ملخص
تتناول هذه الدراسة تطور قواعد القانون الدولي من منظور نقدي يتجاوز السردية الغربية التقليدية، من خلال تحليل الخلفيات الفلسفية والأيديولوجية التي أسهمت في تشكُّل هذا الحقل المعرفي، وعلاقته التاريخية بسياق نشوء الدولة الأوروبية الحديثة وتوسُّعها الاستعماري. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القانون الدولي، رغم ادعائه الكونية والحياد، قد تَشَكَّل في جزء معتبر منه ضمن منظومة معرفية وسياسية متمركزة حول التجربة الغربية، وهو ما انعكس على بنيته المعيارية وآليات تطبيقه، خاصة في علاقته بدول العالم الثالث والدول العربية على وجه الخصوص.
وتسعى الدراسة إلى تفكيك هذا التمركز من خلال إبراز إسهامات المنظورات غير الغربية، ولاسيما العربية والإسلامية، في بلورة بعض المبادئ القيمية للقانون الدولي، سواء على مستوى تنظيم السلم والحرب، أو احترام العهود، أو التعامل مع غير المحاربين. كما تتناول دور الأطر المؤسسية غير الغربية، مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، في الترافع من أجل إعادة صياغة قواعد القانون الدولي بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والمساواة بين الدول، ويحدُّ من منطق الانتقائية والهيمنة.
وتناقش الدراسة، في سياقها التحليلي، التحولات التي شهدها القانون الدولي المعاصر، ولاسيما بعد نهاية الحرب الباردة؛ حيث أضحى أكثر ارتباطًا بمنطق القوة والمصالح في ظل العولمة الليبرالية، وتراجع قدرة الدول النامية على التأثير في صياغة القواعد الدولية. وتخلص الدراسة إلى أن أزمة القانون الدولي الراهنة ترتبط، في جوهرها، باختلال ميزان القوة داخل النظام الدولي، واستمرار الهيمنة الغربية على مؤسساته وآليات اتخاذ القرار فيه.
وفي ضوء ذلك، تدعو الدراسة إلى التفكير في أفق نظري بديل يقوم على تطوير مقاربات غير غربية للقانون الدولي، تستوعب التعدد الحضاري والثقافي، وتسهم في بناء نظام قانوني دولي أكثر شمولًا وتمثيلًا، قادر على الاستجابة للتحديات الكونية المعاصرة على أساس العدالة، وتكافؤ السيادة، واحترام خصوصيات الشعوب والدول.
الكلمات المفتاحية: القانون الدولي، المركزية الغربية، المنظورات غير الغربية، العالم العربي، حركة عدم الانحياز، العولمة الليبرالية، العدالة الدولية.
Abstract
This study examines the evolution of international law from a critical perspective that moves beyond the traditional Western narrative by analysing the philosophical and ideological foundations that have shaped this field and its historical association with the rise of the modern European state and colonial expansion. The study advances the premise that international law, despite claims of universality and neutrality, has been formed to a significant extent within a knowledge and power structure centred on Western experience. This formation has been reflected in its normative architecture and mechanisms of application, particularly in its relationship with Third World states and Arab countries in particular.
The study seeks to deconstruct this centrality by highlighting the contributions of non-Western perspectives—especially Arab and Islamic approaches—to the development of key normative principles of international law, including the regulation of peace and war, respect for treaties, and the protection of non-combatants. It also analyses the role of non-Western institutional frameworks, such as the League of Arab States, the Organisation of Islamic Cooperation and the Non-Aligned Movement, in advocating for the reformulation of the rules of international law in ways that promote greater justice and equality among states and curbs the logic of selectivity and hegemony.
In its analytical context, the study discusses the transformations that contemporary international law has undergone, particularly since the end of the Cold War, as it has become more closely tied to the logic of power and interests under liberal globalisation, alongside the declining ability of developing countries to influence the formulation of international rules. The study concludes that the current crisis of international law is fundamentally linked to structural power asymmetries within the international system and the persistence of Western dominance over its institutions and decision-making processes.
In light of this, the study calls for reflecting on an alternative theoretical horizon based on the development of non-Western approaches to international law that accommodate civilisational and cultural pluralism, and contribute to building a more inclusive and representative international legal order – one that is capable of responding to contemporary global challenges on the basis of justice, sovereign equality and respect for the particularities of peoples and states.
Keywords: international law, Western centrism, non-Western perspectives, Arab world, Non-Aligned Movement, liberal globalisation, international justice.
مقدمة
تنبع أهمية دراسة المنظورات غير الغربية المؤطِّرة لقواعد القانون الدولي وخلفياتها الكلاسيكية والمعاصرة من طبيعة التحولات التي يشهدها المسرح الدولي، والتي أعادت إلى الواجهة أسئلة الشرعية الدولية، ومصادرها، وحدود فاعلية القواعد والمؤسسات القانونية الدولية والإقليمية. فقد أفرزت هذه التحولات نقاشًا متجددًا حول أزمات المنظمات الدولية، ووحدة النظام القانوني الدولي، وإمكانات تشكُّل ملامح نظام عالمي آخذ في التبلور، بما يحمله ذلك من رهانات نظرية وتطبيقية.
في هذا السياق، وإذا كان يُتداول على نطاق واسع أن القانون الدولي في مفهومه المعاصر ارتبط تاريخيًّا بصيرورة تشكُّل الحضارة الأوروبية المسيحية منذ أواخر القرن الخامس عشر، فإن هذا الارتباط لا ينفي امتداد جذوره إلى مراحل أسبق من التاريخ الإنساني؛ حيث واكبت إرهاصات تشكُّل الجماعات السياسية الإقليمية المنظمة، سواء في تدبير علاقات السلم أو تنظيم أنماط الصراع والحرب.
في هذا الإطار، تتأطر الدراسة انطلاقًا من إدراك الحاجة إلى إعادة إحياء النقاش حول قواعد القانون الدولي ومؤسساته، والبحث في سبل تدعيمها بخلفيات فكرية وفلسفية أكثر تنوعًا، تستلهم إسهامات جغرافيات وهويات ومجالات حضارية غير غربية، ولا تظل حبيسة المنظور الغربي على مستوى النص والممارسة والتكييف. وينصرف الاهتمام، على وجه الخصوص، إلى تحليل أثر المنظورات غير الغربية في تطوير أسس القانون الدولي وقواعده، في ظل هيمنة مقاربات نظرية وعملية سادت طويلًا في الأدبيات والممارسات الغربية.
يُبرز هذا المسار التحليلي أن استمرار بعض الرؤى الغربية التقليدية في تنظيم القانون الدولي، رغم الخطاب المعاصر الذي يحتفي بالحرية والانفتاح والتعدد، ما زال ينعكس على الإطار القانوني والمؤسساتي الذي تكرَّس عقب الحرب العالمية الثانية، والذي أظهر محدودية في استيعاب التعدد الحضاري، وبروز أنماط من عدم التكافؤ في القوة القانونية والتنظيرية والتطبيقية.
تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية تتمحور حول التوتر القائم بين الخطاب المعياري للقانون الدولي وممارساته العملية، في ظل استمرار أنماط من المركزية والهيمنة في تنظيمه وتطبيقه. ويبرز هذا التوتر على نحو خاص عند مقاربة موقع الإسهامات غير الغربية، ولاسيما العربية الإسلامية، في مقابل هيمنة تصور ليبرالي ذي مرجعية غربية على صياغة القواعد القانونية والمؤسسات الدولية وآليات تأويلها.
وفي هذا السياق، تسعى الدراسة إلى تحليل الكيفية التي جرى من خلالها تعميم هذا النموذج على الواقع الدولي، أحيانًا عبر قراءات أحادية لا تستوعب بالقدر الكافي الخصوصيات الثقافية والإنسية للحضارات الأخرى، رغم ما قدمته من مساهمات نوعية وكمية في تطور الفكر القانوني الدولي.
وانطلاقًا من ذلك، تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية تروم إبراز الخلفيات الفلسفية والأيديولوجية التي أسهمت في تشكُّل قواعد القانون الدولي، مع السعي إلى تفكيك أنماط اشتغالها في السياق الغربي، واستكشاف إمكانات بلورة قواعد قانونية أكثر انفتاحًا على المشترك الإنساني والقيم الكونية ذات الجذور غير الغربية؛ بما يعزز التواصل والتفاعل بين الشعوب والأمم.
وفي هذا الإطار، ينصرف التحليل إلى بحث السبل الكفيلة بتجاوز مركزية المقاربات الغربية في فهم القانون الدولي وتوظيفه، ولاسيما حين يُستعمل في خدمة أجندات سياسية بعينها. كما تسعى الدراسة إلى استكشاف آفاق توسيع مجال القانون الدولي المعاصر، وتحديد أهداف تتقاطع حولها مختلف الحضارات الإنسانية، في سياق تتجاذبه، على نحو متزامن، ديناميات التحرر واستمرار أنماط من الهيمنة. ومن هذا المنظور، يبرز موقع العالم العربي-الإسلامي، إلى جانب فضاءات أخرى من دول الجنوب، في التفاعل مع هذه التحولات والدفاع عن مقاربات تأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والهوياتية.
يكشف الواقع الدولي المتحوِّل عن حاجة متزايدة إلى إعادة النظر في براديغمات التحليل السائدة، واستكشاف أفق ما بعد الاستعمار في فهم ديناميات النظام الدولي والقانوني. ويعكس هذا التحول تراجع المكانة الاعتبارية والتأثيرية لعدد من دول الأطراف داخل البنية الدولية، في مقابل بروز نقاش متنامٍ حول إمكانات دول الجنوب، بما فيها دول العالم الثالث، في توظيف مواردها المادية والرمزية، والترافع عن تنوعها الثقافي في الفضاء الدولي.
غير أن هذا المسار يظل محفوفًا بتحديات بنيوية، بالنظر إلى طبيعة السياقات الدولية التي ما زالت تُظهر محدودية في استيعاب التعدد والاختلاف، وهو ما يجعل الانتقال نحو مقاربات أكثر شمولًا وتعقيدًا مسألة مفتوحة على رهانات سياسية وثقافية متعددة.
أولًا: الخلفيات الفلسفية والأيديولوجية لتطور قواعد القانون الدولي
تتجلى أهمية دراسة الخلفيات الفلسفية والسياسية والأيديولوجية المؤطرة لقواعد القانون الدولي عند مقاربة التحولات التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، والتي أعادت طرح إشكالات الشرعية الدولية، ومصادرها، وحدود فاعلية القواعد والمؤسسات القانونية الناظمة للعلاقات الدولية. فقد أسهمت هذه التحولات في فتح نقاش واسع حول أزمات المنظمات الدولية والإقليمية، ووحدة النظام القانوني الدولي، في ظل ممارسات كشفت عن تباينات ملحوظة في الالتزام بمبادئه وقواعده.
وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام بتحليل السياقات الفكرية التي أسهمت في تشكُّل هذه القواعد، وما إذا كانت التحولات الجارية تعبِّر عن ملامح مراجعة للمفاهيم والمبادئ الغربية السائدة في القانون الدولي، أو عن إعادة إنتاجها بصيغ جديدة داخل بنية نظام دولي يشهد تحولات متسارعة.
يرتبط القانون الدولي في مفهومه المعاصر، في جانب معتبر من أدبياته، بسياق تشكل الحضارة الأوروبية المسيحية منذ أواخر القرن الخامس عشر؛ حيث تبلورت خلال هذه المرحلة ملامح تنظيم قانوني للعلاقات بين الكيانات السياسية الناشئة. غير أن هذا الارتباط التاريخي لا يحجب امتداد جذور القانون الدولي إلى مراحل أسبق من التاريخ البشري، رافقت بدايات تشكُّل الجماعات السياسية الإقليمية المنظمة، سواء في سياق تدبير علاقات السلم أو تنظيم أنماط الصراع والحرب. من هذا المنطلق، يصبح استحضار التطورات التاريخية والخلفيات الفلسفية والأيديولوجية التي واكبت تشكُّل قواعد القانون الدولي شرطًا تحليليًّا لفهم وضعه المعاصر، وحدود تحولاته، وإشكالاته الراهنة.
لفهم تطورات القانون الدولي وقواعده، تبرز الحاجة المنهجية إلى العودة لمسارات تشكله ونشأته، واستحضار الخلفيات الفكرية والتاريخية التي واكبت تطوره، خاصة في سياق الحضارة الأوروبية المسيحية خلال القرن السادس عشر الميلادي، إلى حدِّ أن بعض الفقه عدَّه قانونًا دوليًّا أوروبيًّا مسيحيًّا(1). وقد ارتبط هذا التصور، في ممارساته التاريخية، بتبرير أنماط من التوسع والاستعمار والحرب، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول غير الأوروبية، تحت غطاءات فلسفية وأيديولوجية متعددة، أسهمت في ترسيخ سردية قانونية متمركزة حول التجربة الغربية.
في المقابل، يكشف هذا المسار عن تهميش نسبي للمنظورات غير الغربية في السردية السائدة لتاريخ القانون الدولي، رغم ما قدمته من إسهامات في إطار التجربة الإنسانية الكلية، ومن بينها المنظور العربي الإسلامي الذي أسهم، بدرجات متفاوتة، في تشكيل بعض المرتكزات القيمية والفكرية لهذا القانون.
1- القانون الدولي التقليدي ومركزية النزعة الغربية
يقتضي فهم طبيعة القانون الدولي استحضار قراءة تاريخية تُبرز مسارات تطوره بوصفه ظاهرة اجتماعية ارتبطت بتحولات بنية المجتمع الدولي، حتى قبل تشكل الدولة بالمعنى الحديث. فقد عرف العالم القديم، الممتد لقرون طويلة سبقت الميلاد وصولًا إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476 ميلادية، هيمنة وحدات سياسية جامعة، تمثلت في الإمبراطوريات الكبرى والمدن الإغريقية، التي نظَّمت علاقاتها الخارجية وفق أعراف وممارسات مستقرة نسبيًّا. ورغم استمرار الخلاف بين الباحثين حول مدى إمكانية توصيف طبيعة العلاقات السائدة آنذاك بوصفها نظامًا قانونيًّا عرفيًّا متكاملًا، فإن القراءة التاريخية الموضوعية تُظهر انخراط المجتمعات البشرية القديمة في علاقات متعددة، سواء في سياقات السلم أو أثناء الحروب، مع بروز إرهاصات أولية للتحكيم، وبدايات تشكُّل فكرة “قانون الشعوب”.
تُعد هذه النقطة أساسية في نقاش الخلفية الفكرية والسياسية والثقافية لنشأة القانون الدولي؛ إذ يسود لدى جانب من الفقه الغربي اعتقادٌ نزعوي يرى أن القانون الدولي من ثمار الدولة الأوروبية الحديثة(2). في المقابل، تُظهر الجينالوجيا التاريخية للعلاقات الدولية أن الشعوب القديمة في إفريقيا وآسيا عرفت بدورها أنماطًا من العلاقات الدولية وقواعد منظِّمة لها، كما يتجلى في نماذج مبكرة مثل قانون حمورابي، ومعاهدة رمسيس الثاني المبرمة سنة 1730 قبل الميلاد مع ملك الحيثيين “هيزيليت”، التي جسَّدت اتفاق صلح وتحالف بين سلطتين سياسيتين منظمتين(3).
من حيث التطور المفاهيمي، فإن القانون، بوجه عام، يتشكل ويتحول تبعًا لتحولات المجتمع الذي ينظم روابطه القانونية. وقد انعكس هذا الأمر على قواعد القانون الدولي، التي تطورت باختلاف مراحل تشكل المجتمع الدولي، سواء في إطار خطِّي أو دائري. وانعكس هذا التطور كذلك على تعريف القانون الدولي ذاته، الذي انحصر في بداياته في تنظيم العلاقات بين الدول بوصفها الأعضاء الحصريين في المجتمع الدولي، قبل أن يتسع المفهوم ليشمل فاعلين آخرين، مع الاعتراف بأن المجتمع الدولي لم يعد قاصرًا في تفاعلاته على الدول فقط(4). وضمن هذا السياق، برزت اتجاهات فقهية تجاوزت المفهوم التقليدي للقانون الدولي، لتطرح بدائل مفاهيمية من قبيل “القانون عبر الوطني”(5).
عند مراجعة المؤلفات الغربية التي وضعها فقهاء القانون الدولي، ورغم إقرار عدد منهم بإسهامات الحضارات القديمة غير الغربية في نشأة القانون الدولي العام، يلاحظ حضور نزعة متمركزة حول الذات، تصل أحيانًا إلى غياب الحياد الموضوعي. ويتجلى ذلك بوضوح في التعريفات التقليدية للقانون الدولي العام؛ حيث عُرِّف بوصفه “مجموعة القواعد التي تعترف الدول المسيحية بإلزاميتها في علاقاتها المتبادلة”(6). كما يظهر هذا التمركز في تقسيم الدول إلى غربية تسود فيها المسيحية وشرقية تقع خارج هذا الإطار، وفي التمييز بين الشعوب “المتمدنة” و”غير المتمدنة”؛ حيث عُدَّت الأولى وحدها خاضعة لقواعد القانون الدولي العام، في حين استُبعدت بقية الشعوب من هذا النطاق(7).
رغم التحولات التي شهدها النظام الدولي، وبداية التطور النسبي في مفهوم الشرعية الدولية عقب إنشاء عصبة الأمم سنة 1919، ثم منظمة الأمم المتحدة سنة 1945، في سياق المدِّ التحرري واستقلال عدد واسع من الشعوب الإفريقية والآسيوية ودول أميركا الوسطى والجنوبية، فإن الممارسة الدولية كشفت عودة تمظهر النظام القانوني الدولي بروح تقليدية أعادت إنتاج منطق التمييز والاستغلال. تعزَّز هذا المسار مع توسُّع دائرة النفوذ الغربي، في ظلِّ الدور البنيوي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها، إسرائيل، داخل هذا النسق، من خلال آليات جديدة أبقت على جوهر الهيمنة مع تغيُّر أدواتها وأساليبها.
في هذا الإطار، يبرز توظيف القواعد القانونية الدولية في خدمة السياسات الغربية من خلال توسيع نطاق وأهداف القانون الدولي المعاصر. فبينما انصبَّ اهتمام القانون الدولي التقليدي أساسًا على تنظيم العلاقات بين الدول وحدودها، دون التدخل في شؤونها الداخلية، في إطار نظرية الاختصاص الداخلي وسيادة الدول المطلقة، جرى لاحقًا تطوير القواعد القانونية الدولية لتشمل مجالات جديدة، مثل القانون الدولي الاقتصادي، وقد أُدرج القانون الدولي الإنساني، الذي يتناول الفرد مجردًا من رابطة الجنسية، ضمن مسار تطوير القواعد القانونية الدولية، في سياق تبرير التدخل في شؤون الدول المستضعفة. ويقود هذا المسار التحليلي إلى إبراز الخلفية الدينية التي وجَّهت جزءًا من تطور قواعد القانون الدولي؛ حيث شكَّل التعصب الديني للمسيحية أحد الأطر الموجهة لبعض قواعده، رغم أن عددًا من المبادئ المؤطِّرة للقانون الدولي استمدَّ جذوره من أديان وحضارات أخرى، من بينها الإسلام، ولاسيما في مجالات احترام حقوق الإنسان، والوفاء بالعهود، والتمييز في المعاملة بين المحاربين وغير المحاربين، ونظام معاملة الأسرى. وهي مبادئ ذات مرجعية إسلامية، كان لها تأثير ضمني في تشكيل خلفية القانون الدولي، رغم محاولات الفكر الغربي تهميش هذه الإسهامات في إطار نزعة متمركزة حول الذات.
يمتد هذا المنظور إلى الإرث الروماني في علاقاته مع الشعوب الأخرى، الذي قام على تصور الحرب الدائمة، انطلاقًا من اعتقاد الرومان بتفوُّقهم الحضاري، واعتبار الشعوب الأخرى “بربرية”، وهو ما وفَّر مبررات فكرية لتسويغ الحروب تحت فكرة “الحرب العادلة”(8). ويرتبط هذا التصور باعتقاد أوسع داخل الحضارة المسيحية مفاده أنها تمثل الحضارة الحقيقية، في مقابل نفي الصفة الحضارية عن غيرها، بما يحول دون تصور قيام علاقات قانونية متكافئة معها(9).
رغم أن العلاقات بين الدول في العصور القديمة استندت إلى تداخل البعدين الأخلاقي والقانوني، فإن الدين ظل عنصرًا محددًا في إبرام الاتفاقيات الدولية، وحتى في الطقوس المصاحبة لها. ويظهر ذلك بوضوح عند استحضار مبدأ احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، الذي يقوم في جوهره على فكرة الوفاء بالوعد، وهي من المبادئ المركزية في الدين الإسلامي. ومن ثم، يبرز تأثير الدين الإسلامي الضمني في تطور القانون الدولي منذ القرن السابع الميلادي، أي قبل قرون من تشكُّل القانون الدولي الأوروبي بصيغته الحديثة(10).
مع ذلك، فإن الممارسة الواقعية للقانون الدولي المعاصر تُظهر استمرار التوظيفات الأيديولوجية للدين في عدد من القضايا الدولية، كما يتجلَّى في الصراع في الشرق الأوسط؛ حيث يتداخل البُعد السياسي مع توظيف ديني مؤدلج. ففي هذا السياق، ترى الكنيسة الأنجليكانية، على سبيل المثال، أن الدفاع عن إسرائيل يُعد “واجبًا دينيًّا”، وهو ما حظي بدعم غربي واسع، خاصة من الولايات المتحدة الأميركية. وفي ظل ما وُصف بالحياد السلبي لمنظمة الأمم المتحدة، أصبحت الحركة الصهيونية فاعلًا مؤثرًا داخل المؤسسات الدولية، ونجحت في توظيف رؤاها ضمن نسق القانون الدولي، رغم حجم الانتهاكات والممارسات العنيفة بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة(11).
أمام اتساع نطاق المجتمع الدولي نتيجة انتشار نموذج الدولة خارج القارة الأوروبية، خصوصًا بعد التحولات السياسية والثورات الصناعية ونتائج الحربين العالميتين، الأولى والثانية، برزت الحاجة إلى إصلاح وتحديث مبادئ التنظيم الدولي التقليدي بما يتلاءم مع السياق الجديد. وقد انطلقت مسيرة إصلاح تدريجي خفَّفت من راديكالية مفهوم السيادة في صيغته الغربية التقليدية، التي منحت الدول الكبرى موقع الوصاية داخل المجتمع الدولي. غير أن هذا المسار الإصلاحي ظل محدود الأثر، في ظل استمرار هيمنة القوى الكبرى على معالجة القضايا الاقتصادية والسياسية الدولية، وهو ما يشكِّل أحد العيوب الجوهرية لمبادئ التنظيم الدولي(12)، التي كرَّست منطق الانتقائية وترجيح المصالح المشتركة على حساب العدالة والمساواة وحق الشعوب في تسوية منازعاتها بالطرق السلمية.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى ازدواجية المعاملة في نطاق القانون الدولي العام بوصفها انعكاسًا لبنية النظام القانوني الدولي ذاته، الذي يفتقر إلى مشرِّع مركزي، ويترك للدول عبء وضع القواعد القانونية والالتزام بها. ويُضاف إلى ذلك البعد السياسي والاختلافات الأيديولوجية بين الدول المنشئة للقواعد القانونية والدول المخاطبة بها، فضلًا عن الطبيعة العامة والمجرَّدة لهذه القواعد، التي تفتح المجال لتأويلات متعارضة، يسعى كل طرف إلى توظيفها بما يخدم مصالحه الخاصة(13).
بناء على ذلك، تبلورت فكرة تنظيم المجتمع الدولي سياسيًّا بهدف إدارة النزاعات وصراعات المصالح على أساس المساواة والعدالة بين الدول. غير أن الدراسة الموضوعية لمسار التنظيم الدولي خلال القرن العشرين تكشف حضورًا طاغيًا للبعد الأيديولوجي في رؤية القوى الغربية لطبيعة النظام الدولي، من خلال التمسك بمفهوم السيادة بمعناه الكلاسيكي، وتوظيف مبدأ عدم التدخل أو شرعنة التدخل الإنساني بمنطق انتقائي، وهو ما حوَّل عددًا من المنظمات الدولية إلى أدوات إدارية تخدم القرار الغربي، أو أضعف فاعلية قراراتها الملزمة عبر الاستخدام غير المبرر لحق النقض داخل مجلس الأمن الدولي.
في السياق نفسه، طُرحت مفاهيم مثل “الدبلوماسية الوقائية”، التي انطوت على إقرار حق المنتظم الدولي في التدخل لمنع النزاعات أو امتلاك أدوات العدوان، بما في ذلك التحكم في الموارد الطبيعية للدول، كما جرى في الحالة العراقية، حين دعت الدول الصناعية السبع إلى وضع إنتاج النفط العراقي تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة(14). كما برزت مقترحات تمنح الدول الكبرى حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول في حالات الأزمات الإنسانية، وهو ما فتح المجال لتجاوزات خطيرة استهدفت الدول المستضعفة، مع غضِّ الطرف عن انتهاكات جسيمة وقعت في البوسنة وفلسطين، في تعارض مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيما المادة الثانية، الفقرة السابعة.
في مفارقة لافتة، برز دور مجموعة الدول الصناعية السبع، التي تحولت تدريجيًّا إلى ما يشبه مجلسًا لإدارة العالم، في سياق ارتبط بحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين اتخذت الدول العربية قرارًا بفرض حظر نفطي على الدول الداعمة لإسرائيل، وهو ما كان ينذر بإمكانية تشكل قوة عربية ذات تأثير في العلاقات الدولية. غير أن مخرجات قمة لندن في 17 يوليو/تموز 1991 أعادت التأكيد على دعم “النظام الدولي والشرعية الدولية”، باعتبار أن هذه الدول هي التي تضع القواعد القانونية للنظام العالمي وترسم أهدافه وغاياته السياسية(15).
يخلص هذا المسار إلى أن الخلفية التي وجَّهت تطور القانون الدولي ارتبطت بخدمة الاقتصاد الرأسمالي والنظام السياسي الليبرالي، وبإعادة إنتاج علاقات غير متكافئة بين الشعوب، عبر تسويغ الغزو والاحتلال وفرض معاهدات غير متكافئة. ومن ثم، جرى توصيف القانون الدولي، في هذا السياق، بوصفه قانونًا إمبرياليًّا أوليغارشيًّا، ذا أبعاد جغرافية ومسحة دينية وتوجهات ميركانتيلية، بعيدًا عن الحياد الذي تدَّعيه بعض الأدبيات الغربية(16).
مع ذلك، فإن المبادئ التقليدية للقانون الدولي، رغم نشأتها في سياق تاريخي غربي مسيحي، واجهت تحديًا متزايدًا بفعل تكتل الدول غير الغربية، التي دفعت نحو إقرار مبادئ جديدة تحترم إرادة الشعوب والأوطان، وفي مقدمتها مبدأ الاستقلال. غير أن القوى الكبرى، خاصة في الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، دافعت عن مفاهيم مثل “الفضاء الحيوي” و”الحقوق التاريخية”، لتبرير التوسع الاستعماري، وهو ما جعل القانون الدولي لفترة طويلة يتجاهل الوضع القانوني للاستعمار. وقد كرَّست عصبة الأمم هذا المسار من خلال نظام الانتداب والحماية، بدل القضاء على الاستعمار ومنح الشعوب حق تقرير مصيرها وسيادتها(17).
حتى بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، فإن الميثاق نظم النظم الاستعمارية في فصله الحادي عشر دون أن يحرِّمها صراحة. ولم يشكِّل قرار الجمعية العامة رقم 1514، الصادر في 14 ديسمبر/كانون الأول 1960، الداعي إلى إنهاء الاستعمار بجميع أشكاله، قاعدة ملزمة في القانون الدولي الوضعي، بحكم طبيعة قرارات الجمعية العامة. ومع ذلك، مثَّل هذا القرار قوة سياسية أسهمت في إحداث تحول في المرجعيات الفلسفية والقانونية لمفاهيم السيادة وحقوق الشعوب، وترسيخ مبدأ تقرير المصير بوصفه أحد المبادئ الأساسية في الشرعة الدولية(18).
في ظل اختلال موازين القوة السياسية والترافعية، ظلت هذه المبادئ محل نقاش داخل اللجنة القانونية للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث جرى تحويل عدد منها إلى قواعد وضعية في القانون الدولي، بينما استمرت المعركة القانونية من أجل تطوير مبادئ تؤسس لعدالة دولية وعلاقات ودية وتعاونية بين الدول، بعيدًا عن منطق الاستغلال والعنصرية والتمييز.
استمرت النزعة الغربية المهيمنة في التأثير على بنية التنظيم الدولي المعاصر، بما أفرز حالة من الشلل داخل بعض أجهزته الأساسية، ولاسيما مجلس الأمن الدولي، من خلال تركيبته واختصاصاته. وقد أسهم ذلك في ترسيخ ما يمكن توصيفه بحكومة “الأمر الواقع”، التي لم تُفضِ ممارساتها إلى تعزيز العدالة والسلام والتضامن الدولي، بل كرَّست ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الإقليمية والدولية، كما يتجلى في مواقف القوى الكبرى من العدوان الإسرائيلي على فلسطين والدول العربية، في تناقض واضح مع المبادئ المعلنة في مقدمة ميثاق الأمم المتحدة.
تجد هذه الهيمنة سندها في مسار تاريخي طويل، انطلق منذ محاولات فرنسا النابليونية بسط نفوذها العالمي، ثم نشوء أشكال أولية لما يشبه الحكومة العالمية بين القوى الأوروبية الكبرى، معاهدة إكس لاشابل (Treaty of Aix-la-Chapelle) سنة 1818(19)، وقرارات مؤتمر لندن، سنة 1831، بشأن استقلال بلجيكا(20)، والتدخلات العسكرية اللاحقة، وصولًا إلى إنشاء المجلس الأعلى للحلفاء عقب مؤتمر فرساي سنة 1919(21). وقد عكست بعض نصوص ميثاق الأمم المتحدة هذه الملامح الواقعية للهيمنة التي مارستها الدول الكبرى داخل المنظمات والقواعد القانونية الدولية(22).
في ضوء ما سبق، يبدو أن سيطرة الغرب على المؤسسات الدولية، واحتكاره إعادة تشكيل قواعد القانون الدولي بما يخدم مصالحه، ومقاومته لأي إصلاح يهدف إلى توسيع دائرة التمثيل الدولي، تؤكد استمرار الفجوة بين دول الشمال ودول الجنوب، واستدامة منطق التمييز رغم تشابك المصالح وتطور وسائل التواصل والتكنولوجيا، بما يعكس استمرارية المنظور الغربي في الهيمنة السياسية والاقتصادية والمعرفية على الدول والشعوب غير الغربية.
2- القانون الدولي المعاصر وتأثيرات المنظور العربي الإسلامي
أفضى الزخم الذي عرفه المجتمع الدولي، في سياق ما بعد الاستعمار، إلى إعادة طرح مسألة الوظيفة الجديدة للقانون الدولي داخل بنية دولية تتسم بتعدد النظم الثقافية والسياسية وتنافرها. وفي هذا الإطار، برز الدور الذي اضطلعت به الدول العربية ضمن دول العالم الثالث، خاصة بعد انحسار الاستعمار، وهو ما أسهم في إحداث تحولات نوعية وكمية في بنية المجتمع الدولي وقواعده. فقد تمكنت هذه الدول، من خلال التنسيق الجماعي داخل أطر مثل حركة عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين، من التأثير النسبي في مواقع صنع القرار الدولي، والمشاركة في بلورة توجهات جديدة داخل النسق القانوني الدولي.
قد انعكس هذا الحضور في الإسهام بصياغة مجموعة من المبادئ والقواعد الدولية المستلهمة من قيم المساواة والعدالة والتضامن، من قبيل الحق في التنمية بوصفه أحد الحقوق الأساسية للجيل الثالث من حقوق الإنسان، والحق في السلام، والمشاركة في التراث المشترك للإنسانية، إلى جانب نبذ كل أشكال التمييز بين الأمم والشعوب على أساس مفاهيم “الحضارة” و”المدنية”. وتعكس هذه المبادئ بعض المعالم العامة للقانون الدولي المعاصر، في سياق دولي يتسم بتوازن مضطرب، يفرض تجاوز التناقضات البنيوية وعدم الاكتفاء بالشكلانية المعيارية التي تجعل من القانون غاية في ذاته، دون ربطه بممارسة واقعية تستمد مشروعيتها من العدالة والمساواة والتضامن(23).
ويتكامل هذا المسار مع الإنتاج الفكري الذي راكمه علماء ومفكرو الإسلام عبر قرون؛ حيث تناولت مؤلفات فقهية مبكرة قضايا السلم والحرب وتنظيم العلاقات بين الجماعات السياسية. ويبرز في هذا السياق كتاب “السير الكبير” للإمام محمد بن الحسن الشيباني في القرن التاسع الميلادي، الذي عالج مسائل العلاقات بين الدول في حالتي السلم والحرب، وكتاب “الهداية” لبرهان الدين في القرن الثاني عشر الميلادي، فضلًا عن كتاب “الأحكام السلطانية” للماوردي في القرن العاشر الميلادي، وهي أعمال أسهمت في بناء تصورات قانونية ذات بُعد دولي سابق على التدوين الأوروبي الحديث.
ومن هذا المنظور، يصعب إغفال دور الإسلام فلسفةً، والمسلمين فكرًا، في الإسهام في تكوين بعض قواعد القانون الدولي، تمامًا كما لا يمكن إنكار دور الحضارات القديمة والشعوب المختلفة في تطوير هذه القواعد. ويبرز هذا التعدد في مصادر الإلهام القانوني بوصفه تعبيرًا عن فلسفة تشكُّل القانون الدولي، سواء على مستوى الممارسة أو التأويل، بعيدًا عن اختزاله في رؤية أوروبية منغلقة.
قد تطورت الاتجاهات العربية الإسلامية في القانون الدولي ضمن سياق حضاري مغاير للتجربة الغربية تأثَّرَ بفلسفة الدين الإسلامي التي ميَّزت تقليديًّا بين دار الإسلام وبقية العالم. وفي هذا السياق، قدَّم عبد الحميد بدوي قراءة نقدية هادئة للتناول الأوروبي الشائع لمسألة تقسيم العالم في الفقه الإسلامي، مبرزًا أن هذا التقسيم لا يعني بالضرورة قيام حالة حرب دائمة بين الإسلام وغيره، مستندًا إلى شواهد تاريخية تؤكد تعايش المسلمين مع غيرهم في سلم وأمان بعد انتشار الدعوة الإسلامية(24). غير أن ربط السيادة بمفهوم الجهاد، بما يحمله من دلالات الحرب المقدسة، لا يمكن اعتماده أساسًا لنظام قانون دولي معاصر(25)، وهو ما فرض على الدول العربية الإسلامية إجراء مراجعات فكرية وقانونية لملاءمة المبادئ الدينية مع متطلبات الحاضر وقواعد المساواة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وتبرز، في هذا السياق، عوائق فكرية حالت دون تفعيل التأثير العربي الإسلامي في القانون الدولي على مستوى الترافع النظري، من بينها هيمنة تصورات يوتوبية ربطت تغيير العالم بتحقيق غايات أخلاقية كبرى، دون استيعاب تعقيدات الواقع الدولي وتناقضاته البنيوية. وقد أدى توظيف العاطفة الدينية والدفاع عن المقدس، والتعامل مع النص الديني بوصفه إطارًا ناظمًا شاملًا للعلاقات الدولية، إلى بلورة تصور يرى العالم في حالة إفلاس قيمي، ويطرح النموذج الديني الإسلامي بوصفه وصيًّا على العقل البشري أو منقذًا للعالم، وهي رؤية تتبناها بعض تيارات الأصولية والإسلام السياسي(26).
ويُضاف إلى ذلك ضعف الاهتمام الأكاديمي العربي بحقل القانون الدولي؛ ما ترك الساحة مفتوحة أمام أجندات مضادة، في ظل غياب ردود علمية رصينة ومقنعة، باستثناء جهود محدودة لعدد من الباحثين وبعض منظمات المجتمع المدني والسياسي، وهي جهود ظلت، في مجملها، محدودة التأثير. وغالبًا ما قاد هذا الحقل سياسيون أو نشطاء غير متخصصين، أو قانونيون غير متمرسين في القانون الدولي؛ الأمر الذي جعل الترافع القانوني العربي ينحصر في الإطارين، الدبلوماسي والإعلامي، وتغلب عليه الخطابات العاطفية والشعاراتية(27).
حتى على المستوى الأكاديمي، يظهر نفور نسبي لدى عدد من أساتذة القانون العرب من التخصص في القانون الدولي، إما لضعف الآفاق المهنية المرتبطة به، أو لما يتطلبه من جهد علمي مضاعَف مقارنة بتخصصات قانونية أخرى. فالقانون الدولي يستلزم إتقان لغة قانونية دولية، والاطلاع على أنظمة قانونية مقارنة، ومتابعة اجتهادات المحاكم الدولية، وقواعد البيانات والمجلات العلمية المتخصصة. ويُضاف إلى ذلك تقصير الحكومات العربية في دعم هذا الحقل، بل وتوجسها منه، بالنظر إلى ما يفرضه من التزامات في مجالات حقوق الإنسان، وحقوق اللاجئين، والمرأة، والشفافية، ومكافحة الفساد، والانتخابات، ومنع التعذيب والاعتقال التعسفي، وهي التزامات لا تزال محل تحفظ في الواقع السياسي العربي(28).
وفي هذا الإطار، يؤدي خلط السياسات المرتبطة بمصالح متقلبة بطبيعتها مع القيم الدينية والثقافية والأخلاقية، التي تُستحضر غالبًا على مستوى الخطاب دون الممارسة، إلى حجب الإشكالات الحقيقية التي تواجه القانون الدولي المعاصر. كما أن الحضور القوي للعالم الغربي في النظام الدولي يرتبط بأوضاعه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، في مقابل واقع عربي متراجع يحدُّ من قدرته على فرض نموذج بديل أو التأثير في النسق الدولي. ومع ذلك، يظل من الممكن افتراض أن بلوغ الدول العربية مستويات متقدمة من القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية سيُفضي، بالضرورة، إلى بروز تصورات قانونية أكثر تأثيرًا، قادرة على الإسهام الفعلي في تشكيل الفعل الدولي والقواعد الناظمة له.
ثانيًا: قواعد القانون الدولي في العصر الراهن
تأسست فكرة القانون الدولي ضمن أفق نظري يرمي إلى بناء مجتمع دولي يتجاوز المظالم، ويكرِّس المرجعيات الكونية لحقوق الإنسان والعدالة، ويؤسس لفكرة وحدة إنسانية متضامنة قائمة على الاعتماد المتبادل في ظل الأمن والسلم العالميين. وانطوى هذا الأفق على مسعى لتجاوز المنطق الانتقائي والتمييزي الذي وسم القانون الدولي التقليدي، أو ما عُرف بالقانون العام الأوروبي، الذي قامت دعائمه على مشروعية الحرب والاستعمار، والنظرة الدونية إلى الآخر بوصفه “غريبًا”، وفق توصيف جوليا كرستيفا(29)، فضلًا عن الاستغلال الاقتصادي لموارد الدول والشعوب وقدراتها.
تُظهر القراءة الموضوعية لمسار تطور القانون الدولي أن إنشاء المنظمات الدولية أسهم في منح عدد متزايد من الدول مشروعية الاستقلال والتحرر من الاستعمار التقليدي، ويتجلى ذلك في التحول الذي عرفته الخريطة السياسية العالمية بعد سنة 1945، حين لم تكن إفريقيا تضم سوى ثلاث دول مستقلة، مقابل تزايد مطَّرد في عدد الدول المستقلة عقب إنشاء منظمة الأمم المتحدة. غير أن هذا النجاح النسبي في مسار التحرر السياسي لم يترافق مع تقدم مماثل على مستوى العدالة الدولية واحترام الحقوق الإنسانية، كما لم يشمل إصلاحًا فعليًّا للنظم الاقتصادية العالمية التي ازدادت افتراسًا، في ظل استمرار الحروب غير المتكافئة في مناطق متعددة، ولاسيما في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا(30).
تطرح هذه المفارقة سؤالًا جوهريًّا حول أسباب نكوص المؤسسات والمنظمات الدولية عن الاضطلاع بدورها في إحلال السلم والأمن الدوليين، وما إذا كان هذا التعثر مرتبطًا بدوافع أيديولوجية تهدف إلى الإبقاء على الوضع القائم لصالح القوى المهيمنة، أو أنه يعكس حتميات بنيوية في النظام الدولي، رغم الطابع المثالي الذي يطبع كثيرًا من الخطابات الداعية إلى بناء مجتمع دولي منشود.
تعكس أزمة القانون الدولي ومؤسساته، في أحد أبعادها الأساسية، خضوع هذا القانون لمزاجية القوى الكبرى التي توظف مبادئه بانتقائية، وتُخضع نصوصه لتأويلات تخدم مصالحها الخاصة. ويجد هذا التوظيف مبرره في الغموض الذي يكتنف مضامين عدد من النصوص القانونية الدولية، بما يسمح بتطبيق تأويلات “تقدمية” عندما يتعلق الأمر بالدول الضعيفة، مقابل تأويلات تقليدية تحفظية حين تمس المصالح الحيوية للقوى المهيمنة. ورغم المكاسب التي حققتها الدول الصغرى في تكريس مبادئ المساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام السيادة الوطنية وعدم استعمال القوة، فإن استمرار الهيمنة الغربية على بنية القانون الدولي حوَّله إلى أداة لتكريس المصالح، عبر إحياء فلسفته التقليدية القائمة على التمييز واحتكار القرار داخل التنظيمات المؤسساتية الدولية، مع توظيف مبررات التدخل الإنساني لفرض تصورات القوى المهيمنة للنظام الدولي(31).
يمتد هذا المنطق إلى ما عَدَّه غروتيوس قديمًا “قانون الغنيمة”؛ حيث ظل الاستيلاء على موارد الشعوب الأخرى متخفيًا خلف خطاب إدخال الحضارة إلى المناطق المصنَّفة “همجية”(32). وأفضت هذه الازدواجية في توظيف الشرعية الدولية إلى تمكين الدول المهيمنة من انتقاء القرارات التي تخدم مصالحها، والتدخل لتعطيل ما يخالفها، بما أفضى إلى إضعاف مكانة قرارات الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وحصر دورها في الإدانة اللفظية دون فاعلية حقيقية، وهو ما عزز الشعور بعدم نزاهة مجلس الأمن الدولي(33).
يكشف تحليل الخطاب المهيمن منذ سنة 1945 عن ترسيخ ثنائية نمطية في العلاقات الدولية، تقوم على تصور صراعي مستتر بين “الشرق” و”الغرب”، في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية، ضمن منطق تفرد وتعالٍ هوياتي يستند إلى منظومة قيم محددة، جرى تقديمها بوصفها مرجعيات كونية، وهو ما منح الولايات المتحدة الأميركية، وفق أطروحة صامويل هنتنغتون، دور الحفاظ على “السيادة العالمية”(34).
يعكس خطاب ونستون تشرشل المبكر حول النظام العالمي الجديد هذا التصور بوضوح، حين ربط استقرار النظام الدولي بإسناد قيادة العالم إلى قوى “غير طامعة”، معتبرًا أن امتلاك القوة يضع هذه القوى في موقع التفوق الطبيعي على غيرها(35). وقد جرى لاحقًا تطوير هذا المنطق فيما عُرف بـ”الرسالة التشرشلية”، التي صاغها بيرغرِين جيرارد ورستورن (Peregrine Gerard Worsthorne)بوصفها مهمة عالم ما بعد الحرب الباردة، والقائمة على تدخل مستمر من قبل الدول المتقدمة لضمان استقرار يسمح للاقتصاديات المتقدمة بالعمل دون تهديد من دول العالم الثالث(36).
تُظهر هذه الرؤية أن ما يُسمَّى بالنظام العالمي الجديد يقوم في جوهره على منطق النفوذ والمصالح، وعلى الانتقال من مفهوم توازن القوى إلى توازن المصالح، بما يعيد إنتاج تقسيم مناطق النفوذ بآليات جديدة تستند إلى مرجعيات قديمة. ويبرز اللجوء المفرط إلى القوة العسكرية، وإقصاء الوسائل الدبلوماسية، بوصفه أحد السمات المركزية لمنظور القوى الكبرى، وهو ما خلص إليه نعوم تشومسكي منذ حرب الخليج الأولى عام 1991.
تتكرر هذه البراديغمات داخل المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والثقافية، وحتى الأكاديمية، في إطار نزعة متمركزة حول الذات، تهدف إلى تأطير النظام الدولي بما يخدم استمرارية الهيمنة، ومقاومة الأصوات المنتقدة للظلم والعنف و”التعاسة المفزعة” (the miserable spectacle) التي تصاحب هذا النظام، وفق تعبير آدم سميث(37). ويعكس الخطاب المعاصر ما يشبه مسرحًا لإعادة إنتاج “تجارب” جديدة تؤدي إلى النتائج القديمة نفسها؛ حيث يُعاد إعداد الرأي العام لتقبُّل الممارسات ذاتها تحت شعارات أخلاقية وإنسانية مكرَّرة(38)(39).
ترتبط أزمة القانون الدولي الراهنة بحجم الانقسامات السياسية والعقائدية داخل المجتمع الدولي، بما يفرض، في آن واحد، التعايش السلمي والتعاون لمواجهة التحديات العابرة للحدود. ويستدعي هذا الواقع بناء قواعد دولية تستند إلى الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، وترتيب المسؤوليات عن الأفعال الدولية التي تهدد السلم والأمن الدوليين.
تتسم الظروف الدولية المعاصرة باشتداد التنافس والصراع على المستويين، الفكري والسياسي، في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية وأمنية متأزمة في البلدان النامية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة التنظيم السياسي الدولي الذي تحكمه مفاهيم وبراديغمات ذات مرجعية غربية. ويظهر في هذا السياق دور الهيمنة الثقافية بوصفها مكملًا للهيمنة السياسية؛ حيث مكَّن التفوق الفكري والنظري الغربي من فرض هياكله السياسية والمعرفية على بقية العالم.
ينطلق عدد واسع من الباحثين من فرضية ارتباط وجود القانون الدولي بوجود الدولة، وبما أن الدولة الحديثة لم تتبلور إلا في أوروبا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فقد جرى التشكيك في وجود قانون دولي قبل هذا التاريخ(40). وانعكس هذا التصور في الطابع الأوروبي المنشأ للقانون الدولي، الذي انتقل مع الاستعمار إلى الأميركيتين وآسيا وإفريقيا وأوقيانوسيا(41)، وترسخ ضمن قانون وضعي قائم على معيار “الحضارة”، نظَّم العلاقات بين الدول المتساوية في المركز، وأدار “الاختلاف” بين المركز والأطراف عالميًّا(42).
ارتكز النظام الدولي الحديث على مبادئ ويستفاليا 1648، ولاسيما توازن القوى، غير أن تطور المؤسسات الدولية منذ عصبة الأمم، مرورًا بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أسفر عن إنشاء منظومة مؤسسات عسكرية واقتصادية ومالية تخدم إدارة التناقضات الدولية ضمن نسق حضاري غربي، اتسم بالتنازع والفوضوية، وكرَّس امتيازات الدول المنتصرة سنة 1945، ولاسيما من خلال إقرار صفة العضوية الدائمة وحق النقض داخل مجلس الأمن(43)(44).
في هذا السياق، جادل محمد بجاوي بأن حيادية القانون الدولي وشكليته أسهمتا في تسويغ الاستعمار والتفرقة العنصرية، وتكريس الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة(45). ويستمر الجدل المعاصر بين من يربط تاريخ الغرب بالعنف والاستغلال المطموسين في السردية الليبرالية، ومن يرى فيه ذروة الحداثة والتحرر الفردي(46)(47)، في إطار وعي أوروبي يتسم بمركزية معرفية تسعى إلى مطابقة “الغربي” مع “الكوني”، واعتماد سردية النهاية الأوروبية للتاريخ بوصفها غاية شاملة للبشرية(48)(49).
تؤكد الهيمنة الغربية الفكرية والجيوسياسية والاقتصادية سيطرتها على صياغة قواعد القانون الدولي، سواء على المستوى السياسي من خلال ميثاق الأمم المتحدة، أو على المستوى الاقتصادي عبر سياسات المؤسسات المالية الدولية. وقد أسهمت برامج التقشف والتقويم الهيكلي التي فُرضت منذ ثمانينات القرن العشرين في تعميق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية داخل الدول المقترضة، في مقابل تراكم غير مسبوق للثروات لدى فئات محدودة، بما يعكس اختلالًا بنيويًّا في النظام الاقتصادي الدولي المعاصر(50).
ثالثًا: القانون الدولي في الأطر المؤسسية غير الغربية
أسهمت الأمة العربية، بدرجات متفاوتة، في تشكيل بعض الخلفيات الفكرية للقانون الدولي، وإن لم يكن ذلك من موقع الفاعل المركزي في صياغته الحديثة. ويغدو القول بأن القانون الدولي نتاجٌ حصري للفكر الغربي وسياقه التاريخي مجانبًا للدقة العلمية، بالنظر إلى تداخل مسارات التأثير والتأثر بين الدول والشعوب عبر التاريخ. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن المبادئ التي طورتها المنظورات غير الغربية، بما فيها العربية، عبَّرت في كثير من الأحيان عن مصالح دول ضعيفة سياسيًّا واقتصاديًّا، في سياق ردِّها على مطالب الدول الأقوى وإجراءاتها. وتؤكد بعض الدراسات التاريخية تأثر الفكر القانوني الغربي بالإرث العربي الإسلامي؛ حيث ثبت أن هوغو غروتيوس (Hugo Grotius)، الذي يُعد من رواد القانون الدولي، كان على اتصال بالعالم الإسلامي، بما في ذلك المجال العربي، وتأثر بأنظمته القانونية وأعرافه الدولية(51).
في سياق بلورة مواقف عربية معاصرة من قضايا القانون الدولي، ركزت القمة العربية السادسة والعشرون المنعقدة بشرم الشيخ، سنة 2015، على جملة من القضايا المرتبطة بمجابهة ما يهدد السيادة الوطنية والأمن القومي والهوية، وتعزيز العلاقات الثنائية بين الدول العربية، ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان والمرأة، إلى جانب تطوير التعاون القضائي والتنسيق العسكري وبناء مقاربة إقليمية لمواجهة الإرهاب(52). وتُظهر بعض القضايا التطبيقية، مثل الخلاف العراقي-الكويتي المرتبط بالحدود والسيادة وبعض الملفات الاقتصادية، سقف الفعل العربي المشترك في إدارة النزاعات؛ إذ فشلت قمتان عربيتان سبقتا اجتياح العراق للكويت، سنة 1991، في التوصل إلى تسوية لهذا الخلاف(53). وعقب الاجتياح، سعت الدول العربية إلى توصيف الحدث بوصفه خرقًا للقانون الدولي، واتخذت موقفًا داعمًا للمجموعة الدولية لمناهضة هذا الخرق، وهو ما أسهم في تدويل أمن الخليج عبر التدخل الأجنبي على حساب العمل العربي الجماعي(54).
يكشف هذا المسار عن تراجع دور جامعة الدول العربية في فض المنازعات، بما يجعل من الصعب التعويل على الشعارات والمبادئ المعلنة في بياناتها الختامية. وتُظهر قراءة عدد من قرارات مجلس الجامعة تركيزًا على الدعوة إلى التضامن العربي، ورفض التدخل الأجنبي في الشؤون العربية، مع التأكيد على احترام سلطة مجلس الأمن في تطبيق إجراءات الأمن الجماعي(55). غير أن هذا الخطاب لم يُترجم، في الغالب، إلى آليات فعَّالة لإدارة الأزمات الإقليمية.
في هذا السياق، تبدو حالة الانسداد التي تعيشها المنطقة العربية نتيجة لمسار تاريخي توقعت مآلاته النخب الفكرية منذ نشأة الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار(56). ويُنظر إلى الجامعة العربية، في بنيتها الحالية، بوصفها انعكاسًا لحال الأنظمة الحاكمة وتفاعلاتها البينية، سواء كانت تعاونية أو صراعية، أكثر من كونها مؤسسة مستقلة قادرة على إنتاج مبادئ قانونية منسجمة مع تطلعات الشعوب العربية. فهي، في جوهرها، جامعة للنظم السياسية القائمة، تعكس حدود إرادتها في الفعل الإيجابي أو السلبي تبعًا للظرف والحدث(57)، رغم أن العمل ضمن إطار جماعي واسع يظل، في بعض الحالات، أقل كلفة من العزلة أو الفعل المنفرد(58).
تُعد منظمة التعاون الإسلامي ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة؛ إذ تضم في عضويتها 57 دولة، إضافة إلى خمس دول بصفة مراقب، وتسهم دولها بنحو 9 بالمائة من الناتج الاقتصادي العالمي(59). ويتمثل هدفها الأساسي في تمثيل الصوت الجماعي للعالم الإسلامي، وصيانة مصالحه، وتعزيز السلم الدولي والتناغم بين شعوب العالم. ويؤكد ميثاق المنظمة سعيها إلى توطيد التضامن الإسلامي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي بين الدول الأعضاء، وحماية المقدسات الإسلامية، ودعم نضال الشعب الفلسطيني، ومناهضة جميع أشكال التمييز العنصري والاستعمار(60).
يندرج هذا التوجه ضمن نزعة إقليمية تسعى إلى بلورة أفكار بديلة، تُعرف أحيانًا بالنزعة الإقليمية المتمحورة حول المجتمع أو الاندماج المناهض لتوجهات الهيمنة. ولا يقتصر هدف هذه النزعة على تعزيز التعاون جنوب–جنوب أو تحقيق قدر من الاعتماد على الذات في المجال الاقتصادي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة خلق فضاء هوياتي وقيمي بديل للنموذج الذي تروِّج له العولمة النيوليبرالية(61).
ينطلق المنظور الإسلامي، في هذا السياق، من تبني مفهوم الكونية؛ إذ لا تُقِرُّ المبادئ الإسلامية بأسس نظرية للتقسيمات الهرمية بين الشعوب والدول. ويستند القانون الدولي من منظور إسلامي إلى فكرة عالمية الولاية الإلهية، بما يجعل الدول الإسلامية وغيرها جزءًا من اتحاد كوني واحد، تتجاوز فيه الاعتبارات الدينية والثقافية منطق التصنيف والتمايز القانوني(62).
في إطار منظمة التعاون الإسلامي، جرى إقرار النظام الأساسي لمراكز العمل التابعة لها، استنادًا إلى أحكام الميثاق، بهدف تعزيز التعاون لتحقيق التنمية البشرية المستدامة والرفاه الاقتصادي في الدول الأعضاء(63). غير أن محدودية فاعلية المنظمة في التعاطي مع أزمات معاصرة كبرى، من قبيل الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والهجمات المتواصلة على عدد من الدول العربية والإسلامية، أظهرت فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والممارسة العملية؛ حيث اقتصر التفاعل في الغالب على بيانات الشجب والتنديد.
على صعيد أوسع، أسهمت حركة دول عدم الانحياز في إعادة تشكيل قواعد القانون الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين لم يعد هذا القانون حكرًا على الدول الأوروبية، بل أصبح إطارًا يشمل دولًا وشعوبًا حديثة الاستقلال، غدت موافقتها شرطًا أساسيًّا في تطويره. وقد شاركت هذه الدول في هذا المسار عبر مسارين متوازيين: مسار أضفى الطابع العالمي على القانون الدولي، ومسار أعاد فرز بنيته ومعاييره بما يعكس مصالح الدول النامية(64).
شكَّل مؤتمر باندونغ، سنة 1955، محطة مفصلية في هذا الاتجاه؛ إذ أكد ضرورة تعزيز التعاون بين دول آسيا وإفريقيا، وأسفر عن إنشاء اللجنة الاستشارية القانونية الآسيوية بقيادة الهند، التي سعت إلى توطيد التعاون القانوني والمشاركة الفاعلة في تطوير القانون الدولي. وقد انعكست مساهماتها في مؤتمر فيينا للعلاقات الدبلوماسية، ولاحقًا في الإعلان الموحد بشأن اللجوء الإقليمي لسنة 1967، بما يجسد مثالًا واضحًا على إسهام دول الجنوب في بلورة قواعد قانونية ذات طابع كوني تعددي(65).
برزت حركة عدم الانحياز، التي تأسست رسميًّا في مؤتمر بلغراد، سنة 1961، استجابة لتحولات عميقة في النظام الدولي، اتسمت بالاستقطاب الحاد بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي. ورغم الجدل الذي أُثير حول حدود “عدم انحيازها” أو اختراقها، فإن مبادئها المؤسِّسة، التي تبلورت منذ مؤتمر باندونغ، قامت على رفض الأحلاف العسكرية، والدفاع عن السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وترسيخ منطق التعايش السلمي، بما وفر منصة جماعية للتأثير في قواعد القانون الدولي(66)(67).
يُعد مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من أبرز المساهمات التي دافعت عنها دول عدم الانحياز؛ إذ لعبت دورًا محوريًّا داخل الأمم المتحدة في إصدار قرارات تدين الاستعمار، وفي مقدمتها القرار 1514 لسنة 1960 بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة(68). وقد تطور هذا المبدأ ليعكس فلسفة قانونية تتيح خيارات متعددة، من الحكم الذاتي إلى الاندماج أو الفيدرالية، دون حصره في نموذج الانفصال وحده.
امتد إسهام دول عدم الانحياز إلى الدفاع عن السيادة الوطنية والمساواة القانونية بين الدول، ورفض استخدام القوة في العلاقات الدولية، ودعم إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول الصادر سنة 1970(69). كما طالبت بإرساء نظام اقتصادي دولي أكثر عدالة، ودافعت عن مبدأ السيادة الدائمة على الثروات الطبيعية، الذي تُوِّج باعتماد قرار الجمعية العامة رقم 1803 لسنة 1962، وإعلان برنامج عمل النظام الاقتصادي الدولي الجديد لسنة 1974(70)(71).
شمل هذا الترافع أيضًا دعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجماعية، والدفاع عن الحق في التنمية بوصفه حقًّا من حقوق الإنسان، وهو ما تُوِّج بإعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية، سنة 1986، إضافة إلى إبراز حقوق جماعية أخرى مثل الحق في السلم والحق في بيئة سليمة ومستدامة، ضمن إطار قانون دولي بيئي آخذ في التشكل(72)(73).
ورغم هذه الإسهامات، لا تزال مطالب دول عدم الانحياز بإصلاح المؤسسات الدولية، ولاسيما ميثاق الأمم المتحدة وتركيبة مجلس الأمن، تواجه عراقيل بنيوية وسياسية. فتعديل هذه البنية يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ومصادقة الدول الخمس دائمة العضوية، في ظل احتفاظ المؤسسات العالمية الرئيسية بالبنية التي تأسست عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بما يعكس استمرار خضوعها لمصالح القوى الغربية المهيمنة(74).
رابعًا: تداعيات القانون الدولي على الدول العربية
منذ القرن الثامن عشر، ارتبط تطبيق قواعد القانون الدولي في سياق العلاقات بين دول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية والدول الغربية، بسرديات متكررة للهيمنة والتلاعب والإخضاع، في إطار تشكُّل نظام دولي صاغته المركزية الأوروبية. فقد أعادت الحركة الاستعمارية تشكيل العالم وفق منطق هذه المركزية(75)، وأسهمت في بناء قانون دولي يخدم مصالح القوى الغربية المهيمنة، ويحمي أولوياتها الإستراتيجية داخل بنية دولية غير متكافئة. ويتجلى هذا الاختلال بوضوح في فجوة اللامساواة البنيوية بين دول الشمال والجنوب؛ حيث يذهب تشيمْني إلى أن القانون الدولي يؤدي دورًا محوريًّا في إضفاء الشرعية على الهياكل والعمليات غير المتكافئة التي تُعمِّق هذه الانقسامات وتحافظ عليها(76).
قامت المركزية الأوروبية على شرعنة الظاهرة الاستعمارية بذريعة “نقل الحضارة” إلى المناطق المصنَّفة بدائية أو متخلفة، ولاسيما في إفريقيا وآسيا، بما أتاح السيطرة على ثرواتها واستغلال مواردها. وأفضى هذا المنطق إلى تنافس حاد بين القوى الأوروبية على مناطق النفوذ، أسهم في اندلاع حربين عالميتين غيَّرتا موازين القوة الدولية، وأفرزتا مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية. وأرست مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مجموعة من المبادئ والقواعد الحاكمة للنظام الدولي، من أبرزها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وصيانة السيادة الوطنية، والمساواة القانونية بين الدول، وتحريم اللجوء إلى القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وهي مبادئ كُرِّست نصًّا في ميثاق الأمم المتحدة، الذي ألزم الدول المتنازعة باعتماد الوسائل السلمية لتسوية نزاعاتها بما يحفظ السلم والأمن الدوليين.
أسهمت هذه التحولات في توسيع عضوية المجتمع الدولي؛ إذ لجأت دول عربية وإفريقية وآسيوية إلى التمسك بالمبادئ الجديدة للمطالبة بالاستقلال عن القوى الاستعمارية. وقد تحقق ذلك، إما عبر إضفاء الشرعية على الكفاح المسلح الذي قادته حركات التحرر الوطني، أو من خلال المعارك القانونية التي خاضتها هذه الدول داخل المؤسسات والمحاكم الدولية لاستعادة سيادتها الوطنية.
شهد القانون الدولي خلال القرن العشرين توسعًا ملحوظًا شمل إنشاء منظمات دولية ذات عضوية عالمية، وتكريس صلاحيات إبرام المعاهدات، وتطوير قانون البحار، وتأسيس آليات دائمة لتسوية النزاعات الدولية، بما في ذلك المنازعات المختلطة بين الدول والأطراف الخاصة، إلى جانب حظر استخدام القوة. ورافق هذا التوسع بروز فروع متخصصة، ولاسيما في مجالات حقوق الإنسان، والقانون الدولي البيئي، والاقتصادي، والجنائي، فضلًا عن جهود تدوين قواعد القانون الدولي من خلال أعمال لجنة القانون الدولي(77).
غير أن إدماج الدول المستقلة حديثًا في النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية تم عبر شبكة كثيفة من المنظمات الدولية والقواعد التنظيمية في المجالات الاقتصادية والصحية والثقافية والمالية، بما جعل هذه الدول عاجزة عن الإفلات من منظومة قانونية لم تشارك في صياغتها. وقد أتاح ذلك للقوى الكبرى، خاصة عبر المؤسسات المالية الدولية، التأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول النامية وفرض اندماج تبعي داخل النظام الرأسمالي العالمي(78). وفي هذا السياق، عرف العالم العربي انقسامًا بين دول ارتبطت بالمعسكر الاشتراكي وأخرى بالمعسكر الغربي، في تقسيم ظل متغيرًا تبعًا للتحولات الجيوسياسية الدولية والإقليمية.
مع بداية سبعينات القرن الماضي، وفي ظل صعود المراجعات الفكرية لما بعد الوضعية، ولاسيما نظريات ما بعد الاستعمار والتحرر من التبعية، تبلورت رؤية نقدية لدى دول الجنوب تعد النظام الدولي نظامًا غير عادل، يقوم على استغلال الدول النامية. وبدأت هذه الدول تطالب بإعادة النظر في الأسس الاقتصادية للنظام الدولي بعدما تبيَّن أن مبدأ المساواة الشكلية بين الدول يُنتج، في التطبيق، لا مساواة فعلية بفعل الفوارق الهائلة في القدرات الاقتصادية والسياسية. وأضحى خطاب السيادة وتقرير المصير أقرب إلى شعارات رمزية لا تعكس واقعًا عمليًّا، في ظل اعتماد دول كثيرة على الخارج لتأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء(79).
في هذا الإطار، سعت دول العالم الثالث إلى إعادة صياغة الأسس الفلسفية للقيم الحاكمة لقواعد القانون الدولي، من خلال الترويج لمعايير تستند إلى مفاهيم العدالة والإنصاف، تعكس تجارب شعوب خرجت حديثًا من السيطرة الاستعمارية ولا تزال تعاني من آثارها. وتحولت هذه المعايير إلى مبادئ تنظيمية جديدة في القانون الدولي بما استدعى البحث عن صيغ جديدة لممارسة السلطة داخل المجتمع الدولي، وتبني جيل جديد من القواعد القانونية المنسجمة مع هذه الفلسفات الناشئة(80).
رافقت هذه الجهود مطالب بإرساء نظام اقتصادي دولي أكثر عدالة، يقوم على التزام الدول القوية بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيما تلك المتعلقة بحظر الحرب وحماية الدول الضعيفة. وشمل ذلك تعديل قانون البحار للاعتراف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة للدول الساحلية، ومنحها سيادة اقتصادية على مواردها الطبيعية، فضلًا عن إدخال مفاهيم مثل النفاذ التفضيلي لسلع الدول الأقل نموًّا إلى أسواق الدول المتقدمة.
شهدت هذه المرحلة محاولات مبكرة من دول العالم الثالث، خاصة الدول النفطية العربية، للحدِّ من هيمنة الشركات الغربية على مواردها الطبيعية، عبر تأميم قطاعات إستراتيجية كما حدث في إيران وليبيا والكويت خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. وأثار ذلك توترات سياسية داخلية ودولية، أفضت إلى نقاشات موسعة داخل الأمم المتحدة، انتهت بتبني قرارات تهدف إلى تحقيق توازن بين مبدأ السيادة الدائمة للدول على ثرواتها الطبيعية وحقوق ملكية الشركات الأجنبية المستثمرة فيها(81).
أسهمت مجموعة الـ77 وحركة عدم الانحياز، بدعم فاعل من عدد من الدول العربية ذات التوجهات الاشتراكية، في الحفاظ على نفوذ الدول النامية داخل الأمم المتحدة، وصياغة معايير قانونية بديلة لتلك التي كرَّستها القوى المتقدمة. وساعد على ذلك حرص القوتين العظميين خلال الحرب الباردة على استمالة دول العالم الثالث، بما أتاح لهذه الأخيرة هامشًا للتعبير عن مصالحها الجماعية داخل النظام الدولي(82).
تراجعت هذه الدينامية مع نهاية الحرب الباردة وتفكك المعسكر الاشتراكي؛ حيث عرفت العقود الأخيرة من القرن العشرين اتجاهًا متزايدًا نحو توظيف القانون الدولي أداةً أحادية لتحقيق أهداف القوة المهيمنة، على حساب الدول النامية. وبرزت مفاهيم جديدة، مثل الأمن الإنساني والتدخل الإنساني والتنمية ذات المرجعية الليبرالية، أسهمت في تقويض عدد من المبادئ التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة.
أدى انتهاء الاستقطاب الدولي إلى تهميش مصالح الدول النامية، وإحياء مقاربات واقعية ترى في القوة المحدد الأساسي للقواعد الدولية. وساعد على ذلك تفكك كتلة العالم الثالث وغياب توافق داخلي حول أولوياتها، بعد أن كانت قادرة، في مراحل سابقة، على الدفع بمعايير دولية قائمة على العدالة والإنصاف(83).
تأثر النظام الإقليمي العربي على نحو خاص بهذه التحولات، في ظل تداعيات حرب الخليج الثانية، والانقسام الحاد بين الدول العربية، وتنامي الوجود العسكري والسياسي للقوى الدولية في المنطقة. وبرزت الولايات المتحدة الأميركية بوصفها الضامن الرئيسي لأمن النفط والتوازنات الخليجية، والفاعل الأكثر تأثيرًا في مسارات التسوية الإقليمية، بما جعل النظام الإقليمي العربي أكثر قابلية للاستجابة للمطالب والمصالح الأميركية(84).
ترافقت هذه التحولات مع صعود خطاب “نهاية التاريخ” وانتصار الليبرالية، وما رافقه من تسارع العولمة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في سياق تطور تكنولوجي ومعلوماتي مكَّن الشركات المتعددة الجنسية من التوسع داخل أسواق الدول النامية، بما فيها الدول العربية، وتعميق حضورها الاقتصادي.
أسفرت هذه الدينامية عن آثار قانونية دولية واسعة؛ حيث شهدت المؤسسات الدولية ضغوطًا متزايدة لفرض الرؤية الليبرالية الأميركية في مجالات متعددة، وهو ما انعكس في اتفاقيات دولية وإجراءات داخل منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومؤسسات التمويل الدولية، فضلًا عن المحكمة الجنائية الدولية(85).
أفضى تراجع المساعدات الخارجية وأزمات الديون السيادية إلى اعتماد الدول النامية على الشركات المتعددة الجنسية مصدرًا رئيسيًّا للاستثمار؛ ما أدى إلى تقويض قدرتها على التنسيق الجماعي للدفاع عن مصالحها. وأسهم ذلك في تعزيز نفوذ هذه الشركات في صياغة القواعد الاقتصادية والقانونية الدولية بدعم مباشر أو غير مباشر من دولها الأصلية(86).
في هذا السياق، وجدت الدول العربية نفسها، كما كانت الحال مع نهاية السلطنة العثمانية وبداية تشكل الدول القومية، أمام قواعد قانون دولي مفروضة من الخارج. وتجدَّد هذا الوضع بعد نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى دمج الاقتصادات العربية في النظام الرأسمالي العالمي، وفتحها أمام الشركات المتعددة الجنسية، دون اعتبار كافٍ للتكلفة الاجتماعية والسياسية والثقافية لهذه التحولات(87)(88)(89).
أضحت الدبلوماسية الاقتصادية، التي تمارسها الدول المتقدمة مباشرة أو عبر المؤسسات متعددة الأطراف، إحدى أبرز أدوات السيطرة على الدول النامية، بما جعل القانون الدولي أداة مركزية لشرعنة الهيمنة في عصر العولمة(90).
تزامن ذلك مع بروز نموذج نظري جديد للسياسة الدولية، يرتكز على تعميم الديمقراطية الليبرالية، وتحرير الأسواق، وتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات، وتنظيم التجارة العالمية في إطار مؤسسي، مع تركيز متزايد على الحقوق الفردية على حساب حقوق المجموعات، بما همَّش قضايا مثل الحق في التنمية والبيئة والغذاء(91).
انعكس هذا التوجه في تسييس متزايد لقضايا القانون الدولي الكبرى في مطلع القرن الحادي والعشرين، ولاسيما في مجالات الأمن الجماعي، والتدخل الإنساني، والدفاع عن النفس، وفرض العقوبات، وتوظيف خطاب حقوق الإنسان، تحت تأثير النفوذ السياسي للقوى الغربية الكبرى(92).
في المحصِّلة، عاشت المجتمعات العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة موجات متتالية من التدخلات العسكرية الغربية، جرى تبريرها بخطابات مكافحة الإرهاب أو نشر الديمقراطية أو حماية الأقليات، في حالات مثل فلسطين والصومال والعراق وأفغانستان وليبيا وسوريا. وقد انطوت هذه التدخلات على تأويلات انتقائية لمبادئ القانون الدولي المتعلقة باستخدام القوة بما غطَّى أهدافًا إستراتيجية واقتصادية تتصل بالسيطرة على الموارد وإعادة تشكيل البنى السياسية والاجتماعية لهذه الدول(93).
خاتمة
تُظهر خلاصات هذه الدراسة أن تصاعد حدَّة التنافس والصراع الجيوسياسي الدولي حول مناطق النفوذ أسهم في تعميق الانقسامات السياسية العالمية، ولاسيما في إطار التنازع المتزايد بين دول الشمال الكبير ودول الجنوب الكبير بشأن قضايا التجارة الدولية، والنظام النقدي العالمي، وإصلاح منظومة الأمم المتحدة، إضافة إلى التحديات العابرة للحدود مثل الإرهاب والهجرة والتغيرات المناخية وانتشار الأوبئة. وقد أدى هذا السياق المركب إلى تراجع قاعدة القيم المشتركة ذات الطابع الكوني، بفعل تباين المرجعيات الحضارية واختلاف المنظورات القانونية والسياسية التي تتبناها الأمم. ويغدو إصلاح منظومة القانون الدولي وإعادة هيكلة مؤسساته وفق التحولات الجيوستراتيجية للقرن الحادي والعشرين ضرورة ملحَّة، تفرض تجاوز التصنيفات النمطية واستيعاب التعدد البنيوي للمجتمع الدولي، بما يتيح ترسيخ العدالة بين الدول والشعوب والأفراد، وتقليص فجوات التفاوت الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية، وتعزيز سلطة القانون انطلاقًا من وحدة المصير الإنساني وتكافؤ الحق في المشاركة في إدارة عالم متعدد الأقطاب والثقافات والهويات.
يعكس الواقع الدولي الراهن تعدد مسارات الانتقال والتحول في مرحلة ما بعد الاستعمار؛ حيث لم تعد دول الأطراف تكتفي بالاستقلال السياسي بل باتت تمتلك، بدرجات متفاوتة، عناصر القوة والثروة التي تمكِّنها من التعبير عن ثقافاتها والدفاع عن مصالحها داخل النسق الدولي. ويشير عدد من الدراسات الاستشرافية إلى أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تجاوز النظام الوستفالي؛ إذ لا تزال أنماط السيادة والدولة القومية في مراكز القوة قادرة على الاستمرار، لكنه يفتح، في المقابل، أفقًا لتحول ما بعد غربي لا يُقصي الغرب من المشهد الدولي وإنما يعيد تموضعه بوصفه مركزًا من بين مراكز متعددة للسلطة والثروة والنفوذ الثقافي في عالم آخذ في التعدد القطبي.
تدل المعطيات البحثية المتراكمة على أن التاريخ الغربي والنظرية السياسية الغربية لا يعكسان، على نحو كاف، تجارب بقية مناطق العالم ولاسيما في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والعالم العربي. وتكشف هذه الأبحاث عن فجوة متنامية بين المفاهيم السائدة في حقل القانون الدولي والعلاقات الدولية، كما تطورت في السياق الغربي، والوقائع التي يدركها الباحثون في هذه السياقات المختلفة. ويبرز في هذا الإطار أن المراجعات الفكرية النقدية التي سعت إلى تجاوز المقاربات الكلاسيكية في فهم القانون الدولي لم تقتصر على الإنتاج المعرفي الغربي، بل أسهم فيها مفكرون وباحثون من خارج هذا النسق، كما هي الحال في نظرية ما بعد الاستعمار ونظرية التحرر من التبعية للاستعمار، التي تبلورت بفضل إسهامات عدد من المفكرين، من بينهم: إدوارد سعيد وهومي بابا وأنيبال كيجانو وغيرهم(94).
يفرض هذا الواقع إعادة التفكير في طبيعة التنظير في القانون الدولي ونطاقه، ولاسيما في ظل تنامي الخطابات النقدية التي ترى أن هذا الحقل ظل، تاريخيًّا، أسير مركزية أوروبية ضيقة الأفق. ويقتضي ذلك الانفتاح على قراءات جديدة تضع قضايا القانون الدولي ضمن أفق أوسع، يسمح بتتبع تطوره واتجاهاته خارج السياق الغربي المركزي، ويدعو الباحثين من خارج هذا السياق إلى مساءلة مضامين نظرياته وفلسفاته، واستشراف المسارات التي كان يمكن أن يتخذها هذا الحقل لو نشأ أو تطور في سياقات حضارية مختلفة.
في هذا الإطار، لا يقتصر مشروع التفكير في قانون دولي من منظورات غير غربية على كونه إضافة معرفية هامشية، بل يمكن أن يسهم في بلورة حقل بحثي جديد داخل دراسات القانون الدولي، يقوم على تعدد الروافد الحضارية والثقافية والمعرفية. ويتيح هذا التوجه تجاوز الطابع القيمي الأحادي الذي طبع المقاربات الغربية السائدة، مع الاستفادة النقدية من التيارات الغربية نفسها، من أجل بناء تصورات أكثر شمولًا تعكس التنوع الثقافي المتزايد على المستوى العالمي.
تُبرز هذه الدراسة أن الانتقال بالقانون الدولي من حقل ذي هيمنة معرفية مركزية إلى حقل عالمي فعلي يمر عبر إدماج السرديات التاريخية والفلسفية للآخرين، واستيعاب مسارات التنظير المتعددة التي أسهمت فيها شعوب وثقافات مختلفة. ويكتسب فتح نقاش علمي معمَّق حول كيفية تشكُّل قواعد القانون الدولي وتعدُّد روافده الفكرية والحضارية أهميةً أساسية في مسار تطوير هذا الحقل، بما يجعله أكثر قدرة على الاستجابة لتحديات عالم متعدد ومعقَّد ومتغير باستمرار.
المراجع
(1) عبد العزيز محمد سرحان، العودة لممارسة القانون الدولي المسيحي، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1995)، ص 2.
(2) Dominique CARREAU, Droit International, 9 édition (Paris : édition Pedone, 2007).
(3) هدى أحمد يونس المراغي، “الأسس القانونية والفلسفية للمعاهدات الدولية”، المجلة القانونية، المجلد 8 العدد 4 (2020)، ص 1505.
(4) سرحان، ص3.
(5) CARREAU, Droit International, op,cit, p 50.
(6) D.JOOLSEY,International Law,4th Edition, (New York, 1889).
نقلًا عن عبد العزيز محمد سرحان، المرجع السابق، ص 5.
David Armstrong. Introduction, Edited by David Armstrong, Jutta Brunée, Michael Byers, John H. Jackson David Kennedy : Routledge Handbook of International Law (Routeledge : 2009). See the introduction.
(7) James LORIMER,The Institutes of International Law,1882, Book 2, Chap 11, p 69.
(8) سرحان، ص15.
(9) محمد سامي عبد الحميد، أصول القانون الدولي العام، الجزء الأول (القاعدة الدولية)، ط2 (مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، 1974)، ص148.
(10) سرحان، ص 19.
(11) عقل صالح ورائد أبو بدوية، “توظيف الأيديولوجيا في إطار بناء الدولة الصهيونية”، حوليات جامعة الجزائر 1، المجلد 37، العد 01 (2023)، ص 53.
(12) سرحان، ص228.
(13) مصطفى سلامة حسين، ازدواجية المعاملة في القانون الدولي العام، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1987)، ص 13-34.
(14) قرار مجلس الأمن الدولي رقم 706، الصادر بتاريخ 15 أغسطس/آب 1991، على الرابط: https://urls.fr/qbongr
(15) ميلود ميسوم، الأمة العربية وتداعيات حرب أكتوبر 1973، مجلة روافد للبحوث والدراسات، العدد الرابع، (2018)، ص 139.
(16) عبد القادر القادري، القانون الدولي العام، ط1 (الرباط: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1984)، ص 17-19.
(17) سرحان، ص 207.
(18) Declaration on the Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples, 14 December 1960. Resolution 1514 (XV).
(19) Traité entre la République française et la République fédérale d’Allemagne sur la coopération et l’intégration franco-allemandes. Accessed on February 16, 2025 , at : https://2cm.es/1glf6
(20)Traité pour la séparation définitive de la Belgique d’avec la Hollande. Accessed on February 16, 2025 , at : https://mjp.univ-perp.fr/constit/be1831londres.htm
(21) Traité de Versailles, le 7 mai 1919.
(22) سرحان، ص 228.
(23) القادري، ص 20-21.
(24) محمد الجوادي، المنهج الإسلامي في صياغة القانون الدولي، مدونات الجزيرة على الرابط: https://urls.fr/HnMT2X
(25) ولفغانغ فريدمان، تطور القانون الدولي، ترجمة لجنة من الأساتذة الجامعيين، (بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة)، ص 195.
(26) صبحي نايل، التوظيف الأيديولوجي للدين، أبحاث محكمة، مؤمنون بلا حدود، قسم الدراسات الدينية، 23 سبتمبر/أيلول 2023، مقتطف من كتاب إستراتيجيات التأويل، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، على الرابط: https://urls.fr/GCzU25
(27) معتز قفيشة، لماذا لا يهتم غالبية القانونيين العرب بالقانون الدولي؟، موقع منظمة القانون من أجل فلسطين، على الرابط: https://urls.fr/yUeGAO
(28) المرجع نفسه.
(29) Droits de l’Homme et protection de la diversité culturelle, Genève. Accessed on February 2025, at: http://www.kristeva.fr/geneve-unesco.html
(30) سرحان، ص 231.
(31) على سبيل المثال، نسوق ما جاء في رسالة جورج بوش الأب وجون ميجور إلى أمير الكويت، في أول أغسطس/آب 1991، بمناسبة مرور عام على غزو العراق للكويت من أن “العراق بنظامه السياسي القائم لن يسمح له بالعودة إلى الجماعة الدولية إلا بعد أن يتخلص من حكامه، وينكفئ على نفسه في الداخل، ويركع صاغرًا لسائر القرارات التي يصدرها مجلس الأمن ضده، مع إبقاء الحظر على صادراته…”، للتوسع أكثر في الموضوع، يُنظر: مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 5، شتاء 1991 على الرَّابطيْن: Palestine-studies.org/ar/node/35877 و Palestine-studies.org/ar/node/35878
(32) جوستافو جوتسي، القوانين والحضارات القانون الدولي: تاريخه وفلسفته، ترجمة حسين محمود، (أبو ظبي: دائرة الثقافة والسياحة، كلمة، 2023)، ص 15.
(33) مروة نظير، “أثر التغير في هيكل النظام السياسي الدولي على بنية القانون الدولي”، المجلة الجنائية القومية، المجلد الخامس والخمسون، العدد الثالث، (2012)، ص 150.
(34) نعوم تشومسكي، النظام العالمي…القديم والجديد، ترجمة عاطف معتمد عبد الحميد، ط1، (القاهرة: شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2007)، ص 42.
(35) المرجع نفسه، ص 10.
(36) المرجع نفسه، ص 13.
(37) المرجع نفسه، ص 15.
(38) المرجع نفسه، ص 176.
(39) لاتحسبنَّ رقصي بينكم طربًا… فالطير يرقص مذبوحًا من شدة الألم (أبو الطيب المتنبي).
(40) محمد المجذوب، القانون الدولي العام، (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2004)، ص 11.
(41) جيمس كروفورد، مبادئ القانون الدولي العام لبراونلي، ترجمة محمود محمد الحرثاني، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 63.
(42) أميتا أشاريا وباري بوزان، تشكُّل العلاقات الدولية العالمية: أصول حقل العلاقات الدولية وتطوره في ذكراه المئوية، ترجمة عمار بوعشة، عالم المعرفة، العدد 502 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2023)، ص 93.
(43) مايكل جيه مازار وآخرون، فهم النظام الدولي الحالي، (كاليفورنيا: مؤسسة راند، 2016)، ص 10-11، (تاريخ الدخول: 21 سبتمبر/أيلول 2023)، https://2cm.es/1leLA
(44) برتران بديع، زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية، ترجمة جان ماجد جبور، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص136.
(45) جيسيكا وايت، “شركاء عاجزون أم رفاق طريق؟ هجوم حقوق الإنسان والليبرالية الحديثة على العدالة الاقتصادية في حقبة ما بعد الاستعمار”، ترجمة سحر عادل بهجت، الثقافة العالمية، العدد 201 (2019)، ص102.
(46) ريوين كونيل، النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة، ترجمة فاروق منصور، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 8.
(47) بانكاج ميشرا، زمن الغضب: تأريخ الحاضر، ترجمة معاوية يعيدوني، عالم المعرفة، العدد 505 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، 2023)، ص46.
(48) “تيلوس” تُفيد باللغة الإغريقية “النهاية”، أي نهاية النهاية في هذه الفقرة.
(49) ألكسندر دوغين، الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة عصر الإمبراطوريات الجديدة الخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين، ترجمة إبراهيم إستنبولي، (بيروت المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 33.
(50) آرنست فولف، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، العدد 435 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2016)، ص 229.
(51) صبحي محمصاني، القانون والعلاقات الدولية في الإسلام، ط1 (دار المعارف للملايين، 1982)، ص 42-43.
(52) OMAR Sheira and Muhammed Ammash. Arab League Summit Report, Global Political Trends Center (GPoT) (2015), p.3.
(53) انقسمت الدول العربية في تلك الأزمة بين من يعارض التدخل الأجنبي، ومن يرحب به (وتقديم غطاء له). وهو ما يعكس -ولا يزال- ضعف وهوان جامعة الدول العربية.
(54) Farah Dakhlallah.The League of Arab States and Regional Security: Towards an Arab Security Community, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol. 39, No. 3 (December 2012), P.408.
(55) أحمد علي سالم، الأمن الجماعي في جامعة الدول العربية بين النظريات الواقعية والبنائية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص 246-249.
(56) سعيد سلطان الهاشمي، كيف فرَّ المستقبل من حسبان العرب؟، المستقبل العربي، العدد 500 (2020)، ص 106.
(57) حسن أبو طالب، “انهيار جامعة الدول العربية؟”، ملحق مجلة السياسة الدولية، العدد 185 (2011)، ص 33.
(58) المرجع نفسه، ص 34.
(59) Bilal Bağış and Çağlar Yurtseven. Greater Economic Cooperation, Opportunities and Challenges, Center for Strategic Research (SAM) (2017), P. 11.
(60) Bruno De Cordier. Identity as a Framework for Alternative Regionalism? An Examination of the Organization of Islamic Cooperation and the Pan-Islamic Idea, Studia Diplomatica, Vol. 66, No. 4 (Egmont Institute: 2013), P.19.
(61) Bruno De Cordier. Identity as a Framework for Alternative Regionalism? An Examination of the Organization of Islamic Cooperation and the Pan-Islamic Idea, Studia Diplomatica , Vol. 66, No. 4 (Egmont Institute : 2013), P.17.
(62) Farhad Malekian. The Nature of Islamic International Law (Ed Brill: 2011), P.6.
(63) OIC/3-iclm/2015/ final, 30 October 2015.(https://tinyurl.com/3yh59jdz), accessed on 13 December 2025.
(64) جوستافو جوتسي، مرجع سابق، ص 149-150.
(65) المرجع نفسه، ص 90.
(66) صادق الطائي، “انحياز أو عدم الانحياز…تفكيك تاريخي”، القدس العربي، عدد 31 يناير/كانون الثاني 2017، على الرابط: https://h7.cl/1l7rb
(67) يونس طلعت الدباغ، “الدور الدبلوماسي لحركة عدم الانحياز في تعزيز العلاقات الدولية المعاصرة”، مجلة زانست العلمية (ZANST Scientific Journal)، العدد 1(2024)، ص 1091-1094.
(68) اعتُمد ونُشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت رقم 1514 (د-15) المؤرخ في 14 ديسمبر/كانون الأول 1960.
(69) قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (د-25)، الصادر بتاريخ 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1970.
(70) قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 (د-17) سنة 1962، المتعلق بمبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية.
(71) القرار 3202 (دإ-6)، المؤرخ 1 مايو/أيار 1974، المتعلق ببرنامج عمل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، للتوسع أكثر، يمكن الاطلاع على الرابط: https://h7.cl/1l7z5
(72) القرار 41/128، 4 ديسمبر/كانون الأول 1986، المتعلق بإعلان الحق في التنمية.
(73) قرار مجلس حقوق الإنسان رقم48/13 ، المعتمَد في 8 أكتوبر/تشرين الأول عام 2021، والمعنون “حق الإنسان في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة”، وقرار الجمعية العامة رقم300/76 الذي أقرَّ حق كل إنسان في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة.
(74) يورغن سورنسن، إعادة النظر في النظام الدولي الجديد، ترجمة أسامة الغزولي، عالم المعرفة، العدد 480 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2020)، ص 219.
(75) كروفورد، ص 65.
(76) Brian-Vincent Ikejiaku, «International Law is Western Made Global Law: The Perception of Third-World Category», African Journal of Legal Studies, 6 (2013), p340.
(77) كروفورد، ص 66.
(78) إبراهيم أبراش، “حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد” في: محمد الأطرش وآخرون، العرب وتحديات النظام العالمي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 120.
(79) المرجع نفسه، ص 123.
(80) M. Sornarajah, « Power and Justice: Third World Resistance in International Law », Singapore Year Book of International Law, Vol. 10, (2006), pp 20-21.
(81) فيليب ساندر، عالم بلا قانون: كيف تضع أميركا القواعد العالمية وكييف تنتهكها، ترجمة عبد الكريم ناصيف، (دمشق: دار الفرقد، 2018)، ص 193.
(82) M. Sornarajah, «Power and Justice: Third World Resistance in International Law», op, cit, p 21.
(83) Ibid, p 22.
(84) ناصيف يوسف حتى، “التحولات في النظام العالمي والمناخ الفكري الجديد وانعكاسه على النظام الإقليمي العربي”، في: محمد الأطرش وآخرون، العرب وتحديات النظام العالمي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 158-183.
(85) كمال حماد، العولمة والقانون الدولي العام، (بيروت: الجامعة اللبنانية، 2009)، ص 171.
(86) Sornarajah, p 23-24
(87) Fatiha Sahli and Abdelmalek El Ouazzani, «Africa North of the Sahara and Arab Countries», in: BARDO Fassbender and ANNE Peters, The oxford Handbook of the History of International Law, (United Kingdom: Oxford University Press, 2012), P 405.
(88) محمد الأطرش وآخرون، العرب وتحديات النظام العالمي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 11.
(89) Brian-Vincent Ikejiaku, «International Law is Western Made Global Law: The Perception of Third-World Category», op, cit, p 356.
(90) يوسف حتى، ص 175.
(91) Sornarajah, pp 23-24.
(92) Mashood Baderin, « Universality in International Law Beyond the European an Islamic Law Perspective», In: European Society of International Law, IŞIL Aral and JEAN D’aspremont, International Law and Universality, (New York: Oxford Universiy Press, 2024), p 233.
(93) Ibid, p 233.
(94) مديحة عتيق، “ما بعد الكولونيالية: مفهومها، أعلامها، أطروحاتها”، مجلة دراسات وأبحاث، العدد 18 (2015)، ص 236-239.
