ملخص
تُحلل هذه الدراسة كيف تمكنت سنغافورة، بوصفها دولة صغيرة، من تحويل قيودها البنيوية إلى نموذج لـ”القوة الذكية” عبر تصميم شبكي واعٍ لأدوات السياسة. فبدلًا من الجمع التقليدي بين القوة الصلبة والناعمة، دمجت سنغافورة التعليم والحوكمة والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية في منظومة مترابطة تُعظِّم التأثير من خلال الموقع لا الحجم. وباستخدام منهج تحليل الشبكات، تُظهر الدراسة أن تعدد الروابط وكثافتها وتنوعها يعزز مركزية سنغافورة في الشبكات، ويتيح لها وصولًا أسرع إلى الشركاء والأسواق ومراكز صنع القرار، بينما تسهم كفاءتها المؤسسية ومصداقيتها في ترسيخ دورها وسيطًا موثوقًا. وتبيِّن النتائج أن مصدر نفوذ سنغافورة يكمن في قدرتها على تصميم وإدارة شبكات متداخلة -اقتصادية ومؤسسية وإستراتيجية- مدعومة بحوكمة فعَّالة وآليات تعلم تكيفية.
وتخلص الدراسة إلى أن القوة الذكية في حالة الدول الصغيرة تُعد نتاجًا لتصميم شبكي متقن وتماسك مؤسسي أكثر منها تراكمًا ماديًّا؛ ما يقدم إطارًا تحليليًّا قابلًا للتطبيق لفهم تأثير الدول الصغيرة ذات الارتباطات الواسعة في النظام الدولي المعقد.
الكلمات المفتاحية: الدول الصغيرة؛ القوة الذكية؛ الحوكمة الشبكية؛ سنغافورة؛ شبكات السياسة الخارجية.
Abstract
This study analyzes how Singapore, as a small state, has transformed its structural limitations into a model of “smart power” through a deliberate network-based design of policy instruments. Rather than combining hard and soft power in a traditional sense, Singapore’s strategy integrates education, governance, economic openness and diplomacy into an interconnected system that maximises influence through position rather than size. Using a network analysis approach, the study demonstrates that the multiplicity, density, and diversity of connections strengthen Singapore’s centrality, enabling faster access to partners, markets and the centres of decision-making, while its institutional efficiency and credibility reinforce its role as a trusted intermediary. The findings show that Singapore’s influence derives from its ability to design and manage overlapping networks—economic, institutional and strategic—supported by capable governance and adaptive learning mechanisms. The study concludes that smart power for small states is a function of advanced network design and institutional coherence, not material accumulation, offering a replicable analytical framework for understanding the influence of small but well-connected states in a complex international system.
Keywords: small states, smart power, network governance, Singapore, foreign policy networks.
مقدمة
تُعد سنغافورة نموذجًا مميزًا في العلاقات الدولية؛ إذ تُظهر تجربتها أن نفوذ الدولة لا يرتبط دائمًا بعناصر القوة المادية التقليدية التي تشدِّد عليها المدرسة الواقعية، مثل عدد السكان والمساحة والموارد الطبيعية. فعلى الرغم من صغر مساحتها التي لا تتجاوز 719 كيلومترًا مربعًا وعدد سكانها البالغ نحو ستة ملايين نسمة، وبناتج محلي إجمالي يقدر بـ547 مليار دولار، استطاعت هذه الدولة، منذ انفصالها عن ماليزيا، عام 1965، أن تتحول من كيان محدود القدرات إلى مركز مالي ولوجستي عالمي، وفاعل موثوق داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
يرى جوزيف ناي أن “القوة الذكية” تقوم على دمجٍ مقصود بين أدوات القوة الصلبة، كالقدرات العسكرية والمادية، وأدوات القوة الناعمة، مثل الجاذبية الثقافية والمصداقية السياسية، على نحوٍ يتطلب فهمًا دقيقًا للسياق واتجاهاته نحو البيئة المستهدفة، وقدرة على تكييف الموارد مع الأهداف الإستراتيجية(1).
تنطلق هذه الدراسة من منظور تحليل الشبكات الذي يفترض أن القوة لا تُقاس بحجم الموارد فحسب، وإنما بموقع الدولة داخل الشبكات الإقليمية والدولية. فكلما زاد تنوع الروابط واتسعت قنوات التواصل، ازدادت قدرة الدولة على الوصول السريع إلى الشركاء والمعلومات وأداء دور الوسيط بين أطراف لا تتواصل عادة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في تدفق السلع والمعرفة ويُنتج نفوذًا يتجاوز حجمها الفعلي.
تشير أدبيات العلاقات الدولية إلى أن تموضع الدولة داخل الشبكات قد يعزز نفوذها حتى دون زيادة مواردها المادية(2). وتُعد سنغافورة مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ استثمرت في بناء رأس مال بشري عبر نظام تعليمي متطور مرتبط باحتياجات التنمية، وعززت شبكة علاقاتها من خلال اتفاقيات تقليدية ورقمية وبنية تحتية متقدمة في الموانئ والمطارات؛ ما مكَّنها من الوصول التفضيلي إلى الأسواق الكبرى وزيادة قربها من مراكز القرار الاقتصادي. وقد أسهمت استثماراتها المستمرة في البنية التحتية والحوكمة في ترسيخ تنافسيتها العالمية، وهو ما يثير تساؤلًا محوريًّا حول الكيفية التي استطاعت بها سنغافورة توظيف محدودية مواردها لتحقق نفوذًا متناميًا وموقعًا فاعلًا في بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار والتنافس المتصاعد.
تفترض الدراسة أن تموضع سنغافورة بالقرب من مراكز المعرفة وصنع القرار، وتعدد انخراطها في المنصات والاتفاقات الدولية، إلى جانب امتلاكها مؤسسات فعالة قادرة على إدارة المعرفة وتنفيذ السياسات، مكَّنها من بناء نفوذ يتجاوز وزنها المادي. وتستند هذه الفرضية إلى أدلة نظرية تُظهر أن اختيار الروابط الإستراتيجية يتيح للعُقد (Nodes) الصغيرة في الشبكات منافسة الفاعلين الأكبر متى أحسنت توظيف علاقاتها لخلق أوضاع تعاونية تعيد توزيع النفوذ داخل النظام الدولي(3).
وقع الاختيار على سنغافورة لاختبار هذه الفرضية لكونها بيئة نموذجية تجمع بين الانفتاح التجاري، والتعددية في العلاقات، وكفاءة الجهاز الإداري. وفي مثل هذه البيئة، يُتوقع أن يظهر أثر “الموقع الشبكي” بوضوح إن كانت الفرضية صحيحة، في حين أن غيابه سيُضعفها. ويستند هذا إلى منطق “دراسة الحالة الكاشفة”، التي تتبع تطور الحالة من بدايتها حتى مخرجاتها، بدلًا من الاكتفاء بملاحظة لحظة زمنية محدودة(4).
تُعد الكفاءة المؤسسية شرطًا أساسيًّا لتفعيل هذا المنطق؛ فالموقع الجيد في الشبكة يفتح فرصًا، لكنه لا يتحول إلى نفوذ فعلي إلا بوجود جهاز إداري محترف وقادر على التعلم. لذلك تُفهم نتائج الدراسة في ضوء بيئات منفتحة اقتصاديًّا ومؤسسيًّا(5). كما يدعم هذا الطرح ما تؤكده السوسيولوجيا حول “قوة الروابط الضعيفة” التي تخلق المعرفة والفرص عبر تنويع قنوات الاتصال، وما يطرحه منطق “الفجوات البنيوية” من أن المواقع الوسيطة تمنح الدول الصغيرة مكاسب يمكن تحويلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي(6). ويُضاف إلى ذلك منطق “الاعتماد المتبادل المعقد”، الذي يجعل المؤسسات والمعايير والتحالفات عوامل رئيسة في إعادة توزيع القوة في عالم مترابط ترتفع فيه كلفة العزلة(7).
تعتمد الدراسة هذا الإطار النظري الذي يربط بين القوة الذكية وتحليل الشبكات، محددةً شروط التعميم الحذر في وجود انفتاح تجاري، واستقرار إقليمي نسبي، وجهاز بيروقراطي كفؤ قادر على تحويل المعرفة إلى سياسات عملية. وتُعد سنغافورة في هذا السياق حالة مثالية لاختبار كيف يمكن للدول الصغيرة أن تُنتج تأثيرًا معتبرًا في بيئات تختلف في مستويات الفرص والقيود(8).
أولًا: الإطار المفاهيمي والنظري
لا يوجد في حقل دراسة “الدول الصغيرة” تعريف واحد متفق عليه؛ فبعض الباحثين يربط صِغَر الدولة بالمؤشرات المادية كعدد السكان وحجم الناتج المحلي والقوة العسكرية، بينما يرى آخرون أن الصغر مفهوم نسبي يُفهم من خلال المقارنة بالقوى الكبرى، فيما يذهب اتجاه ثالث إلى أن الصِغَر هو نتاج لهوية الدولة وسياستها في النظام الدولي أكثر من كونه مسألة كمية أو رقمية(1).
تاريخيًّا، ازداد الاهتمام بالدول الصغيرة مع نهاية الحقبة الاستعمارية في ثمانينات القرن العشرين وما تبعها من تفكك الإمبراطورية السوفيتية، لكن من دون أن يظهر معيار موحد للتصنيف؛ الأمر الذي دفع الباحثين إلى تبني تعريف تشخيصي متعدد الأبعاد بدلًا من البحث عن حدٍّ رقمي واحد(2). وفي بعض الدراسات المقارنة في الاقتصاد والسياسة، يُستخدم حدٌّ سكاني دون عشرة ملايين نسمة معيارًا عمليًّا، لكنه يظل أداة إجرائية لا قاعدة نظرية ثابتة(3).
أما من الناحية العملية، فقد أطلقت سنغافورة، عام 1992، “منتدى الدول الصغيرة” في نيويورك بوصفه منصة للتشاور بين الدول التي تصف نفسها بأنها صغيرة، دون أن يتحول ذلك إلى تعريف قانوني ملزم داخل منظومة الأمم المتحدة، وهو ما يدعم فكرة أن أي معيار عددي يجب التعامل معه كأداة تحليلية مرنة، لا كحدٍّ قاطع أو نهائي(4).
ينقل هذا التأسيس المفاهيمي السؤال من: “ما هي الدولة الصغيرة؟” إلى “كيف يمكن لموقعها في النظام الدولي أن يمنحها تأثيرًا يتجاوز قدراتها المادية؟” ويرتبط هذا السؤال بمنطق “الاعتماد المتبادل المعقد”، الذي يفترض تعدد قنوات التأثير وتراجع فاعلية الإكراه المباشر مع بروز دور المؤسسات والمعايير في إعادة توزيع القوة بين دول متفاوتة القدرات(5). وبهذا يصبح مفهوم القوة مرتبطًا بالموقع داخل الشبكات أكثر من ارتباطه بحجم الموارد.
يوفر تحليل الشبكات الاجتماعية والسياسية أدوات لقياس هذا المنظور من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسة: المركزية والبينية والقرب، وهي ليست مؤشرات رقمية فحسب، وإنما أدوات تحليلية توضح كيف يمكن لمواقع معينة في الشبكة أن تمنح الدول نفوذًا متزايدًا عبر تصميم علاقاتها بدلًا من الاعتماد على مواردها الصلبة فقط(6).
وانطلاقًا من ذلك، يُعاد تعريف “القوة الذكية” لتُفْهَم على أنها هندسة إستراتيجية لمواقع الأدوات الصلبة والناعمة داخل الشبكات بحيث تُضاعف المؤسسات والمعايير والدبلوماسية أثر الموارد المادية وتقلِّل اعتمادها على مسار واحد. ويتسق هذا المفهوم مع ما خلصت إليه لجنة “القوة الذكية” في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، التي رأت في التحالفات والمؤسسات والمعايير أدوات لتحويل الموارد إلى نفوذ مشروع ومستدام(7).
وفي حالة الدول الصغيرة، يصبح “التصميم الشبكي للأدوات” عملية لترتيب القنوات التي تعزز القرب من مراكز صنع القرار، سواء بغرض توسيع الوصول إلى الأسواق، أو تسريع نقل التكنولوجيا، أو أداء أدوار الوساطة بين أطراف غير مترابطة. ويُقاس النجاح هنا بقدرة الدولة على تنويع قنواتها وتوسيع نطاق تفاعلها(8). وتتفق هذه الرؤية مع أدبيات الدول الصغيرة التي تشير إلى هشاشتها البنيوية وارتفاع تعرضها للصدمات الخارجية بسبب محدودية أسواقها واعتمادها على واردات أو صادرات محدودة، وأن تجاوز هذه الهشاشة يتطلب إصلاح المؤسسات، وبناء جهاز إداري محترف مرتبط بالمجتمع والشراكات الإنتاجية، والانخراط النشط في المنصات الدولية(9). كما تُظهر خبرات الاتحاد الأوروبي أن توظيف المعايير والقانون الدولي والمنظمات متعددة الأطراف يشكِّل آلية فاعلة لتعزيز النفوذ والوصول إلى الأجندات العالمية(10).
وبهذا المعنى، يشكل “التصميم الشبكي للأدوات” جسرًا يربط بين مفهوم القوة الذكية وموقع الدول الصغيرة في النظام الدولي، ويقدم خريطة عملية تحدد المراكز الأكثر تأثيرًا داخل الشبكات، مع آلية لقياس العلاقة بين المواقع والنتائج السياسية والاقتصادية، بما يتيح برنامجًا بحثيًّا قابلًا للاختبار من خلال بيانات الشبكات وأساليب المقارنة الكمية(11).
وانطلاقًا من هذا الإطار المفاهيمي، تعتمد الدراسة منهجية تحليل شبكي لدراسة حالة سنغافورة ضمن منظومة القوة الذكية، بهدف الكشف عن كيفية تحقق هذا المفهوم في الواقع العملي. ويرتكز التصميم على الجمع بين التحليل الشبكي متعدد الطبقات وتتبع تسلسل الأسباب داخل الحالة، استنادًا إلى الفرضية القائلة: إن القوة الذكية تتحدد بموقع الدولة داخل الشبكات أكثر من حجم مواردها وحده(12).
وتتبع الدراسة منهجية دراسة الحالة نظرًا لملاءمتها للأسئلة الاستكشافية التي تبدأ بصيغة “كيف”؛ إذ تتيح تفسير العلاقات السببية الكامنة وراء المتغيرات، وتسمح في الوقت نفسه بدرجة من التعميم النسبي (generalizability)(13).
لقياس الموقع الشبكي، تستخدم الدراسة ثلاثة مؤشرات رئيسة، هي: المركزية، التي تُعبِّر عن عدد الروابط المباشرة التي تربط الدولة بغيرها من الفاعلين؛ والقرب، الذي يقيس سرعة الوصول إلى الموارد أو المعلومات داخل الشبكة والبينية التي توضح قدرة الدولة على لعب دور الوسيط بين أطراف لا تتواصل مباشرة. وتشير دراسات الشبكات متعددة الطبقات إلى أن المركزية المجمعة عبر مجالات مختلفة ترتبط بدرجة الحضور الاقتصادي للدولة، في حين تمثل البينية أداة لقياس نفوذها الوسيط في النظام الدولي(14). وتُعد هذه المقاييس من الأدوات المعتمدة في أدبيات تحليل الشبكات، وقد أثبتت فعاليتها في رصد العلاقات البنيوية بين الدول والفاعلين داخل الأنظمة المعقدة(15).
ثانيًا: سنغافورة والقوة الذكية: النظرية والسياق
تُعد سنغافورة من الدول الصغيرة جغرافيًّا وديمغرافيًّا؛ إذ يبلغ عدد سكانها نحو 5.9 ملايين نسمة(16). واستجابةً لهذا الوضع الحرج، أقَرَّت قانون الخدمة الوطنية الإلزامية الذي يُطبق لمدة عامين كاملين على الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عامًا(17). ووفق ميزانية الدولة لعام 2023، بلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي نحو 17.98 مليار دولار، مسجِّلًا زيادة بنسبة 5.6%، لتحتل سنغافورة المرتبة الثالثة والعشرين عالميًّا في الإنفاق العسكري(18). ورغم حساسية الأرقام الدفاعية بين عام وآخر، فإن هذا البند يظل من أكبر مكونات الإنفاق العام في إطار نمط ثابت يفضل الجودة التكنولوجية والجاهزية البشرية على الكم المادي للسلاح، وهو خيار إستراتيجي عقلاني لدولة صغيرة محاطة ببيئة إقليمية متغيرة تستند إلى منطق الردع(19).
تستند القوة الذكية لسنغافورة إلى بيئة سياسية مستقرة نسبيًّا ضمن نظام برلماني جمهوري تُمارَس فيه السلطة التنفيذية عبر حكومة مسؤولة أمام البرلمان(20). وتتوزع السلطات في بنية مؤسسية واضحة بين التشريع والقضاء والتنفيذ، ويضم البرلمان 93 مقعدًا منتخبًا مباشرة، يُضاف إليها نواب مرشحون لضمان التعددية(21). ويمثل حزب العمل الشعبي (People’s Action Party) الحزب المهيمن في البلاد منذ نهاية الاستعمار البريطاني، عام 1959(22). وقد سمحت هذه الاستقرارية المؤسسية بتنفيذ سياسات طويلة الأمد في مجالات الاقتصاد والتعليم ومكافحة الفساد وإدارة التنوع العرقي واللغوي، وهي موارد “ناعمة” تكتسب وزنًا مضاعفًا حين تُصمَّم شبكيًّا(23).
على المستوى الاقتصادي، تُعد سنغافورة من الاقتصادات المتقدمة وذات الدخل المرتفع؛ إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد نحو 90 ألف دولار، وتحتل المرتبة السادسة والثلاثين عالميًّا في الناتج المحلي الإجمالي(24). ولتعزيز شبكتها الاقتصادية، عملت على جذب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع القطاع الخاص بوصفه المحرك الرئيس للتنمية، كما تبنَّت سياسات تشريعية قلَّصت الرسوم الجمركية على السلع المستوردة ومنحت الشركات مرونة أكبر في إدارة شؤونها(25).
وفي المقابل، تعمل الحكومة على تهيئة بيئة مؤسسية داعمة عبر مجلس التنمية الاقتصادية الذي يهدف إلى تعزيز التنويع الاقتصادي وتوفير بيئة محفزة للمستثمرين(26). ووفقًا لإحصائيات البنك الدولي، تحتل سنغافورة المرتبة الثانية في آسيا والثامنة عشرة عالميًّا في مؤشر تيسير ممارسة الأعمال التجارية، متقدمة على جيرانها الكبار مثل الهند والصين وكوريا(27).
انعكست هذه المكانة الاقتصادية في جعلها بيئة جاذبة للاستقرار والعمل؛ إذ ارتفع عدد سكانها من 4.2 ملايين نسمة، عام 2004، إلى نحو 5.9 ملايين، عام 2023، وفق بيانات البنك الدولي، وهو نمو يُعزى إلى ارتفاع مؤشرات الأداء الاقتصادي والاجتماعي(28). ويتكون المجتمع السنغافوري من تركيبة متعددة الأعراق تضم أقليات صينية وملايوية وهندية، وتتبنى الحكومة سياسة داخلية تقوم على نزع الطابع السياسي (depoliticization) لإدارة هذا التنوع الثقافي وحماية الهويات المختلفة(29). وفي هذا الإطار، نفذت مشروعًا إسكانيًّا يعزز التمازج بين فئات المجتمع؛ ما أسهم في توحيد أنماط التفكير وتعميق اللُّحمة الوطنية، وتعزيز فرص التفاعل بين المكونات السكانية، وهو ما يُعد عاملًا رئيسًا في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي(30).
أما في محور الحوكمة والنزاهة، فقد تبنَّت سنغافورة ما يُعرف بسياسة “العصا الغليظة” (Big Stick Policy) التي اقترنت بتأسيس هيئة مستقلة تضم مكتب التحقيق في الممارسات غير المشروعة ومكتب الحكومة النظيفة(31). وتبنت نهج “صفر تسامح” مع الفساد؛ ما رفع تصنيفها إلى المرتبة الثالثة عالميًّا وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 بدرجة 85/100، في أداء يعكس عمق الضبط المؤسسي ويعزز من جاذبيتها الاستثمارية(32). لقد أصبحت النزاهة المؤسسية جزءًا من “علامتها الوطنية” التي تجذب المستثمرين والطلاب والمهنيين، وتعزز موثوقية شبكاتها الاقتصادية والسياسية أيضًا(33).
ويتأسس العمود الآخر في القوة الذكية على محور التعليم بوصفه استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري؛ إذ يُصنَّف النظام التعليمي السنغافوري ضمن أكثر الأنظمة تقدمًا عالميًّا(34). وتركز وزارة التعليم على تطوير الذات والتعلم الفردي وجعل البيئة التعليمية أقل تنافسية، باعتبار أن المقارنات المفرطة تحد من الإبداع والدافعية الذاتية. وفي هذا السياق، صرَّح وزير التعليم، أونغ يي كونغ (Ong Ye Kung)، بأن “التعلم ليس منافسة”(35). وقد حققت سنغافورة المرتبة الأولى عالميًّا في برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) لعام 2016 متفوقة على الصين واليابان والولايات المتحدة؛ ما يعكس كفاءة منظومتها التعليمية وقدرتها على رفد الدولة بكوادر عالية الجودة(36).
كما أطلقت وزارة التعليم عام 2004/2005 مبادرة “تعليم أقل وتعلم أكثر” (Teach Less, Learn More) لتحسين جودة التعلم العميق وتحويل دور المعلم من “مُلقن” إلى “مصمم خبرة تعليمية”، مع مواءمة المناهج لاحتياجات سوق العمل، واعتماد اللغة الإنجليزية لغةً أساسية إلى جانب لغة الأم(37). وقد أنتج هذا المزج اللغوي قوةً عاملة قادرة على تشغيل قنوات الوساطة المعرفية عبر شبكات إقليمية ودولية؛ ما رفع من مركزية سنغافورة في أسواق الخدمات العامة والبحث ونقل التكنولوجيا، وسهَّل تواصلها مع المراكز العالمية، وعزز دورها الوسيط في نقل المعرفة بين الثقافات(38).
ويمثل الانخراط التجاري الكثيف محورًا رئيسًا في نهج القوة الذكية السنغافورية. فقد حافظ ميناء سنغافورة على مكانته كأكبر مركز ترانزيت للحاويات عالميًّا؛ إذ تجاوز حجم المناولة 41.1 مليون حاوية مكافئة (TEU) عام 2024، في استمرار للإنجاز التاريخي المسجل عام 2023 حين تخطى حاجز الأربعين مليون حاوية لأول مرة، مع كون نحو 90% من الحركة ترانزيت عابرًا(39). ويعكس ذلك درجة مركزية عالية في شبكة التجارة البحرية العالمية(40).
وتُظهر بيانات البنك الدولي ارتفاع الصادرات من 37 مليار دولار، عام 2002، إلى 122.6 مليارًا، عام 2022، وزيادة الواردات من 44.1 إلى 125.9 مليارًا خلال الفترة ذاتها؛ ما يدل على نمو متسارع في النشاط الإنتاجي والاستثماري واندماجٍ أعمق في شبكة التجارة العالمية(41). وعلى المحور الجوي، استعاد مطار شانغي الصدارة وفق تصنيف موقع (Skytrax) كأفضل مطار في العالم، عامي 2023 و2025، وهو مؤشر على جودة الخدمة واتساع الشبكة، ويعكس أثرًا اقتصاديًّا مباشرًا في مجالي السياحة والأعمال(42).
فعَّلت سنغافورة حتى الآن 28 اتفاقية تجارة حرة ثنائية ومتعددة الأطراف، تربط اقتصادها بشبكات إنتاج وسلاسل قيمة عالمية، وتقلِّل كلفة العبور وتُسرِّع اندماج الشركات المحلية في الأسواق الكبرى(43). ومن أبرزها اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) التي تضم 15 دولة من آسيا والمحيط الهادئ، واتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي (EUSFTA) التي عززت مكانة سنغافورة بوابةً تجاريةً بين آسيا وأوروبا(44). ويشير أدب الاقتصاد السياسي إلى أن مثل هذه الاتفاقات لا تقتصر على خفض التعرفة، بل تُعيد هندسة “قواعد المنشأ” وحقوق المستثمر والمعايير التنظيمية؛ ما يخلق روابط مؤسسية تغذي بنية الشبكة التي تتوسطها الدولة الصغيرة(45).
وتسعى سنغافورة لزيادة مركزيتها في الشبكات من خلال تعزيز علاقاتها مع القوى الكبرى؛ إذ كانت من أوائل الدول التي وقَّعت اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة (USSFTA)، عام 2004؛ ما أدى إلى زيادة ملموسة في التبادل التجاري بينهما(46). كما تحافظ على علاقاتها مع الصين عبر مشاركتها في مبادرة “الحزام والطريق”، انطلاقًا من إدراكها أن دعم مثل هذه المبادرات يوسع خياراتها للمناورة(47).
إقليميًّا، وثَّقت سنغافورة علاقاتها مع الدول المجاورة؛ فوقَّعت سبع اتفاقيات ثنائية مع إندونيسيا، عام 2019، شملت مجالات الاستثمار والثقافة والتكنولوجيا والابتكار المالي، كما عززت التعاون مع ماليزيا عبر الحوار المباشر بشأن الحدود والموانئ، واتفقتا على مشروع الربط البري لتسهيل حركة المسافرين(48). وتُعَد سنغافورة أحد الشركاء الرئيسيين للهند؛ إذ وُقِّعت بينهما اتفاقية التعاون الاقتصادي الشامل، عام 2005، وأصبحت بحلول 2017 خامس أكبر شريك تجاري للهند عالميًّا(49). كما تؤدي دورًا فاعلًا في رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، وَوُصفت بـ”الجناح المسير” للرابطة لما تبديه من التزام بالاستقرار الإقليمي(50).
وتُكمل سنغافورة “التصميم الشبكي لأدوات القوة الذكية” من خلال دبلوماسية متعددة الأطراف تُعزز حضور الدول الصغيرة في الحوكمة العالمية. فقد أسست “منتدى الدول الصغيرة” (FOSS) في الأمم المتحدة عام 1992، الذي توسع ليضم 108 دول(51). وأنشأت، عام 2009، “مجموعة الحوكمة العالمية” (3G) المكونة من 30 دولة صغيرة ومتوسطة، لمدِّ قناة اتصال بين عضوية الأمم المتحدة ومجموعة العشرين(52). ومن خلال هذه المنصات، أطلقت برامج زمالة لتعزيز القدرات المؤسسية في مجالات التحول الرقمي والتنمية المستدامة، واستضافت 88 سفيرًا من 62 دولة بين عامي 2015 و2020؛ ما جعلها مركزًا لنقل الخبرات ومواجهة التحديات التنموية(53).
وقد امتدت شراكاتها إلى قارات العالم كافة؛ إذ وقَّعت اتفاقيات تعاون مع كندا، عام 2018، في مجالات الأمن السيبراني والبنية التحتية والمدن الذكية(54). وحافظت على تصنيفها كـ”ثاني أكثر دولة تنافسية رقميًّا في العالم بعد الولايات المتحدة”، وفق تقرير التنافسية الرقمية العالمية لعام 2020 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD World Digital Competitiveness Ranking)(55). كما تحتضن نحو مائة شركة رائدة في مجال التكنولوجيا المتقدمة، وتنتمي إلى عدد كبير من المنظمات الدولية والإقليمية مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة الصحة العالمية وغيرها(56).
الجدول رقم (1) المنظمات التي تشارك سنغافورة في عضويتها
| الاختصار | الاسم بالإنجليزية | الاسم بالعربية | م |
| ASEAN | Association of Southeast Asian Nations | رابطة دول جنوب شرق آسيا | 1 |
| AU | African Union | الاتحاد الإفريقي | 2 |
| PIF | Pacific Islands Forum | منتدى جزر المحيط الهادئ | 3 |
| UNHRC | United Nations Human Rights Council | مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة | 4 |
| WHO | World Health Organisation | منظمة الصحة العالمية | 5 |
| IOM | International Organisation for Migration | المنظمة الدولية للهجرة | 6 |
| UNCTAD | United Nations Conference on Trade and Development | مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية | 7 |
| IAEA | International Atomic Energy Agency | الوكالة الدولية للطاقة الذرية | 8 |
| UNESCO | United Nations Educational, Scientific and Cultural Organisation | منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة | 9 |
| WTO | World Trade Organisation | منظمة التجارة العالمية | 10 |
| CARICOM | Caribbean Community (CARICOM) | جماعة الكاريبي | 11 |
| IBRD | International Bank for Reconstruction and Development | البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) | 12 |
| ICAO | International Civil Aviation Organisation | منظمة الطيران المدني الدولي | 13 |
| ICC | International Chamber of Commerce (National Committees) | غرفة التجارة الدولية (اللجان الوطنية) | 14 |
| ILO | International Labour Organisation | منظمة العمل الدولية | 15 |
| FAO | Food and Agriculture Organisation | منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) | 16 |
| IMF | International Monetary Fund | صندوق النقد الدولي | 17 |
المصدر: من إعداد الباحثة.
توظف القوات المسلحة السنغافورية أدواتها ركيزةً مكمِّلةً إلى جانب القوة اللينة لتوسيع نفوذها الشبكي؛ إذ تحافظ على عنصر القوة الصلبة عبر نظام تجنيد إلزامي منظم واستثمارات نوعية لتطوير قدراتها العسكرية. وفي هذا الإطار، أدخل سلاح الجو السنغافوري طائرات من طرازF-35A إلى الخدمة ضمن خطة تهدف إلى إبدال أسطوله بطائرات F-35B، لتصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تمتلك هذا النوع من الطائرات، إلى جانب أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية(61). وقد جاء هذا الاختيار رغم تعقيداته التقنية ومداه القتالي المحدود الذي يبلغ نحو 450 ميلًا بحريًّا، نظرًا لقدرة الطائرة على الإقلاع القصير والهبوط العمودي بما يتناسب مع ضيق المساحة الجغرافية للدولة، وهو ما يعكس سعي سنغافورة لمواءمة قدراتها الدفاعية مع بيئتها الإقليمية المعقدة(62). وقد انعكس هذا التوجه في موقعها المتقدم على مؤشر Global Firepower؛ حيث احتلت المرتبة 29 من بين 145 دولة(63).
وفي سياق موازٍ لجهودها الدفاعية، تبنَّت سنغافورة بُعدًا تنمويًّا دوليًّا يرتكز على تصدير المعرفة وتبادل الخبرات مع الدول النامية، في إطار سعيها لتعزيز مكانتها كـ”مواطن عالمي صالح” (Good Global Citizen) وبناء علاقات ثقة مؤسسية مع شركائها في الجنوب العالمي(64). وتندرج ضمن هذه المبادرات برامج القيادة الإستراتيجية لعام 2010، وبرنامج بناء القدرات في سلطنة عُمان عام 2012، إلى جانب إنشاء مراكز تدريب إقليمية في الأردن وقطر، وتدريب قرابة 900 مسؤول أجنبي في مجالات الإدارة والسياسات العامة(65). وتجسد هذه الجهود أحد تطبيقات التحليل الشبكي التي تفيد بأن النفوذ في العلاقات الدولية يتحدد بالموقع داخل الشبكات لا بحجم الموارد فحسب؛ إذ استطاعت سنغافورة تحويل هشاشتها الجغرافية المحدودة إلى ميزة نسبية تعزز فاعلية نهجها في القوة الذكية(66).
ثالثًا: القيود والسياق البنيوي المحيط بسنغافورة
داخليًّا، تُظهر النقاشات المتكررة حول محاولات التأثير الخارجي عبر الدين أو العِرق أن مواجهة “تسييس الهوية” ستظل أحد التحديات الدائمة للنظام السياسي السنغافوري. وقد أكدت التصريحات الحكومية في السنوات الأخيرة، ولاسيما خلال الحملات الانتخابية، ضرورة رفض “تسييس الهوية” وعدم السماح بتوظيف الدين أو العِرق في السياسة أو تمكين فاعلين خارجيين من استغلال الانقسامات المجتمعية(67). يعكس هذا الخطاب إدراك القيادة السياسية أن التهديدات الشبكية لا تنبع فقط من الأسواق أو الجغرافيا، وإنما تمتد أيضًا إلى التدخلات الخارجية عبر المنصات الرقمية، وهو ما يربط بين تجانس الشبكة الداخلية وصلابة تموضع الدولة في شبكات الإقليم والعالم. فالحفاظ على التماسك الداخلي يُعد شرطًا أساسيًّا لتعزيز مصداقية سنغافورة الدولية وسيطًا موثوقًا وشريكًا يُعوَّل عليه(68).
إقليميًّا، تواجه سنغافورة قيودًا تحد من فاعلية أدوات قوتها الذكية نتيجة احتدام التنافس بين دول الآسيان التي تسعى بدورها إلى تعزيز نفوذها داخل المنظومة الإقليمية. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا بسبب موقعها الجغرافي بين قوتين إقليميتين أكبر حجمًا، ماليزيا وإندونيسيا؛ حيث تحتل الأخيرة المرتبة الثالثة عشرة عالميًّا في القدرات العسكرية(69). ويؤدي هذا الواقع إلى تضييق هامش الحركة أمام سنغافورة، ويدفعها إلى ممارسة توازن دقيق بين التعاون والتنافس لضمان استمرار نفوذها.
ولمواجهة هذا الوضع، تبنَّت سنغافورة سياسة سلمية في محيطها الإقليمي، تقوم على الحياد وتجنب الدخول في تحالفات عسكرية صلبة. فهي لا تسمح بوجود قواعد دائمة لدول كبرى على أراضيها، لكنها تتيح للولايات المتحدة استخدام بعض قواعدها البحرية والجوية البريطانية السابقة بصورة مؤقتة(70). وبهذا النهج، تحافظ على توازن حساس بين واشنطن وبكين من خلال تنويع شراكاتها الاقتصادية والأمنية دون الارتهان لأي محور(71).
وفي ظل التحولات في طبيعة الصراعات الدولية، تواجه سنغافورة حوادث قرصنة وانتهاكات لمياهها الإقليمية نظرًا لموقعها على أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ويشكِّل مضيق ملقا في هذا السياق مصدر قوة وهشاشة في الوقت نفسه؛ إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وتعتمد عليه الصين لضمان تدفق إمدادات الطاقة(72). ويعني أي اضطراب أمني في هذا المضيق تهديدًا مباشرًا لسنغافورة، رغم تفوقها في إدارة الموانئ والمطارات. لذلك تبنَّت الدولة سياسات تهدف إلى “خفض المخاطر” وتنويع القنوات التجارية والأمنية لضمان استمرارية تدفق السلع والخدمات(73).
وفي إطار الاستجابة لهذه التحديات، جاءت مبادرة “عيوننا” (Our Eyes Initiative) التي أُطلقت عام 2018 لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول الآسيان، من خلال إنشاء آليات اتصال وتنسيق عابرة للحدود لتبادل المعلومات حول التهديدات المشتركة، وعلى رأسها الإرهاب(74). ويُنظَر إلى هذه المبادرة بوصفها خطوة عملية نحو بناء منظومة أمن جماعي إقليمي أكثر تكاملًا وقدرة على مواجهة المخاطر العابرة للحدود(75).
على الصعيد الدولي، تواجه سنغافورة تحديًا مستمرًّا في الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى، خصوصًا مع تصاعد التنافس الأميركي-الصيني في منطقة المحيطين، الهندي والهادئ(76). وقد تعرضت في بعض الأحيان لاتهامات بالانحياز؛ ما يفرض عليها ممارسة دبلوماسية عالية الحساسية تقوم على تقدير دقيق للمصالح المتشابكة لضمان حماية مصالحها الوطنية دون الانجرار إلى أي محور صراعي(77).
ورغم هذا التوازن الحذر، واجهت سنغافورة تحديات في توسيع دورها وسيطًا في النزاعات الإقليمية والدولية؛ إذ تُظهر السجلات الدبلوماسية أن مشاركتها في جهود الوساطة ظلت محدودة النطاق، واقتصرت في الغالب على تهيئة قنوات للحوار واستضافة لقاءات غير رسمية بين أطراف متباعدة المواقف. وقد برز هذا التوجه في بعض القضايا المتعلقة بعلاقات دول جنوب شرق آسيا؛ حيث سعت سنغافورة إلى تعزيز التواصل وتخفيف التوترات دون أن تتولى وساطة رسمية مباشرة(78). ومع ذلك، فإن قدرتها على توظيف هذا الدور ضمن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية تمثل أحد مظاهر قوتها الذكية؛ حيث تُعد الوساطة شكلًا من أشكال الترابط الشبكي الذي تستمد منه سنغافورة نفوذها من خلال الربط بين أطراف يقل اتصالها المباشر(79).
وقد عززت سياستها القائمة على الحياد والثقة المتبادلة هذا الدور، كما تجلى في استضافتها قمة ترامب-كيم، عام 2018، التي مثَّلت محطة دبلوماسية محورية لفتح قنوات الحوار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لإرساء إطار للسلام في المنطقة(80). ورغم أن القمة لم تُسفر عن اتفاق عملي ملزم، فإن نجاح استضافتها بحدِّ ذاته أسهم في ترسيخ صورة سنغافورة وسيطًا دبلوماسيًّا موثوقًا ومركزَ تواصلٍ دولي فاعلًا(81).
خاتمة
أظهرت الدراسة أن تجربة سنغافورة تمثل نموذجًا متقدمًا في توظيف القوة الذكية ضمن إطار شبكي متكامل؛ حيث تبين أن قدرة الدولة الصغيرة على مضاعفة نفوذها لا تنبع من حجم مواردها، وإنما من حُسن تصميم أدواتها وتوزيعها داخل شبكة مترابطة من السياسات والمؤسسات. وقد أثبت التحليل أن الفرضية الرئيسة للدراسة تحققت إلى حدٍّ كبير؛ إذ أظهرت مؤشرات القرب والبينية والمركزية أن الموقع الشبكي هو الذي يحدد مستوى التأثير، لا الكم المادي للقدرات العسكرية أو الاقتصادية.
كما أوضحت النتائج أن التكامل بين التعليم والحوكمة والاتفاقيات التجارية والمنظومات الدفاعية يشكِّل بنية عضوية تمنح سنغافورة قدرةً على التواصل الفعَّال مع شبكات إقليمية ودولية متعددة المستويات؛ مما يحوِّل أدواتها المعرفية والمؤسسية إلى نفوذ يمكن قياسه وملاحظته. ويتضح من ذلك أن القوة الذكية في التجربة السنغافورية تقوم على هندسة مؤسسية واعية لقنوات النفوذ ومساراته، تنسجم فيها أدوات القوة الصلبة والناعمة ضمن رؤية إستراتيجية ترتكز على منطق الموقع الشبكي للدولة بدلًا من الاعتماد على حجم مواردها المادية.
ومع ذلك، تبيَّن أن هذا النهج يظل مشروطًا بعوامل بنيوية ضرورية، مثل الاستقرار الداخلي والقدرة المؤسسية على التعلم وبيئة إقليمية منفتحة تسمح بالاندماج والتفاعل. فغياب أحد هذه العناصر قد يحوِّل التموضع الشبكي إلى حضورٍ محدود التأثير؛ مما يفرض على الدول الصغيرة صيانةً دائمةً لبنيتها المعرفية والمؤسسية لضمان استدامة نفوذها الذكي.
وانطلاقًا من نتائج هذه الدراسة، يمكن القول: إن مفهوم القوة الذكية بصيغته الشبكية يقدم إطارًا تحليليًّا قابلًا للاختبار المقارن يتيح دراسة حالات أخرى عربية وآسيوية تتشابه من حيث محدودية الموارد أو التعقيد الجيوسياسي. ويمكن للبحوث المستقبلية أن تختبر فرضيات جديدة، من بينها: مدى تأثير الكفاءة المؤسسية على مركزية الدولة داخل الشبكات الإقليمية، والعلاقة بين بنية الحوكمة الداخلية وموقع الدولة في شبكات الاقتصاد الرقمي، وأثر التحولات التكنولوجية في إعادة تشكيل مفهوم النفوذ للدول الصغيرة.
بهذا، تنتقل القوة الذكية من كونها خطابًا تفسيريًّا عامًّا إلى أداة تحليلية ديناميكية يمكن توظيفها في فهم آليات النفوذ في النظام الدولي المعاصر، وقياس تفاعل الدولة مع شبكات الاقتصاد والسياسة والمعرفة ضمن بيئة عالمية تتجه نحو مزيد من الترابط والتعقيد.
المراجع
(1) APEC PSU. Study on Convergences and Divergences of FTAs in the APEC Region, 2025. Retrieved May 6, 2025, from https://www.apec.org/
(2) Baldacchino, G., and A. Wivel. “Small States: Concepts and Theories.” In Handbook on the Politics of Small States, edited by G. Baldacchino and A. Wivel, 2–19. Edward Elgar, 2020. https://doi.org/10.4337/9781788112932.00007
(3) Boccaletti, S., G. Bianconi, R. Criado, C. I. Del Genio, J. Gómez-Gardeñes, M. Romance, et al. “The Structure and Dynamics of Multilayer Networks.” Physics Reports 544, no. 1 (2014): 1–122. https://doi.org/10.1016/j.physrep.2014.07.001
(4) Bonaccorsi, G., M. Riccaboni, G. Fagiolo, and G. Santoni. “Country Centrality in the International Multiplex Network.” Applied Network Science 4, no. 1 (2019): 126. https://doi.org/10.1007/s41109-019-0207-3
(5) Burt, R. S. Structural Holes: The Social Structure of Competition. Harvard University Press, 1992.
(6) Central Intelligence Agency (CIA). The World Factbook: Singapore. Retrieved April 24, 2025, from https://www.cia.gov/the-world-factbook/countries/singapore/#government
(7) Centre for International Law. Free Trade Agreements and Singapore. National University of Singapore, 2021. Retrieved May 12, 2025, from https://cil.nus.edu.sg/publication/free-trade-agreements-and-singapore/
(8) Cha, V., and S. M. Terry. Assessment of the Singapore Summit. Center for Strategic and International Studies (CSIS), 2018. Retrieved April 28, 2025, from https://www.csis.org/
(9) CNA. GE2025: Lawrence Wong Cautions Against Identity Politics and Foreign Interference. Retrieved May 9, 2025, from https://www.channelnewsasia.com/
(10) Crowards, T. “Defining the Category of ‘Small’ States.” Journal of International Development 14, no. 2 (2002): 143–179. https://doi.org/10.1002/jid.860
(11) CSIS Commission on Smart Power. A Smarter, More Secure America. Center for Strategic and International Studies, 2007. https://www.csis.org/analysis/smarter-more-secure-america
(12) DiploFoundation. Diplomacy of Small States: Trends in 2024. Retrieved April 21, 2025, from https://www.diplomacy.edu/topics/diplomacy-of-small-states/
(13) Evans, P. Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation. Princeton University Press, 1995.
(14) Freeman, L. C. “Centrality in Social Networks: Conceptual Clarification.” Social Networks 1, no. 3 (1979): 215–239. https://doi.org/10.1016/0378-8733(78)90021-7
(15) George, A. L., and A. Bennett. Case Studies and Theory Development in the Social Sciences. MIT Press, 2005.
(16) Gerring, J. Case Study Research: Principles and Practices. Cambridge University Press, 2007.
(17) Global Firepower. 2025 Singapore Military Strength. Retrieved May 17, 2025, from https://www.globalfirepower.com/
(18) Granovetter, M. S. “The Strength of Weak Ties.” American Journal of Sociology 78, no. 6 (1973): 1360–1380. https://doi.org/10.1086/225469
(19) Hafner-Burton, E. M., M. Kahler, and A. H. Montgomery. “Network Analysis for International Relations.” International Organization 63, no. 3 (2009): 559–592. https://doi.org/10.1017/S0020818309090195
(20) Hanneman, R. A., and M. Riddle. Introduction to Social Network Methods. University of California, Riverside, 2005.
(21) Hsieh, P. L. Shaping New Interregionalism: The EU–Singapore FTA and Beyond. Singapore Management University, 2025. Retrieved April 27, 2025, from https://ink.library.smu.edu.sg/
(22) Iranzo, J., J. M. Buldú, and J. Aguirre. “Competition Among Networks Highlights the Power of the Weak.” Nature Communications 7 (2016): 13273. https://www.nature.com/articles/ncomms13273
(23) Katzenstein, P. J. Small States in World Markets: Industrial Policy in Europe. Cornell University Press, 1985.
(24) Keohane, R. O., and J. S. Nye. Power and Interdependence: World Politics in Transition. Little, Brown, 1977.
(25) Kivelä, M., A. Arenas, M. Barthelemy, J. P. Gleeson, Y. Moreno, and M. A. Porter. “Multilayer Networks.” Journal of Complex Networks 2, no. 3 (2014): 203–271. https://doi.org/10.1093/comnet/cnu016
(26) Long, J. C., F. C. Cunningham, and J. Braithwaite. “Bridges, Brokers and Boundary Spanners in Collaborative Networks: A Systematic Review.” BMC Health Services Research 13 (2013): 158. https://bmchealthservres.biomedcentral.com/articles/10.1186/1472-6963-13-158
(27) Maoz, Z. Networks of Nations: The Evolution, Structure, and Impact of International Networks, 1816–2001. Cambridge University Press, 2010.
(28) Maritime and Port Authority (MPA). Container Throughput Crosses 40 Million TEUs; Singapore Remains World’s Largest Transshipment Hub. Retrieved May 13, 2025, from https://www.mpa.gov.sg/
(29) MINDEF Singapore. History—National Service Established in 1967. Retrieved April 30, 2025, from https://www.mindef.gov.sg/
(30) Ministry of Education Singapore (MOE). Teach Less, Learn More. Policy speeches and briefs, 2005. Retrieved May 3, 2025, from https://www.moe.gov.sg/
(31) Ministry of Education Singapore (MOE). Bilingual Policy. Retrieved May 10, 2025, from https://www.moe.gov.sg/
(32) Ministry of Foreign Affairs (MFA). Small States (FOSS and 3G). Retrieved April 22, 2025, from https://www.mfa.gov.sg/
(33) Ministry of Foreign Affairs Singapore (MFA). Sanctions and Restrictions Against Russia. 2022. Retrieved May 11, 2025, from https://www.mfa.gov.sg/
(34) Ministry of Foreign Affairs Singapore (MFA). Ministerial Statement to Parliament on Ukraine. 2022. Retrieved April 25, 2025, from https://www.mfa.gov.sg/
(35) Ministry of Foreign Affairs Singapore (MFA). 14th FOSS Fellowship—Press Release. 2025. Retrieved May 14, 2025, from https://www.mfa.gov.sg/
(36) Ministry of Foreign Affairs—New York Mission (MFA-NY). Global Governance Group (3G) Overview. 2024. Retrieved May 8, 2025, from https://www.mfa.gov.sg/
(37) Ministry of Trade and Industry Singapore. EU–Singapore Free Trade Agreement (EUSFTA). 2019. Retrieved May 7, 2025, from https://www.mti.gov.sg/
(38) Ministry of Trade and Industry Singapore. Speech by Minister S. Iswaran at the FTA Symposium 2019. 2019. Retrieved April 29, 2025, from https://www.mti.gov.sg/Newsroom/Speeches/2019/10/Speech-by-Minister-S-Iswaran-at-the-FTA-Symposium-2019
(39) Ministry of Trade and Industry Singapore. RCEP—Entry into Force / Singapore Ratification. 2022. Retrieved April 23, 2025, from https://www.mti.gov.sg/
(40) Ministry of Trade and Industry Singapore. Free Trade Agreements—Overview (28 Implemented Agreements). 2025. Retrieved May 5, 2025, from https://www.mti.gov.sg/
(41) National Library Board (NLB). National Service Becomes Compulsory (1967). Retrieved April 24, 2025, from https://eresources.nlb.gov.sg/
(42) Ní Ó Súilleabháin, D. Small States at the United Nations: Diverse Perspectives, Shared Opportunities. International Peace Institute, 2014. https://www.ipinst.org/resources/uploads/publications/ipi_e_pub_small_states_at_un.pdf
(43) Nye, J. S., Jr. Soft Power: The Means to Success in World Politics. PublicAffairs, 2004.
(44) Nye, J. S., Jr. The Future of Power. PublicAffairs, 2011.
(45) Office of the U.S. Trade Representative. U.S.–Singapore Free Trade Agreement (In Force Since January 1, 2004). Retrieved May 2, 2025, from https://ustr.gov/
(46) Prime Minister’s Office (PMO). Press Remarks on Identity Politics and Foreign Interference. 2025. Retrieved April 28, 2025, from https://www.pmo.gov.sg/
(47) PSA. News Release: Over 40 Million TEUs Handled in 2024. 2024. Retrieved May 10, 2025, from https://www.globalpsa.com/
(48) Reuters. ASEAN Excludes Myanmar Junta Chief from Summit; Singapore Says Decision Difficult but Necessary. 2021. Retrieved April 30, 2025, from https://www.reuters.com/
(49) Rodrik, D. What Do Trade Agreements Really Do? Harvard University. Retrieved April 27, 2025, from https://drodrik.scholar.harvard.edu/
(50) Saner, R., and L. Yiu. “Learning to Grow: A Human Capital-Focused Development Strategy, with Lessons from Singapore.” International Development Policy 5, no. 3 (2014). https://www.csend.org/publications/human-development/389-learning-to-grow-a-human-capital-focused-development-strategy-with-lessons-from-singapore-by-raymond-saner-lichia-yiu-5th-march-2014
(51) Skytrax. Changi Named World’s Best Airport 2023; Changi Named World’s Best Airport 2025 (April 9, 2025). Retrieved May 9, 2025, from https://www.worldairportawards.com/
(52) Skytrax. World’s Best Airport—Changi. 2025. Retrieved April 25, 2025, from https://www.worldairportawards.com/
(53) Thorhallsson, B., and A. Wivel. “Small States in the European Union: What Do We Know and What Would We Like to Know?” Cambridge Review of International Affairs 19, no. 4 (2006): 651–668. https://doi.org/10.1080/09557570601003502
(54) UNOSSC / South-South Galaxy. Forum of Small States (FOSS) for Good—Technical Assistance Package (Singapore Cooperation Programme; >150,000 Officials Trained). 2022. Retrieved May 11, 2025, from https://www.southsouth-galaxy.org/
(55) USTR. U.S.–Singapore Free Trade Agreement (In Force Since Jan 1, 2004). Retrieved April 26, 2025, from https://ustr.gov/trade-agreements/free-trade-agreements/singapore-fta
(56) Wilson, E. J., III. “Hard Power, Soft Power, Smart Power.” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 616, no. 1 (2008): 110–124. https://doi.org/10.1177/0002716207312618
(57) World Bank Group. Land Area (sq. km). Data 360. Retrieved April 24, 2025, from https://data360.worldbank.org/
(58) World Bank. The Human Capital Index 2020 Update: Human Capital in the Time of COVID-19. 2020.
(59) World Bank. Singapore—Country Data and Indicators (GDP Current US$, GDP per Capita; 2024 Values). 2024. Retrieved May 6, 2025, from https://data.worldbank.org/
(60) World Bank. Singapore—Population and Land Area (2024). Retrieved April 23, 2025, from https://data.worldbank.org/
(61) World Bank. Population, Total – Singapore, Switzerland, Finland. 2025. Retrieved May 13, 2025, from https://data.worldbank.org/indicator/SP.POP.TOTL?end=2023&locations=SG-CH-FI&name_desc=true&start=2002&view=chart
(62) World Bank. Singapore—Country Overview. 2025. Retrieved April 28, 2025, from https://www.worldbank.org/en/country/singapore
(63) World Bank. Land Area (sq. km)—Singapore; Singapore—Country Data (Population 2024); Country Overview. Retrieved May 9, 2025, from https://data.worldbank.org/
(64) Yeo, G. Singapore’s Smart Nation Initiative: Digital Governance and Global Competitiveness. National University of Singapore, 2024. Retrieved May 3, 2025, from https://nus.edu.sg/
(65) Asia Foundation. Singapore’s Regional Development and Smart Diplomacy Strategy. 2025. Retrieved April 26, 2025, from https://asiafoundation.org/
(66) ASEAN Secretariat. ASEAN Outlook on the Indo-Pacific. Jakarta, 2019. Retrieved May 5, 2025, from https://asean.org/
(67) Singapore Economic Development Board (EDB). Driving Innovation and Foreign Investment in Singapore. 2025. Retrieved May 8, 2025, from https://www.edb.gov.sg/
(68) International Monetary Fund (IMF). Singapore: 2024 Article IV Consultation—Staff Report. 2025. Retrieved April 21, 2025, from https://www.imf.org/
(69) Ministry of Defence Singapore (MINDEF). Total Defence Concept: Strengthening Singapore’s Security Framework. 2025. Retrieved April 30, 2025, from https://www.mindef.gov.sg/
(70) Changi Airport Group. Annual Report 2024/2025. 2025. Retrieved May 7, 2025, from https://www.changiairport.com/
(71) Ministry of Communications and Information (MCI). Singapore’s Digital Future Report. 2024. Retrieved April 25, 2025, from https://www.mci.gov.sg/
(72) World Economic Forum (WEF). Global Competitiveness Report 2024. Geneva, 2024. Retrieved May 2, 2025, from https://www.weforum.org/
(73) Lowy Institute. Asia Power Index 2024—Singapore Country Profile. 2024. Retrieved May 12, 2025, from https://power.lowyinstitute.org/
(74) Tan, C. H. Managing Strategic Vulnerabilities: The Singapore Model. Institute of Southeast Asian Studies (ISEAS), 2023.
(75) International Institute for Strategic Studies (IISS). The Military Balance 2025. London: Routledge, 2025.
(76) United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). World Investment Report 2024: Investing in Sustainable Energy for All. Geneva, 2024. Retrieved April 23, 2025, from https://unctad.org/
(77) Singapore Ministry of Manpower (MOM). Labour Market Report 2024. 2025. Retrieved May 4, 2025, from https://www.mom.gov.sg/
(78) Monetary Authority of Singapore (MAS). Financial Stability Review 2024. 2025. Retrieved April 27, 2025, from https://www.mas.gov.sg/
(79) Singapore Institute of International Affairs (SIIA). Regional Connectivity and Sustainable Development in ASEAN. 2024. Retrieved May 10, 2025, from https://siiaonline.org/
(80) Economist Intelligence Unit (EIU). Singapore Country Report 2025. 2025. Retrieved April 29, 2025, from https://www.eiu.com/
(81) Ministry of Sustainability and the Environment (MSE). Singapore Green Plan 2030—Progress Update. 2025. Retrieved May 11, 2025, from https://www.mse.gov.sg/
