يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة حالة سيولة بنيوية تتجلى في اضطراب أنماط التحالف، وتبدل أولويات القوى الكبرى، وتنامي بؤر التوتر على المستويات الدولية والإقليمية. تتسع الفجوة الإستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، وتتراجع مساحات التفاهم بين الولايات المتحدة وشركائها التقليديين، في وقت تشهد فيه القارة الأميركية توترات متصاعدة في علاقات واشنطن مع محيطها القريب، كما يتكثف الاستقطاب في العلاقة الأميركية-الصينية. ويتزامن ذلك مع تصاعد أزمات إقليمية ممتدة في الشرق الأوسط وإفريقيا؛ حيث تتقاطع الصراعات المسلحة مع الانقلابات السياسية وحالات الهشاشة البنيوية.

 

تحيل هذه التحولات المتزامنة إلى مسار إعادة تشكُّل للنظام الدولي، تتخلَّله هزات تعكس انتقالًا تدريجيًّا في موازين القوة وأدواتها. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة تتعلق بموقع الدول الصغيرة والمتوسطة داخل مشهد دولي متغير، وبأنماط التهديد الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والفضاء السيبراني، وبقدرة المنظومة القانونية الدولية على مواكبة تحولات تتجاوز الإطار الذي استقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما تفرض هذه التحولات انعكاساتها على الدول والمجتمعات؛ حيث تتبلور أشكال جديدة من الفعل الاجتماعي والاحتجاجي تقودها أجيال صاعدة بوسائط مختلفة ومنطق مغاير.

 

يندرج هذا العدد من مجلة لباب للدراسات الإستراتيجية ضمن هذا الأفق التحليلي؛ إذ يتناول تحولات القوة والتدافع والاحتجاج في النظام الدولي المعاصر، ويرصد تفاعلات هذه التحولات مع البنى السياسية والاجتماعية على المستويين الدولي والوطني. وفي هذا الإطار، توزعت دراسات العدد على ثمانية محاور مترابطة تشكِّل في مجموعها لوحة تحليلية لفهم ديناميات التغير في عالم يتسم بتعدد مراكز القوة وتسارع التحولات.

 

تنطلق دراسات العدد من مقاربة اجتماعية لفهم احتجاجات “جيل زد” في المغرب، كما تعالجها دراسة “مدخل اجتماعي لفهم احتجاجات “جيل زد” في المغرب”، التي تتناول الفعل الاحتجاجي من منظور اجتماعي-جِيلي، معتبرة أن هذا الجيل يمثل فاعلًا سياسيًّا جديدًا يتشكل في سياق أزمة الوساطة المؤسسية، ويعتمد على الحشد اللامركزي والفضاء الرقمي، مع تركيز على المطالب الاجتماعية والخدماتية. وتخلص الدراسة إلى أن المقاربة الحكومية التي جمعت بين الاحتواء الاجتماعي والضبط الأمني لم تُنتج إدماجًا مؤسسيًّا مستدامًا، في وقت يظل فيه الفعل الاحتجاجي الرقمي مرشحًا للاستمرار بصيغ مرنة ومتجددة.

 

ويكمل هذا التحليل الاجتماعي مقاربة مؤسسية تركز على أثر الهندسة الانتخابية في إعادة تشكل النظام الحزبي المغربي، وذلك من خلال دراسة “نمط الاقتراع وإعادة تشكل النظام الحزبي المغربي: دراسة تحليلية في آليات التأثير ومخرجات العملية الانتخابية”. وتوضح الدراسة أن التعديلات القانونية أسهمت في تفتيت التمثيل الحزبي وإعادة توزيع المقاعد بما أعاد رسم توازنات المشهد البرلماني. وتشير إلى أن هذه التحولات البنيوية عمَّقت أزمة الوساطة بين الأحزاب والمجتمع، وأضعفت قدرة التنظيمات الحزبية على أداء وظائفها التمثيلية، بما يربط إصلاح النظام الحزبي بتجديد الأدوار والخطاب وآليات الاشتغال السياسي. ويُظهر الجمع بين الدراستين أن التحولات في بنية التمثيل السياسي وصعود أنماط احتجاجية خارج الأطر التقليدية يعكسان إعادة تشكُّل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهو نموذج يتجاوز الحالة المغربية إلى سياقات أخرى.

 

ومن التحولات الاجتماعية والمؤسسية الداخلية، ينتقل العدد إلى أحد أكثر ميادين الصراع المعاصر حساسية، والمتصل بإعادة تعريف مفاهيم الأمن في العصر الرقمي، كما تعالجه دراسة “الحرب السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي ورهانات الأمن في الخليج”. وتتناول الدراسة التحول النوعي في طبيعة الصراع السيبراني، موضحة كيف بات الفضاء الرقمي ساحة مستقلة لإنتاج التهديدات، تتسم بالسرعة والتعقيد والقدرة على التخفي. وتبرز أن التطور التقني رفع مستوى المخاطر التي تواجه البنى التحتية الرقمية، خاصة في البيئات ذات الاعتماد المكثف على الأنظمة الذكية. وفي السياق الخليجي، تشير إلى أن التحول الرقمي في قطاعات الطاقة والمدن الذكية والاقتصاد الرقمي أفرز تحديات أمنية جديدة تستدعي مقاربات شاملة تتضمن أبعادًا تشريعية ومؤسسية وتعاونية، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري المتخصص.

 

ويقود تحليل التحولات التقنية والأمنية إلى إعادة النظر في مفهوم القوة داخل النظام الدولي، وهو ما تتناوله دراسة “تحوُّل الدول الصغيرة إلى قوة ذكية: دراسة حالة سنغافورة”، التي تقدم مقاربة تعيد تعريف القوة من خلال التركيز على الموقع داخل الشبكات الإقليمية والدولية بدل الاكتفاء بمؤشرات الحجم والموارد. وتُبرز الدراسة كيف استطاعت سنغافورة بناء نفوذ مؤثر عبر دمج التعليم والحوكمة والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية ضمن منظومة مؤسسية مترابطة، مكَّنتها من أداء أدوار وسيطة وتعزيز حضورها في مراكز القرار. وتوضح أن القوة الذكية في حالة الدول الصغيرة تتشكل عبر تصميم شبكي واعٍ لمسارات النفوذ، بما يعزز الكفاءة المؤسسية والقدرة على التعلم في بيئات دولية تتسم بالتنافس والتعقيد.

 

ويتكامل هذا النقاش حول تحولات القوة مع مقاربة معرفية تسائل الأسس النظرية للقانون الدولي، كما في دراسة “القانون الدولي من منظورات غير غربية: مقاربات معرفية وسياقية”. وتنطلق الدراسة من نقد الخلفيات المعرفية للقانون الدولي السائد، معتبرة أنه يعكس تجارب تاريخية وسياقات سياسية مرتبطة بالمركزية الغربية. وتدعو إلى إدماج المنظورات غير الغربية في تفسير القواعد القانونية عبر ربط النصوص بسياقاتها الحضارية والاجتماعية والتاريخية، بما يسهم في إعادة التوازن المعرفي وتطوير قواعد أكثر ملاءمة لواقع دول الجنوب، خاصة في قضايا السيادة والتنمية وحقوق الشعوب.

 

وفي سياق التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي، يتناول العدد الانسحاب الأميركي من أفغانستان كما تعالجه دراسة “الانسحاب الأميركي من أفغانستان واللحظة الفارقة في النظام الدولي الجديد”، بوصفه مؤشرًا على إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة وتوجهها نحو تقليص التدخلات المباشرة عالية الكلفة. وتبيِّن الدراسة أن هذا الحدث أسهم في تسريع ملامح نظام دولي أكثر تعددية، مع صعود أدوار قوى إقليمية ودولية في مناطق الفراغ الإستراتيجي، وترك آثارًا مباشرة على مصداقية التحالفات وأنماط الردع، بما يفرض على الدول المتوسطة والصغيرة إعادة تقييم خياراتها الأمنية.

وفي موازاة مقاربات العدد لتحولات القوة وأنماط الصراع في النظام الدولي المعاصر، ينتقل النقاش إلى مساءلة الأطر المعرفية التي تؤطر فهم الحرب ذاتها. وتتعمق دراسة “الاستشراق العسكري: تمثلات الغرب للأعداء وتأثيرها في الحروب الحديثة” في تفكيك البعد المعرفي للحرب من خلال تناول مفهوم الاستشراق العسكري، بوصفه إطارًا تحليليًّا يفسر تأثير التمثلات الغربية للأعداء الشرقيين في صياغة الإستراتيجيات والعقائد العسكرية وقرارات الحرب. وتُظهر الدراسة كيف أسهمت التصورات الاستشراقية، بوصفها خطابًا مهيمنًا، في تشويه إدراك الواقع العسكري وإعادة إنتاج ثنائيات التفوق والدونية، بما انعكس على مسارات الصراعات الحديثة، وعلى تمثلات الهوية الغربية ذاتها عند تعثر تحقيق الانتصارات الحاسمة.

 

وتختتم دراسات العدد بمقاربة تحليلية لآليات التدافع في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة، كما تقدمها دراسة “آليات التدافع في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة”. وتسعى الدراسة إلى تفكيك مفهوم التدافع الجيوسياسي في سياق عالمي يتسم بتآكل الخطوط التقليدية الفاصلة بين السلم والحرب، وبين الداخلي والخارجي. وتوضح أن الجغرافيا السياسية المعاصرة باتت تُدار عبر التحكم في التدفقات، مثل المعلومات والطاقة ورؤوس الأموال، إلى جانب السيطرة المكانية. وتبيِّن أن هذا التحول أفرز أنماطًا جديدة من التدافع غير المباشر، تشمل الحروب الهجينة والتأثير الإعلامي والضغط الاقتصادي، بما يجعل تحليل الصراعات الدولية مرتبطًا بمقاربات متعددة التخصصات تجمع بين البُعدين المكاني والشبكي.

 

تكشف دراسات هذا العدد، في مجموعها، عن عالم يشهد إعادة تعريف متزامنة لمفاهيم القوة والأمن والتدافع والاحتجاج والتمثيل السياسي. ويتضح أن فهم هذه التحولات يقتضي مقاربات تحليلية أكثر تركيبًا، تربط بين الموقع الشبكي والكفاءة المؤسسية والتحولات الاجتماعية العميقة. وفي هذا الإطار، يسعى العدد إلى الإسهام في نقاش علمي يواكب تشكُّل نظام دولي جديد، ويقارب تفاعلات الدول والمجتمعات مع بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز القوة وتسارع التحولات.