركيز العقيدة على الدبلوماسية والتعددية والانخراط الانتقائي تحولًا ملحوظًا عن إستراتيجيات التدخل التقليدية، مؤيدًا شكلًا من أشكال التقشف الإستراتيجي الذي يسعى إلى قيادة مستدامة بدلًا من الهيمنة(2).
ويقارن لي بين صبر أوباما الإستراتيجي وسياسة ترامب القائمة على “الضغط الأقصى” تجاه كوريا الشمالية، مجادلًا بأن الصبر الإستراتيجي اعتمد على أدوات غير تصعيدية مثل العقوبات والحوار بدل المواجهة المباشرة، وعلى انتظار التغيير الداخلي في بيونغ يانغ لاتخاذ قرارها بنزع السلاح النووي، مع إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا. ويعكس ذلك تفضيلًا للانخراط طويل الأمد وغير التصعيدي على المواجهة الفورية، بهدف الجمع بين الأدوات الناعمة والصلبة لتغيير التوجه النووي لكوريا الشمالية، وهي إستراتيجية لم تنجح في نهاية المطاف في كبح طموحاتها النووية(3).
ويُعد المفهوم أيضًا محوريًّا في تحليلات سلوك إيران؛ إذ يشير خيري إلى اعتماد إيران تاريخيًّا على الصبر الإستراتيجي لتحمل الأزمات والعقوبات، وينسب الفضل إلى هذا النهج في المساعدة على تأمين الاتفاق النووي لعام 2015(4). وبالمثل، يلاحظ منيمنة أن إيران ومحور المقاومة التابع لها مارسوا الصبر الإستراتيجي للبقاء على قيد الحياة في حملة “الضغط الأقصى” في عهد ترامب انتظارًا لسياسات أميركية أكثر ملاءمة(5). ومع ذلك، وبحلول عام 2024، يشير الباحثون إلى أن هذا الصبر قد بلغ حدوده، ويجادل جانكيز بأن ضبط النفس الذي مارسته طهران بعد عام 2020 أدى إلى “جمود إستراتيجي” مع تصاعد الصراعات الإقليمية؛ مما دفع إيران نحو إجراءات أكثر خطورة(6). وبالمثل، يرى مرسي أنه بعد حرب غزة عام 2023 لم يعد بإمكان إيران الاعتماد على الصبر وحده؛ الأمر الذي دفع إلى إعادة تقييم سياستها الإستراتيجية(7).
أولًا: مفهوم الاستضعاف والتمكين في السياق السياسي الدولي
يُعدُّ الاستضعاف مفهومًا محوريًّا لفهم اختلال القوة دوليًّا؛ إذ يشير إلى حالة ضعف وقهر تُفرض على دولة أو شعب بفعل قوة أقدر، وقد اقترن تاريخيًّا بالاستعمار والاحتلال واضطهاد الأقليات. ويعكس هذا المفهوم فقدان القدرة على حماية المصالح وتحقيق الإرادة السياسية بما يؤدي إلى تبعية مفروضة يُعامَل فيها الطرف الضعيف بوصفه عاجزًا أمام طرف متغلب أو مستعمر، فتُقوَّض السيادة ويُقيَّد القرار الوطني. وقد عرَّف بعض الباحثين هذه الحالة بأنها “المرحلة التي يكون فيها الأفراد أو الجماعات ضعفاء بحيث لا يقدرون على إظهار حقوقهم أو ممارسة إرادتهم كاملة بسبب عدوٍّ أو سلطان جائر” (8). وبهذا المعنى، يرتبط الاستضعاف اصطلاحًا بمفاهيم مثل الاضطهاد والقمع والتبعية. ويلاحظ أن الاستضعاف ليس مجرد ضعف ذاتي بل هو نتيجة علاقة غير متكافئة تُستغل فيها قابلية طرفٍ للضعف من طرف آخر أقوى لتحقيق مآربه.
وقد شهد مفهوم الاستضعاف تحولًا بارزًا خلال القرنين الماضيين مع صعود الاستعمار ثم حركات التحرر وزواله. ففي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استُخدم المصطلح لوصف الشعوب الخاضعة للهيمنة الأوروبية التي عانت قهرًا سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وصُوِّرت بوصفها ضحية لقوى إمبريالية جبارة. وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد حركات التحرر، اكتسب المفهوم بُعدًا أيديولوجيًّا أوضح؛ إذ تبنَّاه المعسكر الاشتراكي نصرةً للمستضعفين ودعمًا لاستقلالهم وسيادتهم. كما ترسَّخ في أدبيات العالم الثالث وحركة عدم الانحياز؛ حيث قدَّم قادة آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية أنفسهم بوصفهم ممثلين لشعوب مستضعفة تطالب بنظام دولي أكثر عدلًا للدول النامية.
وفي الفكر السياسي الإسلامي الحديث، اتخذ مفهوم المستضعفين بُعدًا عالميًّا ضمن أدبيات الحركات الإسلامية الثورية. فقد قسَّم آية الله الخميني المجتمع العالمي إلى فسطاطين متصارعين: المستضعفين في مقابل المستكبرين(9). كما أطَّر كثير من الإسلاميين والقوميين العرب نضالهم بوصفه جزءًا من صراع عالمي بين شعوب مقهورة وقوى متكبرة تهيمن على النظام الدولي(10). وبذلك تحوَّل مفهوم المستضعفين إلى رمز أممي يرتبط بقيم العدالة ومقارعة الظلم.
وبوجه عام، أصبح مفهوم الاستضعاف في الخطاب السياسي الحديث مرادفًا لفكرة عدم التكافؤ في علاقات القوة على المستوى الدولي. ويرى بعض المنظرين المعاصرين في العلاقات الدولية، مثل الفرنسي برتران بادي (Bertrand Badie)، أن ظاهرة إذلال الدول الضعيفة من الدول القوية تمثل “باثولوجيا اجتماعية” في بنية النظام العالمي الراهن؛ إذ أصبحت العلاقات الدولية قائمة إلى حدٍّ كبير على ممارسة النفوذ والسيطرة، في نظام لا وزن فيه لإرادة الشعوب المستضعفة التي تناضل لتكون شريكًا فاعلًا في تقرير مصيرها(11).
أما التمكين، فهو نقيض الاستضعاف؛ إذ يشير إلى عملية اكتساب الأفراد والجماعات القدرة على اختيار مساراتهم وتنفيذها بفاعلية. ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعني التمكين تعزيز الاستقلالية وتقرير المصير عبر تحويل الخيارات إلى أفعال ونتائج ملموسة، بما يتيح تمثيل المصالح والدفاع عنها بصورة ذاتية ومسؤولة. وعلى المستوى الدولي، يرتبط التمكين بامتلاك أدوات القوة والسيادة؛ فالدول الخارجة من حالة الاستضعاف تستعيد مكانتها من خلال بناء قوة شاملة: اقتصاديًّا عبر تنمية الموارد وتحقيق قدر من الاكتفاء، وسياسيًّا عبر ترسيخ شرعية النظام واستقراره، وعسكريًّا عبر تطوير قدرات ردعية، ودبلوماسيًّا عبر بناء تحالفات تدعم موقفها. وبذلك تمارس الدولة سيادتها الفعلية داخليًّا وخارجيًّا، أي استقلال قرارها عن الإملاءات الخارجية وفق منطق الدولة القومية الحديثة؛ مما يجعل التمكين مسارًا تراكميًّا يُحوِّل ميزان القوة من التبعية إلى الفاعلية.
وفي الأدبيات الإسلامية، يُعبِّر فقه الاستضعاف عن المرحلة التي يكون فيها المسلمون -أو أي جماعة مستضعفة- عاجزين عن تطبيق كامل مبادئهم بسبب القهر؛ مما يستلزم أحكامًا خاصة مثل الصبر والمداراة والأخذ بالرخص الشرعية. أما فقه التمكين فيمثل المرحلة المنشودة التي تتوافر فيها للمجتمع المسلم أدوات القوة والمنعة التي تتيح له تطبيق مبادئه كاملة وبحرية.
ومن أجل الانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى التمكين، تبرز جملة من الوسائل، من أهمها: الأخذ بأسباب القوة المادية عبر بناء القدرات العسكرية والاقتصادية والتقنية، وتحقيق الوحدة والتضامن داخليًّا وبين المستضعفين وحلفائهم، والدخول في تحالفات ومعاهدات دولية تكسر عزلتهم، ومقاومة المحتل عند الضرورة لتحرير الأرض والقرار، وكذلك الهجرة أو إعادة التمركز إذا لزم الأمر للحفاظ على الكيان وبناء القوة في مواقع أخرى(8).
وبعبارة أخرى، يسير الطرف المستضعف في مسارين متوازيين لتجاوز حالة الاستضعاف المفروضة عليه: الأول يتمثل في الأخذ بالأحكام المرتبطة بفقه الاستضعاف، مثل الصبر والمداراة والأخذ بالرخص الشرعية، والثاني يتمثل في العمل المتوازي لبناء القدرات الاقتصادية والتقنية والعسكرية بما يحقق مستوى من القوة يسمح بمواجهة المُستضعِف في الظرف المواتي. وبذلك لا يكتفي الطرف المستضعَف بالرخص وحدها، وإلا انتهى الأمر به إلى حالة من الاستسلام الضمني، وصولًا إلى الاستسلام الكامل والرضا بالبقاء في حالة الاستضعاف.
ومن هذا المنطلق، تُعد مبادئ مثل حق تقرير المصير للشعوب والمساواة السيادية بين الدول تجسيدًا عمليًّا لمفهوم التمكين في القانون الدولي. ورغم التحديات الواقعية، يظل تحقيق قدر أكبر من التمكين السبيل لتجاوز ثنائية المستكبر والمستضعف التي أثقلت التاريخ البشري ولا تزال حاضرة حتى اليوم. ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة بالكامل؛ إذ إن المقابل المفهومي للاستضعاف، والمتمثل في التمكين وامتلاك أدوات القوة والسيادة، يقدِّم خارطة طريق لتصحيح هذا الاختلال.
ثانيًا: تطوير الإطار المفاهيمي للصبر الإستراتيجي (التعريف، الأسس، المبادئ)
يرجع مفهوم الصبر الإستراتيجي إلى التاريخ العسكري القديم، ويتجسد في “الإستراتيجية الفابية” المنسوبة إلى فابيوس ماكسيموس خلال الحرب البونيقية الثانية، حين تجنَّب مواجهة حنبعل مباشرة عام 218 ق.م. واعتمد بدلًا من ذلك سياسة الاستنزاف التدريجي، بما في ذلك سياسة الأرض المحروقة لحرمان العدو من الإمدادات، وحرب الكمائن على خطوطه، وتحصين روما لرفع كلفة الهجوم، إلى جانب معركة سياسية لعزل حنبعل عن حلفاء محتملين(12). وتقوم الإستراتيجية الفابية على كسب الزمن حليفًا وإرهاق الخصم حتى يختل ميزان القوى لصالح الطرف الأضعف.
وقد تكرَّس هذا النهج لاحقًا في محطات تاريخية بارزة؛ ففي حرب الاستقلال الأميركية (1775–1783)، عدَّل جورج واشنطن تكتيكاته بعد خسائر عام 1776(13)، فتجنب المعارك الفاصلة وفضَّل شَنَّ ضربات مباغتة على المستوطنات وخطوط الإمداد البريطانية؛ الأمر الذي قلَّص خسائره وأضعف معنويات خصمه. وبالمثل، واجه الروس غزو نابليون بالانسحاب في العمق وتطبيق سياسة الأرض المحروقة واستدراجه إلى شتاء قاسٍ أنهك جيشه وأفضى في النهاية إلى هزيمة حملته. وقد أسَّست هذه الخبرات مجتمعةً مدرسة قتالية تَعُدُّ الزمن أداة إستراتيجية قادرة على تحويل الضعف النسبي إلى تفوق متدرج عبر تجنُّب المخاطرة غير الضرورية، وإطالة أمد الصراع، واستنزاف قدرات الخصم ماديًّا ومعنويًّا، تمهيدًا للحسم في ظرف مُواتٍ.
تعريف الصبر الإستراتيجي
يُعرَّف الصبر في أصل اللغة العربية بأنه الحبس والمنع والكفُّ؛ فيقال: صَبَرَ فلانٌ نفسَه، أي حبسها ومنعها، ويدل الصبر على التحمُّل والثبات(14). ويُعرَّف الصبر اصطلاحًا بأنه “حبس النفس عمَّا يقضي به الهوى، وحملها على ما يقضي به العقل والشرع”، كما عرَّفه الراغب الأصفهاني، وهو تعريف يقترب إلى حدٍّ كبير من موضوع البحث. فحمل النفس على ما يقضي به العقل والشرع، والبعد عن الهوى في اتخاذ القرار، والالتزام بمقتضيات العقل والشرع، تمثل إلى حدٍّ بعيد جوهر مفهوم الصبر الإستراتيجي وضوابطه.
وفي العلاقات والصراعات الدولية المعاصرة، برز مصطلح الصبر الإستراتيجي حديثًا في الأدبيات السياسية الأميركية رسميًّا عام 2015 مع صدور إستراتيجية الأمن القومي التي أكدت أن التحديات المعقَّدة تستلزم صبرًا إستراتيجيًّا ومثابرة(15). غير أن هذا المفهوم يُعد امتدادًا لمبدأ تراكم القوة ببطء الذي مارسته قوى كبرى، مثل الصين في تعاملها مع قضية تايوان. ويشير الصبر الإستراتيجي إلى ممارسة دبلوماسية وسياسية وأمنية ممنهجة تقوم على ضبط النفس، وتجنُّب الأفعال الانفعالية، والاستثمار طويل المدى في تغيير موازين القوى على الأرض، مع إبقاء خيار الردِّ مفتوحًا عند الضرورة(15).
ولا يقتصر الصبر الإستراتيجي على الأطراف الضعيفة؛ فالقوي قد يمارسه لتجنب أزمات غير ضرورية مع تحقيق تقدم مرحلي نحو أهدافه بأقل كلفة ممكنة، بينما يمارسه الطرف الأضعف حتى تتبدل الظروف أو تتطور قدراته بما يسمح له بتحقيق مكاسب نوعية دون خسائر تعيده إلى مربع الضعف. وفي صورته الفاعلة، ينقل الصبر الإستراتيجي صاحبه من مرحلة إلى أخرى بما يعزز تموضعه الإستراتيجي. غير أنه قد ينقلب إلى سلبية تُرسِّخ الواقع القائم إذا لم يقترن بمبادرات نشطة تعيد ضبط المشهد.
ومن خلال مراجعة الأدبيات والسياقات السابقة المتعلقة بمفهوم الاستضعاف -ولاسيما استغلال الزمن لامتلاك أسباب القوة، والمناورة والأخذ بالرخص إلى حين التمكين- يتضح أن هذين المسارين يعززان جوهر الصبر الإستراتيجي. وبالاستناد إلى هذه الأدبيات، يمكن تعريف الصبر الإستراتيجي بأنه:
“إطار منهجي لإدارة الصراعات والتحديات -السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية- يقوم على التحمل طويل النفس والاستثمار المدروس في تغيير موازين القوى على الأرض، مع بناء جاد وممنهج للقدرات لتحقيق أهداف بعيدة المدى وحسم الموقف عند توافر شروط مواتية، مرتكزًا على ضبط الانفعال وتجنب المواجهات أو الاستجابات المتعجلة، أو الإجراءات الانفعالية التي قد تعيد الفاعل إلى نقطة الصفر أو تستنزف الرصيد التراكمي للقوة الذي بناه خلال فترة الانتظار المدروس”.
وبناءً على ذلك، يقوم الصبر الإستراتيجي على ثلاثة أسس رئيسية تُشكِّل فيما بينها مثلث نجاح هذا النهج الإستراتيجي.
أسس الصبر الإستراتيجي
الأساس الأول: الزمن (أصلًا إستراتيجيًّا)
يتمثل الأساس الأول في الزمن بوصفه أصلًا إستراتيجيًّا، أي طول النفس والانتظار المدروس. ويتطلب ذلك ضبط الانفعال وعدم الاستجابة لاستفزازات الطرف المقابل بما يدفع إلى الدخول في مواجهة غير مواتية. ويُعدُّ الزمن والانتظار من أكثر الأمور صعوبة من حيث التحمل النفسي، ولذلك يتطلب هذا النهج درجة عالية من الصبر، انطلاقًا من اعتبار الزمن أصلًا إستراتيجيًّا وليس مجرد اضطرار مؤقت. فعندما يُنظر إلى الزمن بوصفه موردًا إستراتيجيًّا، تتغير فلسفة التعامل معه ويتبدل مفهومه لدى الطرف الصابر.
كما تنبغي توعية الجمهور والحاضنة الشعبية بهذا المفهوم؛ إذ إنهم سيتحملون جزءًا من أعباء هذه المرحلة، وقد يقع على عاتقهم عبء انتظار قد لا يكون قصيرًا. ويقتضي ذلك أيضًا ضمان الفهم الواعي لمعنى الزمن الإستراتيجي لدى مختلف مكونات وأفراد الطرف المعني بما يسهم في الحد من حالات التفلت أو الاندفاعات غير المدروسة.
كذلك يتطلب مفهوم الزمن الاستعداد للانتظار اليقظ إلى أن تتهيأ ظروف أكثر ملاءمة، أو تحدث تحولات في المشهد الجيوسياسي قبل اتخاذ إجراءات حاسمة. وتكمن الفكرة الجوهرية في أن الجهة المعنية قد تحقق نتائج أفضل عبر تجنب المخاطر غير الضرورية وتهيئة الشروط التي تفضي إلى الاستقرار والتقدم على المدى الطويل(16).
وبذلك يتضمن مفهوم الزمن بوصفه أصلًا إستراتيجيًّا مجموعة من المعاني والمضامين، من أبرزها طول الأمد، والانتظار المدروس، وضبط الانفعال، وعدم الاستجابة للاستفزازات، وتجنب الدخول في مواجهة غير مواتية أو المخاطر غير الضرورية، إلى جانب توعية الجمهور والحاضنة الشعبية، وضمان الفهم الواعي للزمن لدى مختلف مكونات الطرف المعني، والاستعداد للانتظار اليقظ إلى حين تهيؤ ظروف أكثر ملاءمة.
الأساس الثاني: بناء القدرات
يمثل بناء القدرات الركيزة المحورية لنهج الصبر الإستراتيجي؛ إذ إن غيابه قد يؤدي إلى انزلاق هذا النهج نحو صبر سلبي يتدرج بالطرف الصابر نحو استسلام ضمني قد ينتهي بالتخلي الكامل عن الأهداف. ومن ثم يغدو بناء القدرات الحد الفاصل بين الصبر الإستراتيجي المنتج والصبر السلبي المعطل؛ إذ يفتقر الأخير إلى برامج تنمية واقعية للأدوات البشرية والمادية والتنظيمية اللازمة لـ”لحظة الحسم” المواتية، ويكتفي بالانتظار الخطابي من دون إعداد مؤسسي أو تجهيز منهجي.
ويتم بناء القدرات ضمن خطة منهجية متدرجة تستدعي مختلف الإمكانات البشرية والمادية المتاحة، سواء المحلية منها أو الصديقة. ويُعد هذا الركن من أكثر الجوانب تعقيدًا وصعوبة، لاسيما عندما يكون الطرف المقابل هو الأقوى؛ الأمر الذي يستدعي درجة عالية من الدقة والانضباط والكتمان لضمان إنجاز عملية بناء القدرات، وقد يتطلب في بعض الحالات قدرًا من الغموض الإستراتيجي لتجنب الإفصاح الكامل عن الأهداف أو التكتيكات.
ولعل كوريا الشمالية مثال على بناء القدرات النووية بصورة متدرجة رغم الرقابة المستمرة من قبل الولايات المتحدة. كما يظهر بناء قدرات المقاومة العسكرية في غزة، ولاسيما منظومة الأنفاق، مثالًا آخر على تطوير القدرات في ظل هيمنة قوة احتلال.
الأساس الثالث: قرار الحسم
يمثل قرار الحسم الركن الأكثر حساسية وجدلًا في إطار الصبر الإستراتيجي؛ إذ يتطلب توافر ظروف مواتية تدعم عملية الحسم وتحقيق الانتصار في المواجهة. وفي غياب هذه الظروف قد ينتهي الأمر بإنهاء حالة الصبر الإستراتيجي لصالح الخصم.
ويكتنف قرارَ الحسم قدر كبير من التعقيد والتردد؛ الأمر الذي يتطلب قدرًا عاليًا من الرشد والعقلانية في اتخاذ القرار. فالأخطاء في تقدير الموقف الجيوسياسي، أو في تقييم الإمكانات والقدرات المتوافرة، قد تقود إلى مواجهة في غير أوانها، بما يعني خسارة الطرف الصابر.
وعلى خلاف ما قد يظنه البعض، فإن الصبر الإستراتيجي لا يعني الجمود أو الامتناع الكامل عن الفعل، بل يعني القيام بكل ما يلزم من إجراءات وإعدادات باستثناء خوض معارك كبرى فاصلة قبل أوانها.
مبادئ الصبر الإستراتيجي
لا يتحوَّل الصبر الإستراتيجي إلى رصيد فاعل إلا حين تتكامل ركائزه الجوهرية: إدارة الزمن بوصفه موردًا استثماريًّا، ومراكمة القدرات بصورة متصاعدة، وحسن توقيت القرار الحاسم في ضوء قراءة دقيقة للسياقين المحلي والدولي. وعند اجتماع هذه العناصر ينتقل الانتظار من حالة سلبية إلى إستراتيجية ديناميَّة تستولد القوة وتعيد تشكيل موازين الصراع. وتستخلص الدراسة أهم مبادئ الصبر الإستراتيجي استنادًا إلى التعريفات المطروحة له، وإلى الشواهد التاريخية والمعاصرة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. وتمثل هذه المبادئ خارطة طريق لضبط الانفعال، وتعظيم المكاسب التراكمية، وتحديد اللحظة المثلى للحسم دون الوقوع في فخ التردد أو الاندفاع.
فأول هذه المبادئ يتمثل في اعتبار الزمن أصلًا استثماريًّا مركزيًّا يُراهَن عليه ويُدار بوصفه رافعة لتحويل اختلال موازين القوى تدريجيًّا، بحيث يُحوِّل الضعف النسبي إلى قدرة فاعلة ويقلب موازين الصراع من دون ضجيج أو مواجهة مبكرة. فالزمن غالبًا ما يصب في مصلحة الطرف الأقل قوة إذا أحسن استغلاله؛ إذ قد يواجه العدو المهاجم ضغوطًا متزايدة بمرور الوقت، مثل استنزاف الموارد وتراجع الروح المعنوية وتغير المناخ السياسي، في حين يتمكن الطرف الصابر من تعزيز قدراته وترتيب أوضاعه الداخلية(12). وقد مثَّلت الثورة الجزائرية (1954–1962) مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تخللتها فترات كرٍّ وفرٍّ وصمود طويل رغم الخسائر الكبيرة حتى حصل الجزائريون في النهاية على الاستقلال.
ويتمثل المبدأ الثاني في اليقظة الاستشرافية والانتظار اليقظ حتى تتهيأ ظروف أكثر ملاءمة، عبر مسح ورصد مستمرين للمتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية، واستنباط الفرص الكامنة قبل الإقدام على أي خطوة حاسمة. ويهدف ذلك إلى استثمار الفرص المواتية لتراكم القوة لدى الطرف الصابر، وتجنب التهديدات والتحديات التي قد تقضم القوة المتراكمة لديه أو تدفعه إلى مواجهة مبكرة تقوده إلى الخسارة. ونظرًا لتعقيد واضطراب البيئات الجيوسياسية المعاصرة، يفرض ذلك مسحًا بيئيًّا نشطًا لرصد التغيرات. ورغم صعوبة الوصول إلى استنتاجات يقينية، فإن توافر المعلومات يعزز قدرة القادة على تفسير الوقائع المستجدة ورصد الفرص والتهديدات(17). وتنشأ الغموضية بوصفها سمة مركزية لهذا التعقيد، ويمكن التخفيف منها عبر تزويد القادة ببيانات راجحة ومعقولة. ويتفاقم الغموض إما لنقص المعلومات أو لتدني جودتها حتى مع كثرتها، في حين تسهم المعلومات عالية الجودة في تحسين وضوح التأويل وتقليل أثر الغموض(17). أما المسح البيئي الضعيف، الذي يعجز عن التقاط الفرص والتهديدات والمؤشرات المبكرة، فلا يقدم استجابة فعَّالة ويفوِّت كثيرًا من إمكانات الفعل؛ إذ يخلق فجوة استجابة بين “الإشارات الرخوة” غير المباشرة وقدرة المؤسسة على التقاطها وتحويلها إلى إجراءات، بينما يمكِّن المسح الرشيد من التفاعل السريع مع التحولات الكبرى(17).
ويتمثل المبدأ الثالث في ضبط الانفعال وتحييد المخاطر غير الضرورية؛ حيث يُستبعَد السلوك الاندفاعي والاستجابات العدائية العاجلة، وتُتجنَّب المواجهات المباشرة والمخاطر غير الضرورية التي قد تعيد الفاعل إلى نقطة الصفر أو تستنزف مخزونه التراكمي من القوة. فالامتناع عن خوض معارك حاسمة في ظروف غير مواتية يمثل السمة الأبرز للصبر الإستراتيجي، ويُستعاض عنه باللجوء إلى تكتيكات غير مباشرة. وقد مثَّل العهد المكي نموذجًا واضحًا لضبط الانفعال؛ إذ تجنب المسلمون طيلة ثلاثة عشر عامًا الاستجابة لاستفزازات قريش وامتنعوا عن مواجهة مبكرة، واعتمدوا الهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة حين نضجت الظروف الجيوسياسية، وهناك أُذِن بالقتال بعد توافر الشروط المواتية: “أُذِنَ للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله” (سورة الحج: آية 39).
ومن المبادئ كذلك التمسك بالمبادئ الجوهرية، بما يعني الحفاظ على الثبات في الأهداف الأساسية وتجنب تقديم تنازلات جوهرية مقابل مكاسب ظرفية، بالتوازي مع تجنب المعارك الخاسرة في غير أوانها. ويمكن ملاحظة ذلك في إستراتيجية “الانتظار” الصينية التي حافظت على مسار صعودها العالمي، في الوقت الذي تركت فيه الولايات المتحدة تتحمل أعباء عديدة بينما واصلت الصين تعزيز قوتها الاقتصادية والتكنولوجية. وفي المقابل، يمكن القول: إن الولايات المتحدة نفسها مارست نوعًا من الصبر الإستراتيجي في التعامل مع صعود الصين قبل أن تتجه مؤخرًا إلى موقف أكثر صرامة(20). فكلتا القوتين تجنَّبتا صدامًا مباشرًا، على أمل أن يتيح الزمن إعادة تشكيل موازين القوى أو ظهور فرص تفاوض أفضل.
ومن المبادئ الأساسية أيضًا بناء القدرة المتدرج والاستثمار المنهجي في تنمية الموارد الاقتصادية والسياسية والعلمية والعسكرية والبشرية، من خلال تطوير الكوادر طوال فترة الانتظار، بحيث يزداد وزن الطرف الصابر كلما طال الزمن. فبين عامي 1967 و1973، انتهجت مصر نمطًا من الصبر الإستراتيجي؛ إذ راكمت قدراتها العسكرية وطوَّرتها خلال حرب الاستنزاف على قناة السويس تمهيدًا للحسم. وعندما حان الظرف المواتي اقتحمت قواتها خط بارليف في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973 في عملية نوعية أسقطت الدفاعات الإسرائيلية وعبرت إلى الضفة الشرقية، وهو ما أعاد الثقة بالجيش والدولة رغم الانتقادات السابقة، مؤكدًا أن إدارة الزمن وبناء القوة يمكن أن يحوِّلا الهزيمة إلى نصر.
ويرتبط بذلك مبدأ المرحلية والتنظيم في ثلاث حلقات متعاقبة: صياغة خطة كلية، ثم متابعة يقظة للأحداث، ثم تربص منظم للحظة الحسم وتحقيق النتائج، وهي المرحلة الأصعب. كما يشمل ذلك مراكمة النجاحات الجزئية وتجميع الإنجازات الصغيرة لتشكِّل أثرًا تراكميًّا يضعف الخصم ويعيد تشكيل ميزان القوى من دون الحاجة إلى نصر فوري حاسم. فبدلًا من البحث عن حسم سريع، يركز الصبر الإستراتيجي على تحقيق إنجازات جزئية متراكمة، مثل انتصارات عسكرية محدودة أو مكاسب سياسية تدريجية أو تحسين في القدرات الدفاعية والهجومية للطرف الصابر، بحيث تتراكم هذه المكاسب بمرور الوقت لتُضعف موقف الخصم وتغيِّر ميزان القوى تدريجيًّا(12).
ومن المبادئ كذلك الاستنزاف التدريجي للخصم عبر اعتماد تكتيكات غير مباشرة وسلسلة من المواجهات المحدودة التكاليف لإرهاق العدو سياسيًّا وعسكريًّا، وصرفه عن خوض معركة شاملة قبل الأوان. ويعني ذلك حرمان الخصم من موارد الدعم والإمداد وتكبيده خسائر متواصلة، وإن كانت محدودة في كل مرة، بحيث تتآكل قوته تدريجيًّا. وقد يتحقق ذلك عبر ضرب خطوط إمداده أو استهداف مصالحه الطرفية بدلًا من مركز قوته، وتنفيذ سلسلة من الاشتباكات الصغيرة المحسوبة التي ترهق الخصم تدريجيًّا من دون أن تمنحه ذريعة لتصعيد شامل، وبما يُبقي الطرف الصابر بعيدًا عن ضربة قاضية(12). فكلما طال أمد الصراع وتعمقت عداوة البيئة للعدو، ازداد إنهاكه وفقد قدرته على مواصلة القتال أو فرض شروطه(12).
ويبرز كذلك مبدأ تحصين الدفاعات والردع الانتقائي عبر بناء بنية ردعية صلبة تجعل أي ضربة عدائية شديدة الكلفة من دون الانخراط في معارك كبرى فاصلة قبل أوانها، مع الحفاظ على حق الرد الموضعي لصون الهيبة ومنع تفسير الصبر بوصفه ضعفًا. ويؤدي ذلك إلى رفع كلفة الهجوم ومنح مساحة زمنية لتفعيل الإستراتيجية من دون انهيار مفاجئ. ويمكن ملاحظة ذلك في مثال مايو/أيار 2025 حين أظهرت ترسانة إيران الصاروخية، المتراكمة عبر سنوات، قدرة ردع وضرب فعَّال أربك الجبهة الداخلية الإسرائيلية وسرَّع المساعي الدبلوماسية**. كما يتجلى في شبكة أنفاق غزة التي وفَّرت حماية للقيادة والسيطرة والمناورة والتخزين وإعادة الانتشار، وأسهمت في إطالة أمد الصمود رغم اختلال ميزان القوى.
ومن المبادئ أيضًا خلق بيئة غير مواتية للخصم عبر صياغة سياسات إعلامية ودبلوماسية تعزل العدو وتجرِّده من الحلفاء والشرعية الدولية، بما يقوض حرية حركته ودعمه تدريجيًّا. وتمتد هذه المقاربة إلى المعركة السياسية والإعلامية؛ إذ من وسائل الصبر الإستراتيجي حرمان العدو من كسب الشرعية أو الحلفاء. وقد تسعى دولة أو حركة إلى فضح ممارسات الخصم دوليًّا وعزله دبلوماسيًّا أو مناهضة التطبيع معه، بحيث يجد نفسه في بيئة سياسية معادية تقيِّد حركته وتحرمه الدعم(12). ويُعد انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا مثالًا بارزًا على ذلك؛ حيث أسهم الضغط الدبلوماسي المتدرج، إلى جانب النضال الداخلي، في إنهاء حكم نظام الأبارتايد.
كما يبرز مبدأ الحرمان من مكافأة الاستفزاز، أي إحباط مساعي الخصم لاستدراج رد متعجل في ظروف غير مواتية، عبر تجاهل الاستفزازات أو الرد عليها بوسائل لا تمنحه نصرًا إعلاميًّا أو إستراتيجيًّا، وبما لا يتيح له معركة فاصلة يستغل فيها تفوقه العسكري أو ذريعة لتصعيد شامل قبل الأوان. ويُذكر في هذا السياق مثال صلاح الدين الأيوبي الذي، منذ توليه السلطنة عام 1174 بعد وفاة نور الدين زنكي، واصل مراكمة قدراته العسكرية حتى فتح بيت المقدس عام 1187، أي بعد ثلاث عشرة سنة من توليه الحكم. وقد استثمر الزمن أصلًا إستراتيجيًّا لبناء أركان دولته وإعداد عناصر القوة اللازمة للمواجهة من دون خوض معركة فاصلة متعجلة، إلى أن حانت الظروف المناسبة وجاء قرار الحسم في معركة حطين عام 1187.
ومن المبادئ كذلك اعتماد آليات التعلم المستمر لكسب الخبرة وتعزيز الثقة والتعاون، عبر دمج تقييم الخبرات واستخلاص الدروس خلال فترة الصبر الإستراتيجي لضبط المسار وتعظيم كفاءة استخدام الموارد. ويرتبط بذلك مبدأ وحدة الصف الداخلي لتعزيز التماسك والصمود والانسجام السياسي والمعنوي والاجتماعي، لأن طول أمد الصراع قد يستنزف المجتمعات غير المتماسكة قبل أن ينهك الخصم. ومن ثم يقتضي الأمر التحوط ضد الاستنزاف الداخلي عبر رصد المخاطر والتحديات التي قد تقضم القوة المتراكمة، بما يمنع الخصم من استغلال عامل الزمن لشق الصف أو كسر الإرادة.
ويعد توقيت الحسم من أدق هذه المبادئ؛ إذ يُسعى إلى استثمار اللحظة المواتية عندما تميل كفة الميزان أو تقترب من التساوي، بما يحقق أقصى عائد بأدنى كلفة. ويرتبط بذلك مبدأ تجنب الاستسلام الضمني، عبر تحديد حدٍّ فاصل واضح بين الصبر الإستراتيجي البنَّاء والصبر السلبي الذي يؤدي تدريجيًّا إلى فقدان المبادرة والاستسلام الضمني.
كما يشمل ذلك مبدأ التضحية بالمكاسب الآنية من أجل تحقيق فجوة نجاح أكبر في المستقبل؛ حيث يقبل الطرف الصابر أرباحًا مؤجلة مقابل بناء ميزة إستراتيجية يصعب على الخصوم اللحاق بها لاحقًا. فقد صبر المسلمون ثلاث سنوات بعد غزوة الخندق عام 5 للهجرة حتى فتح مكة عام 8 للهجرة. وفي هذه المدة وُقِّع صلح الحديبية عام 6 للهجرة حين منع أهل قريش المسلمين من العمرة بعد وصولهم إلى مشارف مكة. وقد دار جدال كبير بين الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، بوصفه القيادة، وبين بعض المسلمين الذين رأوا في الصلح تنازلًا غير مقبول وأصرُّوا على المواجهة. غير أن قبول الصلح والتنازل عن العمرة وتأجيلها للعام التالي مثَّل تضحية بمكسب آني، أثمرت بعد عامين فقط فتح مكة من دون قتال وسقوط حكم قريش.
ويتجلى في النهاية فن إدارة الزمن والتكتيك عبر تكامل هذه المبادئ جميعًا في سلوك منهجي يجعل الزمن ذاته أداة للمناورة والإضعاف والتعزيز، بحيث يغدو أحد أكثر الأسلحة فاعلية في يد من يحسن استخدامه. ويظل العامل الحاسم في ذلك هو القيادة الراشدة القادرة على تحليل الأحداث واستنباط دلالاتها وإدارة التوازن بين الانتظار والحسم بما يمنع التهور أو التفريط في الفرص: “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ” (سورة النساء: آية 83). فالتوازن الدقيق بين الانتظار السلبي واتخاذ القرار الحاسم مسألة بالغة الحساسية، تتحكم فيها خبرة القيادة ورشدها وحنكتها.
وعلى الرغم من شيوع الربط بين الصبر الإستراتيجي والفاعلين الأضعف الساعين إلى كسر حالة الاستضعاف، فإن السجل التاريخي يبيِّن أن القوى الكبرى تبنَّت هذا النهج أيضًا متى رأت فيه أداة لتحقيق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة. وعليه، يمكن أن توظفه الدول المهيمنة والكيانات الهشَّة على السواء كلما دلَّ تحليل الكلفة والمنفعة على جدواه في إدارة الصراع.
ففي مجال السياسة والعلاقات الدولية المعاصرة يمكن رصد عدد من الأمثلة البارزة. فقد اتبعت الولايات المتحدة سياسة “الصبر الإستراتيجي” في التعامل مع كوريا الشمالية خلال عهد الرئيس أوباما؛ حيث بُنيت هذه السياسة على عدم الانخراط المباشر أو تقديم تنازلات لكوريا الشمالية ما لم تغيِّر سلوكها، مع انتظار تغير الظروف والاستمرار في فرض العقوبات والضغوط(18). ورغم الجدل حول جدوى هذه السياسة، فإنها تمثل مثالًا معاصرًا على دولة عظمى تستخدم الصبر الإستراتيجي بدل المواجهة الفورية(19).
كما تعد إيران من أبرز الدول التي تبنَّت الصبر الإستراتيجي إستراتيجية وطنية خلال العقود الأخيرة. فبعد ثورة 1979 وحرب ثماني السنوات مع العراق، خلصت القيادة الإيرانية إلى تجنب أي حرب شاملة جديدة بسبب تكلفتها الباهظة؛ لذلك انتهجت مقاربة دفاعية طويلة الأمد تجمع بين الصبر الإستراتيجي وتوسيع النفوذ بصورة غير مباشرة؛ إذ امتنعت عن مواجهة مفتوحة مع خصومها، في الوقت الذي واصلت فيه مراكمة عناصر القوة عبر تطوير برنامجها الصاروخي ودعم حلفاء إقليميين فيما يُعرف بمحور المقاومة. وقد مكَّنتها هذه السياسة من توسيع نفوذها الإقليمي وصناعة طوق من التهديدات حول إسرائيل من دون خوض حرب مباشرة. وحتى عند تعرضها لاستفزازات خطيرة، مثل اغتيال قاسم سليماني عام 2020، جاء ردُّها مدروسًا ومحدودًا عبر قصف قاعدة عين الأسد بعد إنذار مسبق لتجنب التصعيد، بما يحافظ على الردع دون التخلي عن إستراتيجية الصبر الإستراتيجي(13).
واتبعت الصين بدورها لعقود مبدأ دنغ شياو بينغ الشهير “أَخْفِ قوتك وانتظر وقتك”، وهو نهج يُعد شكلًا من أشكال الصبر الإستراتيجي في المجال الدولي. فبعد الحرب الباردة ركزت الصين على النمو الاقتصادي وتعزيز قوتها بهدوء، وتجنبت المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة على الزعامة العالمية. ونتيجة لهذا الصبر الطويل صعدت الصين إلى مصاف القوى العظمى اقتصاديًّا وعسكريًّا. ورغم أنها أصبحت أكثر جرأة في عهد شي جين بينغ، فإن نهج الانتظار الإستراتيجي خلال التسعينات وبدايات الألفية أتاح لبيجين الوقت لبناء قدراتها قبل خوض منافسة مفتوحة مع واشنطن(13).
كما مارست حركات المقاومة والتحرر عبر التاريخ العديد من تطبيقات الصبر الإستراتيجي في مواجهة قوى أقوى منها. فقد اتبعت حركة فيت كونغ في حرب فيتنام تكتيكات حرب العصابات والصبر الطويل حتى أُنهكت الولايات المتحدة واضطرت إلى الانسحاب. وكذلك انتهجت المقاومة الفلسطينية خلال فترات معينة سياسة الصبر وبناء القوة تدريجيًّا؛ إذ طوَّرت قدراتها الصاروخية ووسائل ردع محلية لفرض معادلات جديدة في مواجهة الاحتلال(13).
وخلاصة القول: إن الصبر الإستراتيجي يُستخدم عبر طيف واسع من الفاعلين، ويجمع بينهم وجود اختلال في ميزان القوى المباشر أو مخاطر عالية من المواجهة الشاملة؛ الأمر الذي يدفع الطرف المعني إلى تفضيل نهج الانتظار النشط وترقب الظروف المواتية بدل المغامرة بمواجهة فورية قد تكون خاسرة.
إيجابيات ومحاذير الصبر الإستراتيجي
تبيِّن التجارب أن الصبر الإستراتيجي يحمل مزايا عديدة تجعل تبنِّيه خيارًا جذابًا في حالات كثيرة. ومن أبرز هذه المزايا تجنب المخاطر الكارثية؛ إذ يمنع الصبر الإستراتيجي الاندفاع إلى قرارات مصيرية قد تكون عواقبها وخيمة. فبدل الدخول في حرب شاملة أو صدام مكلف في ظروف غير مواتية، يتيح الانتظار المدروس تجنُّب خسائر فادحة في الأرواح والموارد. وعلى سبيل المثال، رأت الإدارة الأميركية أن الإبقاء على الوضع القائم مع كوريا الشمالية أقل ضررًا من شَنِّ حرب استباقية قد تشعل شبه الجزيرة الكورية(19). وينطبق الأمر ذاته على الصين التي تتجنب باستمرار حربًا مباشرة مع الولايات المتحدة؛ إذ يمنحها الصبر فرصة لتفادي أسوأ السيناريوهات.
ومن إيجابيات الصبر الإستراتيجي أيضًا كسب الوقت لتعزيز الموقف؛ أي شراء الوقت لبناء القدرات العسكرية والاقتصادية، أو نسج التحالفات وحشد الدعم الدولي، أو ترتيب البيت الداخلي وتقوية الجبهة الداخلية. ومع مرور الوقت قد يتغير ميزان القوى لصالح الطرف الصابر بصورة ملموسة، بما يحسِّن شروطه التفاوضية أو القتالية في نهاية المطاف. ويرتبط بذلك إرهاق الخصم وتغيير حساباته من خلال استنزافه معنويًّا وماديًّا؛ فاستمرار المواجهة طويلة الأمد دون حسم قد يرهق الخصم بفعل الضغوط الشعبية لإنهاء الصراع، أو تعثر خططه الاقتصادية، أو تراجع صبر حلفائه.
كما قد يهيئ الصبر الإستراتيجي بيئة تفاوضية أكثر ملاءمة؛ إذ قد تنضج ظروف التسوية بمرور الوقت. فالصبر يمنح مجالًا لتدخل أطراف دولية، أو تغير القيادات السياسية لدى الخصم، أو نشوء توافقات جديدة. وكثيرًا ما يُقال: إن الوقت يمثل جزءًا من الحل في القضايا المعقدة.
ومن مزاياه أيضًا تعزيز الشرعية للقضية الصابرة إذا كانت مرتبطة بظلم أو عدوان؛ إذ قد يكسب الطرف الصابر تعاطفًا دوليًّا متزايدًا بمرور الوقت. فقد أدى صمود الفلسطينيين وتمسكهم بحقوقهم إلى تكريس عدالة قضيتهم تدريجيًا في نظر الرأي العام العالمي. وفي الآونة الأخيرة، ومع تصاعد استخدام إسرائيل للقوة، تراجعت شرعيتها الدولية نسبيًا، وبات يُنظر إلى الفلسطينيين بوصفهم ضحايا صامدين. وقد يسهم هذا الكسب المعنوي والسياسي في ترجيح الكفة الدبلوماسية لصالح الطرف الصابر في نهاية المطاف.
وفي المقابل، تشير التجارب إلى أن الصبر الإستراتيجي لا يخلو من تحديات ومحاذير. فمن أبرز هذه المحاذير استغلال الخصم للوقت لتعزيز قدراته خلال فترة الانتظار. فإذا لم يكن الصبر الإستراتيجي نشطًا ومصحوبًا ببناء القدرات، بل اقتصر على تجميد الموقف، فقد يستغل الخصم الوقت لتقوية نفسه أو فرض أمر واقع جديد. ففي حالة كوريا الشمالية، استمرت بيونغ يانغ في تخصيب اليورانيوم وتطوير ترسانتها النووية خلال فترة الصبر الأميركي(18). وقد يجد الطرف الصابر نفسه لاحقًا أمام مشكلة أكثر تعقيدًا نتيجة تأخره في التحرك. وينطبق الأمر نفسه على الحالة الفلسطينية؛ فبينما انتظر الفلسطينيون ضغوط المجتمع الدولي على إسرائيل، استغل الاحتلال العقود الماضية في توسيع المستوطنات وتقسيم الأراضي؛ الأمر الذي أضعف فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًّا.
ومن المحاذير كذلك إضعاف عامل الردع والسيادة؛ إذ قد يُفسَّر تحمُّل الضربات المحدودة دون ردٍّ بوصفه مساسًا بهيبة الدولة وسيادتها. فاتباع نهج الصبر لفترة طويلة في ظل انتهاك السيادة -كاغتيال القادة أو استهداف المنشآت- قد يضعف صورة الردع ويُظهر الدولة بمظهر الضعيف، بما يشجع الخصوم على المزيد من الضغوط. ومن هنا برزت الدعوات إلى تحقيق توازن بين الصبر والردع، بحيث لا يُترك الخصم من دون محاسبة. وفي هذا السياق تقوم الصين بين الحين والآخر بإجراء مناورات عسكرية واسعة حول تايوان لإظهار قدراتها وتعزيز موقفها الردعي.
كما يبرز خطر التحول إلى الاسترضاء أو التنازل التدريجي، وهو ما يفرض ضرورة رسم خط فاصل واضح بين الصبر الإستراتيجي والاستسلام التدريجي. فالصبر الإستراتيجي لا يعني التنازل أو التخلي عن الحقوق بل يتطلب ثباتًا على المبادئ والأهداف الجوهرية وإلا تحول إلى تآكل تدريجي في الموقف تُقدَّم خلاله التنازلات مجانًا تحت غطاء كسب الوقت.
ومن التحديات المهمة أيضًا إدارة التوقعات داخليًّا وخارجيًّا؛ إذ ينبغي على القيادة أن تشرح نهج الصبر الإستراتيجي بوضوح للرأي العام وللحلفاء، وأن تؤكد أنه جزء من خطة مدروسة لا يعكس تراجعًا أو عجزًا. ففي سياسة الصبر الأميركية تجاه كوريا الشمالية بدأ بعض الحلفاء ينظر إليها بوصفها مرادفًا لعدم الاكتراث الأميركي بمخاوفهم الأمنية. ويُظهر ذلك أن الصبر الإستراتيجي قد يُساء فهمه أحيانًا بوصفه تقاعسًا أو ضعفًا؛ الأمر الذي قد يهدد تماسك التحالفات أو يثير انقسامات داخلية.
ولذلك يتطلب الأمر خطابًا إعلاميًّا فعالًا ومشاركة محسوبة للمعلومات لتفادي الإحباط أو تآكل المعنويات مع طول الأزمة. فالمجتمعات بطبيعتها تتطلع إلى الحسم أو إلى حلول تخفف عنها أعباء الصراع، وقد يؤدي طول أمد الأزمة إلى ضغوط سياسية متزايدة على القيادة التي تتبنى نهج الصبر.
كما يُعد تحديد خطوط حمراء مسبقة أمرًا مهمًّا لتوضيح اللحظة التي يصبح فيها الصبر الإستراتيجي غير مقبول، بما يحقق ردع الخصم ويؤكد أن الصبر ليس بلا حدود. غير أن هذا الأمر يقتضي قدرًا من الحذر في حالة حركات التحرر؛ إذ لا تملك غالبًا القدرة على امتصاص ضربات قاصمة أو خوض مواجهة حاسمة في ظروف غير مواتية. ولذلك فإن الانتقال إلى المواجهة دون توافر الشروط المناسبة قد يؤدي إلى خسائر كارثية تستنزف القوة المتراكمة أو تنهي المشروع التحرري، وهو ما يستدعي تقييمًا دوريًّا مرنًا لمسار الصبر الإستراتيجي وحدوده.
الصبر الإستراتيجي السلبي
للتعرف على مخاطر إساءة استخدام الصبر الإستراتيجي، يجدر استعراض بعض الحالات التي يمكن وصفها بالصبر الإستراتيجي السلبي أو الاستسلام الضمني أو الاستسلام التدريجي، أي حين يتحول الصبر من ميزة إلى عيب، أو حين يفشل النهج برمته ويؤدي إلى نتائج عكسية. ومن أبرز هذه الحالات سياسة الاسترضاء قبيل الحرب العالمية الثانية. فقد شكَّل اتفاق ميونخ، عام 1938، مع ألمانيا النازية أحد أشهر الأمثلة التاريخية على صبر أو مماطلة إستراتيجية خاطئة؛ إذ اعتقدت بريطانيا وفرنسا أن منح هتلر ما يريده في تشيكوسلوفاكيا وانتظار التزامه بالسلم يمثل إستراتيجية حكيمة لتجنُّب حرب كبرى. غير أن هتلر فسَّر ذلك بوصفه علامة ضعف لدى خصومه، فتمادى واجتاح بولندا بعد أقل من عام؛ الأمر الذي أشعل الحرب العالمية الثانية. وهكذا تحوَّل الصبر في هذه الحالة، بصيغة الاسترضاء، إلى عامل فاقم التهديد بدل احتوائه، حتى أصبح “ميونخ” مرادفًا للدبلوماسية الفاشلة التي أُسيء فيها تقدير الخصم(18).
ويبرز مثال آخر في سياسة الصبر الأميركية تجاه كوريا الشمالية. فعلى الرغم من بعض إيجابيات سياسة “الصبر الإستراتيجي” التي انتهجتها واشنطن، فإنها لم تخلُ من نتائج سلبية. ففي أثناء فترة الانتظار واصلت كوريا الشمالية تطوير برنامجها النووي والصاروخي بوتيرة متسارعة(21). وعلى امتداد نحو عقد من الزمن تضاعف مخزونها من المواد الانشطارية وتطورت قدراتها في مجال الصواريخ العابرة للقارات؛ الأمر الذي ضيَّق الخيارات الإستراتيجية المتاحة أمام الولايات المتحدة في المستقبل.
كما يُستشهد بحالة مسار السلام الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو (1993–2023) بوصفها مثالًا آخر على الصبر الإستراتيجي السلبي. فقد دخل الفلسطينيون في عملية تفاوضية طويلة الأمد أملًا في تحقيق دولتهم المستقلة، معتمدين على المفاوضات والصبر الدولي للوصول إلى حل الدولتين. غير أن الواقع أظهر أنه خلال ثلاثة عقود استغلت إسرائيل تلك الفترة لتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض، في حين لم يمارس المجتمع الدولي ضغوطًا كافية لإجبارها على الالتزام بمسار التسوية. وبهذا المعنى تحوَّل ذلك الصبر، في نظر كثيرين، إلى صبر سلبي سمح بتفاقم الوضع بدل معالجته.
ومن الملاحظ أن القاسم المشترك في هذه الأمثلة هو أن سوء تقدير حدود الصبر أو عدم اقترانه بإستراتيجية موازية لبناء القوة أدى إلى نتائج عكسية.
ولا يقتصر توظيف الصبر الإستراتيجي على المجال الجيوستراتيجي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى السياسات الاقتصادية وإستراتيجيات الشركات والحركات الاجتماعية والدبلوماسية العامة. ففي هذه السياقات يُستبدل الربح العاجل ببناء قدرات وهيكليات طويلة الأمد تولِّد ميزة تنافسية واستدامة وشرعية تراكمية.
فعلى صعيد السياسات الاقتصادية الحكومية، تبنَّت كوريا الجنوبية نموذج التصنيع الموجَّه خلال الفترة (1960–1990)؛ حيث قبلت سول عقودًا من التقشف ودعم الصناعات الثقيلة وحماية سوقها الداخلي حتى تتمكن شركاتها من اكتساب ميزة تنافسية بدل فتح السوق مبكرًا أمام منافسين أقوى. وقد أسفر هذا النهج عن تحول كوريا الجنوبية من دولة منخفضة الدخل إلى قوة صناعية تصدر السفن والإلكترونيات والسيارات، مع ارتفاع دخل الفرد بنحو ثلاثين ضعفًا خلال جيل واحد (22).
كما تمثل مبادرة “صنع في الصين 2025” مثالًا آخر على الصبر الإستراتيجي في المجال الاقتصادي؛ إذ تحملت بيجين الانتقادات الغربية والحروب التجارية وواصلت الاستثمار طويل الأمد في مجالات مثل الروبوتات والرقائق والذكاء الاصطناعي، مع قبول تباطؤ مرحلي في النمو مقابل تحقيق استقلال تقني في المستقبل. وبعد نحو عقد من الزمن برزت شركات صينية رائدة في مجالات الجيل الخامس والبطاريات والسيارات الكهربائية، وبدأ الميزان التكنولوجي العالمي يميل تدريجيًّا نحو الشرق(22).
أما رؤية السعودية 2030 فتمثل بدورها نموذجًا للصبر الإستراتيجي في التحول الاقتصادي؛ إذ راهنت على إصلاحات اجتماعية واقتصادية ممتدة حتى عام 2030 وما بعده، مع تقبُّل تراجع نسبي في بعض العوائد النفطية مقابل تنويع الاقتصاد واستيعاب جيل شاب متزايد. وقد تمثلت النتائج حتى الآن في توسع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي وارتفاع الاستثمارات السياحية والتكنولوجية، رغم بطء تنفيذ بعض المشاريع الضخمة مثل مشروع “ذا لاين”(23).
وفي القطاع الخاص تظهر تطبيقات الصبر الإستراتيجي بوضوح في تجارب الشركات الكبرى. فقد تحولت شركة أمازون (Amazon) من متجر إلكتروني لبيع الكتب إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية والإعلان الرقمي والأقمار الصناعية(24). وقد سبق هذا التحول سنوات طويلة من الاستثمار والصبر قبل ظهور العوائد المالية الكبرى؛ حيث اختار مؤسسها، جيف بيزوس، إعادة استثمار معظم التدفقات النقدية في البنية التحتية والبحث والتطوير والحوسبة السحابية (AWS)، مع قبول هوامش ربح منخفضة لسنوات عديدة.
وبالمثل، تحولت شركة تسلا (Tesla) من شركة لصناعة السيارات إلى منصة متكاملة للطاقة تشمل السيارات والبطاريات وأنظمة الشحن وبرمجيات القيادة الذاتية(25). وقد تطلبت هذه الرؤية صبرًا إستراتيجيًّا طويل الأمد؛ إذ طرحت الشركة نماذجها تدريجيًّا مع تراكم الخبرة الإنتاجية والطلب وتقليل التكاليف؛ ما أدى إلى تباطؤ التوسع في البداية لكنه خفف مخاطر الإخفاق.
أما شركة نتفليكس (Netflix) فقد تحولت من خدمة لتأجير المحتوى إلى استوديو عالمي للإنتاج ثم إلى منصة ترفيهية متعددة تشمل الألعاب والبث الرياضي المباشر وخدمات الإعلانات(26). وقد استلزم هذا التحول صبرًا طويلًا لتغيير عادات المشتركين وبناء البنية التقنية والقانونية عالميًّا؛ حيث اعتمدت الشركة توسعًا تدريجيًّا بدأ بأميركا الشمالية ثم أوروبا وأميركا اللاتينية قبل الانتقال إلى آسيا وإفريقيا، مع استثمارات ضخمة في إنتاج المحتوى الأصلي.
وفي المجال الاجتماعي يظهر الصبر الإستراتيجي في تجربة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة؛ حيث تبنى قادتها نهج اللاعنف والتصعيد التدريجي عبر الاعتصامات والمقاطعات والمسيرات على مدى عقدين بدل المواجهة المباشرة مع سلطات الولايات والشرطة(27). وقد أسهم هذا التراكم النضالي في إقرار قانون الحقوق المدنية، عام 1964، وقانون حق التصويت، عام 1965، اللذين غيَّرا البنية القانونية للتمييز العنصري(28).
كما يمكن ملاحظة ذلك في حملة المقاطعة والعقوبات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ حيث راهن ناشطو الداخل والخارج على أن تضرب العقوبات الاقتصادية الدولية قلب النظام تدريجيًّا، فواصلوا الضغط السياسي والاقتصادي دون اللجوء إلى عنف مسلح واسع. وقد انتهى الأمر بانهيار نظام الأبارتهايد في مطلع التسعينات، لتتحول العقوبات من أداة رمزية إلى رافعة حاسمة للتغيير(29).
أما في مجال الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة فتبرز مبادرة “كول جابان” (Cool Japan) مثالًا على الصبر الإستراتيجي الثقافي؛ إذ استثمرت الحكومة اليابانية، منذ عام 2004، في نشر الأنمي والمطبخ والأزياء اليابانية عالميًّا، مع قبول نمو بطيء في البداية من أجل بناء قاعدة جماهيرية دولية مستدامة(30)(31). وقد أسفر ذلك على المدى الطويل عن تحول الثقافة اليابانية إلى علامة تجارية عالمية تدعم السياحة والصادرات(32).
وبالمثل، ظهرت موجة “هاليو” الكورية (K Wave)؛ حيث استثمرت كوريا الجنوبية نحو عقدين في دعم صناعة الترفيه محليًّا قبل أن تتحول إلى قوة ثقافية عالمية، فأصبحت موسيقى K-Pop والدراما الكورية أدوات نفوذ ناعم تعزز الاقتصاد الكوري وتُدرُّ مليارات الدولارات وتُكسبه حضورًا دوليًّا متزايدًا(33)(34)(35).
كما تمثل دبلوماسية الرياضة القطرية مثالًا آخر على الصبر الإستراتيجي في القوة الناعمة؛ إذ تحمَّلت قطر منذ عام 2010 تكاليف تنظيم كأس العالم 2022 وانتقادات حقوقية واسعة، مفضِّلة انتظار “لحظة الشاشة العالمية” لتعريف العالم بها. وبعد البطولة ارتفع مؤشر المعرفة العالمي بقطر بصورة كبيرة، ووقَّعت الدوحة اتفاقيات استثمار وسياحة تفوق كلفة التنظيم بأضعاف(36)(37).
وفي المحصلة، يعني الصبر الإستراتيجي في مجالات الأعمال والاقتصاد التضحية بأرباح آنية أو تحمُّل إنفاق رأسمالي مرتفع لبناء حواجز تنافسية مستدامة. وهو نهج يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والدبلوماسية العامة؛ حيث يُدار الزمن بوصفه أصلًا استثماريًّا، فتُستبدل المنافع قصيرة الأجل بإنجازات أوسع في المستقبل وتعزيز الاستدامة على المدى البعيد.
ثالثًا: المراحل والمسارات الحرجة للصبر الإستراتيجي
ترصد الدراسة حزمة من المراحل والمسارات الحرجة في ممارسة الصبر الإستراتيجي، من أبرزها الغموض الإستراتيجي (Strategic Ambiguity)، وهو سياسة متعمدة تقوم على عدم الإفصاح الكامل عن الأهداف أو التكتيكات أو الالتزامات من جانب دولة ما، بهدف الحفاظ على قدر من المرونة وتعزيز الموقف التفاوضي(38). وبناءً على ذلك، تقوم هذه الإستراتيجية على خلق حالة من عدم اليقين لدى الأطراف الأخرى بشأن الخطوات التي قد تُقْدِم عليها الدولة في موقف معين، بما يجعل الخصم مترددًا والحليف أكثر حذرًا.
وعلى الصعيدين السياسي والدبلوماسي، يمنح الغموض الإستراتيجي صانعي القرار مساحة أوسع للمناورة دون التزام مسبق، بينما يسمح على الصعيد العسكري بتعزيز الردع (Deterrence) من خلال إبقاء الخصوم في حالة تخمين مستمر بشأن القدرات أو الردود المحتملة. وبعبارة أخرى، يوفر الغموض الإستراتيجي مساحة من الحرية لتجنب استفزازات غير ضرورية أو قيود تعاقدية صارمة، وفي الوقت نفسه يبقي الخصم متوجسًا من أسوأ الاحتمالات. ولهذه الأسباب يُعد الغموض الإستراتيجي أداة جذابة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية ودبلوماسية، رغم ما قد ينطوي عليه من مخاطر سوء التقدير أو انعدام اليقين في بعض الحالات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان. فمنذ إنهاء العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع تايبيه، عام 1979، وتبني سياسة “الصين الواحدة” (One China Policy)، اعتمدت واشنطن نهجًا يقوم على الغموض الإستراتيجي بشأن مدى تدخلها للدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني. فقد تعهدت الولايات المتحدة بدعم القدرات الدفاعية لتايوان، لكنها لم تصرح بوضوح عما إذا كانت ستتدخل عسكريًّا لحمايتها(38). ويُعد هذا الغموض متعمدًا بهدف تحقيق ما يسمى “الردع المزدوج” (Dual Deterrence). فمن جهة، يردع احتمال التدخل الأميركي الصينَ عن محاولة غزو تايوان. ومن جهة أخرى فإن غياب ضمان أميركي مطلق قد يثني قادة تايوان عن إعلان الاستقلال بشكل استفزازي(39). وقد يُعزى إلى هذا النهج الفضل في الحفاظ على قدر من الاستقرار عبر مضيق تايوان لعقود؛ إذ أبقى جميع الأطراف في حالة توازن وحذر.
ومع ذلك، برزت في السنوات الأخيرة تحديات جديدة تدفع إلى إعادة تقييم هذه السياسة؛ فقد أدى صعود الصين قوةً عسكرية واقتصادية كبرى في عهد شي جين بينغ، وتبنِّيها موقفًا أكثر حزمًا تجاه تايوان، إلى تصاعد التوترات الإقليمية في بحر الصين. وفي المقابل، صدرت عن بعض المسؤولين الأميركيين إشارات نحو ما يُعرف بـ”الوضوح الإستراتيجي” (Strategic Clarity)، في إشارة إلى الاستعداد للدفاع عسكريًّا عن تايوان إذا تعرضت لهجوم صيني، قبل أن تسارع الإدارة الأميركية إلى التأكيد بأن السياسة الرسمية لم تتغير وأن نهج الغموض الإستراتيجي لا يزال قائمًا(40).
كما يظهر الغموض الإستراتيجي بوضوح في السياسة الأميركية تجاه البرنامج النووي الإيراني. فقد اعتمدت واشنطن نهجًا ينطوي على قدر كبير من الغموض بوصفه أداة ردع، ويتجلى ذلك في الشعار الذي تكرره الإدارات الأميركية المتعاقبة بأن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”. ويُعد هذا الشعار تهديدًا ضمنيًّا مبهمًا يهدف إلى ردع طهران عن السعي لامتلاك سلاح نووي تحت طائلة احتمال توجيه ضربة وقائية(41). وقد وضع هذا الغموض إيران أمام ما يمكن وصفه بـ”الصناديق السوداء” من التهديدات، أي تهديدات حقيقية أو محتملة لا يمكن الجزم بمدى استعداد واشنطن لتنفيذها(42). وفي المقابل، أبقت إيران برنامجها النووي ضمن منطقة رمادية، فواصلت تطوير قدراتها مع الحرص على عدم تجاوز عتبة تستفز ردًّا دوليًّا حاسمًا، مستفيدة بدورها من الغموض المحيط بنوايا خصومها لتوسيع هامش حركتها.
ويظل الغموض الإستراتيجي في هذه الحالة سيفًا ذا حدين؛ فقد أسهم في كبح اندفاع إيران نحو إعلان امتلاك سلاح نووي بشكل علني وسريع لكنه في الوقت نفسه لم يمنع استمرار التقدم التدريجي في برنامجها النووي ضمن حدود هذا الغموض. واستمرت هذه المعادلة إلى أن شنَّت إسرائيل حربًا على إيران، في مايو/أيار 2025، بدعم من الولايات المتحدة، استهدفت خلالها منشآت نووية إيرانية مثل فوردو ونطنز وأصفهان، وهو ما شكَّل خروجًا مؤقتًا عن حالة الغموض الإستراتيجي. غير أن الولايات المتحدة عادت لاحقًا إلى تبني سياسة الغموض بشأن احتمال توجيه ضربات مستقبلية إذا ما عاودت إيران تسريع برنامجها النووي.
ويظهر الغموض الإستراتيجي كذلك في الموقف الأميركي الأوسع تجاه الصين، خاصة في الموازنة بين سياسات الاحتواء والتعاون. فعلى الرغم من انتقال الخطاب الأميركي إلى توصيف الصين بوصفها “المنافس الرئيسي” للولايات المتحدة، تحرص الإدارات الأميركية في الوقت نفسه على تأكيد أنها لا تسعى إلى “حرب باردة جديدة” أو إلى احتواء الصين بشكل صريح(43). وتهدف هذه الرسائل العلنية إلى طمأنة الصين دبلوماسيًّا بأن المنافسة لا تعني العداء المطلق، وإلى إبقاء قنوات التعاون مفتوحة في قضايا عالمية مشتركة مثل التغير المناخي ومكافحة الأوبئة.
غير أن الممارسات العملية تعكس في الوقت نفسه ملامح إستراتيجية احتواء ضمنية لنفوذ بيجين. فمن جهة، عززت الولايات المتحدة تحالفاتها العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مثل تحالف “أوكوس” (AUKUS) الأمني مع أستراليا وبريطانيا، وتفعيل الحوار الأمني الرباعي (Quad) مع اليابان وأستراليا والهند، كما كثَّفت مناوراتها البحرية في بحر الصين الجنوبي. ومن جهة أخرى، فرضت قيودًا تكنولوجية وتجارية متزايدة للحدِّ من وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تنظر بيجين إلى كثير من هذه الإجراءات بوصفها محاولات لاحتوائها وإبطاء صعودها، حتى وإن نفت واشنطن ذلك رسميًّا(43).
ويمكن النظر إلى هذه المقاربة بوصفها شكلًا من الغموض الإستراتيجي الجماعي؛ حيث تصوغ الولايات المتحدة مع حلفائها رسالة مزدوجة للصين مفادها أن باب التعاون سيظل مفتوحًا إذا التزمت بيجين بقواعد النظام الدولي، في حين أن أي تصعيد قد يقود إلى مواجهة مع تحالف دولي واسع.
ومن ثم يمكن القول: إن الغموض الإستراتيجي يمثل أداة مهمة في ترسانة السياسات الدولية المعاصرة، تتجلى أبعاده السياسية والعسكرية والدبلوماسية في عدد من القضايا الكبرى. ومع ذلك يبقى هذا النهج مسارًا حرجًا وسلاحًا ذا حدين؛ إذ إن الإفراط في استخدامه قد يؤدي إلى سوء تقدير إستراتيجي أو إلى تقويض المصداقية إذا لم يكن مدعومًا بخطة واضحة للتصرف عند الأزمات. ولذلك فإن نجاح الغموض الإستراتيجي يظل مرهونًا بحسن توظيفه وملاءمته للظروف الخاصة بكل حالة. وفي عالم يتسم بتغير موازين القوى وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، سيظل النقاش قائمًا حول متى يكون الغموض أداة فعَّالة لتحقيق الردع والاستقرار، ومتى يتحول إلى عامل خطورة يستدعي الانتقال إلى الوضوح الإستراتيجي (Strategic Clarity) بوصفه خيارًا أكثر أمانًا.
مسارات إنهاء حالة الصبر الإستراتيجي
أولًا: إنهاء الصبر الإستراتيجي من قبل الطرف الأقوى
قد يسعى الطرف الأقوى إلى إنهاء حالة الصبر الإستراتيجي التي ينتهجها خصمه الأضعف عبر ممارسة الضغط الناعم بهدف إفقاد الطرف الأضعف التوازن الإستراتيجي بين الفرص المتاحة وإمكانات العمل من جهة، وبين تزايد وتكتل الموارد البشرية من جهة أخرى. ويتم ذلك من خلال وسائل متعددة مثل المناوشات المستمرة أو الحصار طويل الأمد. ومن الأمثلة على ذلك ما تعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؛ حيث استمر الحصار لأكثر من سبعة عشر عامًا مع قيود مشددة على الحركة والسفر والخروج من القطاع. وقد أدى ذلك إلى تراكم أعداد كبيرة من الخريجين دون توافر فرص عمل كافية مما خلق تكدسًا بشريًّا يشكِّل ضغطًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا كبيرًا على الطرف الصابر.
ويؤدي هذا التكدس إلى تحميل المؤسسات الحكومية أعباء إضافية لاستيعاب جزء من هذه القوى البشرية؛ الأمر الذي يرهق الموارد المالية للطرف الصابر. أما الجزء الأكبر من القوى غير المستوعبة فيظل مصدر ضغط اجتماعي مستمر؛ حيث تظهر آثار البطالة في صورة مشكلات اجتماعية متعددة، وقد تتشكل توجهات شعبية غير راضية عن الطرف الصابر أو عن إستراتيجيته في إدارة الصراع.
كما قد يستخدم الطرف الأقوى الضغط الخشن، مثل العنف العسكري أو المواجهات المحدودة، بهدف تعطيل أو إبطاء عملية بناء القدرات لدى الطرف الأضعف، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية. وقد يشمل ذلك إثارة الاضطرابات الداخلية بهدف إضعاف تماسك الصف الداخلي للطرف الأضعف، أو محاولة دفعه إلى مواجهة مبكرة في ظروف محلية أو إقليمية غير مواتية له. ففي مثل هذه الحالة تكون قدرات الطرف الأضعف غير مهيأة لمواجهة حاسمة؛ مما يسهِّل على الطرف الأقوى إضعافه أو إعادته إلى نقطة البداية.
وفي حال فشل هذه الضغوط في تحقيق أهدافها، قد يلجأ الطرف الأقوى إلى الدخول في مواجهة حاسمة بهدف إنهاء حالة الصبر الإستراتيجي للطرف الأضعف وتحطيم مكتسباته أو تعطيل مسار بناء قدراته. وفي هذه الحالة يجد الطرف الصابر نفسه أمام أربعة احتمالات رئيسية.
الاحتمال الأول: تفجر الوضع الداخلي
قد يؤدي الضغط المستمر إلى انفجار الوضع الداخلي؛ حيث تنتفض الحاضنة الشعبية ضد الطرف الصابر نتيجة عدم قدرتها على تحمل الكلف الناتجة عن الحصار أو الضربات العسكرية أو تدهور الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والاقتصاد. ومع تراجع الأمل في تحقيق حل يحفظ الكرامة والحقوق، قد تنقلب قطاعات من المجتمع ضد القيادة الصابرة ويهتز الاستقرار الداخلي. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك ما حدث في أيرلندا بعد المعاهدة الأنجلو-أيرلندية عام 1921؛ إذ تحملت الحركة القومية الأيرلندية سنوات من “الصبر المقاوم” والتصعيد التدريجي حتى فرضت معادلة تفاوضية(44). غير أن قبول وضع الدومينيون* والانقسام حول المعاهدة أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية بين معسكري “المعاهدة” و”ضد المعاهدة” خلال الفترة (1922–1923). وهكذا تحولت الضغوط الداخلية المرتبطة بتباين الرؤى حول توقيت الحسم وحدود المكاسب المقبولة إلى صراع داخلي طغى على المواجهة مع الخصم.
الاحتمال الثاني: التدحرج نحو الاستسلام التدريجي
قد يؤدي الضغط المتواصل إلى انزلاق الطرف الصابر تدريجيًّا نحو الاستسلام الضمني، ثم إلى خطوات متتابعة من التنازل تنتهي بالقبول بالأمر الواقع. ويمكن ملاحظة ذلك في مسار العملية السياسية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، عام 1993، حيث سعت القيادة الفلسطينية إلى اتباع مسار تفاوضي طويل النفس بهدف بناء شرعية دولية وتجنب المواجهة الشاملة. غير أن غياب أدوات ضغط فعَّالة وتوسع الاستيطان الإسرائيلي أسهما في خلق وقائع جديدة على الأرض همَّشت إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًّا. ويرى بعض الباحثين أن هذا المسار تحول تدريجيًّا من “صبر نشط” إلى قبول بواقع مجتزأ يقوم على حكم ذاتي محدود وتجزئة جغرافية، بحيث أصبح الزمن يعمل لصالح الطرف الأقوى بدل الطرف الصابر.
الاحتمال الثالث: الاندفاع نحو مواجهة غير مواتية
قد يستجيب الطرف الصابر لاستفزازات الخصم ويدخل في مواجهة حاسمة في ظروف غير مناسبة له، مما يؤدي إلى خسارة المواجهة. وفي هذه الحالة يحقق الطرف الأقوى هدفه بالتخلص من خصمه أو إضعافه بصورة كبيرة، حتى وإن تكبد بدوره كلفة مرتفعة في سبيل ذلك.
الاحتمال الرابع: الثبات والاستمرار
قد يتمكن الطرف الصابر من الصمود والمناورة وامتصاص آثار الضربات، مع الاستمرار في بناء قدراته والسعي للوصول إلى مستوى من التكافؤ يسمح له بالمواجهة الحاسمة في المستقبل. ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك المواجهة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، في مايو/أيار 2025، حين استهدفت إسرائيل -بدعم أميركي- منشآت مرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيراني. ورغم شدة الضربات استطاعت إيران الصمود خلال حرب استمرت اثني عشر يومًا، واستخدمت خلالها الصواريخ التي طورتها خلال مرحلة الصبر الإستراتيجي لضرب العمق الإسرائيلي؛ الأمر الذي أسهم في خلق تأثير ردعي أسهم في وقف الحرب. وفي هذا السياق يمكن القول: إن إيران لجأت إلى خيار الصمود وامتصاص الضربات مع الحفاظ على تماسك النظام واستئناف نشاطه الرسمي ومواصلة المناورة حول برنامجيها، النووي والصاروخي. كما يمكن ملاحظة نهج مشابه في السياسة الصينية التي تتجنب مواجهة حاسمة مع الولايات المتحدة، مع الاستمرار في توسيع علاقاتها الاقتصادية عالميًّا في مواجهة الضغوط الاقتصادية الأميركية.
ثانيًا: إنهاء الصبر الإستراتيجي من قبل الطرف الأضعف
يُعد هذا المسار الأكثر حساسية ودقة، لأنه يمثل لحظة الانتقال من الصبر إلى الحسم. ففي هذه الحالة يعمل الطرف الصابر خلال مرحلة الصبر الإستراتيجي على بناء قدراته تدريجيًّا وتجنب المواجهة الحاسمة قبل الأوان، مع الاكتفاء بمناوشات محدودة ومتقطعة قد تُستخدم أحيانًا لتحقيق ردع متوازن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وخلال هذه المرحلة يحرص الطرف الصابر على إبقاء مستوى المواجهات ضمن حدود يستطيع الطرف الأقوى استيعابها دون أن تدفعه إلى استخدام كامل قوته العسكرية. ولذلك يتجنب الاستفزازات العنيفة التي قد تمنح الخصم ذريعة لتصعيد شامل يجبر الطرف الصابر على مواجهة غير مواتية.
ومع تطور قدرات الطرف الصابر وبلوغه درجة معينة من التكافؤ النسبي، تبدأ مرحلة التردد الإستراتيجي حول توقيت المواجهة الحاسمة. ففي هذه المرحلة تدور نقاشات داخلية بين تيار يدعو إلى المبادرة بالمواجهة فورًا وتيار آخر يفضِّل الانتظار حتى تتوافر ظروف أفضل.
ولأن هذه المرحلة هي الأكثر خطورة، ينبغي للطرف الصابر قبل اتخاذ قرار المواجهة الحاسمة التأكد من توافر ثلاثة شروط أساسية تمثل عوامل النجاح في الحسم.
الشرط الأول: وضوح الرؤية الإستراتيجية
يجب أن تنطلق مرحلة الحسم من رؤية إستراتيجية واضحة وقابلة للتطبيق، مبنية على فرضيات دقيقة ومدروسة بعمق. ويتطلب ذلك تجنب الانحياز العاطفي في تقدير الموقف والابتعاد عن التحيزات التي قد تدفع إلى تضخيم القدرات الذاتية أو التقليل من قدرات الخصم. كما ينبغي إخضاع هذه الفرضيات لتحليل متخصص يشمل الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، لأن قرار المواجهة الحاسمة ينطوي على مسؤوليات كبيرة ونتائج بعيدة المدى.
الشرط الثاني: امتلاك القدرات الواقعية الكافية
ينبغي للطرف الصابر التأكد من امتلاكه قدرات إستراتيجية حقيقية تمكِّنه من تحقيق نتائج ملموسة في المواجهة الحاسمة. ولا يعني ذلك بالضرورة امتلاك قدرات مساوية تمامًا لقدرات الخصم بل امتلاك مستوى معقول من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية يسمح بتحقيق مكاسب إستراتيجية أو فرض تنازلات على الطرف الآخر. ويتطلب ذلك تقييمًا موضوعيًّا للقدرات المتاحة بعيدًا عن المبالغة أو الغرور، مع الاستفادة من خبرات المختصين والحلفاء في تقدير حجم الإمكانات الفعلية.
ويمثل تقييم القدرات منعطفًا حرجًا؛ إذ قد يؤدي الميل النفسي نحو المجازفة أو التحفظ إلى تقديرات مختلفة للقدرة على الحسم. وقد يفضي هذا التقييم إلى قرار بالمواجهة الحاسمة، أو إلى تأجيلها، أو إلى الاكتفاء بمستوى أدنى من المواجهة.
الشرط الثالث: توافر بيئة إستراتيجية مواتية
يتطلب نجاح المواجهة الحاسمة وجود بيئة جيوسياسية محلية وإقليمية مؤيدة أو على الأقل غير معادية، مع توافر حدٍّ أدنى من الدعم السياسي. وتزداد فرص النجاح إذا توافر دعم لوجيستي أو اقتصادي من أطراف إقليمية أو دولية. أما في حال غياب هذه البيئة الداعمة، فقد يجد الطرف الصابر نفسه في بيئة غير صديقة قد تميل إلى دعم الخصم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتكتسب العوامل الجيوستراتيجية أهمية كبيرة في هذه المرحلة، لأن قرار المواجهة غالبًا ما يعني الاحتكاك بمصالح قوى دولية مهيمنة على الموارد الطبيعية أو على القرار السياسي في المنطقة(45). وقد تنشأ هذه الهيمنة نتيجة ارتباط مصالح النخب الحاكمة بقوى خارجية، أو نتيجة الضعف الاقتصادي والعلمي والعسكري الذي يدفع الدول إلى طلب الدعم الخارجي، أو بسبب الاعتماد على الحماية الأمنية أو القروض والتكنولوجيا الأجنبية. كما قد يؤدي السعي لامتلاك أسلحة متطورة لتحقيق توازن إستراتيجي إلى فتح المجال لتدخلات جيوسياسية أوسع(46).
وبناءً على ذلك، فإن قرار المواجهة الحاسمة في العلاقات الدولية لا يمكن فصله عن السياق الجيوستراتيجي الأوسع، لأن الحسم يعني في جوهره امتلاك السيادة أو جزء منها، أي انتزاعها كليًّا أو جزئيًّا من طرف آخر.
ولهذا لم يعد قرار الحسم معزولًا عن البيئة الجيوسياسية المحيطة، بل أصبح متداخلًا مع شبكة معقدة من التفاعلات المحلية والإقليمية والدولية. وقد يؤدي تجاهل هذه العوامل إلى مفاجآت إستراتيجية غير محسوبة.
وفوق ذلك، يواجه الطرف الصابر عادة ضغوطًا داخلية متعددة في بيئته المحلية؛ فمن جهة يمارس الخصم ضغوطه السياسية والعسكرية، ومن جهة أخرى قد تضغط الحاضنة الشعبية باتجاه التنازل عن بعض المطالب نتيجة صعوبة الظروف المعيشية، أو على العكس قد تدفع باتجاه التعجيل بالمواجهة أملًا في إنهاء المعاناة. كما قد تنشأ ضغوط داخلية من بعض النخب أو المؤسسات التي تسعى إلى إثبات القدرة على المواجهة، أو من تيارات أخرى ترى أن الظروف لم تنضج بعد.
وفي ظل هذه الضغوط المتعددة، يصبح من الضروري أن يتحلى الطرف الصابر بدرجة عالية من الحكمة والرشد في اتخاذ القرار، حتى يتمكن من اختيار التوقيت المناسب للمواجهة الحاسمة وتجنب الانزلاق إلى خيارات غير محسوبة.
القرار الرشيد
تكتسب الرشادة في اتخاذ القرار أهمية كبيرة في إدارة العلاقات السياسية والدولية والصراعات؛ إذ إن جوهر الرشد والعقلانية يتمثل في إحكام فهم العالم والعلاقات المتشابكة فيه، بما يتيح المناورة ضمن هذا التعقيد على نحو يفضي إلى تحقيق الأهداف المنشودة والغايات المتوخاة(47).
ويقوم القرار الرشيد على شرطين أساسيين؛ أولهما أن تتم عملية اتخاذ القرار بصورة تداولية، أي عبر المشاورة والمداولة العميقة والتفكير الدقيق قبل حسم القرار، بحيث يُستوفى الموضوع بحثًا ونقاشًا للوصول إلى الرأي الأنسب. أما الشرط الثاني فيتمثل في أن يكون القرار مبنيًّا على نظرية عمل ذات مصداقية وقابلة للتطبيق(47).
وتُعد عملية صنع القرار التداولية عملية منظمة تقوم على تبادل الحجج المسندة بالأدلة، وإجراء نقاش عقلاني بين المعنيين بالقرار بهدف الوصول إلى قرار مبرَّر علنًا وقابل للدفاع عنه معرفيًّا وأخلاقيًّا. كما تسهم هذه العملية في الحد من احتمالات اتخاذ قرارات نشاز أو غير متوازنة أو غير مدروسة.
وفي هذا السياق، فإن التداولية في اتخاذ القرار تعني ضمان سلامة الأسلوب والطريقة والرأي والتوجه، استنادًا إلى مبدأ الشورى في إدارة الشأن العام، كما في قوله تعالى: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” (آل عمران: 159). ويكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في القضايا الإستراتيجية التي تترتب عليها آثار بعيدة المدى.
ومن المهم كذلك أن تشمل عملية صنع القرار التداولية أصحاب الآراء المختلفة، حتى لا تنحصر المشاورات في دائرة الموافقين مسبقًا أو في أولئك الذين قد يترددون في إبداء الرأي المخالف أمام صانع القرار. فإتاحة المجال لوجهات النظر المتباينة تسهم في توسيع دائرة الفحص النقدي للخيارات المتاحة، وتعزز فرص الوصول إلى قرار أكثر توازنًا ورشدًا.
خاتمة
إن نجاح الصبر الإستراتيجي يتطلب توازنًا دقيقًا بين الانتظار المدروس وبناء القدرات والمبادرات المحسوبة. فأي خلل في أحد هذه الأركان قد يحوِّل نهج الصبر الإستراتيجي إلى سلبية إستراتيجية تمنح الخصم وقتًا إضافيًّا لترسيخ مكاسبه وتعزيز موقعه. وفي المقابل، فإن توافر هذه المتطلبات، مقرونًا بالمراجعة الدورية للمسار، يحول الزمن من عبء ضاغط إلى أصل إستراتيجي يُستنزف عبره الخصم ويتعزز من خلاله الموقف السياسي للطرف الصابر.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي يعيشها العالم العربي اليوم، يقدِّم مفهوم الصبر الإستراتيجي إطارًا تحليليًّا يساعد على تفكيك الانطباع الشائع الذي يربط الانتظار بالعجز أو التردد. فهو يوضح متى يكون الانتظار استثمارًا واعيًا في المستقبل، ومتى يتحول إلى استنزاف سلبي يبدد الفرص ويضعف الموقف.
ومن ثم فإن الصبر الإستراتيجي ليس دعوة إلى الجمود أو الامتناع عن الفعل، بل هو دعوة إلى فعل هادئ ومنضبط يراكم أسباب القوة، ويُربك الخصم، ويمنح الزمن فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم إطار مفاهيمي يمكن أن يفيد الباحثين في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، كما يمكن أن يشكِّل مرجعًا لصنَّاع القرار الساعين إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى دون تهور أو استعجال.
وفي المحصلة، يظل الزمن أحد أكثر العوامل تأثيرًا في مسارات الصراع والتنافس بين الدول والمجتمعات؛ فبينما قد تُحسم الحروب في ميادين القتال، فإن مصائر الأمم كثيرًا ما تتحدد في صمت الزمن.
المراجع
(1) Anke Schmidt-Felzmann, “The Breakdown of the EU’s Strategic Partnership with Russia: From Strategic Patience Towards a Strategic Failure,” Cambridge Review of International Affairs, vol. 29, no. 1, 2016, pp. 99–127.
(2) Toshihiro Nakayama, “Strategic Patience in a Turbulent World: The Obama Doctrine and Its Approach to the World,” Asia-Pacific Review, vol. 22, no. 1, 2015, pp. 1–15.
(3) Da-jung Li, “Trump Administration’s North Korea Policy: From ‘Strategic Patience’ to ‘Maximum Pressure,’” Tamkang Journal of International Affairs, vol. 22, no. 3, 2019, pp. 1–48.
(4) Hassan Mneimneh, “‘Strategic Patience’ and Iran’s ‘Resistance Axis’: An Enduring Challenge for Biden’s Administration,” Washington Institute for Near East Policy, 11 December 2020.
(5) Mohammed Amin Jankiz, “Iran: From Strategic Patience to Strategic Dilemma?” Sharq Forum, 27 February 2024.
(6) Mohammed Khairi, “Strategic Patience: Iran’s Weapon in Confronting the U.S.,” Arab Forum for Iranian Policy Analysis, 30 March 2021.
(7) Abdulwahab Morsi, “Strategic Patience Alone Can No Longer Sustain Iran,” Al Jazeera Net – Politics, 11 October 2024.
(8) زياد بن عابد المشوخي، الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي، رسالة دكتوراه، (أم درمان: جامعة أم درمان الإسلامية، 2012).
(9) Olmo Gölz and Ruth Vollmer, “Narratives of ‘the Oppressed’: The Dialectic of Resistance Behind the Axis,” MERIP, no. 313, Winter 2024.
(10) Hamas, “General Principles and Policies,” 2017.
(11) أحمد قاسم حسين، “مراجعة كتاب: زمن المذلولين، باثولوجيا العلاقات الدولية”، مجلة سياسات عربية، العدد 21، يوليو/تموز 2016، ص 127–133.
(12)ما هو الصبر الإستراتيجي؟ وهل خرجت إيران من عباءته فعلًا؟ إبراهيم علوش، “الميادين”، 3 مايو/أيار 2024، (تاريخ الدخول: 9 مارس/آذار 2027)، [https://www.almayadeen.net/researchpapers](https://www.almayadeen.net/researchpapers)
(13) ليس بالصبر الإستراتيجي وحده تحيا إيران الآن،، عبد الوهاب المرسي، الجزيرة نت نت، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2024 (تاريخ الدخول: 9 مارس/آذار 2027)،
[https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/11](https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/11)
(14) ابن منظور، لسان العرب، مادة “صبر”، وابن فارس، مقاييس اللغة، مادة “صبر”.
(15) “Morocco and Algeria: Strategic Patience,” Modern Diplomacy, 28 March 2024, Available at:
[https://moderndiplomacy.eu/2024/03/28/morocco-and-algeria-strategic-patience/](https://moderndiplomacy.eu/2024/03/28/morocco-and-algeria-strategic-patience/)
(16) “Developing and Modeling Strategic Patience,” Air University, U.S. Air Force, Available at:
[https://airuniversity.af.edu/Article-Display/Developing-and-Modeling-Strategic-Patience](https://airuniversity.af.edu/Article-Display/Developing-and-Modeling-Strategic-Patience)
(17) Wael Shadid, “A Framework for Managing Organizations in Complex Environments,” Construction Management and Economics, vol. 36, no. 4, 2017, pp. 182–202.
(18) Miranda Sieg, “The Value of Strategic Patience,” International Affairs Review, 28 March 2011, Available at:
[https://www.iargwu.org/blog/2011/03/28/the-value-of-strategic-patience](https://www.iargwu.org/blog/2011/03/28/the-value-of-strategic-patience)
(19) Jason Knight, “The End of Strategic Patience: The North Korea Dilemma,” The Strategy Bridge, 17 January 2018, Available at:
[https://thestrategybridge.org/thebridge/2018/1/17/the-end-of-strategic-patience](https://thestrategybridge.org/thebridge/2018/1/17/the-end-of-strategic-patience)
(20) Richard Javad Heydarian, “‘Hide Your Strength, Bide Your Time,’” Al Jazeera, 21 November 2014, Available at:
[https://www.aljazeera.com/opinions/2014/11/21/hide-your-strength-bide-your-time](https://www.aljazeera.com/opinions/2014/11/21/hide-your-strength-bide-your-time)
(21) Changsop Pyon, “Strategic Patience or Back to Engagement? Obama’s Dilemma on North Korea,” North Korean Review, vol. 7, no. 2, 2011, pp. 73–81.
(22) Timothy Taylor, “Industrial Policy Lessons from South Korea,” Conversable Economist, 6 April 2023, Available at:
[https://conversableeconomist.com/2023/04/06/industrial-policy-lessons-from-south-korea/](https://conversableeconomist.com/2023/04/06/industrial-policy-lessons-from-south-korea/)
(23) Elsa B. Kania, “Made in China 2025, Explained,” Center for a New American Security, 28 April 2019, Available at:
[https://www.cnas.org/publications/commentary/made-in-china-2025-explained](https://www.cnas.org/publications/commentary/made-in-china-2025-explained)
(24) Julian Cruz, “Building Fortunes Like Bezos: The Timeless Art of Long-Term Wealth Creation,” AInvest, 28 June 2025, Available at:
[https://www.ainvest.com/news/building-fortunes-bezos](https://www.ainvest.com/news/building-fortunes-bezos)
(25) Elon Musk, “The Secret Tesla Motors Master Plan (Just Between You and Me),” Tesla Blog, 2 August 2006, Available at:
[https://www.tesla.com/blog/secret-master-plan](https://www.tesla.com/blog/secret-master-plan)
(26) “Netflix’s Pivot to Streaming: Betting on Long-Term Thinking Over Short-Term Comfort,” The Leadership Mission, 6 July 2025, Available at:
[https://www.theleadershipmission.com/post/long-term-thinking-netflix-decision](https://www.theleadershipmission.com/post/long-term-thinking-netflix-decision)
(27) Taylor Branch, Pillar of Fire: America in the King Years, 1963–65, (New York: Simon & Schuster, 1998).
(28) International Center on Nonviolent Conflict, “U.S. Civil Rights Movement (1954–1968),” 2015, Available at:
[https://www.nonviolent-conflict.org/resource/us-civil-rights-movement-1954-1968/](https://www.nonviolent-conflict.org/resource/us-civil-rights-movement-1954-1968/)
(29) University of Minnesota Libraries Publishing, “Economic Sanctions and the Collapse of Apartheid,” Global Politics: Perspectives and Readings, 2020, Available at:
[https://manifold.open.umn.edu/read/global-politics-perspectives](https://manifold.open.umn.edu/read/global-politics-perspectives)
(30) Michal Daliot-Bul, “Japan Brand Strategy: The Taming of ‘Cool Japan’ and the Challenges of Cultural Planning in a Postmodern Age,” Social Science Japan Journal, vol. 12, no. 2, 2009, pp. 247–266.
(31) Cabinet Office, Government of Japan, “Cool Japan Strategy: Turning Culture into a Global Brand,” 2023, Available at:
[https://www.cao.go.jp/cool_japan/english/index.html](https://www.cao.go.jp/cool_japan/english/index.html)
(32) Ministry of Economy, Trade and Industry (Japan), Cool Japan Strategy Overview, (Tokyo: METI, 2016).
(33) Dal Yong Jin, “K-Pop’s Cultural Conquest: How Hallyu Became South Korea’s Soft Power Engine,” Columbia Political Review, 15 May 2024, Available at:
[https://www.cpreview.org/articles/2024/05/kpops-cultural-conquest](https://www.cpreview.org/articles/2024/05/kpops-cultural-conquest)
(34) Dal Yong Jin, New Korean Wave: Transnational Cultural Power in the Age of Social Media, (Illinois: University of Illinois Press, 2016).
(35) Joseph S. Nye, “Korean Dramas, Netflix, and the New Geography of Soft Power,” FGV International Intelligence Unit, 2023, Available at:
[https://iiu.fgv.br/en/publications/korean-dramas-netflix-soft-power](https://iiu.fgv.br/en/publications/korean-dramas-netflix-soft-power)
(36) Hassan AlKhatib, “Assessing the Post-World Cup Upswing: Qatar’s Knowledge Index and Investment Boom after 2022,” Journal of Tourism & Sports Management, vol. 10, no. 2, 2024.
(37) Paul M. Brannagan and Richard Giulianotti, “The Soft Power–Soft Disempowerment Nexus: The Case of Qatar,” International Affairs, vol. 94, no. 5, 2018, pp. 1139–1157.
(38) حمد جميل ناجي، “الغموض الإستراتيجي في العلاقات الدولية: تحليل حالة التحالف العربي في اليمن”، عدن تايم، 18 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 9 مارس/آذار 2027)،
https://www.aden-tm.net/news/340929
(39) Raymond Kuo, “‘Strategic Ambiguity’ May Have U.S. and Taiwan Trapped in a Prisoner’s Dilemma,” RAND Corporation, 18 January 2023.
(40) Tim Willasey-Wilsey, “US Policy on Taiwan and the Perils of ‘Strategic Ambiguity,’” RUSI, 26 September 2022.
(41) Arms Control Association, “The ‘Military Option’ for Countering Iran’s Nuclear Program,” Arms Control Today, June 2011.
(42) Siamak Naficy, “Red Lines and Black Boxes: Iran, Deterrence, and the Weaponization of Uncertainty,” Small Wars Journal, 17 July 2025.
(43) Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “President Xi Jinping Meets with U.S. President Joe Biden,” 15 November 2024.
(44) Bill Kissane, The Politics of the Irish Civil War, (Oxford: Oxford University Press, 2005).
(45) وائل شديد، البعد الجيوستراتيجي في مشروع النهضة، 2020، (تاريخ الدخول: 9 مارس/آذار 2027)،[https://waelshadid.academia.edu](https://waelshadid.academia.edu)
(46) وائل شديد، الجيوستراتيجي بين المفهوم والتطبيق، 2020، (تاريخ الدخول: 9 مارس/آذار 2027)،
[https://waelshadid.academia.edu](https://waelshadid.academia.edu)
(47) John J. Mearsheimer and Sebastian Rosato, How States Think: The Rationality of Foreign Policy, (New Haven: Yale University Press, 2023).
** أُعِدت هذه الدراسة قبل الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران التي بدأت يوم 28 فبراير/شباط 2026. (المحرر).
* “وضع الدومينيون” يعني استقلالًا جزئيًا ضمن إطار الإمبراطورية البريطانية، وهو حل وسط بين الاستعمار الكامل والاستقلال التام، وقد كان سببًا مباشرًا في الانقسام الداخلي الأيرلندي. (المحرر).
