ملخص

تتعرض الأوقاف المسيحية الأرثوذكسية في فلسطين عمومًا، وفي مدينة القدس على وجه الخصوص لحملة “إسرائيلية” صهيونية للاستيلاء عليها وتسريبها لمجموعات الاستيطان بالتحايل، وبطرق مختلفة، بما في ذلك صفقات مشبوهة لشرائها من القائمين عليها، وجميعهم غير فلسطينيين، وتحديدًا من المراجع الكنسية اليونانية، التي تُشرف على معظم تلك الأوقاف ما يمكّن الاحتلال من الاستمرار في عملية تهويد كل أرض فلسطين التاريخية، والقدس في المقدمة منها، ومحو طابعها العربي، المسيحي والإسلامي.

تسعى هذه الورقة إلى استعراض واقع الأوقاف المسيحية الأرثوذكسية في فلسطين، وتقديم المعطيات الموثقة، بالأرقام والوقائع، وتفاعلات ما يجري، ودور رجال الدين العرب الفلسطينيين في الدفاع عن تلك الأوقاف ومنع تسربها، ومقاومة كل مشاريع ومجموعات الاحتلال التي تعمل على شراء تلك الأوقاف خلسة ومن وراء ظهر أتباع الكنيسة وأصحابها الشرعيين من أبناء فلسطين.

اعتمدت هذه الورقة بشكل رئيس على المتابعة اليومية لمجريات السياسة الإسرائيلية بشأن الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين ومدينة القدس، وعلى كل ما نُشرَ وتم كشفه من معطيات موثقة بهذا الشأن من المصادر الفلسطينية الرسمية والشعبية على حدٍّ سواء، وعلى مصادر من داخل الجهات الكنسية الوطنية في فلسطين.

Abstract

Orthodox Christian endowments in Palestine in general, and in the city of Jerusalem in particular, are being subjected to a frenzied Zionist “Israeli” campaign to seize them and leak them to settlement groups fraudulently, in many different ways, including arranging suspicious deals to purchase them from those in charge of them, all of whom are non-Palestinians, specifically  Among the Greek ecclesiastical authorities are those authorities that supervise and control most of these endowments, thus leaking them to colonial settlement groups, as is generally the case with Islamic endowments that the occupation authorities seek to harm, all in order to continue the process of Judaizing all of the historic land of Palestine and Jerusalem.  In the forefront of it, and erasing its Arab Christian and Islamic nature.

 This paper is an analytical political study related to the reality of Orthodox endowments in Jerusalem, by reviewing the reality surrounding this important issue, presenting documented data, numbers and facts, the interactions of what is happening, and the role of the Palestinian Arab clerics in defending those endowments and preventing their leakage, and resisting all projects.  In addition, the occupation groups that work to buy these endowments surreptitiously and behind the backs of the followers of the church and their legitimate owners, the people of Palestine.

 The material was based mainly on the daily follow-up of the developments of the “Israeli” policy regarding Orthodox endowments in Palestine and the city of Jerusalem, and on all the documented data that was published and revealed in this regard from both official and popular Palestinian sources, and on sources from within the national ecclesiastical authorities in Palestine.

مقدمة

تتعرض الأوقاف المسيحية الأرثوذكسية في القدس، وعموم أرض فلسطين التاريخية منذ وقت طويل، وما زالت، إلى هجمة صهيونية للاستيلاء عليها؛ وإنهاء وجودها المادي الملموس، لاسيما في مدينة القدس والحواضر الكبرى الفلسطينية، وذلك في سياقات المشروع الصهيوني الهادف إلى محو هوية فلسطين وتاريخها العربي الإسلامي والمسيحي المُمتد عميقًا في جذورها وتربتها.

نظرًا لغياب وثائق ومراجع ودراسات عن موضوع تفويت الكنيسة الأرثوذكسية أوقافها في فلسطين للاحتلال الإسرائيلي الذي يكشف أحيانًا عن الصفقات السرية بين الطرفين؛ فإن هذه الورقة اعتمدت بشكل رئيس على المتابعة اليومية لمجريات السياسة الإسرائيلية تجاه الأوقاف الأرثوذكسية، وعلى كل ما نُشرَ من معطيات قليلة بهذا الشأن من مصادر فلسطينية رسمية وشعبية، ومصادر من الكنيسة الوطنية في فلسطين، وعلى مواقف رعايا الكنيسة العرب من تصرفات إدارة الكنيسة، المرفوضة وطنيًّا ودينيًّا وروحيًّا، وعلى رأسهم المطران عطا الله حنا، وأيضًا مواقف رموز عربية فلسطينية من رعايا الكنيسة الأرثوذكسية، ممن تم اللقاء والحوار معهم في التفاصيل الحساسة غير المعلنة، حيث تبدو الصفقات منذ فترة بين متنفذين في شؤون الكنائس ومتسلطين عليها وأغلبهم يونانيون وليسوا فلسطينيين أو عربًا في الأصل. لذلك كان الاعتماد في بناء الدراسة، في جزء مهم منه، على تلك اللقاءات.

 

الأوقاف الأرثوذكسية قضية كل الشعب الفلسطيني

تُعدُّ قضية الكنيسة الأرثوذكسية وأملاكها الوقفية في القدس وعموم أرض فلسطين التاريخية؛ من القضايا الوطنية الفلسطينية والقومية العربية الساخنة؛ إذ تتعرض تلك الأوقاف لهجمة مستعرة؛ للاستيلاء عليها من طرف سلطات الاحتلال الإسرائيلي؛ لاسيما في ظل الأنباء التي تتحدث بين الحين والآخر عن بيع تلك الأوقاف.

إنَّ قضية الأوقاف المسيحية والإسلامية في فلسطين هي قضية أرض وهوية؛ لذا فإن قضية بيع أراضي الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين، ومحاولات إسرائيل الحثيثة للاستيلاء عليها، هي قضية وطنية عامة تهم كل الشعب العربي الفلسطيني على امتداد أرض فلسطين التاريخية، وهذ ما أكَّدَه رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس؛ المطران عطا الله حنا، غير مرة، وأمام زوار ومصلين ورجال دين أرثوذكس؛ حين دعا المسيحيين من أبناء فلسطين في الأراضي المقدسة إلى: “الصمود والبقاء في هذه الأرض والدفاع عن المقدسات والأوقاف”، مؤكدًا أنَّ: “المسيحي الفلسطيني كشقيقه المُسلم، مدعو إلى أن يبقى ويصمد في وطنه رغم كل الظروف، وأن يسهم في تحرير الوطن والإنسان وبناء الدولة”. وردد المطران عطا الله حنا في عظته قوله: “أن تكون مسيحيًّا فلسطينيًّا هذا يعني أنك تنتمي إلى الكنيسة الأولى التي أسسها السيد المسيح عليه السلام”(1).

إن الوجود المسيحي في القدس المُحتلة مُتجذر في التاريخ؛ ففي مدينة بيت لحم القريبة من مدينة القدس كانت ولادة السيد المسيح، عليه السلام، وفي المدينة المُقدسة كانت انطلاقة الدين المسيحي، وفي أرجائها شهد العالم الاحتكاك التاريخي، وصولًا إلى الزمن الذي أُعلنَ فيه عن المسيحية دينًا عامًّا للإمبراطورية الرومانية الواسعة في عهد الإمبراطور قسطنطين؛ وتأكد، في فترة الإمبراطور قسطنطين بالسماح باعتناق المسيحية لمن يرغب في ذلك والتسامح معه، لكن لم تصبح دينًا عامًّا بعدُ للرعايا. فزارت أمه الملكة هيلانة القدس في 320م؛ حيث بدأ ببناء كنيسة القيامة، وقد أنشأ قسطنطين مدينة القسطنطينية، ورسَّمَ لهم بطريركًا مساويًا لبطاركة الإسكندرية وأنطاكية في المرتبة، وقد عُرِفَ أتباع هذه الكنيسة بالروم الأرثوذكس، ويبدو أن أول من أطلق عليهم هذه التسمية هم المؤرخون العرب.

بعد انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية في القرن الحادي عشر الميلادي، صارت الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين تتبع بطريركية القسطنطينية، لكنها حافظت على صلاتها بروما، ثم أخذت الكنائس تستقل شيئًا فشيئًا؛ لأسباب دينية أو سياسية أو قومية. وقد توزع الأرثوذكس على عدة كنائس؛ هي اليوم: الكنيسة اليونانية البيزنطية، والأرمنية، والسريانية، والقبطية في مصر، والحبشية في الحبشة، وهذه الكنائس جميعها مُمثلة الآن في مدينة القدس وبكنيسة القيامة خصوصًا، لكن أتباع هذه الكنائس قليلو العدد في المدينة، عدا أتباع الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية؛ التي يُعرَفُ أتباعها باسم: الروم الأرثوذكس، ويتبعها معظم مسيحيي فلسطين؛ وهي كنيسة مُستقلة تنتمي إلى الكنائس البيزنطية؛ التي تتكلم اللغة اليونانية، والتي تعود صيغة الصلوات فيها إلى تقاليد بيزنطية، وقد كانت تُعرَفُ في الماضي باسم: الكنيسة الملكية، وكان أتباعها من اليونان والعرب المتأثرين بالحضارة اليونانية، وقد استقرت اللغة العربية فيها مع الفتح العربي؛ لأن عددًا من بطاركة القدس وأساقفة الأبرشيات في فلسطين، كانوا من السوريين أو الفلسطينيين، وكانوا يتقنون العربية واليونانية(2).

قضية الأوقاف المسيحية الأرثوذكسية في فلسطين؛ قضية ينبغي تسليط الضوء عليها؛ لانعكاساتها السلبية على قضية القدس وعموم فلسطين ومقدساتها؛ ففي فلسطين يتبع أكثر من 51% من مسيحييها كنيسة الروم الأرثوذكس؛ التي تأسست في القدس العام 52 بعد الميلاد، والتي يرأسها حاليًّا رجال دين من اليونان، رغم أن أكثر من 90% من رعاياها هم من المواطنين الفلسطينيين العرب(3).

لقد أدَّت سياسات التهويد والإجلاء والتطهير العرقي والإثني التي مارستها، وما زالت، سلطات “الاحتلال الإسرائيلي” في عموم الأرض الفلسطينية المحتلة في 1948 و1967، وفي مدينة القدس ومحيطها بشكل خاص؛ بدءًا من اجتياح عدد من المؤسسات الدينية المسيحية، والإسلامية أيضًا، مثل دير الرهبان البنديكتين في جبل الزيتون في القدس؛ كونه أول دير احتله الصهاينة بعد 1967، إلى سيطرة “إسرائيلية” صهيونية على جزء كبير من الأوقاف والعقارات الوقفية المسيحية في فلسطين، وإلى تراجع مُطرد في أعداد المسيحيين الفلسطينيين، فيما لُوحظَ تراجع وجودهم في المدينة المقدسة؛ التي باتت سلطات الاحتلال تريدها مدينة بلا مؤمنين من أبنائها؛ من المواطنين الفلسطينيين، المسلمين والمسيحيين على حدٍّ سواء؛ وذلك في سياق العملية الاستعمارية الإجلائية التهويدية؛ إذ تقلصت أعداد المواطنين الفلسطينيين من أبناء الطوائف المسيحية بشكل مُذهل؛ في ظل تهجيرهم القسري تحت وطأة الآلة العسكرية الإسرائيلية التدميرية؛ التي استهدفت مواقع تجمعاتهم السكنية في القدس وبيت لحم ورام الله وبيت ساحور وبيت جالا، وداخل مختلف مناطق فلسطين المحتلة العام 1948؛ فذاقوا -كإخوانهم المسلمين- عذاب التهجير والإقامة في المخيمات والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، وانتشروا في أصقاع العالم بانتظار العودة إلى الوطن المغتصب(4).

وفي هذا السياق، كانت لجنة المبادرة المسيحية الفلسطينية قد وجَّهت نداءً حذرت فيه من خطورة عمل إسرائيل؛ على تهجير الفلسطينيين المسيحيين من المدينة المقدسة. حمل النداء عنوان: “هل يبقى في القدس عرب؟ وهل يبقى فيها مسيحيون عرب؟”، وتناول مصادرات إسرائيل لحق الإقامة من المقدسيين في مدينتهم. وجاء في النداء: “أخذت السلطات الإسرائيلية في المرحلة الأخيرة تُكَثِّفُ من إجراءاتها؛ لتجريد الفلسطينيين المقدسيين، مسلمين ومسيحيين، من حقهم في الإقامة في القدس؛ وقد استهدفت تلك الإجراءات شخصيات وطنية وسياسية، بعد أن جُرِّدَتْ عائلات بأكملها من حقها في البقاء في مدينتها، وبات الوجود المسيحي، في القدس بالذات، مهددًا بصورة خاصة؛ بسبب التجريد من الهويات، والفصل بين العائلات”. وزاد النداء: “عاش الفلسطينيون المسيحيون منذ قرون جنبًا إلى جنب إخوانهم المسلمين في المدينة، حتى 1948؛ إذ فرُّوا من منازلهم الواقعة في الجزء الغربي من المدينة، بعد احتلال القوات الإسرائيلية لها. وبعد احتلال شرقي القدس وضمِّها سياسيًّا من طرف إسرائيل بشكل غير قانوني؛ بعد حرب 1967، لم يعترف المجتمع الدولي بذلك الضم؛ إلا أن إسرائيل أخذت تتصرف كأنها صاحبة الحق. وقال النداء: “إنَّ سلطات الاحتلال، اتَّخذت مجموعة من الإجراءات؛ التي تمس الوجود الفلسطيني في المدينة؛ فكان أولها: أن حوَّلت الفلسطينيين المقدسيين جميعهم من مواطنين مقيمين بحق المواطنة والولادة إلى غرباء في مدينتهم يجوز لهم الإقامة فيها؛ بحقٍّ تمنحه هي وتستعيده؛ بحسب معاييرها الرامية إلى تقليص أكبر عدد ممكن من العرب فيها؛ مسيحيين أو مسلمين”.

وكان ثانيها: قيام وزارة داخلية الاحتلال من حين لآخر بتجريد كثير من المواطنين المقدسيين؛ من حق “الإقامة الدائمة”؛ متذرعة بمختلف الأسباب؛ ومنها: اكتسابه جنسية أجنبية، أو تصريح إقامة في بلد آخر، أو السكن خارج حدود بلدية القدس مدة تزيد على سبع سنوات.

وكان ثالثها: قيام سلطات الاحتلال بسحب الإقامات كما حدث في 2008، عندما سحبت أكثر من أربعة آلاف إقامة مقدسية، ويساوي هذا الرقم تقريبًا، نصف ما تمَّ سحبه بين عامَي 1967-2007؛ وهذا مؤشر خطر (5).

ونُشير في هذا السياق إلى وثيقة سرية كشف عنها موقع “ويكيليكس” (WikiLeaks صادرة في 20 مارس/آذار 2014، عن مكتب نائب مدير وزارة الشؤون الدينية اليونانية؛ وهي عبارة عن مذكرة تفاهم يوناني-أميركي؛ بالاتفاق سرًّا مع البطريركية اليونانية في القدس بشأن وضع القدس والأماكن المقدسة فيها عند الحل النهائي. تفضح الوثيقة اتفاقًا سرّيًّا؛ حدث -كما يبدو- في 2013 أو ما قبل ذلك بين الحكومة اليونانية ووزارة الخارجية الأميركية والفاتيكان والاتحاد الأوروبي، ينص على أن تكون القدس، البلدة القديمة، في الحل النهائي ذات وضعية خاصة، لا سيادة سياسية فيها؛ بهدف: “الحفاظ على حقوق المسيحيين والمسلمين واليهود في الأماكن المقدسة، ومن ثم -ووفق التصور- يتم إنشاء ثلاث هيئات دينية (يهودية مسيحية وإسلامية)؛ على أن تكون البطريركية الأرثوذكسية اليونانية وكنيسة الفرنسيسكان والبطريركية الأرمنية، هي الهيئة المسيحية. وتشكِّل مجمل الهيئات الثلاث مجلسًا دينيًّا مشتركًا منفصلًا عن السلطات السياسية، وتكون العلاقة بين الهيئات الدينية والسلطات السياسية عن طريق مفوض أعلى خاص، يتمتع بثقة الأطراف جميعهم”(6).

وبالطبع، فإنَّ تشكيل هيئة مسيحية تشارك فيها دولة اليونان والاتحاد الأوروبي والفاتيكان برعاية أميركية دون أن يكون لأبناء هذه الكنيسة الفلسطينيين أيُّ حق في إدارة شؤون هذه الكنيسة- إنما هو سلب لحقوق المسيحيين الفلسطينيين في كنيستهم، واستمرار للتدخل السياسي الدولي في شؤون الكنيسة الأم؛ ابتداءً من العهد العثماني في 1534، حتى يومنا هذا.

إن التصور إياه يعني، أولًا: تهميش وتجاوز المسيحيين العرب، وثانيًا: تهجيرهم من وطنهم؛ ومن هنا تأتي أهمية استرداد المسيحيين العرب في فلسطين لكنيستهم وأوقافهم؛ التي يناضلون لاستردادها منذ ما يقارب من 500 عام(7).

إنَّ المسيحيين الفلسطينيين كانوا يشكِّلون نسبة 20% تقريبًا من التعداد العام للشعب الفلسطيني قبل نكبة فلسطين عام 1948، وكان من المُقدر أن تصل أعدادهم إلى ما يقارب مليونَي مواطن، إذا ما احتسبْنا نسبة التزايد السكاني في صفوف الشعب العربي الفلسطيني في الداخل والشتات. ولكن -وعلى ضوء نتائج النكبة وما تعرضوا له كما إخوانهم المسلمين من أبناء شعبهم- فإن تحولًا واضحًا طرأ على أعدادهم في فلسطين، حين غادر مُعظمهم أرض فلسطين التاريخية تحت وطأة النكبة والظروف اللاحقة التي توالدت عنها؛ لتُصبح نسبتهم اليوم في عموم أرض فلسطين التاريخية -أي في المناطق المحتلة عام 1948م، والمناطق المحتلة في 1967 بما فيها القدس- ما يقارب 5% فقط، حسب تقدير يعود إلى سنة 2009(8).

ويبقى القول في هذا الإطار: أن المسيحيين الفلسطينيين ليسوا أقلية، وليسوا طائفة، إنما هم أهل الأرض الأصليون، هم شركاء الوطن في الماضي، والحاضر والمستقبل. وارتباطهم بالأرض، ومقاومتهم لكل أشكال التهجير والتضييق؛ إنما هو من نضال الشعب الفلسطيني؛ فالأديرة والكنائس هي جزء أصيل من النسيج المجتمعي الفلسطيني، كما هي المساجد.

 

استهداف العقارات الوقفية الفلسطينية المسيحية ودفاع المسيحيين عنها

قبيل النكبة، وزمن الانتداب البريطاني على فلسطين، ووفق سياسة مدروسة؛ ضغطت سلطات الاستعمار البريطاني على الكنيسة لبيع أراضيها، وأصَرَّ البريطانيون على أن يتم بيع مساحات واسعة وكتل كبيرة ومكلفة؛ إذ إن الحركة الصهيونية هي الهيئة الوحيدة القادرة على جمع الأموال؛ لشراء مساحات كبيرة من الأراضي. وكان من أبرز الصفقات بين الكنيسة والحركة الصهيونية صفقة تمت في 1921 بعد ضغوط بريطانية؛ حين باعت الكنيسة الأرض التي بُني عليها مركز القدس، المثلث الشهير من الشوارع: يافا، وبن يهودا، والملك جورج، والأحياء المحيطة بها(9).

وفي الثلاثينات من القرن الماضي، وبعد ذلك، فضَّلت الكنيسة طريقة التأجير؛ حتى لا تعرِّض نفسها للنقد، واستمرت الحال حتى السنوات القليلة الماضية، ثم بدأت الكنيسة تبيع الأراضي، ولم تكتف بالتأجير، وعقود الإيجار طويلة الأمد(10).

وفي 1936، أُبرمَتْ أول صفقة ما بين البطريركية الأرثوذكسية، وشركة يهودية في فلسطين. أُبرمَت الصفقة -تحديدًا- في القدس، وبموجب الصفقة استأجرت الشركة اليهودية من البطريركية مساحات من الأراضي مدة تسعة وتسعين عامًا؛ حيث أقيم على أراضي الكنيسة حي يهودي باسم: “روش رحافيه”، وأعلن في حينها البطريرك اليوناني موافقته على تأجير الأرض مدة تسعة وتسعين عامًا؛ مقابل ثلاث مئة وخمسين ليرة للدونم في السنة، بالقيمة الحالية؛ أي حوالي أربعة وثلاثين ألف دولار سنويًّا للمجمع بأكمله؛ الذي يضم مئات من الدونمات(11).

وبعد نكبة فلسطين، وإنشاء كيان الاحتلال، العام 1948، واجهت حكومة الاحتلال مشكلة؛ فقد بقيت مساحات واسعة من الأراضي في غرب القدس ومنطقة رحافية والطالبية ووادي الصليب في أيدي اليونانيين، وبقيت إدارة الكنيسة وقادتها في الجانب الشرقي من الحدود في الأردن. ووفقًا لمعهد القدس للدراسات السياسية؛ فقد استغلت “إسرائيل” هذا الوضع، وتلقى رجال الكنيسة رسائل؛ مفادها: “أن الحكومة “الإسرائيلية”، قد تُصادر الأرض، أو تمنع تحويل العملات الأجنبية إلى الأردن؛ إذا لم تتوصل الكنيسة إلى اتفاق لبيع الأرض”.

لقد كان لـ”إسرائيل” وللبطريركية عدو مشترك في ذلك الوقت؛ عنوانه: “خطة تدويل القدس”، ووفقًا لخطة التقسيم فقد كان من المفترض أن تكون المدينة تحت الحكم الدولي؛ فالبطريركية اليونانية أبدت خشيتها ومخاوفها من أن يكون هذا النظام متحيزًا لصالح الكنائس الغربية؛ ولاسيما الانحياز لمنافستها التاريخية؛ وعلى الأخص الكنيسة الكاثوليكية. من ناحية ثانية، كانت “إسرائيل” تخشى أن يتم نقل ملف القدس الغربية إلى الأمم المتحدة؛ لذلك عملت “إسرائيل” والكنيسة على هذه الخطة، وسهَّل هذا التعاون التقارب بينهما(12).

وبالرجوع إلى كتاب مايكل دمبر، المعنون بــ”سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين، 1948-1988″، والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992، يمكننا أن نقارن بين سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية والمسيحية ومصيرهما المشترك.

وفي السنوات التي تلت النكبة، والاحتلال الكامل للأرض الفلسطينية، العام 1967، وفي سياق عملية التطهير العرقي والإثني -التي مارسها كيان الاحتلال بحق الشعب العربي الفلسطيني- تَعَرَضّت -وما زالت تتعرض- الأوقاف المسيحية والإسلامية على حدٍّ سواء في القدس وعموم فلسطين التاريخية لاعتداءات تمثَّلت بتدميرها، والاستيلاء على ما تبقى منها؛ لاسيما الأوقاف والعقارات العائدة للكنيسة الأرثوذكسية، وتمكين جهات إسرائيلية استيطانية من عقارات مسيحية كثيرة.

إنَّ واحدًا من أكبر الاعتداءات “الإسرائيلية” -التي نالت من الكنائس في فلسطين في السنوات الأخيرة- هو الذي تعرضت له “كنيسة السمك والخبز”، التي نجت من التدمير خلال النكبة في قرية (الطابغة) المحتلة في 1948، والواقعة على الضفاف الشمالية لبحيرة طبريا، ففي 2015، أُضرمت النيران في أبوابها فجرًا، مُحدثة أضرارًا جسيمة في الكنيسة الأثرية؛ وفي قاعة الصلاة والأناجيل، وألحقت أضرارًا بالصلبان المرفوعة في فناء الكنيسة. وبقيت الأخبار عن الاعتداءات ضد المقدسات المسيحية، لاسيما ارتكاب المتطرفين اليهود لهذه الأفعال، غامضة متسترًا عليها، حتى خرج كتاب إسرائيلي يحوي وثائق؛ تؤكد أن جيش الاحتلال عمد إلى انتهاج سياسة تقوم على تدمير الأوقاف الإسلامية والمسيحية؛ ومنها: الكنائس وتخريبها والمس بها في فلسطين عشية حرب 1948 وخلالها وبعدها. وأورد حقائق عن عمليات تخريب للكنائس وسطو ممنهجة استمرت أشهرًا على يد الضباط والجنود، وعموم المستوطنين.

تعد البطريركية اليونانية الأرثوذكسية ثاني أكبر مالك عقارات في فلسطين، من بين العقارات التابعة للطوائف المسيحية، لكن مساحة العقارات التابعة للبطريركية تضاءلت بشكل كبير؛ بسبب صفقات بيعها لجهات “إسرائيلية”. وتُشير الوقائع الدامغة إلى تورط رجال دين يونانيين في الكنيسة الأرثوذكسية؛ ممن أسهموا في تفويت جزء كبير من هذه العقارات الوقفية وبيعها أو تأجيرها مدة زمنية تصل إلى تسعة وتسعين عامًا لحركات الاستيطان التهويدي الصهيونية؛ ومنها: ما حدث في الأعوام بعد 1990، من بيع لفندق البتراء وفندق الإمبريـال، واثنين وعشرين محلًّا تجاريًّا في ميدان عمر بن الخطاب، عند باب الخليل في القدس القديمة، فضلًا عن بيت في حي باب حطة في البلدة القديمة، وغير ذلك من المساحات التي تبلغ مساحتها نحو خمسمئة دونم؛ حسب المعلومات المتواترة من الجهات المسيحية العربية في فلسطين المحتلة. وقد تم رفض تلك الصفقة من رعايا الكنيسة من المواطنين العرب، كما رفض مجلس الطائفة الأرثوذكسية في مدينة الناصرة بيع الأوقاف المسيحية والتفريط بها، وحَمَّلَ البطريرك ثيوفيليوس الثالث كامل المسؤولية عن الصفقات وتنفيذها(13).

كذلك طالب مجلس الطائفة الأرثوذكسية بالعمل على إلغاء الصفقات إياها؛ وذلك بعد كشف صحيفة “Calcalist” الاقتصادية التابعة لمجموعة “يديعوت أحرونوت”؛ عن بيع بطريركية اليونان الأرثوذكس خمسمئة دونم من أراضي البطريركية في مدينة القدس المحتلة، في حي الطالبية الفلسطيني العريق، وحي “نيوت” في الشطر الغربي من المدينة، على مقربة من دير المصلبة القريب من مبنى “الكنيست” لجهات إسرائيلية(14).

وأشار بيان صادر عن مجلس الطائفة إلى تقرير الصحيفة الذي جاء فيه: “إن البطريركية الأرثوذكسية والبطريرك (ثيوفيليوس الثالث)، باعوا أراضيَ وقفية أخرى في مدينة القدس، لجهات إسرائيلية، عبر المحامي الإسرائيلي، نوعم بن دافيد؛ الذي يمثِّل شركة تدعى “نيوتكومميت هشكعوت”. وتمت صفقة البيع -بحسب الصحيفة- في أغسطس/آب 2016.

إن عمليات البيع والتسريب للأوقاف المسيحية في فلسطين والأرثوذكسية منها على وجه الخصوص ليست بالأمر الجديد، بل بدأت عمليًّا منذ 1951؛ بتسريب بعض أملاك البطريركية في القدس الغربية إلى ما يسمى: “الكيرين كايميت”، (الصندوق القومي اليهودي)، وقد أتم صفقتها القنصل اليوناني نيابة عن البطريركية. ومن المعروف أن هذه الأراضي أُقيمَتْ عليها مباني الكنيست الإسرائيلي، ومباني رئاسة الوزراء، ووزارات إسرائيلية ومئات من الشقق السكنية.

ولقد كَشَفَ مسؤولون في الهيئات الأرثوذكسية العربية في الأردن وفلسطين في الآونة الأخيرة عن صفقات بيع زهاء ستمئة دونم من الأراضي الفلسطينية -التابعة للكنيسة الأرثوذكسية- لسلطات الاحتلال “الإسرائيلي”؛ التي تم عقدها مع البطريرك ثيوفولوس الثالث؛ بطريرك المدينة المقدسة وسائر أعمال الأردن وفلسطين؛ بقيمة تزيد على خمسة عشر مليون دولار. وقد تسربت الأملاك الأرثوذكسية للسيطرة الإسرائيلية بموجب خمس “بيوعات” تمت في أزمنة متلاحقة مؤخرًا، و”لمساحات شاسعة من الأراضي والأملاك التي تَحملُ إرثًا تاريخيًّا دينيًّا وحضاريًّا وأثريًّا غنيًّا”، وفق عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في فلسطين (عدي بجالي) كما ورد في نشرة أرشيف نشرة فلسطين اليوم، أغسطس/آب 2017، مركز الزيتونة للدراسات.

وتشمل تلك الصفقات استيلاء سلطات الاحتلال على أراضي في القدس، وتحديدًا في أبو طور؛ الواقعة في قسم منها عند حدود 1967 بمساحة تبلغ نحو عشرة دونمات، وفي رحافيا والطالبية، في القدس المحتلة بحوالي خمسمئة وسبعين دونمًا، والقدس/البقعة، والقدس/شارع الملك داوود، بإجمالي زهاء عشرة دونمات(15) مبني عليها حوالي مئتين وأربعين شقة ومركزًا تجاريًّا كبيرًا في حي “غفعات أورانيم” في القدس لشركة مسجلة في (جزر العذراء)؛ المعروفة بأنها ملجأ للشركات المتهربة من الضرائب، وذلك مقابل 3.3 ملايين دولار(16).

ومن أجل الإمعان في التضليل والتمويه بيعت هذه الأرض في شهر مارس/آذار 2017، لشركة أخرى اسمها “أورانيم ليمتد” المسجلة في جزر الكايمان، التي تتهرب الشركات المسجلة فيها من الضرائب(17).

وفي المدة الأخيرة تم الكشف عن تسريب وبيع البطريركية أكثر من خمسمئة دونم في المنطقة المُسماة “رحافيا” غربي القدس المحتلة العام 1948. وكشف أعضاء في المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين النقاب عن صفقة جديدة في منتصف 2017؛ تم بموجبها تسريب قطعة أرض -تعود ملكيتها لبطريركية الروم الأرثوذكس في أراضي الشيخ جراح في القدس المحتلة- لشركة أجنبية مرتبطة بشركات استيطانية تهويدية، وقد كَشَفَ تلك الواقعة عدي بجالي؛ عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأراضي المقدسة، وقال: “إن البطريركية سَرّبت قطعة أرض مملوكة للبطريركية؛ تزيد مساحتها على ستمئة وخمسة وثمانين مترًا مربعًا في حي الشيخ جراح، -حوض رقم (30509/قسيمة رقم 4)- لشركة “كورنتي” المسجلة في جزر العذراء البريطانية. وقال بجالي: “إنَّ عملية البيع، جاءت على مراحل؛ من خلال الوثائق؛ التي تم الحصول عليها، وبدأت بالتأجير بتاريخ (6 سبتمبر/أيلول 2009). وبعدها بأشهر تم عقد اتفاقية (تأجير) بتاريخ (22 أكتوبر/تشرين الأول 2010)؛ لقطعة الأرض ذاتها مدة تسعة وتسعين عامًا مقابل دفع مئتَي ألف دولار، بموجب مرفق (ب-بند 1) من الاتفاق، يحق لشركة “كورنتي” التمديد مدة تسعة وتسعين عامًا أخرى. وفي 3 ديسمبر/كانون الأول 2013، تم إبلاغ دائرة تسجيل الأراضي (الطابو)؛ بنقل ملكية الأرض عن طريق اتفاقية بيع للأرض، وتحويل الملكية بالكامل لشركة “كورنتي” بمبلغ مئتَي ألف دولار؛ وهو مبلغ أقل من ثلث قيمتها الحقيقية”(18).

كما تم الكشف عن صفقة جديدة يُفترَضُ أن تُسرَّب فيها ملكية مهمة ومقدسة، والهدف من ذلك بناء مستوطنة. ويقف وراء هذه الصفقة البطريركية اليونانية التي لها سوابق في هذا الإطار، والمستوطنة المزمع إقامتها، ليست سوى مشروع أقرَّته ما تُسمى بـ”اللجنة المحلية للتخطيط والبناء” التابعة لبلدية الاحتلال في القدس المحتلة؛ لإنشاء مستوطنة تضم وحدات سكنية فخمة، وذلك فوق موقع تاريخي ذي أهمية كبيرة لدى المسيحيين والمسلمين؛ فالموقع هو تلة بالقرب من بلدة الطور في مدينة القدس المحتلة؛ تُعرَفُ باسم (جبل المشورة)؛ أي المكان الذي “تشاور فيه يهوذا الإسخريوطي مع رئيس الكهنة قيافا؛ للتآمر على المسيح وتسليمه” حسب بعض الروايات. والموقع ليس تاريخيًّا فحسب، بل هو من الأماكن الأثرية الجميلة، ومن شأن المخطط الاستيطاني التهويدي المُزمع إنشاؤه أن يُشوه مشهد المدينة، ولاسيما البلدة العتيقة فيها؛ الأمر الذي أثار غضب المقدسيين وعموم المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من أبناء الطائفة الأرثوذكسية وغيرها من الطوائف المسيحية في فلسطين المحتلة؛ الذين وجهوا نقدًا لاذعًا للبطريركية اليونانية التي باعت الموقع لمستثمرين إسرائيليين؛ فالتلة تطل على الحوض التاريخي للقدس المحتلة، وهي منطقة مفتوحة، حيث تنمو الأشجار بكثرة، وتعد أراضيها الأغلى على الإطلاق داخل المدينة المحتلة.

ووفق صحيفة “هآرتس”، بدأت القصة في 2013 عندما باع بطريرك المدينة المقدسة وسائر فلسطين وسوريا العربية والأردن وقانا الجليل، ثيوفيليوس الثالث، الموقع لشركة يملكها مستثمرون يهود، الأول هو رجل الأعمال مايكل شتاينهرت الذي يحمل الجنسيتين، الأميركية والإسرائيلية، والثاني رجل الأعمال اليهودي البريطاني، دافيد سوفر. ووفق وثائق المشروع سيُقام مبنيان سكنيان كبيران وثلاثة مبان صغيرة، وبالمجمل إحدى وستون شقة سكنية فخمة.

وقد عبَّر عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في فلسطين المحتلة، عدي بجالي، عن سخطه، قائلًا: “إن البطريرك مَسَّ بمكان مُقدس… لا أفهم كيف يبيعون أرضًا كهذه؛ فيها بقايا أثرية نادرة!!”(19).

في هذا السياق، وإمعانًا في سياسات سلطات الاحتلال في الاستيلاء الكلي على الأوقاف الفلسطينية لاسيما الأرثوذكسية منها ولتقنين (تشريع) كل ما يحدث لصالح تهويد الأرض ولصالح المستوطنين، صادقت المحكمة المركزية التابعة للاحتلال في مدينة القدس بقرار أصدرته على أنَّ: “ثلاث شركات مرتبطة بالجمعية الاستيطانية “عطيرتكوهانيم”، تَملكُ حقوقًا قانونية في ثلاثة عقارات كبيرة؛ تقع قرب باب الخليل في البلدة القديمة في القدس”، حسبما ذكرت صحيفة “معاريف”.

و”الحقوق” التي أقرتها “المحكمة الإسرائيلية” تتعلق باستئجار المستوطنين للعقارات الثلاثة مدة تسعة وتسعين عامًا، مع إمكانية تمديد العقد مدة تسعة وتسعين عامًا أخرى؛ بموجب اتفاقيات بين الشركات التي تُمثل المستوطنين والبطريركية اليونانية الأرثوذكسية في القدس. وبحسب الصحيفة، فإن بداية هذه القضية تعود إلى العام 2004، عندما وقَّعت البطريركية الأرثوذكسية على عقود لتأجير الشركات لثلاثة عقارات؛ هي: فندقا بتراء وإمبريال، عند باب الخليل، ومبنى يُطلَقُ عليه اسم: بيت المعظمية، بالقرب من باب حطة؛ المؤدي إلى المسجد الأقصى. وأضافت الصحيفة: “إن عطيرتكوهانيم، هي التي وجهت الشركات الثلاث؛ لشراء حقوق الاستئجار لسنوات طويلة، ورئيس هذه الجمعية الاستيطانية؛ “ماتي دان”، ومحاميها؛ “إيتان غيفاع”، هما اللذان تفاوضا على الصفقة. كذلك جنَّد “ماتي دان” جهات؛ لتمويل الصفقة”.

ويُشار إلى أن كلا الفندقين تديرهما عائلة الدجاني التي لم تكن على علم بالصفقات التي أُبرمَتْ بصورة سرية. ويُذكَرُ أن النشر عن هذه الصفقات في العام 2005 أثار انتقادات واحتجاجات شديدة ضد البطريرك اليوناني آنذاك، إيرينيوس، الذي أطيح به من منصبه. وكان البطريرك اليوناني، إيرينيوس، قد نفى علاقته بالصفقات.

وذكرت الصحيفة أن البطريرك الحالي، ثيوفيليوس الثالث، حاول إلغاء تلك الصفقات، وأعلنت البطريركية أن محاسبها وقَّع على الصفقات دون أن تكون لديه صلاحية القيام بذلك. وبحسب تصريح البطريركية أمام المحكمة، فإن الجمعية الاستيطانية تعهدت لمحاسب البطريركية بدفع رشوة له قيمتها مليون دولار(20).

وفي هذا الإطار، طلبت لجنة الداخلية التابعة للكنيست الإسرائيلي مما تُسمَّى “سلطة أراضي إسرائيل” و”الصندوق القومي اليهودي” بلورة حل يتيح استمرار ضمان الأراضي في القدس التي قامت الكنيسة الأرثوذكسية ببيعها، بحسب تقارير إسرائيلية لمستثمرين ورجال أعمال يهود، وذلك بسبب بناء آلاف الشقق السكنية عليها في المدينة.

وطلب رئيس اللجنة، دافيد إمسالم، من القائم بأعمال المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، إيريز كمينيتس، استدعاء ممثلي المؤسستين للعمل على إيجاد حل(21).

زيادة على كل ما سبق، كانت وثائق قد كشفت أن البطريركية الأرثوذكسية اليونانية -تحت قيادة البطريرك الحالي ثيوفيليوس الثالث- باعت ستة دونمات في منطقة دوار الساعة في يافا مقابل مبلغ مليون وخمسمئة ألف دولار فقط. وأوضحت الجمعية الخيرية الأرثوذكسية في فلسطين أن: “أماكن مقدسة للأوقاف المسيحية في مدينة يافا في الداخل الفلسطيني، تتعرض لعمليات وصفقات بيع وتصفية”. وأوضحت الجمعية في بيان صحفي أصدرته أنه: “تبين -حسب وثائق وحقائق لا لبس فيها ولا شك- أن البطريرك ثيوفيولوس الثالث بمساندة السنود المقدس، قد قام ببيع حقوق الملكية جميعها لوقفية سوق الدير المركزية، بجانب دوار الساعة في مدينة يافا بيعًا نهائيًّا لا حكرًا ولا تأجيرًا”. وأضافت الجمعية الخيرية الأرثوذكسية في مدينة يافا أنه: “تم بيع هذه القطعة -ومساحتها ستة دونمات ونصف، وفيها ما يقارب ستة آلاف من المباني الأثرية والحوانيت والبيوت العريقة- بمبلغ زهيد يقارب مليون وخمسمئة ألف دولار أميركي، بينما قيمة هذه الأماكن الحقيقية تفوق بكثير المبلغ المذكور؛ إذ لا سعر محدَّدًا لها”. وأشارت الجمعية إلى أنها حصلت على: “عقد بيع هذه الوقفية منذ أن بدأت البطريركية تتخلص من ممتلكات الطائفة المسيحية الأرثوذكسية في الشرق الأوسط عامة وفي يافا خاصة، أما المشتري فهو شركة وهمية أجنبية باسم (بونا تريدينج ليمتد)”، وأكدت أنه: “لا يوجد لهذه الشركة أي سجل عند مُسجِّل الشركات حسب القوانين والأنظمة”. وأنه: “بهذه الصفة أنهت البطريركية كامل حقوقها في هذه الأرض والوقفية والمباني المقامة عليها”(22).

وكشفت الجمعية الخيرية الأرثوذكسية في فلسطين أن: “البطريركية لم تكتف بذلك في يافا، بل باعت شققًا سكنية بمحاذاة كنيسة الخضر للشركة نفسها وبأسعار بخسة وبصفقات غير نزيهة”. وقالت الجمعية: “نحن سنتصدى لعمليات التصفية والبيع للأملاك المسيحية في يافا، وسنتصدى للبطريرك ثيوفيليوس الثالث؛ لأنه يُشكّل خطرًا على وجود البطريركية”. ودعت الجمعية المؤسسات الأرثوذكسية والمسيحية جميعها في يافا للعمل؛ من أجل التصدي لهذه الصفقات(23).

كما باعت البطريركية الأرثوذكسية اليونانية أراضيَ واسعة في قيسارية جنوب مدينة حيفا، وتشمل أجزاء كبيرة من الحديقة الأثرية والمدرج الروماني، مقابل مليون دولار فقط. وقد تم تسريب وثيقة سرية تتحدث عن صفقة بيع أراض جديدة في مدينة قيسارية التاريخية بين بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس المحتلة (مالكة الأرض رسميًّا)، وشركة أجنبية بوساطة محامية إسرائيلية؛ قوامها ألف دونم تقريبًا، وقد بيعت بثمن زهيد، مليون دولار؛ ما يُثير علامات استفهام. والحديث يدور عن مساحة أرض تبلغ نحو تسعمئة دونم في منطقة قيسارية التاريخية -وتشمل آثارًا تاريخية- وقام البطريرك ثيوفيليوس الثالث بتوقيع الاتفاقية التي تتضمن أرقام القسائم والمبلغ المستحق رسميًّا بقيمة ثمانمئة ألف دولار سُلِّمَتْ للبائعين فور التوقيع على الاتفاقية، ومئتَي ألف دولار سُلِّمَتْ لاحقًا. وبيعت هذه المنطقة في قيسارية لشركة تُدعى “سانت فينسنت”؛ مُسجَّلة في دولة صغيرة نائية تُدعى: “غرينادين”؛ الواقعة في منطقة البحر الكاريبي، ويبلغ تعداد سكانها نحو مئة وخمسين ألف نسمة. وتم بيع هذه الأرض كلها؛ أي نحو تسعمئة دونم بمبلغ مليون دولار فقط(24).

ونُشير هنا أيضًا إلى صفقة بيع أحد عشر دونمًا في مدينة طبريا، على شاطئ البحيرة، بمحاذاة الدير في قلب المدينة. أيضًا في هذه الأماكن، تم دفع مبالغ قليلة مقابل الأراضي. وبِيعَ ستون دونمًا في مدينة الرملة؛ وهي أراضي أوقاف أرثوذكسية وملك لأبناء الطائفة(25).

في هذا السياق، كشف الباحث الفلسطيني في شؤون الأوقاف الأرثوذكسية، أليف صباغ، أَّن وثائق “ويكيليكس” التي حصل عليها مؤخرًا، تُقَدمُ مادة دسمة جدًّا عن التدخل الدولي السياسي، لاسيما الأميركي، في شؤون البطريركية اليونانية في القدس؛ إحدى هذه الوثائق، التي صدرت عن مكتب وزارة الخارجية الأميركية فيما يخص التدخل الأميركي لدى السلطة الإسرائيلية للاعتراف بـثيوفيليوس الثالث تؤكد اَّنه حصل على الاعتراف الإسرائيلي مقابل التزامات خطرة؛ منها ما يخص “صفقة باب الخليل”.

وتقول الوثيقة: “قال البطريرك الأرثوذكسي اليوناني، ثيوفيليوس الثالث، للمحلل السياسي الأميركي، يوم التقاه في 18 ديسمبر/كانون الأول 2007: إن الوزير الإسرائيلي، رافي إيتان، أبلَغَ البطريركية في القدس، يوم 16 ديسمبر/كانون الأول، أن الحكومة الإسرائيلية اعترفت به (بالبطريرك)، وقال إنه لا يزال ينتظر وثائق رسمية من الحكومة الإسرائيلية، لكنه وصفها بأنها تقنية. وقال ثيوفيليوس أيضًا: “إنَّ البطريركية ستحترم الاتفاقات السابقة جميعها مع الحكومة الإسرائيلية، وتُعامل قضية الأملاك الأرثوذكسية اليونانية في القدس الشرقية -التي باعها البطريرك السابق، أرنيوس، للإسرائيليين على أنها مسألة قانونية”. وفي مكان آخر من الوثيقة، قال ثيوفيليوس للمحلل السياسي الأميركي: “إنَّ الاعتراف به، سيمكِّن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية من العمل مع الحكومة الإسرائيلية على مجموعة من القضايا غير المحددة”. وفي هذا الصدد، قال الباحث أليف صباغ: “إنَّ ما جاء في هذه الوثيقة، يؤكد ما نُشرَ في وقت سابق من محضر سري جمعَ البطريرك ومحاميه مع اللجنة الوزارية الإسرائيلية يوم 11 يوليو/تموز 2006، وقال فيه محامي البطريرك والبطريرك نفسه إنه “مستعد لعقد صفقات مع الطرف الإسرائيلي، وإن الاعتراف به يسهِّل الطريق لتوقيع ثلاث صفقات جاهزة”(26).

 

تصدي القيادات المسيحية العربية لبيع الأملاك الوقفية

تقف القيادات المجتمعية والمؤسساتية والجماهيرية العربية الفلسطينية كلها في عموم أرض فلسطين وعلى رأسها أبناء الطائفة المسيحية موقفًا موحدًا، وتلعب دورًا رائدًا في التصدي لعمليات نهب الممتلكات الوقفية في فلسطين وبيعها؛ ومنها الأملاك الوقفية العائدة للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في فلسطين، وفي فضح الأدوار الخفية لبعض الأطراف في تسريب تلك الأوقاف ووضعها لقمة سائغة بيد سلطات الاحتلال ومجموعات التهويد والاستيطان.

فالسيد عدي بجالي، عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأراضي المقدسة، يرى أن “للبطريركية بقيادتها اليونانية دورًا أساسيًّا في تمكين الاحتلال من تهويد الأوقاف والأملاك العربية الأرثوذكسية في فلسطين المحتلة، واستهداف الحضارة والتاريخ والوجود الفلسطيني العربي المسيحي؛ وذلك عبر إتمام صفقات البيع”(27).

وأوضح عدي بجالي أن: “السلطات الإسرائيلية لا تستطيع -قانونيًّا ودوليًّا- مصادرة أي وقف فلسطيني مسيحي، إلا من خلال صفقات البيع الخطرة التي تستهدف الأراضي الفلسطينية المحتلة برمتها”. ومن جهته، قال داوود حنانيا، عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي المُشكَّل من ثمانية أعضاء من الأردن وفلسطين: “إن أملاك الكنيسة لا يجوز بيعها؛ من الناحيتين الوطنية والسياسية، بوصفها أراض فلسطينية لا يجوز بيعها للاحتلال”. ونوه إلى أهمية: “إعادة النظر في قانون بطريركية الروم الأرثوذكس رقم 27 لعام 1958؛ لجهة وضع ضوابط تمنع التصرف بأملاك الكنيسة الأرثوذكسية من قبل شخص بمفرده؛ من أجل وضع الموضوع في نصابه القانوني”، وتوقف عند ضرورة حصر أملاك الكنيسة الأرثوذكسية؛ التي تملك أجزاء كبيرة ومهمة في فلسطين؛ لاسيما في القدس المحتلة(28).

بدوره، أوضح المهندس إميل غوري؛ عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين؛ أن “نقل ملكية أملاك وأوقاف الكنيسة إلى الاحتلال، تُعدُّ مسألة خطيرة على القضية الوطنية الفلسطينية”، مؤكدًا أنه: “يُمنع بيع أوقاف وأملاك الكنيسة الأرثوذكسية؛ بوصفها أراضي وقفية، أوقفها أهالي البلاد باسم البطريركية في خدمة الصالح العام للشعب العربي الفلسطيني، وليس للتفريط بها وتسريبها للاحتلال”(29).

ودعا أميل الغوري إلى “وقف النهج البطريركي الراهن، وتعديل قانون بطريركية الروم الأرثوذكس، لجهة الحد من السلطة المطلقة للبطريرك، ومن صلاحيات “أخوية القبر المقدس” التي تُشرف على الأماكن والوقف الأرثوذكسي، مقابل توسيع مشاركة الأرثوذكس العرب في الأردن وفلسطين”(30).

وطالب إميل الغوري: “بإبطال صفقات بيوعات أملاك الكنيسة وأوقافها، بكل شفافية ومصداقية”، مؤكدًا أن “التحركات المضادة لسياسة البطريركية، لا تُعَدُّ مناهضة لشخص البطريرك، وإنما للنهج المُتبع حاليًّا؛ وذلك لنصرة القضية الوطنية الفلسطينية، بعيدًا عن مقولات العنصرية والطائفية؛ التي تُعَدُّ مرفوضة بشكل مطلق”.

من جهته، قال عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين، زياد العمش: إن “هناك مخططًا إسرائيليًّا ممنهجًا لتهويد الأماكن المقدسة، من خلال البطريركية التي باتت تشكل أداة طيعة بيد الاحتلال”، وقال: “إنَّ صفقات البيع مُستمرة، رغم نفي البطريركية”، موضحًا أنه “لا يُمكن تمريرها إلا بإمهار البطريرك، وموافقة المجمع الكنسي المقدس؛ الذين هم أيضًا يشتركون بأمر التفريط بالأوقاف والأملاك الأرثوذكسية وتحويلها للاحتلال”. وأكد أن “الهيئات الأرثوذكسية، ستواصل نضالها ضد سياسة البطريركية الحالية”، منوهًا إلى “قرار المجلس المركزي الأرثوذكسي بتشكيل لجنة قانونية؛ لحضور الجلسات في محاكم الاحتلال الإسرائيلي التي تتم فيها عمليات البيع”، ودعا: “الحكومتين، الأردنية والفلسطينية، لتحمُّل مسؤولياتهما الوطنية والتاريخية؛ ضمن الصلاحيات التي كفلها قانون بطريركية الروم الأرثوذكس؛ لوقف ما وصفه بمسلسل بيوعات الأملاك الأرثوذكسية وتأجيرها، واتخاذ الإجراءات القانونية كلها لإبطالها”. وشدَّد كذلك على ضرورة “تعديل هذا القانون؛ للحدِّ من الصلاحيات المُطلقة للبطريرك، وتوسيع مشاركة الأرثوذكس العرب في صنع القرار الكنسي، وإلغاء كل صفقات البيع التي تمت مع الاحتلال، واسترجاع الأملاك المُستلبة ووضعها في خدمة الصالح العام للشعب العربي الفلسطيني”.

فيما كان رئيس أساقفة سبسطية الأرثوذكس؛ المطران عطا الله حنا، قد أكد استنكار ورفض “هذه الصفقات المشبوهة التي كان من بينها ما تم الإعلان عنه من صفقة باب الخليل التي تُعَدُّ من أخطر الصفقات، إزاء تداعياتها الخطيرة على الحضور المسيحي العربي الفلسطيني في القدس المحتلة وعموم أرض فلسطين التاريخية؛ لأنها ستساعد في تشويه معالم البلدة القديمة وسياسة تغيير ملامحها، فضلًا عن اندراجها في إطار سياسات الاحتلال؛ الذي يستهدف القدس بمكوناتها جميعها”.

إن تسريب الجزء الكبير من الأوقاف والعقارات المسيحية في فلسطين لجهات “إسرائيلية”؛ لم يَكُن ليَمُر دون تواطؤ البطريرك اليوناني؛ الذي واجهه جمهور المؤمنين من أبناء فلسطين من عموم الطوائف المسيحية الذين هبُّوا في إطار المؤسسات الوطنية الفلسطينية الواحدة الموحدة؛ للدفاع عن عروبة تلك الأوقاف وحمايتها، فبدأت الشخصيات وعموم الفعاليات العربية الأرثوذكسية في مناطق فلسطين التاريخية تتحرك بشكل ملموس منذ سنوات طويلة؛ للدفاع عن تلك الأوقاف والعقارات التابعة لها. وعُقدت اللقاءات المتتابعة والفعاليات الكبيرة والمؤثرة؛ لاستنهاض الناس للدفاع عن تلك الأوقاف؛ وكان أهمها: اللقاء الطارئ في مقر الجمعية الأرثوذكسية في مدينة بيت ساحور، في أغسطس/آب 2009، بدعوة من مجلس المؤسسات العربية الأرثوذكسية؛ للتباحث في ما آلت إليه الأمور داخل البطريركية الأرثوذكسية، والأخبار المتواترة عن صفقات بيع وتأجير طويل الأمد تقوم بها البطريركية. وكان من هذه الصفقات الصفقة التي عُقدت بين البطريركية وشركة “إسرائيلية” على طريق بيت لحم-مار إلياس، حيث رأى المُجتمعون فيها مدخلًا لإطباق الحزام الاستيطاني التهويدي على مدينة القدس. وقد أكد المُجتمعون -بالإجماع- على إدانة أية صفقات عقدها ويعقدها البطريرك والمجمع المُقدس وتجريمها، عادِّين إياها عدوانًا على أملاك الكنيسة العربية الأرثوذكسية وعلى مجمل الكنائس المسيحية في الأرض المقدسة، ومَسًّا بالوجود المسيحي التاريخي العربي الأصيل في القدس، وعدوانًا على عموم المسيحيين في العالم؛ لما للقدس من بُعد روحي عميق. وأكدوا -كذلك- تمسكهم بهذه الأوقاف إرث الآباء والأجداد؛ لكونها جزءًا من الهوية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني تحت شعار: “المحافظة على ما تبقى من أوقاف، واسترداد ما جرى تسريبه”.

ورفض مجلس الطائفة الأرثوذكسية في مدينة الناصرة في بيان له المساس بالأوقاف المسيحية الأرثوذكسية في فلسطين، وقال: “حذرنا بالماضي -ونحذر مجددًا- من التفريط بأوقاف الطائفة العربية الأرثوذكسية في البلاد؛ الذي يُعَدُّ جرمًا بحق إرثنا التاريخي والوطني في بلاد الآباء والأجداد، ولن يمر هذا مرور الكرام”(31).

 

ردود فعل الوسط العربي الفلسطيني

تواصلت ردود الفعل العربية الفلسطينية من القيادات الروحية بشأن رفض المساس بالأوقاف العربية الفلسطينية العائدة للطائفة الأرثوذكسية، وجاءت ردود الفعل من أتباع الطائفة المسيحية الأرثوذكسية لتقول للبطريركية اليونانية في القدس المحتلة: “إنَّ الفرمانات -التي تمنحها الوصاية على الأوقاف- لا تعني التفريط بها من حيث المبدأ، ويزيد على هذا تسريبها وبيعها لجهات استيطانية خطيرة تضمر الشر للشعب الفلسطيني؛ ومن ضمنه أبناء الطائفة العربية الفلسطينية الأرثوذكسية”.

وقد تابعت الفعاليات الوطنية الفلسطينية كلها قضية الأملاك والأوقاف العائدة للكنيسة الأرثوذكسية، وتواصلت معها الفعاليات الميدانية على الأرض في حراك؛ مازال يتواصل من طرف أبناء الشعب العربي الفلسطيني من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية، ومعهم أبناء فلسطين كافة؛ دفاعًا عن الأوقاف المسيحية في القدس وعموم فلسطين؛ فقد اجتمعت المؤسسات والجمعيات والفعاليات الأرثوذكسية العربية الفلسطينية في مدينة بيت لحم يوم 3 يوليو/تموز 2017؛ لمناقشة التطورات بشأن أملاك وأوقاف الكنيسة الأرثوذكسية، واتفقت على ما يأتي:

أولًا: ترفض المؤسسات والجمعيات الأرثوذكسية جميعها والحراك الشبابي والشعبي الفلسطيني صفقات تسريب العقارات والأراضي من قبل البطريركية الأرثوذكسية المقدسية، وآخرها صفقة “رحابيا”؛ التي تنازل بموجبها البطريرك ثيوفيليوس الثالث عن قطعة أرض بمساحة تُقدَّرُ بأكثر من خمسمئة وثمانية وعشرين دونمًا في موقع الطالبية في القدس المحتلة.

ثانيًا: اتفقت المؤسسات -بالإجماع- على إيقاف أشكال الحوار جميعها مع البطريرك والمجمع المقدس، بعد نكثهم للالتزامات والعهود جميعها منذ تولي البطريرك منصبه.

ثالثًا: اتفقت المؤسسات على تشكيل سكرتاريا مُصغَّرة؛ لمتابعة الخطوات الاحتجاجية والتحركات الشعبية جميعها التي تهدف لعزل البطريرك ثيوفيليوس الثالث، وسحب الاعتراف الفلسطيني والأردني منه.

رابعًا: تَعُدُّ المؤسسات والفعاليات الأرثوذكسية شخص البطريرك ثيوفيليوس الثالث ومن يمثِّله غير مرحَّب بهم في كنائسنا وأديرتنا ومؤسساتنا الأرثوذكسية جميعها.

خامسًا: تؤكد المؤسسات والفعاليات الأرثوذكسية البيان الصادر عن المجلس المركزي الأرثوذكسي والحراك الشبابي الأرثوذكسي بتاريخ 30 يونيو/حزيران 2017، وتطالب السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة المملكة الأردنية الهاشمية بسحب الاعتراف بالبطريرك ثيوفيليوس الثالث.

سادسًا: تناشد المؤسسات والفعاليات الأرثوذكسية الحركة الوطنية والمؤسسات الوطنية جميعها ومؤسسات المجتمع المدني بتبنِّي موقف المؤسسات الأرثوذكسية والمجلس المركزي رسميًّا؛ كونها قضية وطنية بحتة(32).

المؤسسات والفعاليات التي شاركت في الاجتماع المذكور أعلاه هي: النادي الأرثوذكسي في بيت لحم، والمجلس المُختلط، والجمعية الأرثوذكسية في بيت ساحور، والشباب العربي الأرثوذكسي في بيت ساحور وفي بيت لحم وفي بيت جالا، والنادي الأرثوذكسي الثقافي العربي في بيت ساحور، والجمعية الأرثوذكسية في بيت لحم، وجمعية أبناء الطائفة الأرثوذكسية للإسكان في بيت ساحور، والحراك الشبابي الساحوري، ولجنة وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية في بيت ساحور، والمجلس المركزي الأرثوذكسي، والنادي الأرثوذكسي في القدس، والنادي الأرثوذكسي في بيت جالا، وجمعية الإحسان الأرثوذكسية في بيت جالا، والشباب العربي الأرثوذكسي في عين عريك/ رام الله(33).

وأكدت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين على موقفها الرافض لصفقات التأجير والبيع كلها لممتلكات الطائفة الأرثوذكسية في عموم فلسطين، كما أكَّدت أيضًا أن البطريركية تتحمل مسؤولية حفظ هذه الممتلكات وحمايتها، واستخدامها لمصلحة تعزيز الوجود المسيحي العربي الفلسطيني ووقف نزيف الهجرة، هذا هو الموقف الذي كانت اللجنة الرئاسية قد أكدته وأبلغته للبطريركية. وأضافت اللجنة: “رغم الإدراك لعمق الأزمات المالية التي تعاني منها مختلف الكنائس، إلا أن بيع أو تأجير لممتلكات أو أراض تابعة لها لسد العجز المالي، هو أمر غير مقبول ولا يُقدم حلًّا جذريًّا لإنهاء مشكلة العجز المالي”(34).

في هذا السياق، وبدعوة من مجلس الطائفة العربية الفلسطينية الأرثوذكسية، تظاهر العشرات في ساحة العين بمدينة الناصرة المحتلة عام 1948؛ احتجاجًا على تسريب أراضي الأوقاف في القدس وأنحاء مختلفة من فلسطين وبيعها. ورفع المتظاهرون شعارات مُنددة بتصرفات البطريركية؛ منها: “الدفاع عن الأوقاف الأرثوذكسية، دفاع عن الكنيسة، الوطن، الإنسان والوجود”، و”لن نسكت ولن نهدأ حتى يتوقف بيع وتسريب الأملاك”(35).

وفي المضمار ذاته، تظاهر حوالي ثلاثمئة من أبناء فلسطين -وجلُّهم من المسيحيين الأرثوذكس- يوم 16 سبتمبر/أيلول 2017، في البلدة القديمة في مدينة القدس، ضد البطريرك اليوناني الأرثوذكسي، ثيوفيليوس الثالث؛ بسبب قراره ترتيبَ صفقة بيع جزء كبير من الأراضي؛ التي تملكها الكنيسة الأرثوذكسية في الداخل المحتل عام 1948، وقال المتظاهرون: “إن تلك الصفقة تتناقض ومصالح الشعب الفلسطيني ومسيحييه، وإن هذه الصفقات مرفوضة”، وطالبوا البطريرك بالاستقالة. وقد زادت تلك المظاهرة من التوتر داخل مراجع الكنيسة الأرثوذكسية؛ التي تحكمها -بشكل مُطلق- نُخبةٌ من الكهنة اليونانيين، بينما أتباعها كافة هم عرب فلسطينيون.

وقال فيكتور زكاك؛ رئيس الجمعية الخيرية الأرثوذكسية في مدينة يافا المحتلة عام 1948: إن “البطريرك يبيع الأملاك؛ لأنه لا يشعر أنه جزء من طائفته”. وأضاف: “إننا نَعُدُّ البيع عملًا يهدف إلى إنهاء الوجود العربي الفلسطيني المسيحي الأرثوذكسي في الداخل عام 1948”. وأوضح فيكتور زاك: “إنها تُباع لأنواع مختلفة من الشركات الوهمية، وهيئات خيالية لا وجود لها، لا توجد هنا شفافية، ولا توجد نوايا حسنة”(36).

وبحسب المتظاهرين في مدينة القدس، يوم 16 سبتمبر/أيلول 2017؛ كان يجب على البطريرك استخدام الأرض؛ لتعزيز حضور الطائفة المسيحية الأرثوذكسية في الداخل الفلسطيني وتمكين وجودها بدلًا من بيعها. وقال بيتر حبش، أحد المتظاهرين: “إنَّ شبابنا في مدينة يافا ليس لديهم مكان يعيشون فيه، وهو يبيع الأراضي المتبقية. هناك شعور بالفوضى العارمة”. وقال رئيس القائمة المشتركة في الداخل، أيمن عودة، الذي شارك في المظاهرة: “من غير المُمكن أن تُقرر مجموعة من رجال الدين للأمة كلها. إن مطالبنا هي إعادة هذه العقارات للكنيسة”. كما احتج المتظاهرون على بيع الفندقين الكبيرين بالقرب من بوابة يافا في القدس؛ لشركات تابعة لمنظمة المستوطنين “عطيرتكوهنيم”. وتمت الصفقة في عهد البطريرك اليوناني أرينيوس، وصُودقَ عليها من طرف المحكمة المركزية لدى كيان الاحتلال(37).

وفي هذا المسار من العمل الفلسطيني لحماية الأوقاف المسيحية في فلسطين، استجاب أبناء الطائفة العربية الأرثوذكسية في مدينة يافا، يوم الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2017؛ لدعوة الجمعية الخيرية الأرثوذكسية بمقاطعة البطريرك ثيوفيليوس الثالث، وعدم مشاركته الصلاة بسبب قضية تسريب أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين وبيعها تحت ذرائع مختلفة. وكانت الجمعية الخيرية الأرثوذكسية قد أصدرت بيانًا عمَّمته على أبناء مدينة يافا دعتهم فيه إلى مقاطعة البطريرك ثيوفيليوس الثالث؛ وذلك بناءً على قرارات المؤسسات الأرثوذكسية والمؤتمر الوطني في مدينة بيت لحم والمؤتمر الأرثوذكسي والمجالس المحلية وحراك الحقيقة الأرثوذكسية الشعبي. وقال في حينها ناشطون في حراك الحقيقة: “إن المقاطعة للبطريرك ثيوفيليوس الثالث كانت شاملة، لكن ثيوفيليوس الثالث أحضر معه مجموعة من المصلين الروس، كما جرى إحضار طلاب من المدرسة الأرثوذكسية وإقحامهم بالعيد؛ وهم لا يدرون شيئًا عن الموضوع؛ ليضمن وجود حضور بالكنيسة”(38).

وفي السياق ذاته، تظاهر المئات في مدينة حيفا داخل فلسطين المحتلة في 1948 ضد تسريب الأوقاف الأرثوذكسية، ووقف المتظاهرون وسط مدينة حيفا، ورفعوا شعارات تُطالب بعزل البطريرك ثيوفيليوس الثالث؛ بعبارات مثل: “يسقط نظام القمع والاستبداد؛ الذي يتبعه ثيوفيليوس الثالث وزبانيته”. وهتف المتظاهرون: “يا للعار يا للعار يا عبيد الدولار”، مطالبين بعزل البطريرك ثيوفيليوس الثالث، وعزل المجمع الأرثوذكسي.

وكان المركز الملِّي الأرثوذكسي والمؤتمر الأرثوذكسي قد وجَّها دعوة للمشاركة في المظاهرة، وجاء فيها: “إن المركز الملِّي الأرثوذكسي والمؤتمر الأرثوذكسي، بادرا إلى تنظيم المظاهرة ضد صفقات تسريب أراض وعقارات في مدينة القدس المحتلة وعموم فلسطين؛ لصالح جهات استيطانية”.

وهاجم متظاهرون من أبناء الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين موكب البطريرك اليوناني، ثيوفيليوس الثالث، لدى دخوله مدينة بيت لحم من أجل إحياء الميلاد للطوائف الشرقية في كنيسة المهد، يوم السادس من يناير/كانون الثاني 2018، واتهموه بتسريب أملاك الكنيسة لجمعيات يهودية استيطانية. وتمكّن عدد من المواطنين من تحطيم نوافذ بعض سيارات الموكب، ورجم بعضها بالحجارة والنفايات والبيض. كما قاطع رؤساء بلديات بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا البطريرك، ورفضوا استقباله كما هي العادة في عيد الميلاد كل عام. وقال رئيس بلدية بيت جالا، نيقولا خميس: “إن على المجمع الكنسي أن يعزل البطريرك ثيوفيليوس فورًا على خلفية جرائم تسريب الأراضي”، موضحًا أن المواطنين ساخطون على البطريرك ولا يريدون رؤيته في الكنيسة(39).

وكان عشرات من أبناء الطائفة الأرثوذكسية قد اعتصموا في الشارع الرئيس المؤدي إلى الكنيسة منذ ساعات الصباح؛ لمنع البطريرك ثيوفيليوس الثالث من دخول المدينة والوصول إلى الكنيسة، وردَّد المتظاهرون لدى وصوله هتافًا: “خائن خائن…”؛ وجاء الاعتصام بدعوة من المؤتمر المسيحي الأرثوذكسي والمؤسسات الأرثوذكسية؛ التي طالبت بمقاطعة استقبال البطريرك وإقالته. وقال ناشطون: “إنهم جمعوا وثائق تؤكد وقوف ثيوفيليوس الثالث وراء عدد من صفقات بيع أوقاف الكنيسة أو تأجيرها لمؤسسات وجمعيات يهودية استيطانية؛ بينها ما عُرف باسم “صفقة باب الخليل”؛ التي شملت بيع فندقي البتراء والإمبيريال في القدس المحتلة، وعدد من المحال التجارية التابعة لها للجمعيات اليهودية الاستيطانية، إضافة إلى عقارات عدة داخل البلدة القديمة في القدس، وأراض في أنحاء مختلفة من فلسطين؛ بينها صفقة شملت خمسمئة دونم في أحياء الطالبية والمصلبة وشارع الملك داوود ومحيط حديقة الجرس”.

وقدم أكثر من ثلاثمئة شخصية أرثوذكسية العام الماضي شكوى رسمية ضد البطريرك ثيوفيليوس الثالث لدى النائب العام الفلسطيني على هذه الخلفية(40).

وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد أشارت في بيان لها إلى: “أن البطريرك كيريوس ثيوفيليوس الثالث لص وفاسد، وغير مرحَّب به في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويجب محاسبته ومحاكمته وإقالته من منصبه؛ لتورطه في تسريب الأراضي والأوقاف العربية في فلسطين المحتلة وبيعها للكيان الصهيوني، فضلًا عن علاقاته المتشعبة مع دوائر الاحتلال؛ لاسيما الأمنية والعسكرية”.

وأشادت الجبهة الشعبية بموقف الإجماع الوطني والشعبي والديني في مدينة بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا وعموم مدن الضفة والقدس وفلسطين المحتلة في 1948؛ ذلك الموقف الرافض والمقاطع لزيارته لبيت لحم يوم 6 يناير/كانون الثاني 2018(41).

 

مطالب تعريب الكنيسة الأرثوذكسية

كانت الكنيسة الأرثوذكسية قد ابتدأت في الأردن وفلسطين على يد الأسقف يعقوب الرسول بن يوسف النجار؛ الذي استشهد في العام 62 على يد اليهود، وخَلَفه شقيقه سمعان؛ الذي استشهد أيضًا على يد اليهود، وتعاقب على رئاسة أسقفية القدس والأراضي المقدسة -التي تحولت لاحقًا إلى بطريركية- العشرات من الأساقفة والبطاركة كان أغلبهم من العرب أهل البلاد؛ وأبرزهم: البطريرك إيليا النجدي؛ الذي ترأَّس الكرسي البطريركي في 494، والبطريرك صفرونيوس الدمشقي؛ الذي ترأس الكرسي البطريركي في 634 -الذي استقبل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه-، والبطريرك يوحنا؛ الذي ترأس الكرسي البطريركي في 705، والذي منع الصلاة في الكنائس بأي لغة غير العربية. وعندما احتل الفرنجة بيت المقدس، العام 1099، قتلوا العرب الأرثوذكس، كما قتلوا العرب المسلمين، ونصَّبوا البطاركة اللاتين على القدس، واحتلوا دار البطريركية الأرثوذكسية في المدينة المقدسة، وطردوا البطاركة الأرثوذكس إلى القسطنطينية، واستولوا على كنيسة القيامة، وعدد من الكنائس والأديرة العربية الأرثوذكسية. كما أن صلاح الدين -الذي فتح مدينة القدس، العام 1187، بعد أن حكمها الفرنجة مدة ثمانية وثمانين عامًا- لقي معاونة وتأييدًا كبيرًا من الأرثوذكس العرب؛ الذين حاربوا في جيش صلاح الدين الأيوبي(42).

ومن الثابت أن الرئاسة الروحية للكنيسة الأرثوذكسية في الأردن وفلسطين، ظلَّت عربية حتى القرن السادس عشر، إلى أن انتهى عهد البطاركة العرب في البطريركية الأرثوذكسية في الأردن وفلسطين باستقالة البطريرك العربي عطا الله، في 1534، بعد دخول العثمانيين، فخلفه البطريرك الجديد جرمانوس اليوناني، لكن الدعم الذي منحه العثمانيون لأسقف القسطنطينية؛ الشخصية الإدارية الرسمية لملة الروم، قد عمَّق من سيطرة اليونانيين على هيئة الكهنوت، فشغل الأساقفة اليونان مراتبها المتسلسلة جميعها، وأصبحت البطريركيات القديمة في الشرق الأوسط تخضع لسلطة الفنار -حي في إسطنبول أقيمت فيه البطريركية الأرثوذكسية- كذلك آلت الكنيستان، البلغارية والصربية، إلى المصير نفسه(43).

كانت القدس -في حينها- تُمثِّل مركزًا لرمزية الهيمنة بين القوى العظمى المتغطية بأردية الدين؛ ولذلك من غير المُستغرب أن تلعب الكنيسة الأرثوذكسية دورًا أساسيًّا في الحرب الروسية-العثمانية؛ التي انتهت في 1774 بمعاهدة “كيتشوك كينارجي”؛ التي منحت الروس السيطرة على شبه جزيرة القرم، وجعلتهم -للمرة الأولى- شركاء في البحر الأسود، وأسَّست لدورهم الكنسي في المشرق والقدس على وجه الخصوص(44).

واستمر تعاقب البطاركة والمطارنة اليونان حتى نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدًا عند الأزمة التي استهدفت الكنيسة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر؛ نتيجة الصراع المذكور بين روسيا واليونان، لاسيما الأخوية اليونانية التي استبدَّ بها الجزع بعد استقلال البطريركية البلغارية والصربية، وقررت القتال حتى النهاية؛ لإبقاء الاستحواذ على أنطاكية والقدس.

اشتد الصراع حين عَزَلَ المجمع المقدس البطريرك كيرلس؛ بحجة علاقته بروسيا الأرثوذكسية وتأييده لها، واستبدل به البطريرك بروكوبيوس الثاني في 1873. وتأسست لاحقًا -ردًّا على عملية العزل- “الجمعية الأرثوذكسية الوطنية” التي أرسلت وفدًا إلى الأستانة؛ احتجاجًا على سلوك الأخوية وعزل البطريرك، بينما زعم اليونانيون أن الروس أجَّجوا النزعة القومية عند العرب، وشدُّوا أزرهم في معاداة الأخوية(45).

شكلت الجمعية الأرثوذكسية الوطنية المحطة الأولى في صراع الرعية الأرثوذكسية الفلسطينية العربية ضد الهيمنة اليونانية، وكفاحها المتواصل حتى يومنا هذا ضد الهيمنة الأجنبية وضد عملية النهب التاريخي؛ الذي تتعرض له الكنيسة الأرثوذكسية الفلسطينية، هي وأموال الفلسطينيين وخيراتهم؛ التي تذهب إلى جيوب هؤلاء السماسرة وأرضهم التي تذهب إلى المستوطنين الصهاينة(46).

وعليه، شكل موقف أبناء فلسطين المسيحيين -في تصديهم للبطريرك اليوناني، ثيوفيليوس الثالث، بسبب تورطه في تسريب أملاك الكنيسة الفلسطينية الأرثوذكسية- امتدادًا للموقف الوطني الملتزم للكنيسة -في فلسطين وفي سائر المشرق العربي بشكل عام- التي تخوض الآن مواجهة كبرى من أجل تعريب الكنيسة واسترداد ما تم بيعه وتسريبه من الأوقاف المسيحية في فلسطين لسلطات الاحتلال “الإسرائيلي”؛ فالفعاليات المسيحية في فلسطين -لاسيما الأرثوذكسية منها بما فيها المجلس المركزي الأرثوذكسي، والجمعية الخيرية الوطنية الأرثوذكسية، ولجنة المتابعة المنبثقة عن المؤتمر الوطني لدعم القضية الأرثوذكسية، ومختلف القوى والمؤسسات والجمعيات والنوادي الأرثوذكسية في عموم فلسطين التاريخية- تقود المعركة الآن من أجل تعريب الكنيسة، ومقاومة الظلم، والعدوان، والتزوير، وسرقة الأراضي.

تلعب الكنيسة في فلسطين الآن دورًا محوريًّا في هذا الإطار؛ فقد شكَّلت الكنيسة الفلسطينية أحد أعمدة النضال الوطني ضد الاحتلال، ونستذكر في هذا الإطار عملية اغتيال الأب الشهيد فيلومينوس داخل كنيسة بئر يعقوب في نابلس؛ بسبب موقفه المبدئي وتصديه لإقامة بؤرة استيطانية في المكان على يد مستوطني “ألون موريه”، وثورة الضرائب التي انطلقت من كنائس بيت لحم؛ التي أشعلت طريقًا للثورة ورفض الاحتلال، والتمرد على عنصريته، وظلمه، كما أن “وثيقة كايروس-فلسطين” -التي وقَّعتها قيادات الكنائس والمؤسسات المسيحية في فلسطين، في 2009، والتي فتحت دروب لاهوت التحرير الفلسطيني، والتي تنص على أنَّ “الاحتلال العسكري لفلسطين يعد خطيئة ضد الله وضد الإنسانية”. طالبت الكنائس جميعها والمسيحيين كافة في العالم بمقاطعة إسرائيل، وفرض عقوبات اقتصادية عليها وسحب الاستثمارات منها؛ لإلغاء القوانين العنصرية المتخذة من طرفها بهدف التمييز ضد الفلسطينيين وذلك في محاكاة للدعوة التي أطلقتها كنائس جنوب إفريقيا؛ عندما أعلنت “أن نظام الأبرتهايد خطيئة ضد الله والإنسان”(47).

لقد تطور كفاح الشعب العربي الفلسطيني مع تصاعد حركته الوطنية التحررية بعيد النكبة الكبرى العام 1948 وإلى الآن، وتطورت ميادين كفاحه المُتعدد الأشكال والأنماط في سعيه لحماية الأوقاف والعقارات المسيحية والإسلامية عمومًا؛ فرؤساء الكنائس العربية المسيحية في القدس يطالبون مباشرةً -منذ وقت طويل- بتعريب رئاسة الكنيسة في فلسطين والأردن؛ أسوة بالكنائس العربية كلها؛ إذ كان بطاركة القدس الأرثوذكس -منذ العهد الأموي- بطاركة عرب، حتى تم تغيير هذا الوضع في العهد العثماني؛ فأصبح البطريرك يونانيًّا، ثم جرت العادة -منذ العهد الأردني في إدارة الضفة الغربية وشرقي القدس بعد عام النكبة- أن يتمتع البطريرك بالجنسيتين، اليونانية والأردنية، وأن يتم تعيينه بالتوافق بين الحكومتين.

ومنذ سنوات عديدة يَشعر أبناء الشعب العربي الفلسطيني من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين بأن الكنيسة تمنع رجال الدين العرب من الوصول إلى المناصب العليا؛ لتبقى القيادة تحت السيطرة اليونانية الكاملة.

حقيقةً، ومنذ أكثر من مئة عام، بدأ أبناء الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين، يناضلون لتغيير الاتفاق اليوناني العثماني، وما زالوا يُطالبون الآن بتعيين بطريرك عربي. وكان يقود هذه الحركة خليل السكاكيني؛ رجل التربية العظيم في فلسطين قبل النكبة، واستمر الحراك الأردني الفلسطيني لمسيحيي الضفتين، الغربية والشرقية، لتعيين بطريرك عربي؛ كي تحافظ البطريركية على أملاكها، ويشعر أبناء الطائفة أن من يقودهم هو (ابن بلد) يعرف آلام أبناء الطائفة وآمالهم، ويُدرك مشاكلهم ويحاول حلها، وهم لا يريدون بطريركًا مستوردًا؛ لا يعرف حتى لغة أبناء البلد، ويصعب الوصول اليه والتفاهم معه.

إن أرثوذكس فلسطين والأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها، هم عرب في انتمائهم القومي والوطني، وسيبقَون عربًا بلسانهم وعواطفهم وإيمانهم وعقولهم؛ يحافظون على عرضهم وأرضهم ووطنيتهم وقوميتهم؛ ومن هنا، تأتي أهمية العمل من أجل إزاحة البطريرك الحالي عن منصبه لصالح تعريب الكنيسة الأرثوذكسية وصون أملاكها الوقفية في عموم فلسطين التاريخية.

لقد عَبَّرَ يوسف حسن ومنذر قسيم، عضوا مجلس طائفة الروم الأرثوذكس في فلسطين سابقًا من مدينة الناصرة، عن الموقف الداعي لتعريب الكنيسة الأرثوذكسية العربية. وفي بيان مشترك لهما، احتجاجًا على زيارة البطريرك ثيوفيليوس الثالث للناصرة في وقت سابق في عيد البشارة، قالا: “إن حضور البطريرك في مثل هذه الظروف يُنغِّص الاحتفالات. أنتم ونحن لا نقبل ولا نشارك ولا نحتفي بمن يشجع الاستيطان البغيض ويفرِّط بالأملاك والأوقاف الكنسية، ولا بمن يتخذ قرارات حرمان وإبعاد وإقصاء لكهنتنا العرب. لا نكافئ من ينكث العهود والالتزامات، ولا من يريد تفرقتنا بقوميات مستحدثة، ولا من يريد لأبنائنا أن يصبحوا جنودًا في جيش الاحتلال”. وأكدا في رسالة موجهة إلى مجلس الطائفة: “إن الأوضاع والأحداث التي تمر بها منطقتنا في المرحلة الأخيرة أثَّرت فينا؛ كوننا أقلية، وأشعرتنا بوجوب أن نكون موحدين في مواجهة التحديات التي تعترضنا، وأن نشعر بالتواصل والتفاعل مع الرئاسة الروحية؛ التي نتوخى منها أن ترعى وتسهر على مصلحة الرعية، ولزيادة انتمائنا وتمسكنا بمقدساتنا وأرضنا. ولكن للأسف الشديد، لم نشعر بهذا التوجه من الرئاسة الروحية، بل بالعكس، تستمر هذه الرئاسة الروحية بالتفريط بأملاك وأوقاف كنيستنا أمِّ الكنائس، والتعامل معها كأنها أرض خاصة؛ حتى أصبح هناك من يشبِّه البطريركية بوكالة عقارات. وبالمقابل، تقوم هذه الرئاسة الروحية للبطريركية بملاحقة الكهنة والمطارنة العرب الذين يسعون لزيادة الوعي الديني والانتماء النهضوي لدى أبناء الكنيسة، بدلًا من أن تدعمهم في مسعاهم وتشجعهم؛ لزيادة التثقيف الروحي وتعميق الانتماء لدى أبناء الكنيسة”(48).

وعليه، فإن تعريب قيادات الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين مطلب وطني فلسطيني خالص؛ بات الآن ملحًّا أكثر من أي وقت مضى؛ لوقف تسريب بيع الأراضي الكنسية للاحتلال “الإسرائيلي”؛ وهو ما أكَّده ودعا إليه البيان الصادر عن اجتماع رؤساء كنائس الأراضي المقدسة بداية العام 2017، وقد جاء ردهم على التطورات الخطيرة المخفية التي لا تؤثر -فقط- في المجتمع المسيحي العربي الأصيل في القدس، بل في كل مسيحي في أنحاء العالم؛ لما لها من أهمية وبُعد روحي عميق. كما أكد رؤساء الكنائس العربية والأجنبية جميعها في فلسطين، في اجتماعهم المُشار إليه أعلاه، “أن المحاولات لإضعاف المكونات المسيحية في القدس، لا تؤثر في كنيسة واحدة دون غيرها، بل تؤثر في الكنائس جميعها، وفي المسيحيين كافة في القدس والعالم”. كما تطرَّق البيان لسلوك حكومات الاحتلال التي: “تأتي في سياقات السعي لحرمان البطريركية الأرثوذكسية البالغة من العمر ألفَي سنة، وكذلك حرمان الكنائس الأخرى الحاضرة على امتداد قرون في الأراضي المقدسة من حريتها واستقلالها المشروعَين، ومن دورها التاريخي… وهذا يُشكِّل انتهاكًا واضحًا وخطيرًا، واعتداءً مرفوضًا على حرية العبادة وعلى حقوق الملكية الكنسية”(49).

في هذا السياق، قدم عدد من النواب الأردنيين، يوم 16 يناير/كانون الثاني 2018، مقترحًا لرئيس مجلس النواب الأردني، عاطف الطراونة؛ لتشكيل لجنة تقصي حقائق، حول تسريب أراضي الأوقاف الأرثوذكسية في القدس المحتلة، ووقَّع على المذكرة ثلاثة عشر نائبًا، وقد اقترحوا تشكيل لجنة من مجلسَي، النواب الأردني والتشريعي الفلسطيني؛ لـ”الوقوف على حقيقة الأمر”. وقال الموقِّعون على المذكرة: “إن أهمية تشكيل اللجنة، تكمن في الحفاظ على القدس والمقدسات، والتأكيد على دور الهاشميين في الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية”(50).

وفي رسالة إلى دورة أعمال المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، المنعقدة في رام الله يومي 14-15 يناير/كانون الثاني 2018، أكَّدَ المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين أن لديه وثائقَ تثبت أن معظم ممتلكات البطريركية الإستراتيجية في القدس المحتلة، بيعت للاحتلال الإسرائيلي ولشركات المستوطنين. وذكر المجلس المركزي الأرثوذكسي في رسالته أن “الوثائق تُثبت أيضًا بيع باب الخليل وباب حطَّة وباب المغاربة للاحتلال ولشركات المستوطنين”. وأضاف في رسالته مخاطبًا أعضاء المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية “أن الاحتلال يعتمد سياسات وإجراءات بينها صفقات بيع العقارات والأراضي الأرثوذكسية وتأجيرها. ويقع عليكم تحمل مسؤولية مواجهة المخاطر والتحديات الجمة، وتحديد اتجاهات النضال، والاستجابة للمُتغيِّرات، وتجديد النضال الوطني وتعزيزه بما يكفل تحقيق الحقوق التاريخية لشعبنا”(51).

وأوضح المجلس المركزي الأرثوذكسي في رسالته “أن بيع الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين سياسة تشارك فيها زمرة يونانية مُتسلطة على رأس الكنيسة العربية الأرثوذكسية. هذه الزمرة اليونانية المتسلطة المتآمرة، يقف على رأسها المدعو ثيوفيليوس الثالث… إننا والمؤسسات المسيحية الأرثوذكسية نقرع ناقوس الخطر، لقد قرعنا ناقوس الخطر منذ مطلع القرن الماضي ضد بيع الممتلكات، لقد قدمنا التضحيات الجمَّة على مذبح شعار تحرير الكنيسة من التسلط اليوناني، وما زلنا نخوض هذا النضال بإصرار يدفعنا انتماؤنا الوطني قبل الديني لفلسطين وأرضها”. وأردف المجلس المركزي الأرثوذكسي في رسالته قائلًا: “قضيتنا ليست قضية دينية ومن ثم طائفية، بل هي قضية فلسطينية عربية بامتياز، كنيستنا الأرثوذكسية هي الكنيسة الوحيدة في العالم؛ التي يقف على رأسها كاهن ليس من أبناء شعبها”(52).

ودعا المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لإعلان دعمه وتبنيه لقرارات المؤتمر الوطني الأرثوذكسي، ولدعم قرارات المسيحيين الأرثوذكسيين الفلسطينيين ومطالبهم بعزل البطريرك، ولدعم المطلب الوطني بتحرير الكنيسة وإصلاح النظام البطريركي البائد “نحن نعوِّل عليكم في وضع قضيتنا على جدول المهام النضالية؛ بوصفها ملفًّا من ملفات منظمة التحرير الفلسطينية، ونأمل لاجتماعكم النجاح. ومعًا حتى تحرير فلسطين بعاصمتها القدس العربية إلى الأبد”(53).

وبالفعل، أدان المجلس المركزي الفلسطيني في دورة أعماله الثامنة والعشرين، التي عُقدَتْ في مدينة رام الله بين 14-15 يناير/كانون الثاني 2018، عمليات تسريب مُمتلكات الطائفة الأرثوذكسية للمؤسسات والشركات الإسرائيلية، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن ذلك، وأكَّدَ دعم نضال أبناء الشعب الفلسطيني من الطائفة الأرثوذكسية ومساعيهم؛ من أجل المحافظة على حقوقهم ودورهم في إدارة شؤون الكنيسة الأرثوذكسية والحفاظ على ممتلكاتها وتعريبها (54).

وفي مسار محاولات السيطرة الإسرائيلية على كامل القدس، وسلب العقارات الفلسطينية المسيحية والإسلامية، والعامة على حدٍّ سواء، أصدر رؤساء الكنائس والطوائف المسيحية في القدس، في يونيو/حزيران 2019، بيان إدانة لقرار المحكمة العليا المصادقة على صفقة بيع ثلاثة عقارات من ممتلكات بطريركية الروم الأرثوذكس في المدينة القديمة إلى جمعية المستوطنين “عطيرتكوهنيم”. وفي بيانهم المشترك، حذَّر رؤساء الكنائس من أن سيطرة المستوطنين على المباني ستؤدي إلى فقدان الطريق الرئيسي للمسيحيين إلى كنيسة القيامة، وطالبوا رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بالتدخل. وكانت “المحكمة العليا” في دولة الاحتلال قد صادقت على بيع فندق “نيو إمبريال” وفندق “بترا” القائميْن في ساحة باب الخليل، وكذلك مبنى آخر في الحي الإسلامي إلى “عطيرتكوهنيم”. ورفض القضاة ادعاءات البطريركية بأن البيع كان غير قانوني؛ لأنه تم بواسطة أشخاص غير مصرح لهم من الكنيسة، وبفعل رشاوي دفعتها جمعية اليمين.

وجاء في بيان رؤساء الكنائس: إن “تصرفات هذه المجموعة المتطرفة “عطيرتكوهنيم” ليست مجرد هجوم على حقوق الملكية لكنيسة الروم الأرثوذكس، بل هي هجوم على الوضع الراهن لجميع المسيحيين في مدينة القدس المقدسة، مما يهدد الوجود المسيحي الأصيل في أرضنا المقدسة الحبيبة. إذا نجحت المجموعة المتطرفة في إجلاء السكان والسيطرة على تلك الممتلكات، فإن المسيحيين والحجاج سيفقدون ممر وصولهم الرئيسي إلى الحي المسيحي في البلدة القديمة بالقدس والأهم من ذلك هو أنهم سيفقدون أيضًا طريق وصولهم الرئيسي إلى كنيسة القيامة”. وأكد البيان دعم مجلس البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس للبطريركية الأرثوذكسية في هذه المسألة، وقالوا: إن “محاولة التشكيك في وجود كنيسة واحدة تقوض جميع الكنائس والمجتمع المسيحي في جميع أنحاء العالم. نؤكد من جديد على إيماننا بأن وجود مجتمع مسيحي نابض بالحياة في القدس هو عنصر أساسي للحفاظ على المجتمع المقدسي المتنوع تاريخيًّا، وشرط أساسي لتحقيق السلام في هذه المدينة التي يجب أن نحافظ على طابعها الفسيفسائي متعدد الثقافات والأديان، فهي نقطة التقاء الأديان التوحيدية الثلاث”. وختم بطاركة القدس ورؤساء كنائسها بمناشدة جميع القيادات السياسية المؤثرة، وقادة الدول، وجميع أصحاب النوايا الطيبة في جميع أنحاء العالم “للانضمام إلينا في السعي لتحقيق نتيجة مقبولة في هذه القضية بحيث نحافظ على الوضع الراهن، ونحافظ على وجود آمن للمجتمع المسيحي المقدس، كما نؤكد على رفضنا استخدام أساليب غير قانونية للاستيلاء على ممتلكاتنا المسيحية”.

ووقَّع البيان المشترك كل من بطريركية الروم الأرثوذكس، والبطريرك نورهان مانوجيان، وبطريركية الأرمن الأرثوذكس، والقاصد الرسولي، والبطريركية اللاتينية، والأب فرانشيسكو باتون، وحارس الأراضي المقدسة ورئيس الأساقفة الأنبا أنطونيوس، وبطريركية الأقباط الأرثوذكس، ورئيس الأساقفة جبرائيل داهو، وبطريركية الأرثوذكس السريانية، ورئيس الأساقفة أبا إمباكوب، وبطريركية الأرثوذكس الإثيوبية، ورئيس الأساقفة ياسر العياش، وبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك، ورئيس الأساقفة موسى الحاج، والبطريركية المارونية، ورئيس الأساقفة سهيل دواني، والكنيسة الأسقفية في القدس والشرق الأوسط، والمطران إبراهيم ساني عازار، والكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأرض المقدسة، والأسقف بيير المالكي، والبطريركية الكاثوليكية السيريانية والمونسنيور كريكور أوكوسدينوس كوسا، والبطريركية الكاثوليكية الأرمنية(55).

وعليه، وفي يونيو/حزيران 2019، تم تشكيل لجنة وطنية لحماية الأوقاف الأرثوذكسية، مكونة من حراك “الحقيقة” والمجلس المركزي الأرثوذكسي وهيئة العمل الوطني والإسلامي، بعد اجتماع في القدس شاركت فيه القوى الثلاث. وفي بيان صادر عقب الاجتماع: إن “اللجنة الوطنية تهدف إلى ترتيب خطوات تصعيدية نضالية شعبية، ضد بيع الأوقاف للسلطات الإسرائيلية”. وأكد المجتمعون أن قضية الأوقاف المسيحية والإسلامية هي “قضية وطنية فلسطينية عربية، وتأكيد على أن نضالنا هو جزء من النضال الشعبي الكفاحي الفلسطيني، وأن ما يقوم به ثيوفيليوس ومن كان قبله من المنظومة الفاسدة هو خطر حقيقي على القدس وعلى كل شبر من فلسطين التاريخية”. وقال عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي، جلال برهم: إن أهمية هذا اللقاء هي في “تحمل المسؤولية الجماعية في نضالنا وخصوصًا من القدس والتعامل بجدية كاملة للتصدي لتسريبات الأوقاف كقضية وطنية”. بينما أكد منسق عمل الهيئة، مازن الجعبري، أهمية تعزيز النضال المشترك في سبيل الحفاظ على الأوقاف في ظل استهداف القدس. وبدورها، شدَّدت عضو حراك “الحقيقة”، نيفين أبو رحمون، على أهمية العمل المشترك على مستوى نضالي فلسطيني عام في قضية الأوقاف الأرثوذوكسية باعتبارها قضية وطنية حارقة والتسريبات تستهدف هوية ومكانة فلسطين بشكل عام والقدس بشكل خاص(56).

في أثناء تلك التطورات التي وقعت خلال النصف الثاني من 2019، والمقاومة اليومية التي أبداها الشعب الفلسطيني دفاعًا عن أوقافه في القدس وسائر أرض فلسطين التاريخية، حاولت أجهزة الاحتلال المس بالعديد من الشخصيات الوطنية التي تقود عملية مقاومة سياسات الاحتلال، وعلى رأسهم المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، الذي تعرض لمحاولة تصفية باستخدام “السموم القاتلة”. وقال المطران: “لن يستطيع أي متآمر أو معتد النيل من حضورنا ورسالتنا”. وفي تسجيل مصور نشره المطران حنا على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، روى ملابسات ما حدث، وقال: إن المواد الكيماوية تم رشها على الأرشيف والمكتبة داخل البطريركية بالقرب من المكان الذي يقطن فيه، مشيرًا إلى أن المواد السامة تسببت له بقيء وعدم قدرة على التحرك، والأمر ذاته أصاب الراهبات اللواتي حاولن مساعدته. فاضطر المطران إلى الخروج من المنزل في البطريركية، والذهاب إلى فندق(57).

وجدَّد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، المطران عطا الله حنا، دعوته للكنائس العالمية والعربية لإنقاذ مسيحيي القدس المحتلة وأوقافهم، ومواجهة محاولات الاحتلال للاستيلاء عليها، وتفريغ المدينة من مكونها المسيحي، مؤكدًا أن حماية الأوقاف المسيحية بالقدس “ليست مهمة المسيحيين وحدهم”. كما أكد أن الاحتلال لا يفرِّق في استهدافه بين المكوِّنين الإسلامي أو المسيحي اللذين ينبغي أن يتوحدا ويقفا في خندق واحد، لأنهما في مرمى الاستهداف عينه، داعيًا المسيحيين في القدس للصمود فيها وعدم هجرها، لأنها “مهد المسيحية ومكان ميلاد السيد المسيح” عليه السلام. وأكد: “هناك استهداف للحضور المسيحي في مدينة القدس، وهذا ليس وليد الساعة، فمنذ أن تم احتلال المدينة تستهدف المؤسسات والأوقاف المسيحية فيها، وقد وصلت ذروة الاستهداف بتخطيط المستوطنين للاستيلاء على أوقافنا الأرثوذكسية العريقة، في باب الخليل والطريق المؤدي إلى الكنائس والأديرة وأحياء البلدة القديمة. ولم يبق داخل الأسوار إلا أربعة آلاف مسيحي، ويمكن أن يتضاءل العدد أكثر إذا تم الاستيلاء على عقارات باب الخليل. من يستهدف الأوقاف المسيحية هو ذاته الذي استهدف الأوقاف الإسلامية التي سُرقت من أصحابها منذ العام 1948، وذروة التعديات هي ما يحدث اليوم في المسجد الأقصى المبارك من اقتحامات هدفها الأكبر تدمير الأقصى لإحلال هيكلهم المزعوم مكانه، وباعتبارنا، مسلمين ومسيحيين، قضيتنا واحدة وعدونا واحد وإن تعددت الأنماط والأساليب المستخدمة في استهدافه لنا”. وختم المطران: “نحن نعتقد أنه في الوقت المناسب ستعود كل العقارات التي سرقت في الماضي، لا أقول: سُرِّبت؛ لأن من سرق لا يحق له ذلك”.

وخلاصة القول، تُعد قضية الكنيسة الأرثوذكسية في القدس من القضايا الوطنية والقومية الفلسطينية الساخنة؛ فمدينة القدس وعموم الأوقاف المسيحية العربية الأرثوذكسية في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، وكذلك كل الأوقاف الإسلامية في سياق تهويد المدينة وعموم فلسطين. فدولة الاحتلال تتبع أساليب التحايل ليتم التسريب إلى شركات وهمية، فالمسألة وطنية سياسية بامتياز؛ لأن المؤسسات الإسرائيلية بأذرعها المختلفة، خاصة القضاء تدعم الاستيلاء على العقارات الوقفية. إن ما تتعرض له الأوقاف المسيحية في فلسطين مشكلة احتلال بتواطؤ كنسي وصمت دولي.

المراجع 

 (1) استهداف الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين، صحيفة الوطن العمانية، عدد 1، ديسمبر/كانون الأول 2017.

(2) ورقة معلومات حول الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017،(تاريخ الدخول: 20/4/2024):  https://qii.media/items/940

(3) المرجع نفسه.

(4) علي بدوان، القدس ومسيحيوها اقتلاع تدريجي، الجزيرة نت، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2009، (تاريخ الدخول 12/3/2024) : https://t.ly/vJBxj

 (5) صحيفة الرأي الأردنية، عدد يوم 11 يوليو/تموز 2010، وحمل النداء تواقيع كل من: غبطة البطريرك ميشيل صبَّاح، المطران الدكتور عطا الله حنَّا، الأب الدكتور جمال خضر، الأب الدكتور رفيق خوري، القس الدكتور متري الراهب، القس الدكتور نعيم عتيق، القس فادي دياب، الدكتور جريس خوري، السيدة سيدر دعيبس، السيدة نورا قرط، الآنسة لوسي ثلجية، السيد نضال أبو الزلف، السيد يوسف ضاهر، السيد رفعت قسيس؛ منسق المبادرة.

(6) مدينة القدس، الكشف عن وثائق خطيرة تدين بطريرك القدس ثيوفيليوس، 6 يناير/كانون الثاني 2018،(تاريخالدخول:21/3/2024): https://www.qii.media/index.php?s=news&cat=11&id=26074

(7) المرجع نفسه.

(8) القدس ومسيحيوها…، مرجع سابق.

(9) موقع عرب 48، الاستعمار البريطاني ضغط على الكنيسة؛ لبيع أراضيها للحركة الصهيونية،: 14 يناير/كانون الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 20/4/2024): https://shorturl.at/mHjgg

(10) المرجع نفسه.

(11) المرجع نفسه.

(12) المرجع نفسه.

(13) المرجع نفسه.

(14) البطريرك اليوناني (كيريوس ثيوفيليوس الثالث): بطريرك المدينة المقدسة وسائر فلسطين وسوريا العربية والأردن وقانا الجليل، وهو البطريرك الأرثوذكسي 141 على “كرسي أورشليم”. وُلدَ البطريرك (ثيوفيليوس الثالث) باسم: (إيليا بن بنياتوس وافانجليليا يانوپولوس) في “كاركالياني” في 1952. جاء إلى القدس في يوليو/تموز 1964، والتحق بالمدرسة البطريركية. وفي 28 يونيو/حزيران 1970، رسَّمه البطريرك (فنيذكتوس الأول) باسم: (ثيوفيليوس). وانتُخبَ (ثيوفيليوس الثالث) بطريركًا بالإجماع في التاسع من أغسطس/آب 2005، وتُوِّجَ على الكرسي الأورشليمي، في 22 من نوفمبر/تشرين الثاني، من العام ذاته. ارتبط اسمه بعدد من صفقات بيع أوقاف تابعة للكنيسة، أو تأجيرها للاحتلال الصهيوني. .

(15) الكنيسة الأرثوذكسية في القدس تبيع 500 دونم لإسرائيل، صحيفة الأخبار اللبنانية، عدد يوم 28 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 20/2024): https://shorturl.at/jfD0v

(16) البطريركية الأرثوذكسية ‘‘تبيع‘‘ 600 دونم للاحتلال، صحيفة الغد الأردنية، 14 أغسطس/آب 2017، (تاريخ الدخول: 20/4/2024): https://shorturl.at/e44u3

(17) نواف رضوان، حيفا: مظاهرة ضد تسريب الأوقاف الأرثوذكسية، موقع عرب 48 الإلكتروني، 28 أكتوبر/تشرين الأول2017، (تاريخ الدخول: 20، 4/2024): https://shorturl.at/QyN8e

(18) البطريركية الأرثوذكسية، الغد الأردنية، مرجع سابق.

 (19) البطريركية اليونانية تبيع (جبل المؤامرة) لإقامة مستوطنة، صحيفة الأخبار اللبنانية، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، (تاريخ الدخول:29/4/2024)، https://al-akhbar.com/Palestine/241360

(20) بلال الطاهر، القدس المحتلة: “عطيرت كوهانيم”، تستولي على عقارات للبطريركية، موقع عرب 48 الإلكتروني، 1 أغسطس/آب 2017: (تاريخ الدخول: 20/4/2024): https://shorturl.at/RcbTt

(21) القدس أراضي الكنيسة بين فكي “الكيرن كيميت” والمالكين الجدد، موقع عرب 48، 5 يوليو/تموز 2017. (تاريخ الدخول: 20/4/2024): https://shorturl.at/uJZnM

(22) تظاهرة احتجاجية في الناصرة ضد تسريب الأوقاف العربية الأرثوذكسية، موقع عرب 48 ، 16/9/2017 (تاريخ الدخول: 20/4/2024): https://shorturl.at/Ddx1a

(23) المرجع نفسه.

(24) بيع أراض كنسية في قيسارية الفلسطينية لشركة أجنبية وسط اعتراض أرثوذكسي، صحيفة القدس العربي، 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. (تاريخ الدخول:25/4/2024): https://shorturl.at/wpYvR

(25) المسيحيون الفلسطينيون الأرثوذكس يتظاهرون ضد بيع عقارات الكنيسة، صحيفة “هآرتس”، 12 سبتمبر/أيلول 2017، (تاريخ الدخول: 25/4/2024):

https://www.msad.ps/2017/09/blog-post_45.html

(26) وكالة معًا تحصل على وثائق خطيرة تدين (البطريرك ثيوفيليوس الثالث)، فلسطين، بيت لحم، 6 يناير/كانون الثاني 2018. (تاريخ الدخزل:25/4/2024): https://www.maannews.net/news/935312.html

(27) المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) المرجع نفسه.

(30) المرجع نفسه.

(31) مجلس الطائفة بالناصرة يرفض “بيع الأوقاف الأرثوذكسية والتفريط به، الحدث،28 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول:25/4/2024): https://shorturl.at/wOZj0

(32) في أعقاب قضايا بيع الأملاك.. مؤسسات أرثوذكسية تطالب بسحب الاعتراف بالبطريرك (ثيوفيليوس)، موقع (بكرا) الإلكتروني، 4 يوليو/تموز 2017. (تاريخ الدخول 25/4/2024): https://bokra.net/Article-1370327

(33) المرجع نفسه.

(34) ما هي الخطوات المتخذة بخصوص قضية بيع الأراضي الكنسية في القدس، راديو بيت لحم، 6 يوليو/تموز 2017. (تاريخ الدخول:25/4/2024): https://www.rb2000.ps/news/342759.html

(35) تظاهرة فلسطينية ضدّ صفقات البيع المشبوهة للأوقاف الأرثوذكسية، العربي الجديد، 16 سبتمبر/أيلول 2017. (تاريخ الدخول: 25/4/2024): https://shorturl.at/KvAKf

(36) المرجع نفسه.

(37) الكنيسة اليونانية تبيع أملاكها بأبخس الأثمان، القدس العربي، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2017. (تاريخ الدخول: 25/4/2024): https://shorturl.at/Z3W0P

(38) يافا والعرب الأرثوذكس يقاطعون البطريرك (ثيوفيليوس)، موقع عرب 48 الإلكتروني، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. (تاريخ الدخول: 26/4/2-24): https://shorturl.at/kL7QE

(39) أرثوذكس فلسطين ينتفضون على البطريرك، المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات، 7 يناير/كانون الثاني 2018. (تاريخ الدخول: 26/4/2024): http://center-lcrc.org/index.php?s=28&id=23833

(40) المرجع نفسه.

(41) الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: البطريرك (ثيوفليوس) لص وفاسد يجب إقالته من منصبه، دائرة الإعلام المركزي، 7 يناير/كانون الثاني 2018. (تاريخ الدخول: 26/4/2024): https://palinfo.com/news/2018/01/07/29473/

(42) لماذا لا تقدم السلطة الفلسطينية البطريرك (ثيوفيليوس) للمحاكمة؟، موقع عرب 48، 3 فبراير/شباط 2018. (تاريخ الدخول:26/4/2024): https://shorturl.at/DyvTe

(43) المرجع نفسه.

(44) المرجع نفسه.

(45) المرجع نفسه.

(46) المرجع نفسه.

(47) الذاكرة الوطنية الفلسطينية زاخرة برواد الكفاح الوطني الفلسطيني من مسيحيي فلسطين.

(48) الناصرة: دعوات لرفض استقبال البطريرك (ثيوفيليوس الثالث) في عيد البشارة، موقع عرب 48 الإلكتروني، تاريخ النشر: 4 أبريل/نيسان 2015. (تاريخ الدخول: 26/4/2024): https://shorturl.at/GTQ8X

(49) في هذا السياق، دعت مؤسسة القدس الدولية إلى تحقيق مطلب الشارع الفلسطيني الوطني بإقالة البطريرك اليوناني كيريوس (ثيوفيليوس الثالث)، لاسيما بعد تهديد سلطات الاحتلال الإسرائيلي باجتياح مدينة بيت لحم؛ لحمايته من الجمهور الفلسطيني الرافض لزيارته يوم السادس من يناير/كانون الثاني 2018. فقد اعترض محتجون موكب البطريرك ثيوفيليوس خلال محاولته الوصول إلى كنيسة المهد في بيت لحم بحراسة مُشددة، وتعرض للرشق بالبيض والأحذية، وسط هتافات تطالبه بالرحيل الفوري؛ بسبب بيعه أراضي فلسطينية للاحتلال الإسرائيلي. وقالت المؤسسة: “إن رفض أهالي بيت لحم دخول ثيوفيليوس الثالث لكنيسة المهد، هو موقف الشعب الفلسطيني كله بأطيافه كافة، وعلى المعنيين أن يدركوا أن الشعب الفلسطيني لن يقبل ببقاء ثيوفيليوس الثالث في مكانه”. وأن حماية الأملاك العربية مسؤولية أخلاقية وطنية دينية لا يمكن المساومة عليها. مدينة القدس، 7/1/2018، (تاريخ الدخول: 26/4/2024):

https://qii.media/index.php?s=news&cat=13&id=26079l]dkm

(50) مقترح للجنة أردنية فلسطينية حول تسريب أراضي الأوقاف الأرثوذكسية، موقع عرب 48، تاريخ 16 يناير/كانون الثاني 2018. (تاريخ الدخول: 26/4/2024): https://shorturl.at/9RdCf

(51) المجلس الأرثوذكسي: “وثائقنا تُثبت بيع وتسريب العقارات للاحتلال، دنيا الوطن،14 يناير/كانون الثاني 2018، ) تاريخ الدخول: 28/4/2024):

https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2018/01/14/1116162.html

(52) المرجع نفسه.

(53) المرجع نفسه.

(54) البيان الصادر عن دورة أعمال المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الثامنة والعشرين، 15 يناير/كانون الثاني 2018. (تاريخ الدخول:28/4/2024): https://shorturl.at/0Sy8F

(55) رؤساء الكنائس في القدس يدينون بيع المباني في البلدة القديمة لجمعية المستوطنين، الصحف الإسرائيلية، السفير الاقتصادي، 15 يونيو/حزيران 2019. (تاريخ الدخول: 28/4/2024): https://www.alsafeernews.com/arabic/ar/articles/28006.html

(56) القدس: تشكيل لجنة وطنية لحماية الأوقاف الأرثوذكسية، موقع عرب 48 الإلكتروني، 22 يونيو/حزيران 2019. (تاريخ الدخول:28/4/2024): https://shorturl.at/kTdCh

(57) بعد محاولة تسميمه.. المطران حنا للميادين: لن ينال أي متآمر من رسالتنا، الميادين، 21 ديسمبر/كانون الأول 2019. (تاريخ الدخول: 28/4/2024): https://shorturl.at/dO1eM