ملخص
تناقش هذه الورقة تحولات التفاعل مع القضية الفلسطينية في الفضاء العمومي المغربي في سياق أحداث 7 أكتوبر 2023، وذلك في ظل سياق سياسي اتسم بعودة السلطوية مع مسار التطبيع عبر “الاتفاقيات الإبراهيمية منذ سنة 2020. تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن انغلاق النسق السياسي والتضييق على قنوات التعبير التقليدية، دفع الشباب، وتحديدًا حركات تشجيع كرة القدم (الألتراس)، إلى ابتكار مساحات بديلة للتعبير، وإحدى أهم المساحات كانت في سياق القضية الفلسطينية الداعمة للاحتجاجات ضد العدوان على قطاع غزة.
على مستوى المنهج استرشدت الورقة بمنهج تحليل الخطاب النقدي كما صاغه الباحث نورمان فاركلوف لدراسة مضامين الأهازيج والأغاني الخاصة بالمشجعين، كما قامت الدراسة بجرد وتحليل رسومات فن الشارع وما يطلق عليه فن الغرافيتي المرتبطة في كثير من الأحيان بمجموعات الألتراس، بوصفه أحد أشكال الصراع على الفضاء الحضري.
خلصت الورقة إلى أن هذه المجموعات نجحت في تجاوز الرقابة الرسمية وحالة الصمت الحكومي ودعم أشكال الاحتجاج ضد العدوان على غزة، من خلال تحويل الملاعب وجدران المدن إلى منصات مفتوحة للتنديد بالعدوان ورفض التطبيع، وهو ما مثَّل صوتًا مغايرًا للسردية الرسمية، وعزَّز دعم المقاومة الفلسطينية في الشارع المغربي عبر أدوات احتجاجية فنية وجماهيرية مستحدثة.
الكلمات المفتاحية: القضية الفلسطينية، الاحتجاج، الألتراس، المقاومة الخفية، الغرافيتي.
Abstract
This paper examines the shifting dynamics of engagement with the Palestinian cause within the Moroccan public sphere in the context of the events of 7 October 2023. This analysis takes place against a political backdrop characterised by a resurgence of authoritarianism and the normalisation process initiated by the Abraham Accords in 2020.
The study is centred around the hypothesis that the closure of the political system and the restriction of traditional channels of expression have compelled youth—specifically football fan movements (Ultras)—to innovate alternative spaces for resistance. These spaces have emerged as crucial venues for supporting protests against the aggression on the Gaza Strip.
Methodologically, the paper employs critical discourse analysis (CDA), as formulated by Norman Fairclough, to examine the content of fan chants and songs. Additionally, the study surveys and analyses street art and graffiti, viewing them as forms of contestation over urban space.
The paper concludes that these groups have successfully circumvented official censorship and governmental silence to support protests against the aggression on Gaza. By transforming stadiums and city walls into open platforms for condemning the aggression and rejecting normalisation, they have provided a counter-narrative to the official discourse and revived values of resistance within the Moroccan street through novel artistic and mass protest tools.
Keywords: Palestinian cause, protest, Ultras, hidden resistance, graffiti.
مقدمة
شهدت القضية الفلسطينية تحولًا في المنطقة العربية والمغرب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023؛ إذ أعاد مشهد المقاومة الفلسطينية في مقابل مشاهد العدوان على قطاع غزة ترتيب وجهات النظر حول القضية الفلسطينية، وأحيا دعم المقاومة الفلسطينية في العالم والمنطقة العربية.
تضع هذه الورقة موضوع القضية الفلسطينية في السياق العام الذي يعرفه العالم والمنطقة العربية، مع تنامي عودة السلطويات؛ مما نتج عنه بيئة استبدادية سلطوية سيَّجت مساحات التعبير والبوح، سيما مع مسلسل توقيع اتفاقيات إبراهام للتطبيع مع إسرائيل(1).
في المقابل، تشهد المجتمعات سيما المجتمع المغربي – مجال الدراسة- بروز أشكال جديدة للرفض والتنديد خارجة عن النمط المألوف، خاصة مع حركات مجموعات مشجعي كرة القدم -حركات الألتراس- والتي ابتكرت مساحات جديدة للتعبير منفلتة نسبيًّا عن رقابة السلطة(2)، قادرة على التعبئة وحشد الأفراد، كالشعارات في الملاعب، والتملُّك والاستحواذ على الجدران عن طريق الكتابة الغرافيتية. وهي تعبيرات جاءت في سياق تسييج وتضييق الخناق على مساحات البوح والتعبير بشكل يتجاوز الأشكال الكلاسيكية للاحتجاج.
تحاول هذه الورقة، تسليط الضوء على تحولات التفاعل مع القضية الفلسطينية في الفضاء العمومي المغربي بعد بروز هذه المجموعات، من خلال تتبع تفاعلها مع القضية الفلسطينية في سياق الحرب الأخيرة على قطاع غرة.
تفترض الورقة أن طبيعة النسق السياسي المغربي المُغلق، ذات السمات السلطوية، وفرض أشكال الرقابة على المساحات الكلاسيكية للمشاركة والتعبير، ثم نهج السلطة لسياسة الصمت والحياد بعد مرحلة التطبيع تجاه أشكال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، قد جعلت الشارع -ولاسيما الشباب المنتمي إلى هذه المجموعات- يتجه نحو ابتكار مساحات بديلة ومستثيرة للرفض والتعبير، عُدَّت شكلًا من أشكال التدخل السياسي غير الرسمي (Infrapolitics) في الفضاءات العامة.
استرشدت هذه الورقة بمنهج تحليل المضمون، كما طوَّره الباحث نورمان فاركلوف ( Norman) Fairclough) داخل حقل تحليل الخطاب النقدي، الذي يقوم على الربط بين بنية الخطاب وتجليات السلطوية داخل المجتمع اعتمادًا على التحليل النصي، من خلال ثلاثة مراحل أساسية في التحليل: الأولى وصفية تقوم على وصف شكل النص من خلال تبيان عدد الكلمات الموظفة وتكرارها. ثم مرحلة تأويلية، عبر تأويل العلاقة بين النص والتفاعل معه(3)، ثم عملية التفسير كمرحلة أخيرة تقوم على تحليل العلاقة بين النص من خلال سياقه الاجتماعي(4) من خلال دراسة متن الشعارات التي تنتجها هذه الجماهير والمرتبطة بموضوع الدراسة وهو القضية الفلسطينية والعدوان على قطاع غزة.
كما اعتمدت الورقة على جمع وتحليل الأعمال الفنية وفنون الشارع المتمثلة في الجرافيتي (Grafiti) سواء الرسم على الجدران، أو الملصقات، المُعبِّرة عن القضية الفلسطينية، سواء الخاصة بمجموعات الألتراس، أو الملصقات المتفاعلة مع القضية في سياق الحرب على غزة، محاولة لتحليل الصور والرسوم، بوصفها لغة وخطابًا سرديًّا لتصريف تمثلات وثقافات حول القضية الفلسطينية في نسق من التحدي والسلطوية.
اعتمدت هذه الورقة على منطقة أكادير الكبير مجالًا للبحث الميداني، مسلِّطةً الضوء على التعبيرات الاحتجاجية لمجموعات الألتراس، وتحديدًا فصيل ألتراس إيمازيغن المساند لفريق حسنية أكادير. ورغم أن هذا الاختيار كان ذاتيًّا ارتبط أساسًا بتسهيل العمل الميداني للباحث، إلا أنه يحمل دلالة سوسيولوجية وسياسية، فمدينة أكادير، ببُعدها الجغرافي عن العاصمة، الرباط، ورمزيتها الثقافية الأمازيغية، تقدم دليلا علميًّا على شمولية التضامن المغربي مع القضية الفلسطينية، وتؤكد غياب أي انقسام هوياتي أو إثني في هذا الشأن(5).
بالتالي، تتضمن الدراسة أربعة محاور أساسية:
- القضية الفلسطينية في الفضاء العام المغربي: مسارات التحول
- السياقات الاجتماعية والسياسية لبروز مجموعات الألتراس في الفضاء العام
- القضية الفلسطينية في خطاب مجموعات الألتراس: “تحليل أغنية رجاوي فلسطيني”
- التعبير عن مقاومة العدوان من خلال الكتابة الغرافيتية
أولًا: القضية الفلسطينية في الفضاء العمومي المغربي: مسارات التحول
تحتل القضية الفلسطينية موقعًا أساسيًّا في الفضاء العمومي المغربي؛ إذ كانت في مقدمة القضايا التي نالت اهتمام المغاربة -حتى قبل الحصول على الاستقلال- ليس لطابعها القدسي أو الديني فقط بل أخذت طابعًا قوميًّا ووطنيًّا، سواء على المستوى السياسي الرسمي أو المستوى الشعبي المجتمعي، وهو ما جعلها منذ قرار الجمعية العمومية رقم 181، تقسيم فلسطين سنة 1947، قضية إجماع وطني(6).
لقد واكبت الحركة الوطنية المغربية بغالبية مكوناتها القضية، واتخذت موفقًا مساندًا لفلسطين في مواجهة المشروع الصهيوني الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، عقد المجلس الأعلى لحزب الاستقلال آنذاك برئاسة زعيمه التاريخي، علال الفاسي، جلسة استثنائية لمناقشة القرار، وأصدر بيانًا موجَّهًا للشعب المغربي للوقوف ضد المخطط الصهيوني في المنطقة. في نفس السياق، بعثت الأمانة العامة للحزب برقية احتجاجية موجهة إلى الأمم المتحدة في شخص أمينها العام آنذاك، تريغف هالفدان لي (Trygve Halvdan Lie)، تندد بقرار التقسيم، وتَعُدُّه نوعًا من الاستعمار المنبوذ في الضمير الدولي، وسببًا في تهديد السلم والأمن الدوليين، وتضمنت البرقية عبارة صريحة برفض المخطط، وعلى اعتباره المعبِّر عن الرأي العام والشارع المغربي(7).
في ذات الجانب، حرص حزب الاستقلال تحت قيادة علال الفاسي على أن يكون أول الأحزاب والقوى السياسية في المنطقة العربية والإسلامية اعترافًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، في 1 يناير/كانون الثاني 1965؛ إذ كان علال الفاسي مرشدًا وملهمًا للحركة الفلسطينية، ونال مكانة اعتبارية؛ حيث لُقِّب لدى الأوساط الفلسطينية آنذاك بـ”علال الوالد”، وقد تدخل لنصرة القضية والدفاع عن أعضاء وقيادات الحركة في الخارج، لعل أبرزها، فتح أول مكتب للحركة في أوروبا بدعم وتوصية منه، بعد أن طلب من الرئيس الروماني آنذاك، نيكولاي تشاوشيسكو ) Nicolae Ceauşescu ( فتح مكتب للحركة في العاصمة الرومانية، بوخارست(8).
كان موقف الحركة الوطنية المغربية بزعامة حزب الاستقلال في تلك الفترة ذا نهج مقاوم تجاه السياسة الصهيونية؛ حيث وجَّه العمل الفلسطيني لحركة التحرير الفلسطينية من دائرة الخطاب والاحتجاج إلى أسلوب المقاومة المسلحة بوصفه الحل الوحيد لإنهاء الاحتلال واسترجاع الأراضي الفلسطينية.
تأسس موقف أحزاب الحركة الوطنية المغربية بقيادة حزب الاستقلال، على ثوابت أساسية تجاه الدفاع عن القضية الفلسطينية، وهي(9):
- اعتبار القضية قضية عربية؛ تحرير الأرض وتأسيس الدولة الفلسطينية رهين بالوحدة العربية.
- اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
- إنشاء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
ولم يكن الموقف المساند للقضية الفلسطينية محصورًا في أحزاب الحركة الوطنية المغربية فحسب، بل شمل تقريبًا مجموع الأحزاب المغربية بمختلف توجهاتها الأيديولوجية، بما فيها تلك التي كانت تُكنُّ عداء لأحزاب الحركة الوطنية(10)؛ مما يعكس تجذرًا استثنائيًّا للقضية في الوجدان السياسي المغربي. وفي هذا السياق، تبلور الشعار التاريخي الذي كان محطَّ إجماع كافة المنظمات الجماهيرية المغربية والمتمثل في العبارة الشهيرة: القضية الفلسطينية قضية وطنية. ولتأطير هذا التضامن وتوحيد الجهود، برزت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني(11) إطارًا مدنيًّا ونضاليًّا مهمًّا يجمع نشطاء من أحزاب مختلفة في التوجه والاختيار.
أما الموقف الرسمي للملكية فلم يكن مختلفًا عن موقف القوى الوطنية الحزبية بل عَدَّت الملكية قضية فلسطين من أهم قضاياها، على الرغم من العلاقات الموازية مع اليهود المغاربة في إسرائيل بحكم المكانة الاعتبارية للسلطان المغربي آنذاك لدى اليهود، والتي يرجع تاريخها إلى رفض السلطان المغربي ضغوطات وإملاءات حكومة فيشي، التابعة للحزب النازي في فرنسا، بتسليم اليهود إلى معسكرات الاعتقال النازية. وعلى حق اليهود في التنقل داخل المغرب وخارجه، فكان المغرب أحد الملاذات والأماكن الآمنة لليهود مما كان مساعدًا على الاندماج، والعيش وسط المغاربة، عربًا وأمازيغ، والتأثير المباشر في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بالمغرب. وربط علاقات وطيدة بين البلاط الملكي واليهود بعد انتقال العديد منهم إلى الكيان الإسرائيلي، ليصبح اليهود المغاربة في إسرائيل ثاني أكبر مجتمع بعد المجتمع اليهودي الروسي.
غير أن هذه الاعتبارات لم تمنع الملكية من اتخاد موقف إيجابي تجاه القضية الفلسطينية كما هو الشأن بالنسبة لباقي القوى السياسية والمدنية في المغرب؛ إذ قام الملك محمد الخامس ومنذ السنوات الأولى لحصول المغرب على الاستقلال، سنة 1956، بالاهتمام بالقضية؛ حيث زار، سنة 1960، مخيم اليرموك بسوريا لتفقد أحوال الفلسطينيين، ثم قام بزيارة القدس وأمر بالعناية بالمسجد الأقصى، لما للمدينة من قدسية وارتباط لدى المغاربة، ففيها حارة سُميت على اسمهم والتي تعكس الارتباط التاريخي والعاطفي للمغرب الأقصى بالمدينة المقدسة(12).
كما تجلَّت قوة الانسجام بين الموقف الرسمي الملكي والحزبي في المغرب، أثناء حرب عام 1967؛ حيث قرر الملك الراحل الحسن الثاني، إرسال جنود للقتال في صفوف القوات العربية ضد العدوان الإسرائيلي، وإن كانت القوات المغربية بقيت في ليبيا ولم تتمكن من الوصول إلى أرض المعركة، غير أن هذا القرار الرسمي لقي ترحيبًا من طرف حزب الاستقلال؛ حيث أصدرت لجنته التنفيذية بيانًا شكرت فيه الحكومة على القيام بواجبها، وأكد على الإجماع الوطني بين الملك والحكومة والمعارضة لمساندة القضايا العربية، بوصفها قضايا قومية وشعبية(13).
تميزت فترة الستينات إلى حدود السبعينات باتخاذ المغرب بكل مكوناته موقفًا موحدًا وصارمًا للدفاع عن المقاومة الفلسطينية ومناهضة الاحتلال، سيما بعد الأعمال العدوانية للقوات الإسرائيلية منذ عام 1968 باحتلال القدس، وهدم جزء كبير من حارة المغاربة، ثم حرق المسجد الأقصى، في 21 أغسطس/آب من عام 1969، من طرف يهودي أسترالي؛ إذ خلَّف هذا الحدث صدمة وغضب في العالم الإسلامي؛ مما أدى إلى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الاسلامي حاليًّا) بقرار من القمة الإسلامية التي عُقدت بالعاصمة المغربية، الرباط، في 25 سبتمبر/أيلول 1969، ثم سيليها تأسيس لجنة القدس، عام 1975، بتوصية من المؤتمر السادس لخارجية بلدان المنظمة المنعقد في مدينة جدة السعودية، في يوليو/تموز 1975، وأسندت رئاستها الدائمة إلى ملك المغرب، بموجب قرار المؤتمر العاشر لوزراء الخارجية المنعقد بمدينة فاس بالمغرب، عام 1979، وتهدف إلى حماية القدس والتصدي للسياسة الإسرائيلية الهادفة إلى طمس الطابع العربي الاسلامي للمدينة(14).
كما أسهم الخطاب الرسمي الناقد للسياسة الصهيونية في الأراضي الفلسطينية في جعل القضية الفلسطينية محورية ومصيرية في الشارع المغربي؛ إذ كان الشارع العام مفتوحًا بشكل حصري للاحتجاجات الداعمة للقضايا العربية، خاصة قضية فلسطين، في حين تعاملت السلطة بشكل عنيف مع الاحتجاجات الأخرى المطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية(15).
عرفت نهاية السبعينات وبداية الثمانينات توجهًا أكثر دبلوماسية في تعاطي المغرب مع الصراع العربي-الإسرائيلي؛ إذ استغل الملك الراحل، الحسن الثاني، الروابط الثقافية والإثنية داخل المجتمع الإسرائيلي وتشجيع العالم الغربي، سيما الولايات المتحدة الأميركية، في جعله أكثر نشاطًا في الوساطة العربية-الإسرائيلية، وتعززت بعد زيارة إسحاق رابين المغرب، سنة 1976، لبحث إمكانية قيامه بدور الوساطة لفتح قنوات الحوار بين إسرائيل ومصر، وهو ما أثمر استضافة المغرب في السنة الموالية اجتماعًا سريًّا بين وزراء خارجية كل من مصر وإسرائيل، ومهَّد لتوقيع اتفاقية السلام والزيارة التاريخية لرئيس مصر، محمد أنور السادات، لإسرائيل(16).
رأى الملك الحسن الثاني في تلك الفترة أن يدعم المغرب ويوافق على الحل الذي يوافق عليه الشعب الفلسطيني بوصفه صاحب الحق في أرضه مع إيمانه بالحل السلمي، كالحل الأمثل لفضِّ الصراع العربي-الإسرائيلي(17). بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، عام 1993، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل(18)، قام رئيس الحكومة الإسرائيلية، إسحاق رابين، ووزير خارجيته، شيمون بيريز، بزيارة المغرب في السنة الموالية، والتي أفضت إلى فتح مكاتب اتصال رسمية بين الجانبين(19).
استمرت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل إلى غاية عام 2000، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما نتج عنه من أعمال العنف والقتل تجاه الفلسطينيين؛ وهو ما أدَّى إلى إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط وقطع العلاقات(20)، إلى حين عودتها بشكل رسمي مع توقيع الاتفاق الثلاثي بين إسرائيل والمغرب بوساطة أميركية، الذي وُقِّع في 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، بالرباط، وبموجبه تعترف الولايات المتحدة الأميركية بسيادة المغرب على الصحراء المتنازع عليها، وإعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المغرب وإسرائيل(21).
وقد جاء البلاغ الرسمي للديوان الملكي للملك محمد السادس بعد الاتفاق الثلاثي ليعلن عن ثبات الموقف من القضية الفلسطينية رغم عودة العلاقات مع إسرائيل؛ حيث ورد في نص البلاغ: “جدَّد جلالة الملك، نصره الله، موقف المملكة المغربية الثابت بشأن القضية الفلسطينية، والقائم على حل الدولتين اللتين تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمان؛ وعلى المفاوضات بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، كسبيل وحيد للتوصل إلى تسوية شاملة ونهائية؛ وكذا التزام جلالة الملك، رئيس لجنة القدس، بالحفاظ على الطابع الإسلامي للمدينة المقدسة”(22). كما أعقبه في نفس اليوم اتصال بين ملك المغرب والرئيس الفلسطيني للتأكيد على هذا الموقف الثابت(23).
كما أن توقيع هذه الاتفاقية لم يؤثر على العلاقات مع الفصائل الفلسطينية سيما مع حركة حماس، التي زارت قيادتها الرباط بعد 6 أشهر من توقيع اتفاقية التطبيع، وعلى رأسهم رئيس مكتبها السياسي (آنذاك)، إسماعيل هنية، وتمت استضافتهم في عشاء ملكي في قصر الضيافة بالرباط، بحيث لم تواجَه الاتفاقية بالانتقادات من طرف الفصائل الفلسطينية بعد التوقيع على الإعلان الثلاثي، مقارنة مع الدول العربية الأخرى(24).
كانت اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها إسرائيل تجاه الدول العربية، تسعى إلى تهميش القضية الفلسطينية لدى الرأي العام العربي، وتشكيل صور وسرديات في أذهان الشعوب العربية تقوم على الدفع والبحث عن المصالح الضيقة للدول. وقد خلَّفت الاتفاقية الموقَّعة بين الرباط وتل أبيب مواقف متباينة بين من دافع عنها بحجة المصلحة القومية للمغرب والارتباطات الإثنية والثقافية بين المغرب والجالية المغربية اليهودية المقيمة بإسرائيل، وهي الأطروحة الرسمية التي يتم ترديدها في المنابر الإعلامية الرسمية، وبين من عَدَّها خيانة للقضية الفلسطينية سيما مع أقصى اليسار والتيار الإسلامي الراديكالي الذي تمثله جماعة العدل والإحسان(25).
كان وقع التطبيع كبيرًا لدى الرأي العام المغربي؛ حيث وقَّعت 36 منظمة حزبية ونقابية وحقوقية بيانًا مشتركًا دان بشدة قرار التطبيع(26)، ونُظِّم العديد من الوقفات والمسيرات الاحتجاجية المعادية لسياسة التطبيع، وارتفع عددها بشكل كبير، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث حفز مشهد المقاومة في غزة، والعدوان الإسرائيلي، عودة القضية الفلسطينية إلى المشهد العام في المغرب، بعد محاولات تهميشها بعد التطبيع. أحصت المبادرة المغربية للدعم والنصرة ما يناهز 5000 مظاهرة احتجاجية ضد التطبيع منذ 7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023(27). في ذات الجانب تعاملت السلطات العمومية بالسلب مع هذه المظاهرات، من خلال إغلاق الفضاءات والشوارع العامة واعتقال مناهضي التطبيع والعدوان الإسرائيلي(28)، على عكس ما كان سائدًا منذ الاستقلال حتى توقيع التطبيع.
وفي خضم هذا السياق المتسم بالاستقطاب حول مسار التطبيع، برزت بعض الأصوات المروجة لشعار (تازة قبل غزة)، في محاولة للإيحاء بأن التطبيع مع إسرائيل والسكوت عن جرائمها يخدم القضايا الوطنية، وأن سياسة تغليب المصالح الضيقة على المبادئ هي الأجدر بالاتباع. غير أن الواقع الشعبي أثبت العكس، سيما مع بروز تعبيرات سياسية واحتجاجية جديدة في المغرب -وخاصة حركات الألتراس- لتقدم حجة ودليلًا على أن هذا الشعار البراغماتي ليس موضع إجماع لدى أغلب المواطنين المغاربة. فهذه الفئات الشبابية، وكما ستكشف عنه السطور التالية، لم تكتفِ برفض سردية التخلي عن القضية الفلسطينية، بل انبرت لابتكار فضاءات جديدة ومستحدثة خارج الأطر المألوفة.
وينصرف هذا الابتكار بالأساس إلى محاولة التغلب على الحصار المفروض على المساحات الخاصة للتعبير والبوح، وتدارك افتقار الفرص السياسية للمشاركة في النقاش العام حول القضايا المصيرية، ومنها القضية الفلسطينية؛ حيث أضحى البحث عن مساحات بديلة للمؤانسة وتسليط الضوء على سياسة الصمت خيارًا حتميًّا. ومن هنا، كانت مجموعات الألتراس حاضرة بقوة في سياق مقاومة العدوان، مسخِّرةً الأهازيج لتأطير الوعي، وعاملةً على تكسير حاجز الخوف داخل الفضاء الحضري عبر توظيف فن الغرافيتي.
وقد برز انخراط هذه المجموعات في الفعل الجماعي المضاد، كما تذهب الباحثة المصرية، سوزان جبريل، في السياق الأوسع للتضيق الذي تفرضه الأنظمة السلطوية(29)، على المساحات الخاصة للتعبير والبوح(30). بالتالي، أدى الافتقار إلى الفرص السياسية إلى تطوير وابتكار أساليب جديدة للتعبير والمشاركة في النقاش المجتمعي حول القضايا الكبرى، إضافة إلى أن هذه الحركات الشبابية جاءت أيضًا في سياق أفول المؤسسات التقليدية للتنشئة الاجتماعية، ومردُّه إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها العالم ومنه المغرب، سنحاول في المحور الموالي مناقشة السياقات الاجتماعية والسياسية لهذا الظهور، قبل التطرق إلى موقع القضية الفلسطينية في خطاب وتعبيرات هذه المجموعات.
ثانيًا: السياقات الاجتماعية والسياسية لبروز مجموعات الألتراس في الفضاء العام المغربي
يعود الأصل اللغوي لكلمة “ألتراس” (ultrás)إلى الأصول اللاتينية، ويقصد به الشيء الفائق أو الزائد، وهي تحيل في استخداماتها إلى التعبير عن المناصرة الراديكالية للقضايا سواء السياسية أو المجتمعية. وبالرجوع إلى معجم لاروس (La rousse) الفرنسي فإن (ultrás) تعني الفرد الذي يدفع بآرائه إلى الإفراط(31).
ظهر هذا المصطلح لأول مرة في الأدبيات السياسية في فرنسا خلال القرن التاسع عشر، ولاسيما في الفترة التي عُرفت سياسيًّا بفترة “الاسترداد” (1815م/1230هـ-1830م/1246هـ)، وهي مرحلة تميزت بانقلاب سياسي على مبادئ الثورة. فقد تمكَّن تحالفٌ ضمَّ مُلَّاك الأراضي والقساوسة ومناهضي فلسفة حقوق الإنسان والحريات، من إعادة الحكم الملكي إلى السلطة بالقوة المسلحة، وذلك بعد سقوط حكم نابليون. وقد سُمِّيت هذه القوى بـ((L’ultraroyalisme وأيضًا ((ultracisme.
منذ الستينات من القرن الماضي جرى استخدام المصطلح لوصف بعض مجموعات التشجيع الراديكالي لفرق كرة القدم في إيطاليا(32). وقد بدأت هذه المجموعات في احتلال الزوايا غير المرئية في المدرجات، المعروفة بـ (Curva)؛ وهي المنطقة المُنحنِيَة في أطراف الملاعب، وتُعدُّ الأقل تكلفة والأقل رغبة من قِبل الجمهور العادي؛ فحوَّلوها إلى مجال لإثبات الوجود ودعم فرقهم عبر أشكال تعبيرية وإبداعية خاصة. ويصل هذا الارتباط في كثير من الأحيان إلى درجة الولاء المطلق، بل وحتى التضحية في مواجهة المنافسين(33).
غير أن ذلك لا ينفي كون هذه الظاهرة تُعد تعبيرًا عن تحولات أعمق في البنية الثقافية والاجتماعية، خصوصًا وأن مجموعات المشجعين باتت تمثل مساحة شبه متحررة للشباب، ترمز إلى القطيعة أو التحدي إزاء السلطة، سواء كانت أخلاقية، أو أبوية، أو سياسية، من خلال إنتاج خطابات مقاومة لما هو سائد(34).
شكَّلت الرياضة في المغرب منصة سياسية بامتياز؛ فقد استُعمل الحقل الرياضي تاريخيًّا، لاسيما خلال فترة حكم الملك الراحل، الحسن الثاني، وبدرجة أقل في عهد الملك الحالي، محمد السادس، أداةً للإلهاء ووسيلة لإبعاد الشباب عن نقد طرق تدبير الشأن العام، وعن معارضة السياسات القائمة، وعن التنديد بالسلطوية والفساد ومظاهر الظلم الاجتماعي(35). لقد سعت السلطة حينها إلى إبعاد الأفراد عن التأثر بالأفكار الاشتراكية والثورية السائدة في تلك الفترة، أو ما وصفه الملك الراحل بـ”الثقافة التخريبية”. ويبرز هذا التوجه بوضوح في قوله: “إنه بالرياضة يمكن شغل مساحة هامة من اهتمامات الشباب المغربي، الذي ظل مشتتًا في مرحلة معينة من تاريخ المغرب بين أيديولوجيات دخلت في صراع متجدد مع القصر، وبين الإكراهات الاجتماعية لمغرب ما بعد الاستقلال”(36).
وفي هذا السياق، عملت السلطة السياسية على إضفاء الطابع المؤسساتي والقانوني على الحقل الرياضي، محوِّلةً إياه إلى مجال لتصريف الثقافة الرسمية وأداة لتسويق صورة النظام داخليًّا وخارجيًّا، ووفق هذا المنطق الضبطي، تم اعتبار الحقل الرياضي مجرد مجال لتنشيط الأبدان وأداة لتجنب تنشيط الأذهان.
غير أن المفارقة تكمن في واقع المشهد الرياضي اليوم؛ إذ تحولت الملاعب إلى ساحات مفتوحة للمعارضة السياسية ونقد السلطة. فقد تأثرت الرياضة، ولاسيما كرة القدم، بالتحولات السياسية والاجتماعية التي أعادت تشكيل علاقة السلطة بالمجتمع، خاصة مع نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة. وذلك في ظل سياق الضبط والهيمنة على الفضاء العمومي وتراجع وأفول البنيات التقليدية للتنشئة الاجتماعية والسياسية من إشراك الأفراد في قضايا الشأن العام. وأمام هذا التوغل السلطوي في الفضاءات التقليدية، برزت لدى المجتمع رغبة ملحَّة في التفكير واستحداث أنماط جديدة للمقاومة والاحتجاج، وهو ما دفع الشباب إلى تطويع الحقل الرياضي بوصفه مساحة غير مكشوفة ومتحررة للتعبئة والتعبير السياسي، خاصة مع بروز حركات الألتراس فاعلين احتجاجيين جددًا(37).
تأثر المشهد الرياضي وثقافة التشجيع في المغرب، كما هي الحال في بلدان المنطقة، بالنموذج الإيطالي(38). وقد برز هذا التأثر في سياق عام اتَّسم بانفتاح ثقافي وسياسي وإعلامي نسبي، عقب تولِّي الملك محمد السادس الحكم، وقد نتج عن هذا الانفتاح إنشاء القناة التليفزيونية الثانية (M2)، المشفَّرة آنذاك على غرار قناة +Canal الفرنسية، في سياق تزامن أيضًا مع انتشار أطباق الأقمار الاصطناعية وأجهزة البث الفضائي وأجهزة الفيديو والكاسيت، التي كانت غالبًا ما تُجلَب من قِبل العائلات والأقارب المقيمين بالخارج. منح ذلك للمغاربة إمكانية التعرف على برامج موسيقية وثقافات جديدة التي كانت مساهمة في تشكيل ذائقة جماهيرية مختلفة، وتعزيز التفاعل مع أنماط التشجيع الحديثة(39).
تشتغل هذه المجموعات خارج الإطار القانوني الخاص بالجمعيات. فهي مجموعات غير مؤطَّرة بالقانون، تشتغل فيما يمكن تسميته بالجمعيات الواقعية، وهي نمط من التنظيم يرفض أن يتم ضبطه بوسائل قانونية مخافة أن يتم التحكم فيها من طرف السلطات(40). كما تحتوي على تنظيم أفقي يتميز بلا مركزية القرار، وشبه غياب للزعامة والقيادة الكلاسيكية، ومساحة أكثر حرية من المشاركة والنقاش وإبداء الآراء، على خلاف التنظيمات التقليدية للمشاركة العامة، وهو ما كان سببًا في قدرتها على استقطاب وتعبئة الأفراد لاسيما الشباب بشكل يتجاوز المؤسسات التقليدية الأخرى (أحزابًا سياسية، نقابات، جمعيات)(41).
أسهمت التحولات السياسية والاجتماعية في انخراط هذه المجموعات، سيما بعد الأحداث والاحتجاجات التي عرفها العديد من بلدان العالم والمنطقة منذ 2011، عبر احتلال الأماكن العامة والساحات وتأطير المظاهرات، في ميدان التحرير (بالقاهرة)، وميدان (في كييف) أو تقسيم (في إسطنبول). وأسهمت هذه المجموعات في استثمار وتحويل المهارات التقليدية للتشجيع (تنظيم التجمعات الجماهيرية، وإعداد اللافتات والشعارات، واستخدام الكتابة على الجدران والسخرية من الخصم، والمواجهات العنيفة مع المجموعات الأخرى، أو في مواجهة القوات العمومية) في خدمة الحراك الاجتماعي والقضايا السياسية في تلك الدول.
برز هذا الانخراط في السياق المغربي بوضوح عقب قرار منع مجموعات الألتراس، سنة 2016؛ إذ لجأت هذه الأخيرة، في تلك المرحلة، إلى تفعيل ترسانتها الرمزية والتعبيرية داخل المدرجات وخارجها، لمقاومة السلطوية واستعادة موقعها في الفضاء العمومي. وبعد رفع قرار المنع سنة 2018، تجلَّى هذا الحضور بشكل أقوى من خلال رفع شعارات ذات مضامين سياسية واحتجاجية، وإنتاج أغانٍ تعكس مطالب اجتماعية ورسائل نقدية تجاه السلطة.
وقد شمل مسار التسييس هذا انخراطًا بارزًا في تبني القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي لم تغب رموزها وشعاراتها عن مدرجات الملاعب المغربية، لاسيما إبان فترات التصعيد والعدوان على غزة؛ إذ عبَّرت الجماهير، عبر اللافتات والأهازيج، عن تضامنها المطلق، مسخرةً طقوس التشجيع لتجديد الدعم الشعبي للقضية، كبديل احتجاجي في ظل صمت رسمي وقيود مفروضة على أشكال التعبير الجماعي في الفضاءات التقليدية. ومن أبرز التعبيرات التي جسدت هذا الخطاب الاحتجاجي عالي النبرة، تبرز أغنية “في بلادي ظلموني” لمجموعة (Ultras Eagles)، وأغنية “صوت الشعب” لمجموعة (Winners)، فضلًا عن أغنية “رجاوي فلسطيني” التي أضحت إحدى أشهر أيقونات التضامن مع فلسطين. وقد حملت هذه الأغاني، إلى جانب إبداعات أخرى مشابهة، رسائل ومطالب تتجاوز حدود الفضاء الرياضي لتلامس قضايا اجتماعية وسياسية أعمق.
ولم تقف دينامية هذه المجموعات عند الحيز المكاني المغلق للمدرجات، بل أدَّت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في توسيع أفق هذه الحركة وتجويد إبداعاتها الفنية والتنظيمية. فبفضل آليات النشر السريع للمحتوى الرقمي، تمكنت الألتراس من كسر العزلة المجالية، ونقل أهازيجها ورسائلها السياسية -وعلى رأسها التضامن مع فلسطين- لتخترق الفضاء العمومي وتصل إلى عموم المجتمع بمختلف فئاته، بل وتتجاوز الحدود الجغرافية لتبلغ العالمية. هكذا، تحولت المنصات الرقمية إلى مكبِّر صوت ضاعف من القوة التعبوية لهذه المجموعات، وجعل من إبداعاتها خطابات مرئية ومسموعة تتحدى سياسات التضييق الميداني. ويمكن الوقوف عند هذا التضامن من خلال رفع الشعارات واللافتات في المدرجات، أو تنظيم وقفات احتجاجية تضامنية مع القضية في الفضاء العام.
صورة رقم 1:
القضية الفلسطينية في احتفالات ألتراس غرين بويز المساندة لفريق الرجاء

المصدر: صفحة Ultras maroc على منصة فيسبوك، 9 أغسطس/آب 2025.
صورة رقم 2:
وقفة تضامنية احتجاجية مع القضية الفلسطينية لجماهير فريق مولودية وجدة المغربي

المصدر: صفحة Ultras marocعلى منصة فيسبوك، 29 يوليو/تموز 2025.
انطلاقًا من الطابع السياسي والاحتجاجي الكامن في خطاب مجموعات الألتراس، وانخراطها المتزايد في قضايا الشأن العام، سننتقل في المحور الموالي إلى دراسة أشكال التعبير التي تعتمدها هذه المجموعات في تفاعلها مع القضية الفلسطينية. ويتجلى هذا التفاعل في مستويات متعددة، سواء من خلال الأغاني والأهازيج التي تتحوَّل إلى شعارات جماعية داخل الملاعب، أو عبر الاستحواذ الرمزي على الفضاء الحضري من خلال فن الغرافيتي، الذي يُستخدم وسيلة للتضامن والتذكير المستمر بالقضية.
ثالثًا: القضية الفلسطينية في خطاب مجموعات الألتراس: “تحليل أغنية رجاوي فلسطيني”
إن لغة وخطاب مجموعات الألتراس يُعدُّ ممارسة اجتماعية تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وأيديولوجية، وهو ما يستدعي مقاربتها من منظور التحليل النقدي للخطاب كما طوَّره نورمان فيركلاف. وتُعدُّ هذه المقاربة مدخلًا نظريًّا يربط الخطاب ببنى السلطة وعلاقات الهيمنة داخل المجتمع(42).
يسمح لنا التحليل النقدي للخطاب، وفق تصور فيركلاف، بدراسة خطاب مجموعات الألتراس -من أهازيج وأغانٍ وغيرها من التعبيرات- بوصفه خطابًا يُركِّز على القضايا الاجتماعية والسياسية، ويكشف عن طبيعة تموضع هذه الجماعات إزاء السلطة وممارساتها. ويقوم هذا التحليل على ثلاث مراحل مترابطة: الوصف، والتفسير، والتأويل، بما يُتيح فهم الخطاب في سياقه الاجتماعي والسياسي الأوسع، وتحليل الأبعاد الأيديولوجية التي يحملها.
في هذا الإطار، تشكِّل أغنية “رجاوي فلسطيني” نصًّا غنيًّا لتحليل البنية الخطابية لمجموعات الألتراس، لاسيما فيما يتعلق بتفاعلها مع القضية الفلسطينية.
تعود كلمات وألحان هذه الأغنية لمجموعة “ألتراس إيغلز” (Ultras Eagles) المساندة لنادي الرجاء الرياضي؛ حيث أُطلقت رسميًّا عام 2019. وقد اكتسبت الأغنية زخمًا استثنائيًّا ورمزية سياسية متجددة في الآونة الأخيرة؛ إذ عادت لتتصدر المشهد بوصفها أداة للرفض الشعبي القاطع لمسار التطبيع، وصرخةَ تضامن مع قطاع غزة بعد العدوان ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. تحوَّلت هذه الأغنية إلى نشيد جماعي يتردّد في الملاعب، حاملةً من خلال مفرداتها ونبرتها وتكراراتها دلالات سياسية تتجاوز السياق الرياضي المباشر، لتعكس انخراطًا وجدانيًّا وسياسيًّا في قضايا العدالة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وسنُخصص هذا المحور لتحليل هذا المتن الخطابي، بالاستناد إلى مقاربة التحليل النقدي للخطاب، قصد الكشف عن أبعاده اللغوية والدلالية والسياقية. يمكن تفكيك بنية هذا الخطاب بدءًا من الوصف اللغوي للألفاظ والتراكيب المستخدمة في الأغنية، مرورًا بـتفسير العلاقات بين النص والسياق، سواء السياق المحلِّي المتسم بالتضييق على التعبيرات السياسية، أو السياق الإقليمي المتفاعل مع العدوان الإسرائيلي المتكرر، وصولًا إلى التأويل الأيديولوجي الذي يكشف عن تموضع هذه المجموعات بوصفها مُنتِجًا رمزيًّا لسلطة مضادة، تعيد بناء العلاقة بين الرياضة والسياسة والتضامن العابر للحدود.
جدول رقم 1:
تحليل أغنية رجاوي فلسطيني
|
الموضوع المركزي |
العبارات الواردة في متن الأغنية المنتقاة، مرفقة بترجمتها إلى العربية الفصحى | التكرار |
| الحزن والوجدان الجماعي تجاه القضية الفلسطينية | القلب حزين (قلبي مملوء بالحزن)، تدمع العين (عيناي تفيض بالدموع)، أمتنا راها مريضة (أُمَّتُنا تعاني من الوهن والضعف)، مرضوها بالمشاكيل (أثقلوها بالمشكلات والأزمات)، والعربي عايش فالويل (العربي يعيش في الشقاء والبؤس)، مستقبل كلو ظلومات (مستقبل مجهول)، صوت الشعوب المقهورة (صوت الأمم المستضعفة)، لي ماتسمعو (الذي لا تصغي السلطات إلى مطالبه). | 10 |
| اللوم والانتقاد للغفلة والتخاذل العربي | آه يا وين العرب نايمين (آه، أين أنتم أيها العرب، لِم أنتم نائمون؟)، من ظلم الإخوة العديان (بسبب ظلم الإخوة الأعداء، والمقصود الدول العربية)، وليهود لي طامعين فيك(43) (واليهود الذين يسعون لاغتصاب أرضك)، عايقين ليكم بالملعوب (ندرك خُدعكم ومؤامراتكم)، مانسمح فيك يا غزة (لن نتخلى عنكِ يا غزة)، عايش في الويل (أعيش في الشقاء والمعاناة). | 6 |
| المقاومة والتحدي في وجه الاحتلال والعدوان | قاومي (قاومي واصمدي)، نسورا جامي نركعو (مشجعو فريق الرجاء لا يركعون أبدًا)، إلا لرب العالمين مولانا (لا نركع إلا لرب العالمين، سيدنا ومولانا)، والحرية لفلسطين (والحرية لفلسطين)، رجاوي فلسطيني (أنا من جمهور الرجاء، فلسطيني الهوى، أي إن معاناة الفلسطيني هي نفسها معاناة الرجاوي، تعبيرًا عن التضامن القوي والصادق)، حيت نسورا ما نركعو (لأن مشجعي الرجاء ذوي الأنفة وعزة النفس لا يركعون (ما نركع إلا لله (لا نركع إلا لله وحده).
|
12 |
| الأمل والدعاء لتحقيق الحرية والتحرر | ربي يحميك (ليحفظك الله)، وإن شاء الله فالقدس الفرحة تدوم (وإن شاء الله تدوم الفرحة في القدس)، حبيت نمشي شكون يديني (أحببت أن أذهب لنصرة الفلسطينيين، من يأخذني إلى هناك؟)، مولانا يا مول الكون (يا ربنا، يا سيد الكون)، صوت الشعوب المقهورة (صوت الشعوب المظلومة)، الفرح يدوم (ليبقَ الفرح دائمًا).
|
10 |
المصدر: من إعداد الباحث.
من خلال الجدول أعلاه، استخدمت الأغنية المنتقاة، اللغة الدارجة العامية المغربية الشائعة(44)، وهو ما يجعل الخطاب قريبًا من الجماهير؛ مما يسهم في تداوله في الأوساط الشعبية والشبابية. يرد المخاطب بصيغة النداء “يالي” )يا مَن..( وبأسلوب الغائب “القلب حزين” للإشارة إلى كل القلوب المتعاطفة مع محنة الفلسطينيين وفي مقدمتهم قلوب جماهير فريق الرجاء؛ مما يضيف للنص بُعدًا ذاتيًّا وعاطفيًّا.
فيما يخص البناء الإيقاعي والبلاغي للنشيد، فقد تم توظيف أسلوب يقوم على الجمل القصيرة المتماوجة موسيقيًّا، والتي تعتمد التكرار والنهايات الصوتية القريبة مثل: (حزين، سنين، العين)، وهو ما منح النص طابعًا إنشاديًّا جماهيريًّا قويًّا لسهولة حفظه وترديده. في نفس السياق، تم اختيار معجم من المفردات الدالَّة على الحزن والغضب من جهة وعلى الحب من جهة ثانية للتأثير في الجمهور وحمله على التعاطف مع القضية خاصة مع تشبيه فلسطين بالحبيبة التي يطمع الآخر في سلبها بالقوة، ومن هذه الألفاظ (حزين، تدمع، حبيبة، زينة، نايمين، الإخوة العديان)، وهذه مفردات تعبِّر عن مشاعر الحزن الممزوج بالغضب واللوم، وفي المقابل تنقل حالة الغضب التي ألمَّت بالجماهير نتيجة الخذلان الذي يتعرض له الفلسطينيون من قبل إخوانهم) العرب نايمين( إذ تم تصوير العرب جماعةً “نائمة” متقاعسة.
بُثَّ هذا الخطاب من قلب المدرجات، من مجموعات الألتراس المساندة لفريق الرجاء الرياضي المغربي، والتي يمثل جزء منها جيلًا من الشباب المهمَّش اجتماعيًّا، وهي الأطروحة التي دافع عنها الباحث الفرنسي جان فرانسوا رينيه، من خلال وصف الشباب بالمجال الهش(45). بالتالي تستخدم مدرجات الملاعب مساحةً للتعبير السياسي والاجتماعي(46). تُوظَّف الأغنية هنا أداةَ احتجاج جماعي، وتُستثمر بوصفها وسيطًا تعبويًّا يُعيد صياغة الوعي بالقضايا المصيرية. سياسيًّا، يتقاطع هذا الخطاب مع ظرف إقليمي اتسم بتصاعد موجات التطبيع؛ ما يجعل من الأغنية شكلًا من أشكال السخط والعتاب الرمزي لهذه الأنظمة، ودعوة ضمنية لليقظة الجماعية. يعكس خطاب الألتراس في هذا السياق، ما يعده نورمان فيركلاف تجليًا للصراع حول اللغة(47)؛ إذ استُعملت في هذه الأغنية مفردات خاصة تسعى لكشف ومقاومة الصمت الرسمي للحكومات تجاه القضية الفلسطينية. في هذا السياق، يتحدد الفاعلون بوضوح: فالجمهور هو المرسل، وفلسطين بوصفها كيانًا رمزيًّا هي المخاطَب، في حين يُستدعى “العرب” بوصفهم فاعلًا جماعيًّا غائبًا ومتقاعسًا، في خطاب يستثمر أدوات تأثير متعددة، أبرزها العاطفة والاستعارة والتقريع الرمزي.
يتجاوز الخطاب الغنائي هنا إطار التشجيع الرياضي ليؤدي وظيفة خطابية أعمق تتمثل في التنديد الجماعي بـ”خذلان الأنظمة العربية”، وفي الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي. تتخذ الأغنية طابعًا مقاومًا، بوصفها أداة للمقاومة الثقافية والرمزية ضد خطابات الهيمنة الرسمية، التي همَّشت فلسطين في أجندتها السياسية. يُعيد جمهور الألتراس تملُّك القضية الفلسطينية عبر ربطها بالهوية الجماعية للشباب المهمش، ومن خلال توشيحها بمعاني الجمال والنقاء “زينة البلدان”. وهكذا يتحول الفضاء الكروي إلى مسرح للصراع الرمزي بين خطابين متضادين: خطاب رسمي صامت/ محايد، وخطاب شعبي حي ومنفعل ومُقاوِم. في قلب هذا الصراع، تُعاد كتابة الذاكرة الجماعية داخل الملاعب، بما يُشكِّل ردًّا فنيًّا/ثقافيًّا على تهميش القضية في المشهد الرسمي العربي.
تمثل أغنية “رجاوي فلسطيني” نموذجًا واضحًا لتحوُّل الخطاب الرياضي لدى مجموعات الألتراس إلى خطاب سياسي ذي سمات مقاومة يحمل في ثناياه أبعادًا وجدانية وسياسية وأيديولوجية، عبر لغة دارجة ومباشرة. توظِّف الأغنية إستراتيجيات خطابية متعددة (كالاستعارة والتكرار والنداء) لتوجيه نقد ضمني للمجتمع العربي/المغربي، مع تمجيد القضية الفلسطينية شعارًا للهوية الجماعية. من خلال هذا الخطاب، تنشأ مقاومة رمزية تتحدى الخطاب الرسمي وتعيد تشكيل الذاكرة السياسية داخل الفضاءات الشعبية.
بهذا المعنى، لا تُعبِّر “رجاوي فلسطيني” عن مجرد تضامن عاطفي، بل تُعَدُّ تعبيرًا عن خطاب مقاومة متجذِّر في الهوامش، يُعيد رسم تمثلات الشباب للقضايا الكبرى، ويعكس رفضًا ضمنيًّا للخطاب الرسمي أو للحياد السياسي تجاه قضايا الأمة، وإحدى أهم آليات تصريف ثقافة الألتراس.
سنتناول في المحور الأخير، امتداد هذه المجموعات في الفضاء الحضري، من خلال فن الغرافيتي، وكيف أسهم هذا الفن المتمرد في التعريف وتسليط الضوء على عدوان الاحتلال في قطاع غزة.
رابعًا: التعبير عن مقاومة العدوان على غزة من خلال الكتابة الغرافيتية
إن لفظة غرافيتي من الألفاظ المعقَّدة والمركبة التي يصعب وضع تعريف شامل لها. فقد توقَّف الباحث المغربي، أحمد الشراك، عند هذا التعقيد، حين عرَّف اللفظة بقوله: “هي كتابات أو رسوم على الجدران وآثار المدن القديمة، كما تُرادف أيضًا ألفاظًا فرنسية أخرى (Gribouillage – Griffonnage)، وهما لفظتان تعنيان معًا الخربشة والخط المستقيم والخط الرديء الصبياني. أما الاشتقاق الاصطلاحي لكلمة غرافيتي (Grafito)، فهو إيطالي الأصل ويعني المِخْرَز أو المثقَّب أو المِخصَف، وقد ارتبطت الكلمة بمصطلح آخر هو (Iconoclaste) ويعني التحطيم والتكسير الذي يصيب الصور الموجودة في الكنائس، ومن جهة أخرى الأفكار والمؤسسات التقليدية المقدسة”(48).
إن أسلوب الكتابة الحائطية هو أسلوب قديم قدم التاريخ، فقد عَرَفَتها الحضارات الإنسانية القدمية وهي حاضرة في القلاع وفي المعابد والآثار القديمة إلى اليوم، غير أن الغرافيتي هو أسلوب حضاري جديد، برز مع ظهور نموذج المدن المتروبولية/ مدينة العالم، وهي نموذج الحواضر الكبرى ذات الطابع الاقتصادي التي تضم ملايين الناس ذوي اختلافات ثقافية وهوياتية، وتتميز بالتنافس والتفاوت والتراتبية الاجتماعية، ولها تأثيرات تتجاوز مجالها المحلي والوطني إلى العالمي.
لقد شهدت الحواضر الكبرى هذه الظاهرة بشكل مكثف، سواء على صعيد الإنتاج أو من حيث الاهتمام البحثي بها مع مطلع القرن العشرين في الولايات المتحدة الأميركية، بداية الأربعينات وخمسينات القرن الماضي وسط أحياء السود ثم في فرنسا وباقي المدن الأوروبية الكبرى في سياق الاحتجاجات الطلابية، عام 1968. ثم برزت في العالم العربي بشكل مكثف مع ما سُمي إعلاميًّا بالربيع العربي. لقد نشأ هذا الفن متمردًا على القواعد، وتعبيرًا عن الأزمات والاحتجاج ضدها، بصفته أسلوبًا عصريًّا للمقاومة وتحدي السلطة الثقافية والاجتماعية والسياسية. لقد صاحب ظهور هذا الأسلوب الكثير من النقاش والوصم، بين من عَدَّ الغرافيتية فعلًا تخريبيًّا ((Acte d’incivisme et de vandalisme، وتهديدًا لأمن الحواضر(49)، وهو نفس التصور الذي فسَّر به علم الاجتماع الحضري الظاهرة، حين عَدَّها مشكلة حضرية مرتبطة بإشكالية المدينة(50)، ومن فسَّر الظاهرة بسياق ظهورها وهو السياق السلطوي المتسم بالانغلاق والتمييز وعدم المساواة الاجتماعية وغياب الديمقراطية، أي إن الغرافيتي ردَّة فعل على هذه الظروف السياسية والاجتماعية، وهي القراءة التي قدَّمها الباحث الفرنسي، آلان ميلو، للظاهرة عبر قراءة شخصية له لمفهوم الغريب عن جورج زيمل(51).
في ذات السياق، استُخدم الغرافيتي ضمن سياسة التملك للمجال الحضري، الذي يدخل ضمن ثقافة مجموعات الألتراس، في مواجهة المجموعات الأخرى، أو في مواجهة السلطة للبحث عن مساحات بديلة حرة أو متحررة لتصريف الخطاب/الثقافة المضادة(52).
يسعى ممارسو هذا الفن إلى الاستحواذ على الفضاء الحضري العام وجعله مساحة لتصريف الرسائل والخطابات ذات السمات السياسية المضادة والتعبير عن المسكوت عنه، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault)(52)، ومقاومة العنصرية والأوضاع المعيشية المزرية، بالموازاة مع باقي الأصناف الفنية الأخرى في تلك الفترة، كموسيقى الهيب هوب والبلوز، لقد حوَّل الغرافيتي المدينة من طابعها المادي العمراني إلى تعبير عن الهويات والهويات المضادة(53).
أما في المغرب، فقد ظهر هذا الأسلوب الفني بالموازاة مع الانفتاح الثقافي للمملكة نهاية التسعينات مع وصول الملك محمد السادس للحكم، والذي تسامح مع وجود أشكال وممارسات ثقافية جديدة، والتي كانت غريبة عن الممارسات الثقافة الشعبية للمجتمع المغربي. وقد قوبلت منذ البداية بالرفض وتوجس السلطة، لاسيما أن مواضيعها كانت منتقدة للوضع السياسي والمجتمعي(54)، وبرز بشكل كبير مع مجموعات الألتراس، منذ ظهورها عام 2005.
بالرجوع إلى موضوع الدراسة، فقد كان موضوع العدوان والمقاومة، إحدى الثيمات الرئيسية للغرافيتية في العالم، سيما موضوع القضية الفلسطينية؛ إذ جعل هذا الفن من القضية ظاهرة ومرئية، سيما أعمال الفنان البريطاني المشهور والمجهول في نفس الوقت، بانكسي (Banksy)(55). ففي فبراير/شباط 2015، بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نقل الفنان المجهول فيديو وهو يعبر الشريط الحدودي بين مصر وغزة عبر الأنفاق، ويرسم على جدرانها العديد من لوحات الغرافيتية المناهضة لإسرائيل والحصار المفروض على قطاع غزة؛ حيث أراد من خلال هذه الأعمال نقل رواية أخرى عبر الفن.
لقد كان الحصار على أشكال التعبير الكلاسيكية، في سياق مناهضة التطبيع والعدوان على قطاع غزة، فرصة لاستخدام فن الغرافيتي من طرف مجموعات الألتراس، مساحةً متحررةً جديدة سمحت بالتعبير عن واقع مرفوض اجتماعيًّا وسياسيًّا ينتج فعلًا جماعيًّا ضد الرواية الرسمية للسلطة فيما يخص سياق طوفان الأقصى والعدوان على القطاع.
بناء على الصور التي تم جمعها في سياق الحدث، والتي اتخذت أشكالًا متعددة: الكتابة (الصورة 1) أو لافتة متنقلة (الصورة 6) أو صورًا وملصقات (الصورة 5)، وهي تعالج بشكل واضح موضوع المقاومة والعدوان.
“الحرية لغزة” كتابة حائطية مجهولة المصدر

المصدر: تم تصويرها في منطقة نفوذ ألتراس إيمازيغن، فيما يُعرف بـ34 Cellule
تمثل الكتابة أسلوبًا شائعًا ضمن الغرافيتي، وهي أسلوب بسيط يتم فيه تمرير رسائل مباشرة، وعادة ما يتم استخدامها بشكل كبير في الفضاءات المراقبة أو الخاضعة للتنافس سواء من طرف السلطة أو من طرف مجموعات أخرى منافسة، حالة جماهير الألتراس، وتعبِّر عن حالة من الرغبة في تملك المجال، وإثبات الحضور والتواجد. فانتشار عبارة (Free Palestine) و (Free Gaza) هو تعبير عن صراع رمزي، وتوفير روايات مرئية بديلة عن الثقافة السائدة في المدينة زمن العدوان، وتداول عبارات ثيمات من حقل المقاومة والحرية. كما أن هذه الكتابات المنتشرة بشكل كبير في معظم أحياء أكادير الكبير -مجال الدراسة- تروم إلى تطويع الفن لتقوية ذاكرة جماعية قوية حول مجتمع المقاومة.
من جهة أخرى، يُستخدم الغرافيتي (كتابة، رسم، ملصق) للتعبير عن هوية خاصة داخل الفضاء الحضري، سيما في المساحات المحرَّرة التي يُنظر لها من طرف الشباب أو مجموعات الألتراس -وهي التي استخدمت بشكل كبير هذا الأسلوب في المدينة موضوع الدراسة- على أنها امتداد رمزي لها.، فمن خلال ملاحظة أماكن انتشار هذه العلامات والملصقات، نجدها منتشرة بشكل كبير في الأزقة وهوامش المدينة، أو الفضاءات الخاصة بالشباب (ملاعب، فضاءات رياضية، جدران الثانويات، الكليات..)؛ إذ تستغل الناشطية الإبداعية أو “الأرتيفيزم”، كما يصفها أحد الباحثين(56)، أسلوب التخفي وراء أسماء مجهولة، لتحويل الفضاء الحضري إلى معرض عام للتعريف بالقضية، كما تُظهره الصور أسفله:
صورة رقم 2:
كتابة جدارية حول سياسة الحصار والعزل على غزة

المصدر: من تصوير الباحث بمدينة إنزكان يوم 20 ديسمبر/كانون الأول 2024
صورة رقم 4:
علم فلسطين وكلمة الحرية في فضاء خاص بالألعاب الحضرية الشبابية

المصدر: تصوير الباحث بمنطقة تغازوت السياحية يوم 12 فبراير/شباط 2024
في جانب آخر، يكون للغرافيتي والرسم والملصق تأثير قد يعتمد على الأشكال الموجودة من الإدراك وأحيانًا باستخدام لغة مألوفة وأحيانًا ساخرة وناقدة(57)؛ وهو أسلوب له القدرة على الإزعاج والتشويش والتعبئة والتأثير في الجمهور المتلقي. انتشر هذا الأسلوب في التعاطي مع الحرب على غزة، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال الرسم الكاريكاتوري، والسخرية من الحكومة الإسرائيلية، على سبيل المثال، انتشر وسم (#النثن_أهو)، للإشارة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، كما استخدمت السخرية في الملصقات والرسم الغرافيتي، كما هو واضح في الصورة أسفله:
صورة رقم 5:
ملصق علم الاحتلال الإسرائيلي على صندوق للقمامة بكلية الحقوق في أكادير
المصدر: مجهول
في الصورة رقم 5 وُضع ملصق يمثل علم الاحتلال الإسرائيلي على حاوية قمامة، وهو فعل رمزي للسخرية والاستهانة بالاحتلال الإسرائيلي، وقد التُقطت الصورة برحاب كلية الحقوق بمدينة أكادير، أثناء فعاليات تضامنية مع الشعب الفلسطيني خلال العدوان على قطاع غزة.
إن هذا الأسلوب الساخر، وإرسال مضامين سياسية واحتجاجية بشكل سري، كما هو الشأن بالنسبة للأعمال المعروضة سلفًا، هي السمة الأساسية للنشاط الإبداعي، عبر نقل الخطاب الناقد المقاوم بشكل خفي عبر مساحات محررة خارجة عن رقابة السلطة. وقد يتحول ذلك إلى استعراض فجائي لحظي علني لإرسال رسائل واضحة ومباشرة حول القضية، وهو ما شهدته مدينة أكادير في سياق التضامن والتنديد بالعدوان على قطاع غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ حيث رُفعت لافتة كبيرة أمام أنظار العابرين في أكبر شوارع المدينة، فيها عبارة واضحة “إبادة عرقية… فلسطين حرة أبية”.
صورة 6:
لافتة/ للتنديد بالإبادة العرقية في قطاع غزة من طرف ألتراس إيمازيغن

المصدر: مهداة من السيد حسن بورحيم
قامت مجموعة تابعة لألتراس إيمازيغن، وهي مجموعة مشجعة لفريق مدينة أكادير، بتعليق لافتة ضخمة تحمل عبارة “إبادة عرقية… فلسطين حرة أبية”، وهي عبارة تنم عن معرفة عميقة بالقضية، ورغبة في نقل الرواية المنافسة لرواية العدوان، ويمكن تفسير هذا برغبة الناشطية الإبداعية، المنتمية لحركات الألتراس، في تقديم عرض فجائي في المجال العام، لتصريف خطاب المواجهة والتحدي.
خاتمة
كانت لحظة 7 من أكتوبر/تشرين الأول ذات وقع كبير على المشهد العام في المنطقة العربية، وخاصة المغرب، فبعد أن كانت القضية الفلسطينية تمر من مرحلة صعبة، جرَّاء توجه الدولة للتطبيع مع إسرائيل، نهاية عام 2020، وهو ما روج من رواية الدفع بالمصالح القومية على حساب قضية كانت -تاريخيًّا- جزءًا من اهتمامات المغاربة؛ إذ حفز مشهد الدمار والعدوان قيم المقاومة لدى الشباب في المغرب. وإن كان الاحتجاج قد سُيِّج وسُيِّجت معه فضاءات التواصل والتعبير الكلاسيكية، غير أن مجموعات الألتراس اتجهت نحو تحرير مساحات غير مكشوفة للمقاومة الخفية، حسب تعبير الباحث الأميركي، جيمس كامبل سكوت.
أسهمت التعبيرات الاحتجاجية الجديدة في المغرب، المتمثلة في مجموعات الألتراس -موضوع هذه الدراسة- في تشكيل صورة مغايرة للمقاومة والعدوان، والتعبير عن المسكوت عنه، ذات فاعلية؛ إذ قدموا خطابًا متعاليًا، من حيث الأهازيج والأغاني والغرافيتي، بوصفه شكلًا من أشكال التدخل السياسي غير الرسمي في الفضاءات العامة؛ إذ حوَّلت الفضاء العام من الملاعب إلى التواجه في الفضاء الحضري إلى معرض عام مفتوح للتعريف بالقضية والتعبير عن رفض التطبيع والعدوان على الفلسطينيين.
المراجع
(1) تسمى أيضًا الاتفاقيات الابراهيمية، وتطلق على مجموعة من اتفاقيات السلام بين إسرائيل وبعض الدول العربية برعاية الولايات المتحدة الأميركية. تم استخدام هذا الاسم لأول مرة، في 13 أغسطس/آب 2020، في إطار البيان المشترك بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ثم سيكون عنوان بقية اتفاقيات التطبيع التي ستليها فيما بعد.
(2) يوسف دعي، السياسة والرياضة في المغرب، بين الضبط والمقاومة: كرة القدم نموذجًا، بيروت: المركز العربي للدراسات والأبحاث، ط1، مارس/آذار 2015، ص270.
(3) نورمان فاركلوف، تحليل الخطاب: التحليل النصي في البحث الاجتماعي. ترجمة: طلال وهبة، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2010، ص 20.
(4) محمد الحذيفي، عز الدين الفراغ، “الألتراس بوصفها حركة اجتماعية شبابية: تحليل نقدي لخطاب ألتراس كرة القدم المغربية”، الرياضة والمجتمع، مجلة عمران، مج11 العدد 42 (خريف 2022) ص 104.
(5) وتبرز الأهمية العلمية لهذا الاختيار المجالي في كونه يفند الادعاءات التي تحصر التضامن مع فلسطين في التيار القومي العربي، أو تعده قضية نخبوية تقتصر على سكان المركز والمدن الكبرى؛ إذ أثبتت هذه المجموعة، عبر خطابها المناصر لغزة، أن القضية الفلسطينية متجذرة في الوعي الجمعي للمغاربة قاطبة؛ فهي تمثل التزامًا وجدانيًّا وقضية إجماع وطني تتجاوز كل الفروق الجغرافية والعرقية.
(6) في 29 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1947، أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين رقم 181 والذي يقضي إلى تقسيمها إلى دولتين: دولة عربية ودولة يهودية، والقدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية.
(7) نعمان عاطف عمرو، “الدعم المغربي للقضية الفلسطينية من عام 1948-1974″، مجلة الأستاذ، العدد 221، المجلد 2، (2017)، ص 63.
(8) مرجع سابق، ص 68.
(9) مرجع سابق نفسه، ص 70.
(10) يُقصد بها الأحزاب التي تُعرف في الأدبيات السياسية المغربية بـ(الأحزاب الإدارية)، وهي أحزاب قريبة من دائرة السلطة، والتي نشأت في مغرب ما بعد الاستقلال (مثل الحركة الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري) في سياق لخلق توازن سياسي وتطويق النفوذ التاريخي والانتخابي لأحزاب الحركة الوطنية (كحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي). ورغم حدة الصراع السياسي والعداء المستحكم بين هذين القطبين حول قضايا الشأن الداخلي، إلا أن ذلك لم يمنع انخراطهما معًا في الإجماع الوطني المطلق الداعم للقضية الفلسطينية.
(11) تعد الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني إطارًا مدنيًّا ونضاليًّا تأسس في المغرب عام 1968، وقد شكَّل فضاء احتضن نشطاء من أحزاب وهيئات مغربية مختلفة في التوجه والاختيار لدعم الثورة الفلسطينية. وتُعد هذه الجمعية تتويجًا مؤسساتيًّا لتاريخ طويل من التضامن؛ حيث سبقتها عقود من الاتصالات المبكرة بين رموز وطنية مغربية وقادة فلسطينيين، تخلَّلتها زيارات ميدانية قام بها هؤلاء الرموز إلى فلسطين حتى قبل صدور قرار التقسيم سنة 1947، وهو ما يعكس تجذر القضية، واعتبارها قضية عابرة تحظى بالإجماع الوطني في المغرب.
(12) بعد انتصار المسلمين في معركة حطين التي فُتحت بها القدس على يد صلاح الدين الأيوبي في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1187م، بعد أن انتهت الحرب، قرر المغاربة المشاركون في هذه المعركة العودة لبلادهم، غير أن صلاح الدين الأيوبي تمسك بهم وألحَّ عليهم أن يستوطنوا القدس، وسمى الركن الجنوبي الشرقي للمسجد الأقصى بحارة المغاربة، وفي ذات السياق جاءت مقولته المشهورة: “أسكنتُ هناك من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة”.
(13) نعمان عاطف عمرو، “الدعم المغربي للقضية الفلسطينية من عام 1948-1974، مرجع سابق، ص 66.
(14) تعرف على لجنة القدس، موقع الجزيرة، 28 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 4 مارس/آذار 2025)، https://2u.pw/SgCAZrIl.
(15) عبد الرحيم منار السليمي، الحركات الاحتجاجية في المغرب: المسار والمال، الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، أغسطس/آب 2014، ص 143.
(16) نبيل زكاوي، “ملامح العلاقات المغربية-الإسرائيلية في سياق التطبيع: أصدقاء أم حلفاء؟”، ورقة تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 9 مارس/آذار 2022، (تاريخ الدخول: 3 مارس/آذار 2025)، https://goo.su/Yl8Jay.
(17) عمرو، “الدعم المغربي للقضية الفلسطينية من عام 1948-1974″، مرجع سابق، ص 69.
(18) اتفاقية أوسلو هي اتفاقية سلام وُقِّعت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993، برعاية الولايات المتحدة، وتهدف هذه الاتفاقية إلى تمهيد الطريق لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ حيث نصَّت على إنشاء سلطة فلسطينية ذات حكم ذاتي محدود في الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن يتم التفاوض لاحقًا حول القضايا الجوهرية، مثل القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات. لكنها لم تحقق السلام المنشود بسبب الخلافات المستمرة والتصعيدات المتكررة بين الطرفين، ثم أجهضت بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000.
(19) جمال زحالقة، “تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل”، قضايا إسرائيلية، عدد 81 (ربيع 2022) ص38.
(20) لم يؤثر إغلاق مكاتب الاتصال على سريان العلاقات بين الطرفين؛ إذ حافظا على اتصالات دبلوماسية غير مُعلنة، وعلى تبادل اقتصادي وتجاري وصل ما بين 2014 و2017 إلى قرابة 149 مليون، تقدير موقف، “الإعلان الثلاثي الأميركي-المغربي-الإسرائيلي: دوافعه ومستقبله”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 29 ديسمبر/كانون الأول 2020، (تاريخ الدخول: 4 مارس/آذار 2025)، https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/The-Tripartite-American-Moroccan-Israeli-Declaration-Motives-and-Future.aspx
(21) مرجع سابق نفسه.
(22) المملكة المغربية، بلاغ الديوان الملكي، موقع رئاسة الحكومة، 22 ديسمبر/كانون الأول 2020، (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2025)، https://2u.pw/TOvQqoJJ.
(23) موقع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، Diplomatie، 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، (تاريخ الدخول: 4 مارس/آذار 2025)، https://2u.pw/qfsIPboB.
(24) سعيد الصديقي، “المغرب والحرب في غزة: معضلة المبادئ والمصالح”، المعهد المغربي لتحليل السياسات، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2025)، https://mipa.institute/?p=10762&lang=ar
(25) Ahmed Eljechtimi, Morocco hosts Israeli envoys, Kushner to flesh out new relations, Reuters, December 22, 2020, Accessed on 03/03/2025, At: https://2u.pw/pK4vrQ
(26) زحالقة، “تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل”، مرجع سابق، ص36.
(27) استطلاع: 98% من المغاربة يدعمون المقاومة و95% يرفضون التطبيع، موقع العمق المغربي، 17 ديسمبر/كانون الأول 2024، (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2025)، https://al3omk.com/1030363.html
(28) في نهاية العام الماضي، قضت المحكمة المغربية بالحكم على 13 ناشطًا مغربيًّا مناهضًا للتطبيع مع إسرائيل، بستة أشهر حبسًا مع وقف التنفيذ، على خلفية مشاركتهم في مظاهرة غير مرخص لها تنديدًا بالتطبيع والعدوان على غزة.
(29) يعرِّفها عبد الله حمودي بكونها ظاهرة موجودة في المجتمعات العربية، وهي القدرة على إنتاج المشكلات، تلك القدرة التي تفوق أحيانًا وبكثير قدرتها على إيجاد الحلول، تلك القدرة التي تبتلع الوقت وتستنزف جهد العاملين، بمن فيهم أولئك الذين ينشطون في الحقل الفكري: عبد الله حمودي، الشيخ والمريد، النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة يليه مقالة في النقد والتأويل، ترجمة عبد المجيد جحفه، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط4، 2010، ص 7.
(30) Suzan Gibril, Contentious Politics and Bottom-Up Mobilization in Revolutionary Egypt: The Case of Egyptian Football Supporters in Cairo, Dans Contentious Politics in the Middle East, (New York: Palgrave Macmillan, 2015), p. 305.
(31) Larousse, entrée pour (ultrás).
(32) Testa, A. “The ultras: An emerging social movement?” Review of European Studies, vol. 1, no. 2 (December 2009), p. 24.
(33) دعي، الرياضة والسياسة في المغرب، بين الضبط والمقاومة، مرجع سابق، ص 159.
(34) نفسه، ص68.
(35) نفسه، ص 20.
(36) منصف اليازغي، السياسة الرياضية بالمغرب 1912-2012، سلسلة كتب في الرياضة، سلا: مطبعة ألوان الريف، العدد 3، 2018، ص 46.
(37) دعي، الرياضة والسياسة، مرجع سابق، ص 13.
(38) Patrick Mignon, Les supporters de football en France: la loi du stade (Paris: INSEP Publications, 2001), p. 117.
(39) Moreno Almeida, “Critical Reflections on Rap Music in Contemporary Morocco: Urban Youth Culture Between and Beyond State’s Co-optation and Dissent”. PhD. SOAS, University of London, 2015, p. 21.
(40) فهمي بوشعيب، مجموعات الألتراس نحو راديكالية العنف وتسييس المدرجات، (الرباط: دار السلام، ط1، 2019)، ص 69.
(41) دعي، الرياضة والسياسة، مرجع سابق، ص189.
(42) فاركلوف، تحليل الخطاب: التحليل النصي في البحث الاجتماعي، مرجع سابق، ص 56.
(43) تجدر الإشارة منهجيًّا إلى أن استخدام لفظ اليهود في المتن اللغوي لهذه الأغنية (كما هو متداول في بعض التعبيرات الشعبية والاحتجاجية في المغرب)، لا يُضمر موقفًا عدائيًّا تجاه الديانة اليهودية كمعتقد، ولا يمس بالتاريخ الطويل من التعايش والروابط الثقافية العميقة التي تجمع المجتمع المغربي بمكوِّنه العبري، بل تحيل دلالة اللفظ إلى سياق خاص يعبِّر عن الإسرائيليين الصهاينة بوصفهم قوة احتلال غاصبة للأراضي الفلسطينية.
(44) هي اللغة المحكية لدى المغاربة، وهي مزيج بين اللغة العربية والأمازيغية، مع إدخال كلمات فرنسية وإسبانية، تسمى اللغة الدارجة، أو اللغة المغربية.
(45) Jean-François René, “La jeunesse en mutation: D’un temps social à un espace social précaire”. Paris. Sociologie et sociétés, vol. 25, n1 (1993), p. 156.
(46) دعي، الرياضة والسياسة، مرجع سابق، ص 210.
(47) نورمان فيركلاف، اللغة والسلطة، ترجمة محمد عناني، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط1، 2016)، ص 128.
(48) أحمد شراك، الكتابة على الجدران المدرسية: مقدمات في سوسيولوجيا الشباب والهامش والمنع والكتابة، (الرباط: دار التوحيدي للنشر والتوزيع ووسائط الاتصال، 2009)، ص61.
(49) بوعلام باي، “واقع الغرافيتيا بالفضاء الجامعي الجزائري: تعدُّد المضامين وتباين الغايات: غرافيتيا طلبة جامعة تلمسان نموذجًا”، العددان 85-86، 2019، المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2025)، https://journals.openedition.org/insaniyat/21607
(50) Catherine Montgomery, “L’étranger dans la cité”, Les travaux de Georg Simmel et de l’École de Chicago revisités à la lumière de l’immigration maghrébine dans l’espace montréalais, Revue Anthropologie et Sociétés, Erudit, Accessed: 05/09/2025, https://www.erudit.org/fr/revues/as/2017-v41-n3-as03388/1043043ar/
(51) Alain Milon, “L’Étranger dans la ville Du rap au graff mural”, Collection: Sociologie d’aujourd’hui, livre en ligne, Accessed: 05/09/2025, https://2u.pw/A65ekG4M.
(52) فرانشيسكا بوليتا وجيمس جاسبر، “الهوية الجمعية والحركات الاجتماعية”، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج 9، العدد 33، صيف 2020، ص 165-198.
(53) Michel Foucault, L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard, 1969.
(54) دعي، الرياضة والسياسة في المغرب، مرجع سابق، ص223.
(55) دعي، “ثقافة الأندرغراوند”، مرجع سابق، ص292، وهو ناشط سياسي وفنان شوارع يحمل اسمًا مستعارًا ولا تزال هويته الحقيقة غير مؤكدة، ظهرت أعماله الفنية النقدية والساخرة من الأنظمة، عبر العالم منذ التسعينات.
(56) عبده موسى البرماوي، خربشة وجه السلطة: الآرتيفيزم وجماليات الغضب في مصر، (معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة، س.غ.و)، ص9.
(57) تشارلز تريب، السلطة والشعب، مسارات المقاومة في الشرق الأوسط، ترجمة ربيع وهبة، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016)، ص 362.

