ملخص:

يجادل المساهمون في هذا الكتاب بأن الحرب عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من حرب إسرائيلية على غزة تشكِّل لحظة حاسمة في تطور الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وانتهوا إلى ذلك بعد تقييم شامل للأزمة الحالية.

يقدم الكتاب تحليلًا شاملًا للعوامل المختلفة التي أحاطت بعملية “طوفان الأقصى” التي قادتها حماس، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والرد العسكري الإسرائيلي. وتتعمق في تحليل السياق التاريخي والديناميات السياسية والتداعيات المحلية والإقليمية للنزاع في غزة. وعلى عكس المواقف المضطربة والسرديات المتداخلة، التي غالبًا ما تعرضها بعض وسائل الإعلام والخطابات الرسمية، التي تسعى إلى فصل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول عن سياقها التاريخي، فإن هذا الكتاب يهدف إلى تقديم رؤى أعمق للأسباب الجذرية والدوافع الحقيقية التي أدت إلى انفجار الوضع بغزة. وقد اعتمد على وجهات نظر خبراء ونشطاء وشخصيات سياسية من جنسيات مختلفة وانتماءات فكرية ومعرفية، لتقديم صورة واضحة عن السياق التاريخي لهذا النزاع ودينامياته وعواقبه؛ وبالتالي وضع الحرب الدائرة في غزة في سياقها التاريخي. وقد سعى المساهمون، إلى استكشاف مبررات حماس للهجوم ورد فعل إسرائيل ومواقف المجتمع الدولي، وكذا تداعيات الأزمة على الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وقدموا تفاصيل عن تفاقم الضائقة الاجتماعية والاقتصادية نتيجة الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع؛ وعن انسداد أفق الحل الدبلوماسي نتيجة تعنت الطرف الإسرائيلي وسعيه الدائم إلى عرقلة جهود التسوية وفرض سياسة “إدارة الصراع” بدلًا من حله؛ مما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني بغزة، وغذَّى حالة التوتر والاحتقان الذي انتهى إلى انفجار الأوضاع هناك دون أن تنجح إسرائيل في القضاء على حماس أو كسر إرادة الغزيين. وتقدم فصول الكتاب، تحليلًا نقديًّا لاستهداف المدنيين وحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بقطاع غزة، وردود الأفعال الإقليمية والدولية وجهود التضامن الدولي..

كلمات مفتاحية: طوفان الأقصى، الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، حصار غزة، حماس، استهداف المدنيين

Abstract:

This book offers a comprehensive analysis of the factors surrounding Tufan Al-Aqsa led by Hamas on 7 October 2023, and the subsequent Israeli military response. It deeply examines the historical context, political dynamics and local and regional implications of the conflict in Gaza. In contrast to the fragmented perspectives and intertwined narratives often presented by some media and official discourses, which tend to isolate the events of 7 October from their historical context, this book provides deeper insights into the root causes and genuine motivations behind the escalation in Gaza. It draws on perspectives from experts, activists and political figures of diverse nationalities and intellectual backgrounds to present a clear understanding of the historical context, dynamics and consequences of this conflict, placing the ongoing war in Gaza within its proper historical framework. Contributors explore Hamas’s justifications for the attack, Israel’s response, and the positions of the international community. They also detail the worsening social and economic hardships resulting from Israel’s blockade of Gaza and the stalling of diplomatic efforts due to Israeli obstructionism and its preference for a “conflict management” approach rather than resolution. These factors have exacerbated the humanitarian crisis in Gaza, fuelling the tension and frustration that led to the escalation, without Israel succeeding in eliminating Hamas or breaking the resolve of the Gazans. The book’s chapters critically analyse civilian targeting and Israel’s use of genocidal warfare tactics in Gaza, alongside regional and international reactions and efforts toward international solidarity.

Keywords: Tufan Al-Aqsa, Israeli-Palestinian conflict, Gaza blockade, Hamas, civilian targeting.

عنوان الكتاب

“الطوفــــــــــان: غزة وإسرائيل: من الأزمة إلى الكارثة”

Deluge: Gaza and Israel from Crisis to Cataclysm

المؤلف: (تحرير)، جيمي ستيرن واينز (Jamie Stern-Weiner)

مراجعة: حفيظة بوجيدة

دار النشر: أور بوكس ((OR. Books

تاريخ النشر: 4 أبريل 2024

اللغة: الإنجليزية

الطبعة: الأولى

عدد الصفحات: 336

صدر كتاب “الطوفــــــــــان: غزة وإسرائيل: من الأزمة إلى الكارثة” عن دار النشر “أور” (OR books) في شهر أبريل/نيسان 2024. حرَّره جيمي ستيرن واينر(1) Jamie Stern-Weiner) (، الذي يتمتع بخبرة واسعة في قضايا الشرق الأوسط خاصة منها قضية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ كما يتميز بتحليلاته العميقة وتقاريره المستفيضة عن الأحداث والتطورات في المنطقة، وله مجموعة من الإصدارات في نفس السياق منها كتاب “لحظة صدق: نقاش أصعب المشاكل الفلسطينية-الإسرائيلية” الصادر في 2018 عن دار “أور” للنشر.

يقع الكتاب في 336 صفحة؛ تم تنظيمه بطريقة منطقية ومتماسكة، وتتصدره مقدمتان تمهيديتان، الأولى لآفي شلايم (Avi Shlaim) (أحد المساهمين في تأليف هذا الكتاب)، والثانية للمحرر جيمي ستيرن واينر (Jamie Stern-Weiner) ؛ تليها ثلاثة أجزاء موضوعاتية تتعمق في مختلف جوانب الأزمة وتتناغم فيما بينها بشكل تكاملي بهدف وضع الحرب الدائرة في غزة في سياقها التاريخي وتقديم تقييم مبدئي للجوانب المختلفة للنزاع. ويتم دمج وجهات نظر وخبرات المساهمين بشكل فعال لإنشاء تحليل شامل وثاقب للوضع الراهن بغزة.

يحمل الجزء الأول من الكتاب عنوان “السياقات”، ويتضمن أربع مقالات متأنية، تدعو القرَّاء إلى النظر فيما هو أبعد من العناوين والشعارات واستكشاف أعماق الصراع والأزمة الحالية في غزة. أسهم في مواد هذا القسم كل من آفي شلايم، باحث بارز في مجال العلاقات الدولية، وسارة روي (Sara Roy)، خبيرة في الاقتصاد السياسي؛ وكولتر لويرز (Colter Louwerse) ، باحث أكاديمي مهتم بالتاريخ الدبلوماسي للقضية الفلسطينية؛ وأخيرًا الباحث المستقل R. J..

ويعنون الجزء الثاني بـ”الكارثة”، ويتضمن إسهامات كل من يانيف كوغان (Yaniv Cogan) ، طالب علوم الكمبيوتر في جامعة تل أبيب، وأحمد الناعوق، صحافي من غزة، وخالد الحروب، أكاديمي فلسطيني وأستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة نورثويسترن في قطر؛ وموسى أبو هشهش، ناشط في حقوق الإنسان وباحث ميداني؛ ومعين رباني، المحرر المشارك لمجلة “جدلية”، ثم ناثان ج. براون (Nathan J. Brown)، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن.

أما القسم الثالث والأخير فيندرج تحت عنوان “التضامن”، وأسهم فيه كل من ميتشل بليتنيك (Mitchell Plitnick)، مؤلف وناشط حقوقي ورئيس مؤسسة إعادة التفكير في السياسة الخارجية؛ وطلال هنجري، اشتراكي يعيش في لندن وصاحب موقع talalhangari.com؛ وكلير دالي (Clare Daly)، سياسية أيرلندية وعضو في البرلمان الأوروبي، لها عدة اهتمامات سياسية، بما في ذلك الهجرة وحقوق الإنسان.

وتتصدر الصفحات الأولى للكتاب قائمة بأهم المحطات التاريخية التي مرَّت بها القضية الفلسطينية، بدءًا من تاريخ صدور وعد بلفور في نوفمبر/تشرين الثاني العام 1917، ومرورًا بأبرز محطات الصراع العربي-الإسرائيلي، والفلسطيني-الإسرائيلي وكذا أهم القرارات الأممية الصادرة في الشأن الفلسطيني، وانتهاء بالتصعيد الذي حدث في مايو/أيار 2021 حين أطلقت حماس صواريخ من قطاع غزة ردًّا على الانتهاكات الإسرائيلية في القدس الشرقية. وجاءت هاته القائمة موجزة على نحو يعزز فهم القارئ لتسلسل الأحداث، ويضع السياسة الإسرائيلية تجاه غزة في سياقها التاريخي.

ويأتي صدور هذا الكتاب على خلفية التطورات الأخيرة التي تشهدها الساحة الفلسطينية. وتقدم المساهمات التي تشكل مادته الرئيسية تحليلًا شاملًا للعوامل المختلفة التي أحاطت بعملية “طوفان الأقصى” التي قادتها حماس، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والرد العسكري الإسرائيلي اللاحق على غزة؛ وتدرس السياق التاريخي والديناميات السياسية والآثار المحلية والإقليمية للنزاع في غزة.

ويهدف الكتاب إلى تقديم رؤى أعمق حول الأسباب الجذرية والدوافع الحقيقية والعواقب المترتبة على العملية، وذلك في محاولة استكشاف مبررات حماس للهجوم، ورد فعل إسرائيل، ومواقف المجتمع الدولي، وتداعيات الأزمة على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فإسرائيل، حسب ما يرى جيمي ستيرن في مقدمته، تسعى إلى فصل ما يجري في غزة عن سياقه -وعن الإطار التحليلي العام الذي عادة ما يسمح بفهم الأحداث المنفردة في علاقتها بما يسبقها وتأثيرها على ما يليها- بهدف التغطية على جريمة الإبادة الجماعية التي تمارسها هناك بدعوى حقها المشروع في الدفاع عن النفس ضد عدوان غير مبرر. بل أكثر من ذلك فهي لا تتوانى في الرد على أي تصريح أو موقف معارض لتأويلاتها تمامًا كما فعلت مع تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش (António Guterres) حين نبَّه إلى أن هجوم حماس “لم يحدث من فراغ” فجاءه الرد الإسرائيلي المباشر والسريع مطالبًا باستقالته فورًا.

وليس خفي على أحد، أن التغطية الإعلامية الغربية تبنَّت النهج الإسرائيلي وعمدت هي الأخرى (على الأقل في بداية الأحداث) إلى نزع السياق التاريخي عن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وسعت إلى تقديم صورة مشوهة عن حقيقة المواجهات والحروب التي تحدث في سياق الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، معتبرة إياها حوادث منفصلة وطارئة نتيجة اعتداءات “الإرهابيين” على دولة ديمقراطية. وهذا ما يضفي أهمية خاصة على مواد هذا الكتاب.

وانسجامًا مع الأهداف آنفة الذكر، فقد استخدم المساهمون في تأليف كتاب “الطوفان” منهجية التحليل التاريخي والسياسي في موضوعاتهم المختلفة، فضلًا عن الاستعانة بوجهات النظر القانونية والإنسانية. كما اعتمد التحليل على مجموعة متنوعة من المصادر، بما في ذلك الأدبيات الأكاديمية والتقارير السياسية والتغطيات الإعلامية والروايات المباشرة.

فانطلاقًا من الصفحات الأولى للكتاب، يعلن ستيرن واينر في مقدمته أن الهدف من هذا الإصدار هو “وضع هذه الحرب في سياقها التاريخي المناسب وتقديم تقييم أولي للعديد من الجوانب المختلفة للحرب”. وقد استطاع أن يدلل على أن “الظروف التي أدت إلى هجوم حماس كانت قائمة منذ زمن طويل”. مشيرًا، وبشكل مقتضب، إلى جملة من العوامل التي أدت إلى تكريس الأزمة وتأجيج الصراع في غزة. فسياسة الطرد والتهجير التي تعرض لها الفلسطينيون “لإفساح المجال أمام قيام دولة إسرائيل منذ 1948″، واحتلال القطاع عام 1967، وسحق الانتفاضة الأولى عام 1987، وتحويل القطاع إلى “معسكر اعتقال ضخم” ما بعد 2004، كلها عوامل أدت إلى فرض جوٍّ من الاحتقان لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهله عند تحليل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول.

وكان آفي شلايم قد أشار هو الآخر في مقدمته، وأيضًا في مساهمته التي تتصدر الجزء الأول من الكتاب والمعنونة بـ”حرب إسرائيل على غزة”، إلى محطات تاريخية معينة من تاريخ السياسة الإسرائيلية اتجاه الفلسطينيين، معتبرًا إياها حلقات في سلسلة النهج الإسرائيلي الرامي إلى تحويل حالة الصراع مع الجانب الفلسطيني من موقف المواجهة إلى موقف “إدارة الصراع”. وركز في تحليله على الجوانب الدبلوماسية للوضع في غزة ليوضح أن انخراط إسرائيل في اتفاقيات أوسلو ثم انسحاب حكومة شارون من جانب واحد من غزة، في 2005، لم يكن بغرض البحث عن حلٍّ للصراع بقدر ما كان حلقة في سلسلة الإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تجميد العملية السياسية لمنع قيام الدولة الفلسطينية والمطالبة بالقدس وطي ملف اللاجئين ومسألة الحدود. وليس خفيًّا على أحد أن سياسة إسرائيل كانت ترمي على الدوام إلى الحفاظ على الوضع الراهن في غزة من خلال تجميد الأوضاع هناك، ومنع أي تقدم ملموس نحو السلام، وعزل حماس وإضعاف الوحدة الفلسطينية عن طريق خلق انقسامات بين فلسطينيي الضفة والقطاع والتنكيل إلى أقصى الحدود بالمدنيين الذين تعتبرهم حاضني الإرهاب.

وفي وصف دقيق للرد الإسرائيلي المفرط على عملية طوفان الأقصى لـ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أشار شلايم إلى أن الحكومة التي شكَّلها بنيامين نتنياهو، أواخر 2022، هي الحكومة الأقل كفاءة والأكثر تطرفًا وعنصرية وكراهية، مما يفسر تخبطها في تحديد أهداف الحرب على غزة وضلوعها في ممارسة الإبادة الجماعية هناك. يقول شلايم: “عندما انسحبت إسرائيل من غزة، عام 2005، حوَّلت القطاع الصغير إلى سجن مفتوح. وحوَّل رد فعل إسرائيل، على هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، هذا السجن المفتوح إلى مقبرة مفتوحة وكومة من الأنقاض وأرض قاحلة مقفرة”، في إشارة إلى الدمار الذي أحدثه القصف الإسرائيلي المتواصل لغزة عن طريق البر والبحر والجو. ويستنتج شلايم أن جذور الأزمة عميقة، وعملية الطوفان ليست عملية منفردة، معلنًا موقفه بصراحة؛ إذ يقول: “وأقترح أن أسير على خطى الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، من خلال توضيح ما هو واضح: الصراع بين إسرائيل وحماس لم يبدأ في 7 أكتوبر”.

وقد وافق العديد من الدراسات هذا الرأي، ووثَّقت أسباب انفجار الوضع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. فمن خلال كتابه “الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة: الأسباب-اليوميات- النتائج” يرصد د. عدنان عبد الرحمن أبو عامر “الأوضاع الأمنية والعسكرية في غزة في فترة ما قبل اندلاع” الحرب هناك، ويؤكد أنه “كان لابد للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ 2006، وشمل كل مجالات الحياة الإنسانية، أن يصل إلى نقطة الانفجار، بعد أن أذاق الفلسطينيين طعم الموت البطيء يومًا بعد يوم، دون أن يحرك ذلك في العالم المتحضر شعرة أو وخزة من ضمير”.

وتوافق سارة روي شلايم رأيه بأن الإستراتيجية الإسرائيلية تهدف إلى تجميد الوضع في غزة لضمان إحكام السيطرة على الديناميكيات السياسية والاقتصادية هناك، وبالتالي ممارسة النفوذ والسيطرة على المنطقة دون انخراط في حوار بنَّاء أو بذل أي جهد لحل الصراع. لكنها، ومن واقع خبرتها، تحاول تسليط الضوء على النهج الإسرائيلي في استخدام التدابير الاقتصادية، إلى جانب السياسة الدبلوماسية، لممارسة الضغط على سكان غزة وتضييق الخناق عليهم وفرض المزيد من العزلة السياسية على حماس.

ففي مقالتها التي تحمل عنوان “الإبادة الجماعية بغزة”، تصف روي السياسة الإسرائيلية كونها محاولة “للقضاء على السيطرة الفلسطينية على كامل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطع معظم العلاقات بين هذه المناطق وغزة ] وذلك [عن طريق الاستقطاب الاقتصادي في الضفة الغربية، والحرمان الاقتصادي والعزلة الديمغرافية والدمار المادي والمؤسسي في قطاع غزة”. وهي تسعى من خلال تحليلها، إلى تقديم صورة واضحة عن الكيفية التي أحدثت بها السياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه غزة آثارًا مدمرة على سبل عيش ورفاهية السكان الفلسطينيين في المنطقة. وتقول: إن الحصار والقيود الاقتصادية التي تفرضها إسرائيل أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة؛ مما أدى إلى انتشار الفقر والبطالة ونقص في الضروريات الأساسية للعيش الكريم. وتشير روي إلى الموقف الأميركي الداعم للسياسة الإسرائيلية تلك، والذي كشفت عنه برقية صادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 (سرَّبتها ويكيليكس) من مسؤولي السفارة الأميركية في تل أبيب، حين أبلغوا إدارتهم عزم المسؤولين الإسرائيليين إبقاء اقتصاد غزة على حافة الانهيار دون التسبب في انهيار اقتصادي كامل. وترى روي أن الهدف من هذه الإستراتيجية هو ممارسة الضغط على المنطقة دون التسبب في أزمة إنسانية شاملة؛ مما يعكس النهج الإسرائيلي المتعمد لإغراق غزة في حالة من الضعف الاقتصادي دون تجاوز العتبة التي من شأنها أن تثير احتجاجات عنيفة ضدها، أو إدانات دولية حتى من حلفاء إسرائيل.

وفيما يتعلق بالوحدة الفلسطينية، فإن روي تكشف عن أحد أهم عناصر الخطة الإسرائيلية التي تهدف إلى خلق انقسامات وحواجز تضعف إمكانية خلق أي تضامن أو وحدة شاملة بين الفلسطينيين. فتكريس واقع الفرقة والعزلة، وتعميق هوة الخلافات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، من شأنه أن يحول دون تشكيل جبهة فلسطينية متماسكة يمكن أن تتحدى سياسات إسرائيل أو تطالب بحقوق جماعية واعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة. وأكثر من هذا، فإن مثل هاته الإستراتيجيات لا تعيق احتمال قيام دولة فلسطينية موحدة فحسب، وإنما تعمل أيضًا على تفتيت الأراضي الفلسطينية وتقطيع أوصالها؛ مما يسهِّل على إسرائيل الحفاظ على سيطرتها ونفوذها على المنطقة. وخَلصت روي إلى القول بأنه “لو أن إسرائيل وحلفاءها كفُّوا ولو للحظة، وعلى مدى نصف القرن الماضي، عن تفويت وقمع وتخريب فرص التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية؛ ما كانت المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل في 2023، ولا الإبادة الجماعية للمدنيين في غزة أن تحدث. في الواقع، يمكن الجزم بأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني كان سيُحل قبل عقود من الزمن”.

لقد سعى كل من شلايم وروي من خلال مساهمتيهما إلى تحليل بعض العناصر الأساسية في الفكر الأمني والسياسي الإسرائيلي التي أدت إلى اندلاع أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ خاصة منها سياسة “إدارة الصراع” و”عزل حماس” كونها سياسة محورية في نهج حكومة نتنياهو تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وبينما يرى المؤلفان أن هذا النهج الإسرائيلي قد حال دون التوصل إلى أي تسوية سلمية للنزاع، وزاد من تأزم الأوضاع المعيشية والاقتصادية بالقطاع وأدى في النهاية إلى انفجار الوضع هناك، فإن أوساطًا إسرائيلية ترمي باللوم على سياسة نتنياهو التي راهنت على هاته الإستراتيجية للحفاظ على الوضع القائم في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وانتهت إلى نتائج عكسية. فإخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حسب دراسة مشتركة لمؤسستين بحثيتين إسرائيليتين، هما: “مؤسسة بيرل كتسنلسون” و”مركز مولاد لتجديد الديمقراطية”، كشف عن عيوب مقاربات “إدارة الصراع” و”تعزيز حماس”، ومع طول أمد الحرب لم يعد ادعاء نتنياهو بالحفاظ على “الوضع القائم […] والعيش، بكل بساطة، من جولة قتالية إلى أخرى” قائمًا، كما أن إستراتيجية “تعزيز حماس” لم تثن هاته الأخيرة عن المضي قدمًا في اتجاه تحقيق أهدافها الإستراتيجية. وفي الوقت الذي تحدثت فيه روي عن سياسة “عزل حماس” وقاربت الموضوع من وجهة نظر اقتصادية، تضمن مفهوم “تعزيز حماس” في المقاربة الإسرائيلية التمكين المتعمد لحركة حماس في غزة على حساب السلطة الفلسطينية بهدف منع قيام الوحدة الفلسطينية والمطالبة بإقامة دولة فلسطينية موحدة.

أما كولتر لويرس فيبحث من خلال مساهمته المعنونة: “هل تتحمل حماس مسؤولية الفشل في حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني؟” عن حدود مسؤولية حماس في تكريس حالة الصراع والاحتقان بالمنطقة، متبنيًا في تحليله نهجًا سياقيًّا دقيقًا يتحدى من خلاله وعي القارئ ويدعوه إلى إعادة النظر في الرواية السائدة التي عادة ما تحمِّل حماس مسؤولية إفشال جهود تسوية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ومع أنه يشير إلى دورها في تكريس الأزمة بعدم اعترافها بإسرائيل، إلا أنه لا يعزو مسؤولية الفشل في تحقيق تسوية سلمية وعادلة ودائمة إلى حماس وحدها. فالاحتلال العسكري الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير، كلها عوامل مدت حركة حماس بمقومات وجودها كحركة مقاومة وليس كعقبة رئيسية في طريق حل للصراع. بل إن حماس، كما يوضح لويرس، سبق وأن أبدت اعتدالها السياسي وانخرطت في العملية الديمقراطية؛ إلا أن إسرائيل، وكعادتها، رفضت الاعتراف بفوزها في الانتخابات التي أعقبت انسحاب حكومة شارون من المستوطنات الإسرائيلية بغزة في 2005، ونددت بالممثلين المنتخبين لفلسطينيي غزة باعتبارهم غير مؤهلين ليكونوا شركاء في المفاوضات. وبهذا تكون “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” -كما يقول المثل- قد رفضت قبول نتائج انتخابات ديمقراطية عندما لا تناسبها؛ وحماس، وإن كانت قد أبدت اعتدالها السياسي، فإنها تظل في عُرف إسرائيل وحلفائها منظمة إرهابية، وفوزها في الانتخابات يعني أن كل الغزيين إرهابيون.

وعلاوة على هذا، يستعرض لويرس مختلف المبادرات ومفاوضات السلام، مشيرًا إلى أن تعنت إسرائيل وعدم رغبتها في تقديم تنازلات حقيقية، يقوض آفاق التوصل إلى اتفاق جاد ومستدام مع الطرف الفلسطيني؛ ناهيك عن أن اختلال ميزان القوة بين الطرفين سمح لإسرائيل على الدوام بإملاء شروط كل التسويات المحتملة، وترسيخ سياسة الاحتلال. ويحلل دور الجهات الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في دعم هيمنة إسرائيل ومنع كل وساطة نزيهة ومتوازنة لحل الصراع؛ كما يعزو تعنت إسرائيل وإفراطها في فرض إملاءاتها وتماديها في التسلط على الأراضي الفلسطينية وتضييق الحريات هناك، إلى فشل المجتمع الدولي في محاسبتها على انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي.

وفي ختام هذا الجزء من الكتاب، يسلط آر. جيه الضوء على التوصيف الشائع الذي يعتبر حركات المقاومة السلمية عنيفة بطبيعتها. ويرى أنه عادة ما يُتخذ هذا الادعاء المتعمد ذريعة لتبرير العنف ضد حركات المقاومة السلمية، ووسيلة لتشويه سمعتها وحرمانها من كسب التعاطف العام. وهو الأمر الذي سعت إليه إسرائيل من خلال تأويلها لفوز حماس في انتخابات 2005؛ بأنه يوجد معنى ضمني لذلك الفوز وهو أن جميع سكان غزة إرهابيون. وقد قالها أفيغدور ليبرمان، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي مرتين: “ليس هناك أبرياء في قطاع غزة”.

ولم تخل المقالة من إشارات إلى نماذج من تاريخ حركات المقاومة السلمية التي صمدت وأثبتت فعاليتها ومصداقيتها، مثل حركة الحقوق المدنية الأميركية ونقابة التضامن العمالية في بولندا، والتي حققت تغييرًا سياسيًّا واجتماعيًّا كبيرًا من خلال تكتيكات منضبطة وسلمية. ومع ذلك، يشير المؤلف، إلى أنه غالبًا ما تواجه هذه الحركات خطر تشويه سمعتها من خلال إلحاق تهمة العنف بممارساتها فيكون ذلك سببًا في تقويض سلطتها الأخلاقية وشرعيتها. ويلعب الإعلام دورًا حاسمًا في هذا الباب، فيقدم حركات المقاومة السلمية في صورة الحركات العنيفة والمدمرة، بينما يصور جرائم الإبادة الفعلية على أنها “دفاع عن النفس”.

وللإشارة، فـإنه عادة ما تستخدم بعض المصطلحات في سياق البحث الأكاديمي كذلك، ظاهرها الحيادية والموضوعية وباطنها إشارات توجه القارئ إلى تبني مواقف ضد حركات المقاومة السلمية وتصنيفها حركات عنيفة. فقد استعمل نتانيل فلايمر مصطلح “الجهات الفاعلة العنيفة غير الحكومية”، لوصف منظمات مثل حماس، وهو ما يعني ضمنيًّا أنها منخرطة في أعمال العنف. فمن خلال مقالة نُشرت له، في 16 مايو/أيار 2023، بمجلة Intelligence & National Security)) تحت عنوان “العدو يعلمنا كيف نعمل”(2)، يستكشف فلايمر الكيفية التي تستخدم بها حماس الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) في حربها الاستخباراتية ضد إسرائيل منذ 1987 إلى حدود 2012. وقد وضع المؤلف بين يدي القارئ تحليلًا شاملًا لقدرات حماس في مجال الاستطلاع الأمني الميداني، وأساليبها في جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية، خاصة ما تعلق منها بالجوانب العسكرية والمدنية لإسرائيل وقوات الدفاع الإسرائيلية، وبالتالي توظيفها في عملياتها ضد الأهداف الإسرائيلية.

ويتعمق جي في تحليل الأسباب النفسية والإستراتيجية التي تجعل المقاومة السلمية فعالة للغاية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على الانضباط والتماسك والوضوح الأخلاقي داخل الحركة. فعندما تنجح المقاومة السلمية في مدِّ جسور الثقة مع الجماهير بثباتها على النهج السلمي، تصبح حينها قادرة على حشد دعم واسع النطاق، وممارسة الضغط من خلال الوسائل الاقتصادية والسياسية، وإجبار من هم في السلطة، في نهاية المطاف، على تقديم تنازلات أو تغيير مواقفهم ضدها.

وبشكل عام، فإن مساهمة جي إنما هي دعوة صريحة لفهم وتقدير عمل المقاومة السلمية باعتباره أداة مشروعة وقوية للتغيير الاجتماعي والسياسي؛ أراد من خلالها حثَّ القراء على توخي الحذر من محاولات تشويه مثل هذه الحركات ودعم أصوات المنخرطين في مقاومة سلمية ومنضبطة ضد الظلم والقمع. ودعا المؤلف إلى تجاوز الاتهامات التي تلقي باللوم على حماس وتحمِّلها مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية بغزة، وتضع إسرائيل في موقف الدفاع عن النفس، موضحًا أن “إستراتيجيات بديلة قد جُرِّبت، وجُرِّبت مرة أخرى، دون نجاح”. ولم يكن تبني خيار المقاومة المسلحة إلا جوابًا على أسلوب العنف وكذا القمع الذي وُوجِهت به حركة الاحتجاجات السلمية. لذا، فإن المسؤولية الأخلاقية عما جرى يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا تقع على عاتق حماس وحدها، “بل أيضًا على الحكومتين، الأميركية والإسرائيلية، وكذلك وسائل الإعلام الأميركية” التي لم تتحلَّ بالإنصاف والموضوعية في تقديم الحقائق. ومع أن جي يؤكد مرة أخرى أن “هذا لا يبرر الفظائع التي ارتكبتها حماس” (حسب تعبيره) إلا أنه يعترف بأن سلوك الحكومتين، الإسرائيلية والأميركية، وكذا الإعلام الموجه، دفع إلى ممارسة القمع والإرهاب.

أما الجزء الثاني -“الكارثة”- من كتاب “الطوفان: غزة وإسرائيل: من الأزمة إلى الكارثة” فيستعرض مختلف جوانب التصعيد العسكري المدمر الذي اندلع بعد عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتداعيات العميقة التي خلَّفها على كل من الإسرائيليين والفلسطينيين وعلى المنطقة بأسرها.

وتتصدر قائمة المقالات في هذا الجزء، مساهمة يانيف كوغان، “منطق استهداف المدنيين في غزة وإسرائيل”، والتي يسعى من خلالها إلى تقديم تحليل عميق للاستهداف المتعمد للمدنيين. ويعزو إفراط إسرائيل وحماس في ممارسة العنف أثناء النزاع، إلى تبني الطرفين لمنطق خاطئ ومشوه لما يُعرف بالضرورة العسكرية وردع العدو. فإسرائيل تتبنى نهج الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين كمبدأ وعقيدة راسختين في الرؤية الأمنية والسياسية التي هيمنت على صانع القرار الإسرائيلي لعقود؛ إذ لا يتوانى صنَّاع القرار هناك عن المطالبة بالإفراط في القتل علنًا، وضرب البنى التحتية في غزة بهدف تأليب الغزيين ضد حماس. كما أن عقيدة الجيش الإسرائيلي تقوم على مبدأ إلحاق أبشع أنواع العقاب بالسكان المدنيين بغزة. وقد وصف اللواء غادي أيزنكوت (Gadi Eizenkot)، هذه العقيدة بــ”عقيدة الضاحية”، في إشارة إلى الدمار الهائل الذي ألحقته القوات الإسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت، في 2006؛ إذ يقول في مقابلة أجريت معه في أكتوبر/تشرين الأول 2008: “أسميه: عقيدة الضاحية؛ فما حدث في الضاحية سيحدث في كل قريةٍ من القرى التي تُطلق منها النار على إسرائيل. سنُخضعها لقوة غير متكافئة، ونتسبب بأضرار ودمار هائلين. نحن لا نعدها قرى مدنية بل قواعد عسكرية. هذه ليست توصية، هذه هي الخطة. وقد تمت الموافقة عليها بالفعل”.

وضمن السياق نفسه، يرى كوغان أن استهداف حماس للمدن الإسرائيلية بالرشقات الصاروخية إنما تدفعه الرغبة في الانتقام والضغط على إسرائيل؛ في حين تبرر هاته الأخيرة غاراتها الجوية المدمرة واجتياحها البري لغزة كونها ضرورة لا غنى عنها من أجل إضعاف قدرات حماس القتالية. ومع ذلك، يؤكد كوغان أن الاستهداف الممنهج للمدنيين، إنما هو جريمة حرب تقوض أي احتمال لتحقيق سلام عادل بين الطرفين. ويخلص إلى نتيجة مفادها أن “منطق” مهاجمة المدنيين لا يؤدي إلا إلى ترسيخ دورات العنف والمعاناة.

وكان اختيار مساهمة الصحفي الغزي، أحمد الناعوق، موفقًا حين أتبع بها المحرر مساهمة كوغان، ليبيِّن من خلالها الآثار الإنسانية الفظيعة لمنطق ممارسة القوة المفرطة؛ إذ يركز الناعوق على تداعيات الهجوم الإسرائيلي المفرط على الوضع الإنساني في غزة. ويقدم من خلال مساهمته “هكذا تمامًا: الحياة والموت في غزة” سردًا مؤثرًا للدمار الذي أحدثه الهجوم الإسرائيلي على غزة. ويصف القصف الإسرائيلي المتعمد للمنازل والمستشفيات بتفصيل دقيق، وكذا الاستهداف المباشر للبني التحتية الحيوية، فضلًا عن الصدمة والألم اللذين يعاني منهما المدنيون الغزيون الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة وسط الفوضى والدمار. ويجادل الناعوق بأن حجم الخسائر في الأرواح، والمعاناة الإنسانية التي لحقت بسكان غزة عكست، وبشكل صارخ، اختلال ميزان القوة بين الأطراف المتنازعة؛ مما يدل على الانتهاك الإسرائيلي الصارخ للقانون الدولي. وتضفي روايته القوية طابعًا إنسانيًّا على الخسائر الفادحة التي لحقت بالمدنيين الذين أصبحوا عرضة لمرمى نيران الجيش الإسرائيلي.

ويبحث خالد الحروب من خلال مساهمته التي تحمل عنوان “لا شيء يفشل مثل النجاح: حماس وانفجار غزة” عن الدوافع الكامنة وراء هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ ويضعه في سياق مناورة مدفوعة برغبة حماس في إحياء “وحدة ساحة القتال” وتعزيز مكانتها “في السياسة الفلسطينية والإقليمية على حدٍّ سواء، ومد الجسور بين الدوائر الفلسطينية المنقسمة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الأجندات الدولية والعربية”، ناهيك عن الأوضاع القاسية بقطاع غزة.

ويستعرض الحروب بعض المحطات البارزة من تاريخ حركة حماس، بدءًا من انتصارها الانتخابي في 2006 “وسيطرتها على غزة في 2007″، مع التركيز على الحرب التي شُنَّت ضدها -كرد فعل على ذلك- وتشديد الحصار عليها، وعزلها إقليميًّا ودوليًّا وتصنيفها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية. ولم يغفل الحروب أن يشير إلى أن الولايات المتحدة أسهمت بشكل كبير في فرض العزلة على حماس حتى داخل الأراضي الفلسطينية حين “تعاونت مع بعض مسؤولي الأمن في السلطة الفلسطينية لشل حكومة حماس وإثارة انقلاب ضدها”. وأقنعت السلطة الفلسطينية بأن مد الجسور مع حركة حماس سيعرِّض مصالحها للخطر وسيحرمها من تلقي المساعدات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك عائدات الضرائب التي تسيطر عليها إسرائيل، والتي بدونها ستنهار السلطة الفلسطينية.

ورغم ذلك، يرى الحروب، أن حماس ظلَّت تهدف إلى توحيد المقاومة الفلسطينية، و”استرضاء الرأي العام (من خلال) تخفيف قبضتها تدريجيًّا على عناصر فتح والمنظمات الأخرى الموجودة بالقطاع”؛ بينما مارست إسرائيل مزيدًا من الضغط عليها، ولم تكن لتسمح لحماس بأن تحقق أي تطور إيجابي يذكر. ومن جانب آخر، كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على استعداد لدعم إسرائيل في خطتها الرامية إلى فرض المزيد من الضغوطات على قطاع غزة. وهنا يتساءل الحروب: هل دفع هذا الضغط، المفروض على حماس من كل الأطراف، إلى تغيير في الخط السياسي للحركة؟ وبمعنى آخر، هل أدرك قادة حماس أن سياسية الاسترضاء لن تؤدي إلا إلى مزيد من الإذلال، فقررت القيام بـ”عملية الطوفان”؟ أم أن الجناح العسكري لحماس تصرف بشكل مستقل عن تنظيمه السياسي؟ أم كانت هناك ديناميكية فئوية أخرى؟

لقد فاجأت “عملية الطوفان” الجميع، بمن فيهم قادة إسرائيل الذين تأخروا بشكل لافت في إصدار أي بلاغ. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على فشل الاستخبارات الإسرائيلية في التنبؤ بهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ففي معظم المحطات السابقة استطاعت المخابرات الإسرائيلية أن تتوقع حدوث انفلات أمني وأعمال عنف بقطاع غزة انطلاقًا من مراقبتها لتدهور الأوضاع الإنسانية هناك. وهذا ما حصل في 2016، حين لاحظ رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن “الوضع الإنساني في غزة يتدهور تدريجيًّا”، وحذَّر من أنه “إذا انفجر، فسيكون ذلك في اتجاه إسرائيل”. ومن جهته، لم يجد نتنياهو صعوبة في تحديد سبب خروج سكان غزة في مظاهرات سلمية حاشدة على طول الشريط الحدودي، في 2018، حين قال: “إنهم يختنقون اقتصاديًّا، ولذلك قرروا أن يحطموا السياج”. فما الذي يفسر فشل الاستخبارات الإسرائيلية في التنبؤ بهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟

لقد أسالت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول مدادًا كثيرًا وتعددت آراء المحللين حولها، حتى إن أحد المحللين الأمنيين-الإستراتيجيين الإسرائيليين كتب متسائلًا: “كيف وصلنا إلى يوم فقدان السيادة الإسرائيلية لنحو يومين كاملين؟”. وأيًّا كان الجواب، فقد أجمعت معظم التحليلات على أن ما حصل يومها “لم يكن مجرد خطأ استخباراتي أو عطل عملانيِّ موضعيِّ، وإنما كان نتيجة تراكمية حتمية تمثَّلت في انهيار شامل مدوٍّ للرؤية الأمنية والسياسية التي تربعت على صدارة ما يمكن تسميته بـالفكر السياسي-الأمني وتحكَّمت بمُخرجاته خلال العقود الأخيرة، وثمة من يحصرها في الفترة منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في 2009”. ويرى الحروب أنه ما دامت إسرائيل سائرة في نهجها بفرض المزيد من القهر والفصل العنصري، “فإن الظروف ستبقى مهيأة لانفجارات أخرى، سواء أكان على يد حماس أم على يد منظمات أخرى”.

ويحلل موسى أبو هشهش من خلال مقالته “الجبهة الهادئة: تأملات من الضفة الغربية” تداعيات حرب الإبادة الجماعية في غزة على الضفة الغربية. وقد أشار إلى الموقف السلبي الذي اتخذته السلطة الفلسطينية، بينما كانت إسرائيل تشن حملات موسعة من القمع والاعتقالات الجماعية في الضفة الغربية. ويقول: إن قيادة الضفة كانت حائرة بين إدانة جرائم الإبادة الجماعية في غزة وتجنب إثارة هجوم مماثل عليها. وهذا ما يفسر اقتصار “المظاهرات الشعبية على ردود فعل عفوية وعشوائية، وهي أقل بكثير من التحركات التي شهدتها أوروبا”. ولم يتمكن الفلسطينيون في الضفة الغربية، حسب رأي الكاتب، “من تشكيل قيادة طوارئ موحدة تنظم الشعب وتوجه جهوده وتعزز صموده. وكان السبب الرئيسي في ذلك هو معارضة السلطة الفلسطينية وأكبر فصيل في حركة فتح”. وعلاوة على هذا، يبقى العامل الاقتصادي أحد أهم العوامل التي تفسر موقف الصمت والحياد الرسمي في الضفة الغربية؛ إذ يرى المؤلف أن المستثمرين والتجار الفلسطينيين الذين يملكون “تصاريح استيراد السلع سواء من إسرائيل أو عبر موانئها” لن يجازفوا بمصالحهم؛ وكذلك الشأن بالنسبة لموظفي “السلطة الفلسطينية وكبار التجار والعمال في إسرائيل” الذين يتقاضون أجورًا عالية تيسر لهم رغد العيش. وهذا ما أشارت إليه سارة روي في مقالتها حين تحدثت عن السياسة الإسرائيلية الرامية إلى تعميق الهوة بين الضفة والقطاع لتكريس حالة الفرقة داخل المقاومة الفلسطينية. ويحذر أبو هشهش من أن الحرب يمكن أن تعمق الانقسامات بين الضفة الغربية وغزة؛ مما يقوض احتمالات قيام حركة وطنية موحدة.

 وفي حين يبحث أبو هشهش في تداعيات الصراع المشتعل في غزة على الضفة الغربية، فإن معين رباني يستكشف -من خلال مقاله “كل شيء يهتز: الديناميكيات الإقليمية لحرب غزة”- أصداء هذا الصراع في منطقة الشرق الأوسط كلها. ويتناول رباني عملية “طوفان الأقصى” في سياق أوسع، وهو سياق محور المقاومة الذي تتزعمه إيران؛ منتقدًا ذاك الادعاء الذي يحصر أهداف عملية “طوفان الأقصى” في خانة السعي لتقويض التقارب المتنامي بين إسرائيل والعربية السعودية. ويعتبر أن “تعزيز العلاقات مع محور المقاومة، لعب دورًا محوريًا في دعم قدرة حماس على مواجهة الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بنجاح في السابع من أكتوبر”.

وقد أشار رباني إلى توتر علاقات إسرائيل مع جيرانها العرب؛ ففي الوقت الذي دعمت فيه بعض الأنظمة اجتياح غزة بشكل ضمني، ظلت المشاعر الشعبية في جميع أنحاء المنطقة تعارض العدوان على غزة بشكل قوي. ويشير رباني إلى أن الحرب يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية؛ مما قد يضعف موقف إسرائيل ويقوي خصومها.

وفي ختام الجزء الثاني من الكتاب، يجادل ناثان ج. براون بأن حرب غزة تمثل انهيارًا جوهريًّا في الديناميكيات السياسية والأمنية التي كانت تشكل مشهد الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني سابقًا. ويؤكد أن الصراع قد دخل الآن منطقة مجهولة، مع احتمال تصاعد العنف والانهيار الكامل لمسارات الحل. ويحذر براون من خلال مساهمته “الهاوية”، من أن عواقب الحرب قد تكون كارثية على المدى البعيد سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. ويختم براون مساهمته بتوقعات قاتمة حول المستقبل المجهول الذي يواجه كلا المجتمعين؛ إذ يقول: “وعندما ينقشع الغبار، سيُترك الشعبان، الإسرائيلي والفلسطيني، في مواجهة بعضهما البعض بمزيد من المرارة، وبدون آليات تمكِّنهما من صياغة مستقبلٍ أقل عنفًا”.

وعلى العموم، فإن الجزء الثاني “الكارثة” يرسم في مجمله صورة حية ومقلقة للعواقب الكارثية التي قد تنتج عن أعمال العنف واسعة النطاق؛ مما يقوض أي أمل في استقرار “الوضع الراهن” وينذر باحتمال حدوث اضطرابات أكبر في المستقبل.

أما القسم الثالث والأخير من الكتاب، فيبحث في أوجه التضامن الدولي في أعقاب حرب غزة في 2023، سواء أكان في الولايات المتحدة أم بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي. فمن خلال مساهمته “الاختراقات وردود الفعل العنيفة في بطن الوحش” يحلِّل ميتشل بليتنيك تحول الرأي العام الأميركي والخطاب السياسي تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في أعقاب الأحداث المدمرة في غزة. ويلاحظ أن حجم العنف والدمار، الذي ألحقته القوات العسكرية الإسرائيلية بالسكان المدنيين بغزة، أجَّج مشاعر الغضب والانزعاج لدى الشعب الأميركي بمن فيهم مؤيدو إسرائيل؛ مما أدى إلى ظهور حركات احتجاجية متضامنة مع الشعب الفلسطيني، ومناوئة للدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل. كما نبَّه المؤلف إلى رد الفعل العنيف الذي تعرضت له حركات التضامن تلك من قِبل القوى المؤيدة لإسرائيل من ساسة وإعلاميين. وفي ختام مساهمته، يشير بليتنيك إلى أن حرب غزة ربما تكون قد فتحت مجالًا لتوجيه النقد وإعادة تقييم سياسة الولايات المتحدة، لكن المصالح الإستراتيجية للدولة تقتضي الالتزام بالحفاظ على موقفها كما هو.

وفيما يتعلق ببريطانيا، يُضمِّن طلال هنغاري مقالته “التضامن مع فلسطين في بريطانيا” سردًا حيًّا لحركة التضامن مع فلسطين في بريطانيا، والضغط السياسي المتزايد لإدانة أعمال الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في غزة. ويوثق الكيفية التي تردد بها صدى الصراع داخل المجتمع المدني البريطاني، وأدى إلى مطالبة حكومة المملكة المتحدة باتخاذ موقف صارم ضد الاحتلال ومحاسبة إسرائيل. وتقدم مساهمة هنغاري صورة موجزة لالتزام بريطانيا بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة بشأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، منذ ستينات القرن الماضي إلى الوقت الحاضر؛ وكذا محاولات الحكومة الحالية لنزع الشرعية عن حملة التضامن مع فلسطين متهمة إياها بمعاداة السامية.

ويؤكد هنغاري على تنوع حركة التضامن، التي تشمل المنظمين على مستوى القاعدة الشعبية، والمجموعات الطلابية، والنقابات العمالية، وبعض الشخصيات السياسية. ونظرًا للتوقيت المبكر الدي كُتبت فيه مقالته، يشير هنغاري إلى أنه لم يتمكن من إعطاء تقييم واف لتأثير الضغط الذي تمارسه الفئات المسلمة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

ويُختتم الجزء الثاني بمساهمة لكلير دالي، عضو البرلمان الأوروبي، “خطايا اللجنة: كيف ارتدت أوروبا إلى دعم جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة”، تقدم من خلالها نقدًا لاذعًا لموقف الاتحاد الأوروبي من الحرب على غزة. وتقول: إن القادة الأوروبيين “ارتدوا” فعليًّا إلى دعم الهجوم العسكري الإسرائيلي، على الرغم من الأدلة الواضحة على جرائم الحرب والاستخدام غير المتكافئ للقوة ضد المدنيين الفلسطينيين. ويمثل هذا فشلًا أخلاقيًّا وسياسيًّا من جانب المؤسسات الأوروبية؛ مما يقوض مصداقيتها كجهات فاعلة محايدة في النزاع. وتشير دالي إلى أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تمارس ضغطًا كبيرًا على حكومات الاتحاد الأوروبي، وتهددها بالقيام برد فعل سياسي عنيف ضدها في حال أوقفت دعمها لإسرائيل.

وختامًا، فإن كتاب “الطوفان: غزة وإسرائيل: من الأزمة إلى الكارثة: نجح إلى حدٍّ بعيد في تقديم دراسة شاملة، ورؤية مدروسة بعناية فائقة للأزمة التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما يتجاوز السرديات المشوهة التي تمررها التصريحات السياسية والتقارير الإعلامية الرامية إلى تحريف الحقائق. كما نجح في وضع الأحداث ضمن السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ مما يساعد القراء على استكشاف الوجه الآخر للصراع، واستيعاب ما يجري في غزة وفهم الأزمة الحالية بشكل أشمل.

فقد قام المساهمون بتحليل العوامل التاريخية والسياسية التي أدت إلى أزمة غزة في 2023 تحليلًا شاملًا، بما في ذلك فشل عملية أوسلو للسلام، وعزل غزة وخنقها اقتصاديًّا، وتصاعد العنف بين حماس وإسرائيل. كما درسوا الديناميكيات الإقليمية، مثل التحالفات المتغيرة وصراعات السلطة في الشرق الأوسط التي أثَّرت على الصراع.

وقدمت المساهمات دراسة مستوفاة لنقطة تحول رئيسية في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ فهي تدعو القرَّاء إلى فهم الدوافع والحسابات المعقدة للجهات الفاعلة والمعنية بالصراع فهمًا دقيقًا، فضلًا عن الانتباه إلى الآثار العميقة للنزاع على منطقة الشرق الأوسط والمجتمع الدولي على حدٍّ سواء.

وخلصت مقالات هذا الكتاب إلى عدة نقاط رئيسية، منها أن “عملية الطوفان” لـليوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت بمنزلة رد فعل متوقع على انتهاكات إسرائيل المتكررة للكرامة الإنسانية في غزة وإنكارها حق الفلسطينيين في تأسيس دولتهم المستقلة. وأن الهجوم العسكري الإسرائيلي العنيف على غزة إنما هو حرب إبادة جماعية واستهداف متعمد للمدنيين، قادته إسرائيل بإستراتيجية “إدارة الصراع” بدلًا من حله. كما أكدت المساهمات على فشل المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في اتخاذ إجراءات ملموسة لوقف جرائم الحرب الإسرائيلية ومحاسبتها. ثم إن الأزمة قد كشفت عن انقسامات عميقة داخل المشهد السياسي الفلسطيني، فضلًا عن عدم قدرة المجتمع الدولي على التوصل إلى حل سلمي.

ونظرًا لطبيعة الأحداث المتسارعة، فقد اقتصر التحليل على المعلومات المتاحة وقت كتابة مقالات هذا الكتاب. ولا شك في أن تطور الأحداث قد كشف عن أمور كانت مبهمة حينها، وأجابت عن أسئلة لم تكن شروط الاجابة عنها قد نضجت ولا يزال قادم الأحداث يُنبئ بالمزيد.

فبعد مرور قرابة ثمانية أشهر على اندلاع الأزمة، يمكن القول: إن القضية الفلسطينية عادت تتصدر الأجندات العربية والدولية، وانكشف القناع عن الوجه الحقيقي للاحتلال الصهيوني وعقيدة الجيش الإسرائيلي. فإسرائيل تخوض أطول حرب في تاريخها، مدججة بأعتى الأسلحة دون تحقيق أي نصر يذكر. فلا هي أفلحت في القضاء على حماس ولا هي استرجعت المخطوفين. بل أصبحت تؤدي أثمانًا غير التي أدتها في بداية الحرب. وأصبحت خسائرها فادحة في الأرواح والآليات؛ وتعرت سمعة الجيش الذي لا يُقهر وأُدرجت إسرائيل في القائمة السوداء لمرتكبي الانتهاكات ضد الأطفال. ولأول مرة في تاريخها يُدان قادتها في محكمة العدل الدولية بعدما رفعت جنوب إفريقيا دعوى إبادة جماعية ضدها، وتصدر مذكرات توقيف في حقهم. ولا تزال إسرائيل ضالعة في جرائم الإبادة الجماعية ضد أطفال غزة ونسائها وشيوخها. لذا، سيكون من الضروري إجراء المزيد من البحث والتحليل لفهم العواقب والتداعيات طويلة المدى لأزمة غزة عام 2023 بشكل كامل..

المراجع

(1)  جيمي ستيرن وينر: محرر مشارك في دار أور للنشر “OR Books” وباحث بجامعة أكسفورد. وُلد في فلسطين المحتلة ونشأ في لندن، وقد كتب بشكل مكثف عن تاريخ وسياسة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بالإضافة إلى سياسات معاداة السامية المعاصرة. نُشرت مقالاته في The Nation، وJacobin، وJadaliyya، وMiddle East Eye، وأماكن أخرى، وهو عضو مشارك في تأسيس مشروع اليسار الجديد.

(2) Netanel Flamer, The enemy teaches us how to operate’: Palestinian Hamas use of open source intelligence (OSINT) in its intelligence warfare against Israel (1987-2012) (تاريخ الدخول: يونيو/ حزيران 2024)

  https://doi.org/10.1080/02684527.2023.2212556

نتانيل فلايمر: محاضر في قسم الدراسات شرق الأوسطية في جامعة بار إيلان في إسرائيل، وباحث أول في مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية (Begin-Sadat Center for Strategic Studies) المعروف اختصارًا بـ”بيسا” (Besa). تركز أبحاثه على الاستخبارات ومكافحة التجسس والحرب غير المتكافئة والإرهاب؛ نذكر منها “استخدام المنظمات الإرهابية المعلومات المستقاة من مصادر خارجية: حماس أنموذجًا”(2020).A