ملخص

يتشكَّل الشرق الأوسط عبر تفاعل ثلاث خرائط متداخلة: خريطة الخوف الإسرائيلي التي تريد تحويل الانكشاف إلى هندسة حدودية دائمة، وخريطة العمق الإيراني التي تريد تحويل الشبكة إلى ردع قابل للبقاء بعد انهيار بعض حلقاته، وخريطة الفراغ العربي التي تتحول فيها الدول المنهارة والغنية والمحدودة السيادة على السواء إلى المجال الذي تُختبر فيه الرؤيتان الأولى والثانية. لهذا السبب لا تدور المواجهة المقبلة حول غزة أو لبنان أو سوريا أو البرنامج النووي فقط، بل حول من يملك حق تعريف المجال الإقليمي: هل تكون الحدود نتاج القانون الدولي أم نتاج القدرة على تثبيت الوقائع؟ وهل تكون السيادة وظيفة للدولة الوطنية أم مساحة تفاوض بين الجيوش والوكلاء والممرات والاستخبارات والتكنولوجيا؟ هنا تكون محاولة تجاوز القيود الجيوسياسية التي تفرضها الجغرافيا سببًا مباشرًا في الحركة السياسية والعسكرية في المنطقة. كان روبرت كابلان قد رسَّخ مصطلح “انتقام الجغرافيا” ليعالج من خلاله وضع الدول التي ظنَّت أنها قادرة على إدارة السياسة من خلال القوة وحدها قبل أن تجد نفسها محكومة بالتضاريس، والعمق، والكثافة السكانية، والممرات، والفراغات الأمنية، والإطلالات البحرية، والانكشاف أو الحصانة الإستراتيجية، وكل ذلك يجعل من الجغرافيا سببًا مهمًّا في تحديد أسس وقدرات الأمن القومي، وقدرة الدولة على الدفاع عن نفسها في كافة الظروف.

الكلمات المفتاحية: إيران، إسرائيل، الجغرافيا السياسية، التوسع الجغرافي، العمق الإستراتيجي، الردع، السيادة الوطنية، الأمن الإقليمي.

Abstract

The Middle East is being shaped by the interaction of three overlapping maps: the map of Israeli fear, which seeks to transform vulnerability into a permanent border architecture; the map of Iranian depth, which aims to transform the network into a viable deterrent after the collapse of some of its links; and the map of the Arab vacuum, in which collapsed, wealthy, and limited-sovereign states alike become

 the arena where the first two visions are tested. For this reason, the coming confrontation is not solely about Gaza, Lebanon, Syria, or the nuclear program, but rather about who has the right to define the regional space: Are borders a product of international law, or of the ability to establish facts on the ground? Is sovereignty a function of the nation-state, or a space for negotiation among armies, proxies, corridors, intelligence, and technology? Here, the attempt to overcome the geopolitical constraints imposed by geography is a direct cause of political and military activity in the region. Robert Kaplan had established the term “geography’s revenge” to address the situation of countries that thought they were capable of managing politics through force alone, before finding themselves governed by terrain, depth, population density, corridors, security gaps, sea views, and strategic exposure or immunity. All of this makes geography an important factor in determining the foundations and capabilities of national security, and the state’s ability to defend itself in all circumstances.

Keywords: Iran, Israel, Geopolitics, Geographical Expansion, Strategic Depth, Deterrence, National Sovereignty, Regional Security.

مقدمة

تبدو الجغرافيا في الشرق الأوسط أكثر من خلفية للأحداث. إنها عنصر فاعل في صناعة القرار، ومصدر دائم للقلق، ومرآة عميقة لفكرة الدولة عن نفسها. في لحظات الاستقرار، تبدو الحدود وكأنها خطوط قانونية ثابتة. أما في لحظات الانهيار، فإن الحدود تكشف هشاشتها، وتعود الجغرافيا إلى مركز السياسة. هذا ما حدث بعد انهيار الدولة السورية، وبعد حرب غزة، وبعد تآكل الردع التقليدي بين إسرائيل وإيران، وبعد اتساع دور الممرات والطاقة والميليشيات في تحديد وزن الدول.

طوال العقود الثلاثة الماضية ساد اعتقاد واسع بأن العولمة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة وشبكات الاقتصاد العالمي قلَّصت أهمية الجغرافيا في تشكيل القوة. غير أن الحروب التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقد الأخير تشير إلى اتجاه مختلف. فالممرات البحرية، والمضائق، والمناطق العازلة، وسلاسل الإمداد، والعمق الإستراتيجي عادت لتصبح عناصر حاسمة في حسابات الأمن والنفوذ. لا تمثل إيران وإسرائيل استثناءً لهذه العودة، إنما تكشفان عن أحد أكثر تجلياتها وضوحًا.

هنا يظهر معنى “انتقام الجغرافيا”. فالدول التي ظنَّت أنها قادرة على إدارة السياسة من خلال القوة وحدها وجدت نفسها محكومة بالتضاريس، والعمق، والكثافة السكانية، والممرات، والفراغات الأمنية. الجغرافيا تمنح الدول فرصًا، لكنها تفرض عليها أثمانًا: تمنح إيران عمقًا آسيويًّا وموقعًا عقديًّا بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز والمشرق، لكنها تضعها في مواجهة دائمة مع هويات وحدود ومضائق ومنافسين. وتمنح إسرائيل تفوقًا عسكريًّا وتكنولوجيًّا، لكنها تضعها داخل مساحة ضيقة محاطة بجبهات مفتوحة وسكان غير خاضعين نهائيًّا لمنطق السيطرة.

تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن إيران وإسرائيل تمثلان نموذجين مختلفين لمحاولة تجاوز القيود الجيوسياسية التي تفرضها الجغرافيا، إلا أن أنماط التوسع التي اعتمدها الطرفان أعادت إنتاج هذه القيود بصورة جديدة. فإيران سعت إلى بناء عمق إستراتيجي عبر الشبكات والممرات والوكلاء، بينما سعت إسرائيل إلى إنتاج الأمن عبر السيطرة المكانية والمناطق العازلة وإعادة تشكيل الحدود. وفي الحالتين، تحولت الجغرافيا من أداة للقوة إلى مصدر متجدد للقيود والاستنزاف، وهو ما يفسر عودة الجغرافيا بوصفها فاعلًا مركزيًّا في تشكيل مستقبل النظام الإقليمي.

تحاول الورقة الإجابة عن سؤال مركزي: كيف وظَّفت إيران وإسرائيل الجغرافيا أداةً لإنتاج النفوذ وإعادة تعريف الأمن؟ ولماذا أنتجت أدواتهما -رغم اختلافها الجذري- قيودًا جيوسياسية متجددة على الطرفين؟ وكيف أعاد “طوفان الأقصى” ثم حربا 2025 و2026 تشكيل هذه الأدوات دون أن يُبطل المنطق البنيوي الذي يحكمها؟ تنقسم الإجابة إلى ثلاثة مستويات فرعية: مستوى الأداة (ما الوسائل المحددة التي استُخدمت؟)، ومستوى القطيعة (كيف تغيَّر استخدام هذه الأدوات بين ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما بعده؟)، ومستوى النتيجة (هل راكمت الأدوات نفوذًا صافيًا أم أعادت إنتاج القيود التي سعت إلى تجاوزها؟)

وإذ تستعير الورقة عبارة “انتقام الجغرافيا” من تقليدٍ تحليلي رسَّخه روبرت كابلان(1) فإنها لا تتبنَّى حتميةً جغرافية تردُّ السلوك إلى التضاريس وحده، بل تَقرأ الجغرافيا بوصفها إطارًا مقيِّدًا يتفاعل مع متغيرات الداخل (شرعية النظام، اقتصاد العقوبات، حسابات القيادة) ومتغيرات النظام الدولي، فتمنح الخيارات وتقيِّدها من دون أن تصنعها بمفردها.

 

أولًا: الإشكالية البحثية والفجوة المعرفية

منذ مطلع العقد الحالي، ساد في أدبيات الأمن الإقليمي تفسيران متنافسان لسلوك كل من إيران وإسرائيل التوسعي: تفسير أول يردُّ هذا السلوك إلى معضلة الأمن الكلاسيكية بوصفها آلية تصعيد متبادلة لا علاقة لها بالجغرافيا تحديدًا، وتفسير ثانٍ يردُّه إلى شرعية الأنظمة وحساباتها الداخلية. كلا التفسيرين يفترض ضمنًا أن الجغرافيا متغير خلفي لا يستحق معالجة مستقلة. هذه الورقة تختبر افتراضًا مغايرًا: أن نمط التوسع نفسه -لا مجرد دوافعه- محكوم ببنية جغرافية قابلة للتحديد، وأن هذه البنية هي التي تفسر لماذا تتخذ إيران شكل الشبكة بينما تتخذ إسرائيل شكل الحزام، لا العكس. من هنا تُستعاد عبارة “انتقام الجغرافيا” التي رسَّخها روبرت كابلان(2) بوصفها مدخلًا تحليليًّا لا حُكمًا حتميًّا؛ فالورقة لا تزعم أن الجغرافيا تحدِّد السلوك بمفردها بل تختبر إسهامها النسبي مقارنة بتفسيرات منافسة، وهو ما يفرض منهجًا مقارنًا صريحًا ومداخل نظرية محددة لا سردية وصفية.

الفجوة التي تعالجها الورقة ثلاثية؛ أولًا: غياب إطار مقارن منهجي يفكك سلوك إيران وإسرائيل إلى أدوات قابلة للقياس بدل الاكتفاء بوصف عام لـ”التوسع” أو “النفوذ”. ثانيًا: ضعف التمييز بين طبقة بنيوية ثابتة نسبيًّا (الموقع، التضاريس، الجوار) وطبقة إمبريقية متحولة بسرعة (حصيلة حربَي 2025 و2026، مسار التفاوض الأميركي-الإيراني، مصير محور المقاومة). ثالثًا: ميل عدد من الدراسات العربية إلى توسيع نطاق التحليل ليشمل تركيا ودول الخليج بالوزن التحليلي نفسه الممنوح لإيران وإسرائيل؛ ما يُضعف العمق التفسيري لكل حالة على حدة. تعالج هذه الورقة الإشكالية الثالثة بوضوح: تُبقي إيران وإسرائيل حالتين مركزيتين تُدرسان بعمق كامل عبر أربع أدوات تحليلية محددة، بينما تُعامل تركيا ودول الخليج -والأردن كحالة توضيحية مستجدة- بوصفها حالة ضبط محدودة الغرض وظيفتها اختبار حدود مفهوم “الفراغ العربي” لا منافسة الحالتين المركزيتين.

ثانيًا: الإطار النظري والمنهجي

  1. الأدبيات النظرية الثلاث

تستند الورقة إلى ثلاث طبقات نظرية متكاملة لا متنافسة: الطبقة الأولى جيوبوليتيكية كلاسيكية: هالفورد ماكيندر رأى في “قلب الأرض” الأوراسي محورًا تتشكل حوله موازين القوة العالمية(3)، ونيكولاس سبيكمان عدَّل الأطروحة بالتأكيد على “الهلال الطرفي” (Rimland) الذي يضم الشرق الأوسط بوصفه الحلقة الفاصلة بين القوى البرية والبحرية(4)، ثم أعاد كابلان صياغة هذا الإرث في سياق ما بعد الحرب الباردة، محذرًا من أن التكنولوجيا لم تُلغِ حكم التضاريس بل أعادت توزيع كلفتها(5). الطبقة الثانية بنيوية-واقعية: معضلة الأمن كما صاغها جون هيرتز وروبرت جرفيس تفسِّر كيف يتحول البحث عن الأمن إلى مصدر لانعدامه لدى الخصم(6)، وموازنة التهديد لدى ستيفن والت تضيف أن الدول توازن التهديد المدرك لا القوة المطلقة، بما في ذلك القرب الجغرافي بوصفه أحد محددات هذا الإدراك(7). الطبقة الثالثة تتعلق بأدبيات الحرب بالوكالة والمناطق العازلة، وترى أن الفاعلين الذين يفتقرون إلى العمق الإقليمي يعوِّضونه إما عبر شبكات وكلاء تمتص الصدمة الأولى، أو عبر مناطق عازلة تُبعد التهديد فيزيائيًّا عن مراكز الثقل السكاني والاقتصادي.

غير أن استعادة هذا الإرث الجيوبوليتيكي لا تخلو من إشكال يستحق مواجهة مباشرة لا تذييلًا هامشيًّا. فمنذ أن أعاد كابلان صياغة ماكيندر وسبيكمان في سياق ما بعد الحرب الباردة، واجهت أطروحته نقدًا حادًّا من داخل حقل الجغرافيا السياسية الأكاديمي نفسه: يرى سايمون دالبي أن كابلان يستحضر نظريات من مطلع القرن العشرين خارج سياقها التاريخي، فينتقل من ملاحظة إلى أخرى دون أن يبني حُجَّة متماسكة، بحيث يصعب دحض أطروحته لا لقوتها بل لغياب بنيتها المنطقية أصلًا(8). كما وثَّقت مراجعات أكاديمية متعددة نزوعه المتكرر إلى صياغات حتمية صريحة رغم نفيه المتواصل لذلك، حين يربط طبيعة الحكم في دولة بعينها بتضاريسها وحدها دون وسيط تفسيري(9). هذه الورقة تأخذ هذا النقد على محمل الجد لا لإسقاط الإطار الكابلاني بل لتقييد استخدامه: حين تُستدعى لاحقًا عبارة “انتقام الجغرافيا” في تحليل الحالتين الإيرانية والإسرائيلية، فإنها أداة تفسيرية مشروطة بمتغيرات أخرى -شرعية النظام، واقتصاد العقوبات، وبنية الائتلاف الحاكم- لا قانون يفسر السلوك بمعزل عنها؛ وهذا هو الفارق الدقيق بين القراءة الاحتمالية التي تطمح إليها الورقة والحتمية البيئية التي حذَّر منها نقاد كابلان أنفسهم.

وتحتاج الطبقة الثالثة -أدبيات الحرب بالوكالة- تأصيلًا مماثلًا بدل الإحالة العابرة. يُعرِّف أندرو ممفورد الحرب بالوكالة بوصفها تدخلًا غير مباشر من طرف ثالث يسعى للتأثير في نتيجة صراع قائم، عبر أربعة مسارات متمايزة: تزويد بالأفراد، ومساعدة عسكرية، ودعم مالي، ودعم غير عسكري(10). والملاحظ أن هذا التفكيك الرباعي يوازي، من حيث البنية لا المضمون، التفكيك الرباعي الذي تعتمده هذه الورقة نفسها (الأداة العسكرية-الشبكية، الاقتصادية، المؤسسية، السردية) إلا أن ممفورد صاغ إطاره لتفسير سلوك “الراعي” الخارجي لا الفاعل الإقليمي المباشر؛ ما يجعل تطبيقه هنا على إيران بوصفها راعيًا لشبكة وكلاء امتدادًا مشروعًا لأدبياته، بينما يظل تطبيق المنطق ذاته على إسرائيل -التي تتوسع مباشرة لا بالوكالة- خارج نطاق أدبيات الحرب بالوكالة تمامًا، وهو ما يفسر لماذا احتاجت الورقة أصلًا إلى ابتكار تفكيك موازٍ لا مستعار من أدبيات الحرب بالوكالة وحدها.

وتحتاج الطبقة الأولى نفسها -الجيوبوليتيكية الكلاسيكية- إلى ما يوازيها من أدبيات متخصصة في الحالة الإيرانية تحديدًا لا في الجغرافيا السياسية العامة وحدها. يصف فالي نصر عقيدة “الدفاع الأمامي” الإيرانية بوصفها استجابة إستراتيجية لضعف بنيوي لا اختيارًا أيديولوجيًّا محضًا: دولة فارسية شيعية محاطة بمحيط عربي وسُنِّي غالب، تجد في تصدير النفوذ خارج حدودها تعويضًا عن هشاشة موقعها داخلها(11). وتذهب دراسة حديثة منشورة في ( British Journal of Middle Eastern Studies) أبعد من ذلك، فترصد أفول هذه العقيدة نفسها بعد 2023-2026: الأداة التي صُمِّمت لنقل كلفة المواجهة إلى خارج الحدود الإيرانية فشلت في حماية الحدود ذاتها حين وقعت المواجهة المباشرة، وهو ما يطرح سؤالًا نظريًّا لم تُجب عنه الورقة صراحة بعد: هل “انتقام الجغرافيا” هنا يعني عودة الجغرافيا قيدًا رغم العقيدة، أم فشل العقيدة نفسها في تجاوز الجغرافيا أصلًا؟ الفارق بين الإجابتين يحدد ما إذا كانت أطروحة الورقة المركزية تصف بنية ثابتة أم مسارًا تاريخيًّا قابلًا للانعكاس(12).

موقع هذه الورقة داخل هذه الأدبيات محدد بدقة: الجغرافيا هنا شرط ضروري غير كافٍ. هي التي ترسم قائمة الخيارات المتاحة أمام كل دولة وكلفة كل خيار، بينما تحسم متغيرات أخرى -شرعية النظام، اقتصاد العقوبات، بنية اتخاذ القرار- أيَّ الخيارات يُنتقى فعليًّا. هذا الموقع النظري يفرض اختبار تفسيرات منافسة بدل افتراض صحة الأطروحة الجغرافية سلفًا، وهو ما تفعله الورقة في قسم مستقل لاحقًا.

  1. التصميم المنهجي

تعتمد الورقة تصميم المقارنة المُركَّزة والمُهيكَلة (Structured, Focused Comparison)، وتختار إيران وإسرائيل بوصفهما حالتين تُمثِّلان تصميم “الأنظمة الأشد اختلافًا” (Most-Different-Systems Design): تختلف الدولتان في نظام الحكم، والأيديولوجيا، والحجم السكاني، ومصدر الشرعية، ومع ذلك تتشابهان في سلوك جغرافي محدد هو رفض الاكتفاء بالحدود المعترف بها أمنيًّا. هذا التصميم يتيح عزل أثر الموقع الجغرافي والبنية الأمنية عن متغيرات أخرى قد تفسر التوسع، لأن اختلاف الحالتين في كل شيء تقريبًا باستثناء المتغير التابع (نمط التوسع) يقوِّي الثقة بأن ثمة عاملًا مشتركًا -هو الموضع الجغرافي غير الآمن بذاته- يقف خلف السلوكين معًا.

وتقارن الورقة بين الحالتين عبر أربع أدوات تحليلية موحَّدة تُطبَّق على كل حالة بالتساوي: الأداة العسكرية-الشبكية أو المجالية (من يُستخدم؟ وبأي انتشار؟)، والأداة الاقتصادية (كيف تُموَّل السيطرة أو النفوذ؟)، والأداة المؤسسية-القانونية-الديمغرافية (كيف تُثبَّت الوقائع وتُحصَّن من التراجع؟)، والأداة السردية-الهوياتية (أي رواية تاريخية تُستدعى لتبرير التوسع؟). هذا التفكيك الرباعي هو ما يميِّز هذه النسخة من الورقة عن معالجات سابقة اكتفت بوصف عام لـ”التوسع” دون تفصيل الآليات التي يتحقق بها.

وتفصل الورقة بين مستويين زمنيين: مستوى بنيوي طويل الأمد يتعلق بعودة الجغرافيا محدِّدًا للقوة، وهو أطروحة تتجاوز اللحظة الراهنة؛ ومستوى إمبريقي مشروط بمعطيات الفترة الممتدة من “طوفان الأقصى”، في أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى مطلع يوليو/تموز 2026، وهي فترة شهدت حربين مباشرتين بين إسرائيل وإيران (يونيو/حزيران 2025 وفبراير/شباط-مايو/أيار 2026)، ومذكرة تفاهم أميركية-إيرانية لإنهاء الحرب في يونيو/حزيران 2026. هذه المعطيات قابلة للتبدل السريع، والورقة تُقِرُّ صراحة بأن بعض تفاصيلها قد تتجاوزها الأحداث؛ أما الأطروحة البنيوية فتبقى صالحة حتى إذا تغيَّرت التفاصيل.

تعتمد الورقة على تثليث المصادر: تقارير مراكز أبحاث غربية وإقليمية، وبيانات رسمية عسكرية وحكومية، وتغطية صحفية ميدانية موثقة. وتُقرُّ الورقة بحدود منهجية واضحة: البيانات الصادرة أثناء حرب فعلية -كأعداد القتلى أو حصيلة الاعتراضات الصاروخية أو مصير قادة بعينهم- تحمل درجة عالية من عدم اليقين وتضارب الروايات بين الأطراف المتحاربة، وتُعامِل الورقة هذه البيانات بوصفها مؤشرات اتجاه لا أرقامًا نهائية. كما تُقرُّ الورقة بأن إغلاق باب البحث عند بداية يوليو/تموز 2026 يعني أن أي تطورات لاحقة -خصوصًا مسار التفاوض على الملف النووي الإيراني ونتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة أواخر 2026- تقع خارج نطاق التحليل.

 

ثالثًا: الحالة الإيرانية

  1. الجغرافيا والتاريخ والعقيدة الأمنية

تقوم الحالة الإيرانية على مفارقة تأسيسية: إيران دولة ذات حدود معروفة، لكنها تفكر في أمنها خارج حدودها بصورة بنيوية لا عرضية. هذا السلوك ليس طارئًا على الجمهورية الإسلامية؛ إذ يتصل بإرث طويل من التصور الإمبراطوري للهضبة الإيرانية بوصفها مركزًا طبيعيًّا لمحيط واسع. الهضبة الإيرانية مساحة مرتفعة محاطة بسلاسل جبلية (زاغروس غربًا، البرز شمالًا)، وهذا التكوين منحها عمقًا دفاعيًّا داخليًّا تاريخيًّا، لكنه في المقابل جعلها مفتوحة على خمس بيئات إقليمية مختلفة في وقت واحد: الخليج جنوبًا، والعراق والمشرق غربًا، والقوقاز شمال غرب، وآسيا الوسطى شمالًا، وأفغانستان وباكستان شرقًا. لا توجد دولة إقليمية أخرى تتقاطع حدودها مع هذا العدد من البيئات الجيوسياسية المتباينة، وهو ما يجعل من الصعب على أي حكومة في طهران -أيًّا كانت طبيعتها الأيديولوجية- أن ترى أمنها القومي محصورًا داخل خط حدودي واحد. كل اضطراب في العراق، وكل تحول في الخليج، وكل تغير في القوقاز أو آسيا الوسطى، ينعكس على إدراكها لمكانتها ومجالها الحيوي.

الذاكرة التاريخية أضافت طبقة تفسيرية فوق هذه الحقيقة الجغرافية: الإمبراطوريات الفارسية المتعاقبة -الأخمينية والصفوية والقاجارية- أسَّست تصورًا ذاتيًّا لإيران بوصفها مركزًا حضاريًّا لا دولة إقليمية عادية، بينما شكَّل انكماش النفوذ الإيراني في القرن التاسع عشر أمام القوى الاستعمارية صدمة تأسيسية ثانية. أعادت الثورة الإسلامية، عام 1979، صياغة هذا الإرث بلغة دينية وأيديولوجية. الدولة التي ورثت ذاكرة الإمبراطورية الفارسية تبنَّت خطاب المستضعفين، والمقاومة، وتصدير الثورة، وحماية الجماعات الشيعية. أما الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) فقد أنتجت الصدمة التكوينية الأحدث والأكثر تأثيرًا على العقيدة الأمنية الراهنة: ثماني سنوات من القتال داخل الأراضي الإيرانية، مع غياب أي دعم إقليمي أو دولي فعَّال لطهران، رسَّخت قناعة لدى صانع القرار بأن الدفاع عند خط الحدود متأخر جدًّا، وأن الأمن يجب أن يُدار بعيدًا عن العمق الإيراني نفسه. من هذه الصدمة تحديدًا نشأت عقيدة “الدفاع الأمامي” التي شكَّلت لاحقًا الأساس المنطقي لمحور المقاومة: بناء طبقات ردع خارج الحدود تمتص الصدمة الأولى قبل أن تصل إلى الداخل الإيراني، مع منطق مزدوج هجومي-دفاعي يجمع بين توسيع النفوذ الإقليمي وتعويض الفارق التقليدي في القوة العسكرية مقابل إسرائيل والولايات المتحدة(13).

ومن هنا نشأ نموذج توسع خاص بإيران: توسع لا يحتاج دائمًا إلى ضم أراضٍ، ولا يعلن نفسه احتلالًا مباشرًا، وإنما يبني طبقات نفوذ داخل دول أخرى. العراق أصبح عمقًا سياسيًّا وأمنيًّا. لبنان تحول إلى منصة ردع عبر حزب الله. سوريا تحولت إلى ممر حيوي يصل طهران بالمتوسط. اليمن صار ورقة ضغط على البحر الأحمر والخليج. وغزة، رغم بعدها المذهبي، دخلت في منظومة الردع الإقليمي عبر منطق “وحدة الساحات”.

يتحقق هذا التوسع عمليًّا عبر أربع أدوات متداخلة لا أداة واحدة: شبكة عسكرية من الحلفاء والوكلاء، وبنية اقتصادية تموِّل هذه الشبكة وتغذيها، وأطر مؤسسية تُحوِّل النفوذ المؤقت إلى حضور دائم، ورواية سياسية تكسو الثلاثة جميعًا بغطاء أخلاقي وتاريخي. ولكل أداة من هذه الأدوات منطقها الخاص، وإن كانت تتكامل في خدمة الهدف نفسه: تعويض غياب العمق داخل الحدود الرسمية بعمق يُدار من خارجها.

  1. الأدوات المنهجية للتوسع الإيراني

الأداة العسكرية-الشبكية: لا تحتاج إيران إلى رفع علمها فوق عاصمة عربية كي تمارس نفوذًا عميقًا فيها؛ يكفيها أن تمتلك حليفًا محليًّا، وقناة تمويل، وشبكة تدريب وتسليح، وخط إمداد، ورواية سياسية تربط الصراع المحلي بصراع إقليمي أكبر. هكذا تحوَّل العراق إلى عمق سياسي وأمني عبر الحشد الشعبي، ولبنان إلى منصة ردع عبر حزب الله، وسوريا -قبل سقوط نظام الأسد- إلى ممر بري يصل طهران بالمتوسط، واليمن إلى ورقة ضغط على البحر الأحمر والخليج عبر الحوثيين، بينما دخلت غزة في منظومة الردع الإقليمي عبر منطق “وحدة الساحات” رغم اختلافها المذهبي عن إيران. وتخلص دراسة لهذه الوظيفة تحديدًا إلى أن عقيدة “الدفاع الأمامي” التي تفسر هذا النمط تحقق فائدتين متمايزتين -فائدة ميدانية تتصل بتشكيل الواقع الإستراتيجي فعليًّا، وفائدة تعبوية تتصل بخطاب الصمود العسكري أمام الداخل الإيراني- لكنها في المحصلة تولِّد شكوكًا إقليمية متصاعدة حول نوايا طهران، بما يجعلها إستراتيجية قد تقوِّض نفسها على المدى الطويل أكثر مما تخدمه(14).

الأداة الاقتصادية: لا يتحرك النفوذ الإيراني عبر القنوات الأمنية والسياسية وحدها بل عبر بنية مصالح اقتصادية ممتدة. اقترب حجم التبادل التجاري بين إيران والعراق من 12 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات عراقية بالوصول إلى 25 مليار دولار سنويًّا؛ ما يجعل العراق أحد أهم المنافذ الاقتصادية لإيران في ظل العقوبات(15). وقدَّرت تقارير غربية أن شبكات تهريب الوقود المرتبطة بإيران وحلفائها داخل العراق تولِّد ما لا يقل عن مليار دولار سنويًّا(16)، بينما تشير تقديرات إيرانية إلى أن السلع الإيرانية تستحوذ على نحو 20% من السوق الاستهلاكية العراقية؛ ما يعني أن النفوذ يتغلغل عبر أنماط الاستهلاك اليومية بقدر ما يتحرك عبر الفصائل المسلح(17). هذه الأرقام تقيس عمق التغلغل الاقتصادي ولا تُثبت بمفردها علاقة سببية قاطعة بين التبادل التجاري والتبعية السياسية؛ فقراءتها بوصفها “نفوذًا بنيويًّا” تحتاج قرائن مؤسسية إضافية تتجاوز ميزان التبادل وحده.

الأداة المؤسسية: تحوَّل جزء من النفوذ الإيراني، منذ 2024 خصوصًا، من الشكل الميليشياوي البحت إلى شكل مؤسسي أكثر ديمومة. مذكرة التفاهم الموقعة في مارس/آذار 2024 بين شركة المهندس العراقية المرتبطة بالحشد الشعبي وشركة الهندسة الصينية العملاقة CMEC غطَّت التعاون في مشاريع البناء والطاقة والتجارة، وهي مؤشر على “مأسسة النفوذ تحت غطاء تجاري”. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، عزَّزت زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى بغداد الجهود الرامية إلى تكريس اندماج الحشد الشعبي داخل بنية الدولة العراقية، سعيًا لتحويل النفوذ العسكري إلى ديمومة بيروقراطية(18).

الأداة السردية: يربط الخطاب الرسمي الإيراني السلوك التوسعي برواية “المستضعفين” ومقاومة الهيمنة الغربية-الإسرائيلية، وهي رواية تخدم غرضين: تبرير الكلفة الاقتصادية الباهظة للتوسع الإقليمي أمام الداخل الإيراني، ومنح الحلفاء المحليين غطاءً أيديولوجيًّا يتجاوز حساباتهم الوطنية الضيقة. غير أن هذه الرواية نفسها أصبحت عبئًا تفسيريًّا بعد 2023: فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب وقدرة الشبكة على الحماية الفعلية، ازداد استنزاف الرصيد الرمزي الذي بُني عليه محور المقاومة أصلًا.

  1. ما تغيَّر بعد طوفان الأقصى

يشكِّل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 نقطة انعطاف حقيقية لا رمزية في مسار الأداة العسكرية-الشبكية الإيرانية، ويستحق تفصيلًا مستقلًّا لأنه يمثل جوهر التحول في المنطقة. فمنذ ذلك التاريخ، تحوَّل الهدف الإسرائيلي-الأميركي من احتواء محور المقاومة إلى تفكيكه كبنية متكاملة. في سبتمبر/أيلول 2024، اغتيل الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في ملجأ له في بيروت بصحبة العميد في الحرس الثوري الإيراني، عباس نيلفروشان، وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، سقط نظام بشار الأسد؛ ما قطع الممر البري الذي كانت طهران تزوِّد عبره حزب الله بالسلاح(19).  بحلول مطلع 2025، دخلت إيران المرحلة التالية وقد تآكلت بنية ردعها الإقليمي على نحو غير مسبوق منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية(20).

في 13 يونيو/حزيران 2025، شنَّت إسرائيل “عملية الأسد الصاعد”، وهي أول ضربة مباشرة ضد البنية النووية والعسكرية داخل الأراضي الإيرانية نفسها، فيما عُرف بـ”حرب الأيام الاثني عشر”، شاركت فيها لاحقًا الولايات المتحدة بضربات على مواقع نووية(21). كسرت هذه الحرب وهمًا إستراتيجيًّا مزدوجًا: أن الغموض والردع بالوكالة يحميان إيران إلى ما لا نهاية، وأن محور المقاومة سيتحرك تلقائيًّا لنجدة طهران في مواجهة مباشرة. لم يحدث ذلك: بدل تعبئة الشبكة، اختارت طهران أن تردَّ بمفردها، في إشارة إلى مراجعة إستراتيجية عميقة لجدوى الاعتماد على الوكلاء في سيناريو المواجهة المباشرة مع دولة نووية(22).

لكن القطيعة الأعمق جاءت لاحقًا. في 28 فبراير/شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية مشتركة -“الغضب الملحمي” أميركيًّا و”الأسد الهادر” إسرائيليًّا- استهدفت في موجتها الأولى نحو 900 غارة خلال اثنتي عشرة ساعة، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد من كبار قادة الحرس الثوري والجيش، من بينهم قائد الحرس الثوري، محمد پاكپور، ووزير الدفاع، عزيز نصيرزاده، ورئيس الأركان، محمد باقري(23). هذه هي أول عملية اغتيال تستهدف رأس الدولة الإيرانية منذ 1979، وقد فُسِّرت غربيًّا بوصفها “أكبر عملية استهداف قيادي في تاريخ النزاع”، اعتمدت على مزيج من الاستخبارات البشرية والإشارية والفضائية على مدى سنوات(24). ردَّت إيران بأوسع مما فعلت في حرب يونيو/حزيران 2025: صواريخ وطائرات مسيَّرة استهدفت إسرائيل، وقواعد أميركية، وامتدت لأول مرة إلى ست دول خليجية دفعة واحدة إضافة إلى الأردن، فيما أغلق الحرس الثوري مضيق هرمز أمام الملاحة المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، محدثًا صدمة نفطية عالمية(25).

أعادت المؤسسة الإيرانية إنتاج نفسها بسرعة لافتة: تولى علي لاريجاني القيادة الفعلية المؤقتة، ثم بويع مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مرشدًا أعلى جديدًا، في مطلع مارس/آذار 2026، رغم اعتراضات غربية، وهو ما يكشف مفارقة مهمة: خسارة الدولة قائدها الأعلى لم تُنتج انهيارًا فوريًّا في بنية الحكم، لكنها كشفت أن شرعية النظام كانت أكثر ارتباطًا بشخص خامنئي الأب من المتصوَّر، وأن خليفته أظهر توجهًا أكثر تشددًا(26). توسَّعت الحرب إلى جبهة لبنانية موازية بعد استئناف حزب الله إطلاق النار، في 2 مارس/آذار، ردًّا على اغتيال خامنئي، فشنَّت إسرائيل غزوًا بريًّا، في 16 مارس/آذار، نشرت خلاله خمس فرق عسكرية، ودمَّرت الجسور الرئيسية على نهر الليطاني، ووسَّعت مساحة احتلالها الفعلي داخل الأراضي اللبنانية إلى ما بين 570 و600 كيلومتر مربع بحلول وقف إطلاق النار المؤقت(27).

اقتصاديًّا، تفاقم الانهيار: أعاد الثلاثي الأوروبي (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) تفعيل آلية “الزناد التلقائي” للعقوبات الأممية، في سبتمبر/أيلول 2025، وتوقَّع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني خلال عامي 2025 و2026 مع تضخم يقترب من 60%، بينما اندلعت، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، احتجاجات شعبية عمَّت المحافظات الإيرانية الإحدى والثلاثين جميعها بسبب تردي الأوضاع المعيشية(28).

بعد أسابيع من التصعيد المتقطع، توصل الجانبان الأميركي والإيراني، بوساطة باكستانية ثم قطرية، إلى وقف إطلاق نار مرحلي في 8 أبريل/نيسان 2026، تلاه، في 17 يونيو/حزيران 2026، توقيع “مذكرة إسلام آباد” بين الرئيسين، الأميركي والإيراني، لإنهاء الحرب رسميًّا، شملت تمديد وقف إطلاق النار ستين يومًا، وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًّا، والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمَّدة في قطر، على أن تبقى ملفات البرنامج النووي والعقوبات النفطية مفتوحة للتفاوض(29). ولم تشمل هذه التسوية جبهة لبنان بشكل كامل: أعلن نتنياهو، في 15 يونيو/حزيران 2026، أن قوات إسرائيل ستبقى في “المنطقة العازلة” اللبنانية “طالما اقتضت الضرورة”، وأكد وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بعد أسبوع أن الانسحاب لن يحدث “حتى لو طالبت به الولايات المتحدة”، مضيفًا أن نحو مئتي ألف نازح لن يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم(30).

النتيجة الصافية لهذه المرحلة، بحسب تحليلات متعددة صدرت، مطلع يوليو/تموز 2026، ليست انهيار محور المقاومة بالمعنى الحرفي بل تحوله إلى “سكون إستراتيجي”: هدوء ظاهري يُخفي إعادة تسلح وتكيُّفًا ماليًّا عبر اقتصاد المنطقة الرمادية القائم على تهريب النفط والعملات الرقمية وعقود إعادة الإعمار، إلى جانب تحول الشبكة من بنية مركزية تديرها طهران إلى كونفيدرالية رخوة من ميليشيات شبه مستقلة، أكثر قدرة على الاستمرار لكن أقل قابلية للسيطرة المركزية(31).

وتشير تحليلات أخرى إلى أن مذكرة التفاهم نفسها تحمل مفارقة إستراتيجية؛ فهي، رغم صدورها عقب اغتيال المرشد الأعلى وتدمير جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية، لم تحقق هدف “تغيير النظام” المعلن، بل تضمنت -بحسب قراءات إقليمية- اعترافًا أميركيًّا ضمنيًّا بإيران بوصفها فاعلًا إقليميًّا باقيًا، وتخليًا فعليًّا عن فكرة الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية غير المنازَعة(32). هذا التناقض بين حجم الضربة العسكرية وهشاشة نتيجتها السياسية يقدِّم دليلًا إضافيًّا لأطروحة الورقة المركزية: فحتى حين تُصاب الأداة العسكرية-الشبكية الإيرانية في الصميم، لا يُترجَم ذلك تلقائيًّا إلى تفكُّك جيوسياسي شامل، لأن البنية الجغرافية التي أنتجت الشبكة أصلًا -الجوار المتعدد، وتعذُّر عزل إيران عن محيطها- تبقى قائمة وتتيح لاحقًا إعادة تشكُّل الشبكة ولو بصورة مختلفة.

لذلك يمكن القول: إن إيران وصلت إلى مرحلة توسع مثقل، فهي واسعة النفوذ لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويل هذا النفوذ إلى شرعية. لديها أدوات ضغط كثيرة، لكنها تعاني من كلفة الاحتفاظ بها. تمتلك قدرة على الإزعاج الإقليمي، لكنها تحتاج إلى موارد اقتصادية وسياسية لإدارة شبكة ممتدة من الخليج إلى المتوسط. وهنا ينتقم منها عامل الجغرافيا: المسافة، وتعدد الجبهات، وتنوع البيئات المحلية، وصعوبة التحكم في الحلفاء، كلها تجعل النفوذ الإيراني قابلًا للتمدد وقابلًا للتآكل في الوقت نفسه.

رابعًا: الحالة الإسرائيلية

  1. الجغرافيا والتاريخ والعقيدة الأمنية

تقدِّم إسرائيل نموذجًا معاكسًا تمامًا في المعطى الجغرافي وإن تشابه في المنطق السلوكي. فهي دولة صغيرة المساحة، لا يتجاوز عرضها في بعض المناطق الوسطى خمسة عشر كيلومترًا، وتفتقر بنيويًّا إلى العمق الإستراتيجي الذي يمنح الوقت اللازم لاستيعاب ضربة أولى. هذا المعطى الفيزيائي البحت، لا الأيديولوجيا وحدها، هو ما أنتج عقيدة أمنية مبكرة تأسست على مبدأين متلازمين: نقل المعركة إلى أرض الخصم كلما أمكن ذلك، والاستثمار في الإنذار المبكر والتفوق الجوي لتعويض غياب العمق البري. صاغ ديفيد بن غوريون وموشيه ديان ملامح هذه العقيدة في العقدين الأولين بعد 1948، وثبَّتتها حرب 1967 حين تحوَّلت الأراضي المحتلة -سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة- إلى “عمق إستراتيجي” فعلي يمتص الصدمة الأولى بدل الحدود الأصلية الضيقة. من هذه اللحظة بالذات بدأ التحول التدريجي في مفهوم الأمن الإسرائيلي من “حماية الحدود” إلى “دفع الحدود إلى الخارج”، وهو تحول لم يتوقف بل تسارع في كل حرب كبرى لاحقة.

فكرة “المنطقة الأمنية” ليست ابتكارًا لحظيًّا فرضته حرب 2026 بل عقيدة متجذرة تعود إلى ثمانينات القرن الماضي: بعد اجتياح لبنان عام 1982، أقامت إسرائيل بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي شريطًا أمنيًّا بعمق يتراوح بين اثنين واثني عشر كيلومترًا داخل جنوب لبنان استمر خمسة عشر عامًا، بكلفة بلغت مقتل 256 جنديًّا إسرائيليًّا قبل الانسحاب أحادي الجانب عام 2000(33). والمفارقة أن التجربة التاريخية لهذا النموذج ذاته -الشريط الأمني اللبناني- لا تدعم فاعليته الأمنية بقدر ما توثِّق استنزافه: خمسة عشر عامًا من الاحتكاك المسلح انتهت بانسحاب أحادي لا بتحقيق الردع المنشود، وهو سؤال لم تحسمه إسرائيل نفسها بعد وهي تكرر النموذج في غزة ولبنان وسوريا اليوم. وقد تراجعت هذه العقيدة تدريجيًّا بعد اتفاقية السلام مع مصر، 1979، التي أزالت أخطر الجبهات البرية المباشرة، ثم بعد الانسحاب من جنوب لبنان نفسه، لتعاود الظهور بقوة غير مسبوقة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. تصف الباحثة شيرا إفرون من مؤسسة RAND هذا التحول بوصفه عقيدة دفاعية جديدة قوامها التعامل مع القدرات لا النوايا: بدل تقدير ما إذا كان الخصم يخطط لهجوم، ينتقل التخطيط الإسرائيلي إلى إبعاد الخصم فيزيائيًّا بصرف النظر عن نواياه المعلنة(34). ويرى تحليل لمجلس الأطلسي أن غزة ولبنان وسوريا تشكِّل مجتمِعةً عقيدة مناطق عازلة متماسكة تقوم على العمق العسكري والتحويل المادي للحدود والغموض السياسي حول مدتها، وأن خطرها الأصلي أنها تحوِّل ترتيبات أمنية طارئة إلى وقائع إقليمية دائمة(35).

غير أن تأطير هذه الترتيبات بوصفها “مناطق عازلة” ليس توصيفًا محايدًا بل موضع نزاع في الأدبيات نفسها. ترى مراجعة نقدية لتغطية عدد من وسائل الإعلام الغربية الكبرى أن مصطلح “المنطقة العازلة” يعمل بوصفه تلطيفًا لغويًّا يُخفي أن ما يجري احتلال فعلي لأراضٍ سيادية في غزة ولبنان وسوريا معًا، وأن المصطلح ذاته -خلافًا لتعريفه القاموسي كمساحة محايدة تفصل قوتين متحاربتين- يُستخدم لوصف سيطرة أحادية الجانب لا فصل متبادل(36). هذا النقد لا يُبطل التوصيف الأمني الذي تعتمده الورقة، لكنه يفرض تمييزًا منهجيًّا: العقيدة الأمنية الإسرائيلية (كما يصفها الجانب الإسرائيلي) والتوصيف القانوني الدولي لما ينتج عنها فعليًّا على الأرض هما مستويان مختلفان، وإغفال هذا الفارق -كما نبَّهت الورقة نفسها سابقًا بخصوص الفارق القانوني بين الحالتين الإيرانية والإسرائيلية- يعرِّض التحليل لخطر تبني مصطلحات أحد طرفي الصراع بوصفها حقائق وصفية محايدة. الضفة الغربية وحدها تبقى خارج هذا المنطق: فما يجري فيها ليس إبعادًا فيزيائيًّا للتهديد عبر شريط عازل بل استيطانًا مباشرًا وضمًّا قانونيًّا تدريجيًّا، وهو ما يفسر لماذا تُعامَل الضفة في هذه الورقة بوصفها تطبيقًا للأداة المؤسسية-الاستيطانية لا الأداة العسكرية-الحدودية، رغم اشتراكها مع سوريا ولبنان في المنطق العام لرفض الاكتفاء بالحدود القائمة.

ويتحقق هذا التوسع بدوره عبر أربع أدوات متداخلة: توغل عسكري مباشر يعيد رسم خطوط التَّماس ميدانيًّا، وتثبيت عمراني وقانوني يحوِّل الموقع العسكري إلى واقع إداري دائم، وتمويل مباشر من الموازنة العامة والمساعدات الخارجية يُبقي هذا التوسع مستدامًا، ورواية أمنية-تاريخية تمنحه غطاءً أخلاقيًّا يصعب الطعن فيه. وكل جبهة من جبهات هذا التوسع -سوريا ولبنان والضفة وغزة- ليست إلا تطبيقًا محليًّا للمنطق نفسه: تحويل المسافة إلى أمن.

  1. الأدوات المنهجية للتوسع الإسرائيلي

الأداة العسكرية-المجالية: منح عام 2025 هذا النزوع زخمًا جديدًا بعد سقوط نظام الأسد: توغل الجيش الإسرائيلي في جنوب سوريا متجاوزًا إطار اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وتحوَّل الحديث عن شريط أمني بعمق عشرة ثم خمسة عشر كيلومترًا إلى مطالبة بمنطقة منزوعة السلاح تمتد باتجاه دمشق(37). وفي لبنان، تكررت الفكرة نفسها بصيغة أخرى: بقي الجيش الإسرائيلي في خمس نقاط بعد انتهاء مهلة الانسحاب في فبراير/شباط 2025(38) قبل أن تتوسع هذه النقاط جذريًّا خلال حرب 2026 عبر غزو بري كامل بلغ 570-600 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، مصحوبًا بتدمير عشرات آلاف المنازل جنوب الليطاني ضمن إستراتيجية معلنة لمنع عودة السكان إليها(39).

الأداة الاقتصادية: خلافًا لإيران؛ حيث يتحرك التمويل عبر شبكة مختلطة من التجارة الرسمية وغير الرسمية، يتحرك التمويل الإسرائيلي عبر قناتين متمايزتين تمامًا: الموازنة العامة الداخلية والمساعدة الخارجية المباشرة. فعلى الصعيد الداخلي، قدَّرت منظمة السلام الآن أن حكومة نتنياهو-سموتريتش استثمرت منذ توليها الحكم أواخر 2022 ما يقارب 19.3 مليار شيكل في المستوطنات حتى مطلع 2026، شملت نحو 3.61 مليارات شيكل لشقِّ طرق داخل الضفة (أي خُمس إجمالي الاستثمار الإسرائيلي في الطرق على مستوى الدولة كلها)، إضافة إلى مخصصات ائتلافية متكررة لوزارة الاستيطان بلغت وحدها في مطلع 2026 نحو 395 مليون شيكل، وقانون إعفاءات ضريبية للمستوطنين أُقِرَّ، في يونيو/حزيران 2026، بكلفة سنوية تناهز 130 مليون شيكل(40). هذا التمويل الداخلي لا يمر عبر وزارة واحدة بل عبر “أموال ائتلافية” مخصصة لكل حزب شريك في الحكومة دون معايير مركزية؛ ما يجعل من الصعب تتبعه أو مساءلته برلمانيًّا، وهو ما يحوِّل الأداة الاقتصادية هنا إلى امتداد للأداة المؤسسية لا بديل عنها. أما على الصعيد الخارجي، فقد قدَّم معهد كوينسي أن الولايات المتحدة صرفت ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار مساعدات عسكرية مباشرة لإسرائيل بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2025 وحدها، فوق التزامات مستقبلية بعشرات المليارات لم تُصرف بعد(41). الفارق الجوهري بين القناتين أن الأولى تموِّل تثبيت الوقائع الإقليمية (الاستيطان)، بينما تموِّل الثانية القدرة العسكرية الإقليمية (الحرب على إيران ولبنان وسوريا)؛ وهو ما يعني أن الأداة الاقتصادية الإسرائيلية، خلافًا للإيرانية التي تخدم هدفًا واحدًا هو إدامة الشبكة، تخدم هدفين متوازيين ومنفصلي المصدر لا هدفًا واحدًا.

الأداة المؤسسية-القانونية-الديمغرافية: في الضفة الغربية، انتقل التوسع من الشكل العمراني إلى الشكل الإداري-القانوني الصريح. وافقت إسرائيل نهائيًّا على مشروع E1 الذي يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها ويربط الكتل الاستيطانية الكبرى بالقدس عبر نحو 3400 وحدة استيطانية جديدة(42) ضمن موجة استيطانية بلغت رقمًا قياسيًّا بلغ نحو 28 ألف وحدة استيطانية جديدة خلال عام 2025 وحده(43). لكن التحول الأخطر جاء في فبراير/شباط 2026، حين أقرَّت الحكومة الإسرائيلية سلسلة قرارات تنقل صلاحية تسجيل الأراضي في المنطقة “ج” من الإدارة المدنية العسكرية إلى وزارة العدل، بما يتيح تسجيل أي أرض لا يستطيع الفلسطينيون إثبات ملكيتها الرسمية بوصفها “أرض دولة” قابلة للتخصيص للمستوطنين. وصف وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، هذه الخطوة بأنها تُحدث “تغييرًا جوهريًّا في الواقع القانوني والمدني”، فيما عَدَّها وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، تعبيرًا عن “سياسة واضحة لترسيخ هذه الأرض للأجيال”. هذه الخطوة -التي وُصفت بأنها “ضمٌّ زاحف عبر القانون”- تحوِّل السيطرة الإدارية من إجراء عسكري مؤقت إلى بنية بيروقراطية دائمة يصعب التراجع عنها، وتمثل انتقالًا نوعيًّا من الأداة العمرانية (بناء مستوطنات) إلى الأداة المؤسسية (إعادة تعريف الملكية والسيادة بالقانون الداخلي)(44). ورافق ذلك تسريع اعتماد 68 مستوطنة جديدة خلال ثلاث سنوات فقط، ليصل إجمالي المستوطنات الرسمية إلى نحو 210، وسط تقرير أممي وثَّق تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني قسريًّا خلال عام واحد بفعل توسع الاستيطان والعنف المصاحب له(45). بيد أن قراءة هذا التسارع التشريعي بوصفه مرتبطًا وظيفيًّا بالحرب على إيران تحتاج تصحيحًا زمنيًّا دقيقًا. فمشروع الضم الزاحف لم يبدأ مع الحرب، بل يسبقها بأكثر من عامين: نصَّ اتفاق الائتلاف، الموقَّع في 1 ديسمبر/كانون الأول 2022، صراحةً على التزام رئيس الوزراء بـ”صياغة وتعزيز سياسة تطبيق السيادة على يهودا والسامرة”، وفي 23 فبراير/شباط 2023 -أي قبل طوفان الأقصى بسبعة أشهر- وقَّع سموتريتش مذكرة تفاهم مع وزير الدفاع حينها، يوآف غالانت، نقلت إليه صلاحيات الإدارة المدنية وأسَّست لاحقًا “إدارة الاستيطان” داخل وزارة الدفاع(46). بعبارة أخرى، المسار الذي تُحلِّله الورقة لاحقًا بوصفه امتدادًا لقرارات فبراير/شباط 2026 هو تتويج لمسار مؤسسي بدأ مع تشكيل الحكومة نفسها وليس نتاجًا للحرب على إيران. الحرب لم تُنتج هذا المسار، بل تقاطعت معه زمنيًّا ووفَّرت له في لحظة بعينها -أسابيع تسريع قرارات فبراير/شباط 2026 تحديدًا- غطاءً إعلاميًّا ودوليًّا، بحسب تحليل معهد تشاتام هاوس(47)، أتاح تمرير خطوات كانت ستواجه في الظروف العادية اعتراضًا دوليًّا أوسع. الفارق بين القراءتين ليس شكليًّا: فالقراءة الأولى (سببيَّة) تجعل من الاستيطان أداة توظَّف عند الحاجة لخدمة هدف الحرب، بينما القراءة الثانية (تسريع هامشي توقيتي) تُبقي الاستيطان مسارًا مستقلًّا ذا محرك داخلي -بنية الائتلاف الحاكم والتزاماته لشركائه- استفاد من انشغال العالم لحظيًّا دون أن يكون مشروطًا به.

أما في غزة، فقد ظهر الشكل الأكثر كثافة لمنطق إعادة تشكيل المجال بعد اتفاق وقف إطلاق النار، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حين برز “الخط الأصفر” فاصلًا ميدانيًّا بين مناطق السيطرة والحركة، محوِّلًا الانسحاب من عملية خروج كامل إلى إعادة توزيع للسيطرة الداخلية عبر خطوط ومناطق وممرات ومربعات إسمنتية(48).

الأداة السردية: يستحضر الخطاب الإسرائيلي الرسمي، في تبرير كل من هذه الخطوات، مزيجًا من حجتين: حجة الأمن الاستباقي (منع تبلور التهديد قبل نضوجه)، وحجة الرواية التاريخية-الدينية للعودة إلى الأرض. والحجتان تعملان معًا على تحويل “الوقائع الميدانية” إلى مادة سياسية يصعب الرجوع عنها: ما يُبنى على الأرض يصبح لاحقًا حُجَّة سياسية بذاته.

  1. العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية بعد “طوفان الأقصى”

إذا كانت إيران قد انتقلت بعد 2023 من الهجوم الشبكي إلى الدفاع عن بقاء الشبكة، فإن إسرائيل انتقلت في الاتجاه المعاكس تمامًا: من عقيدة “منع التهديد” التقليدية إلى عقيدة “تثبيت المكاسب قبل عودة التوازن الإقليمي”. فبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم بعد حرب لبنان 2024، ثم بعد انهيار نظام الأسد، أصبح التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي أكثر جرأة في التعامل مع الحدود المحيطة بوصفها مساحات أمنية قابلة للتعديل الدائم لا الطارئ. حرب فبراير/شباط-مايو/أيار 2026 لم تكن استثناءً عن هذا المسار بل ذروته: فبينما ركَّزت الحملة عسكريًّا على البرنامج النووي الإيراني والقيادة العليا في طهران، فإنها في الوقت ذاته وفَّرت الغطاء الزمني والسياسي لتسريع أدوات التوسع الإسرائيلي في ثلاث جبهات متزامنة -لبنان (الاحتلال الموسَّع جنوب الليطاني)، وسوريا (تثبيت الوجود في الجنوب السوري وسط ادعاءات بحماية الدروز من ميليشيات عراقية مرتبطة بإيران)، والضفة الغربية (تسريع الأداة المؤسسية للضم الزاحف). هذا التزامن ليس صدفة توقيت بل امتدادًا منطقيًّا لعقيدة تؤمن بأن “النافذة التاريخية القصيرة” الناتجة عن إضعاف محور المقاومة يجب استثمارها قبل أن تُغلق.

خامسًا: المقارنة المنهجية بين النموذجين

  1. المقارنة عبر الجبهات

عبر الأدوات الأربع، يظهر تباين هندسي واضح: تتوسع إيران عبر العمق (شبكات، ممرات، حلفاء محليون، اقتصاد غير رسمي)، وتتوسع إسرائيل عبر الحافة (سيطرة عسكرية مباشرة، مناطق عازلة، استيطان، تسجيل أراضٍ). إيران تراكم النفوذ داخل بنية الدول القائمة دون رفع عَلَمها، وإسرائيل تعيد رسم أطراف هذه الدول بالقوة العسكرية والقانون الداخلي معًا. التشابه العميق بينهما يكمن في أن كلتيهما يتعامل مع الحدود القائمة بوصفها غير كافية. إيران لا تجد أمنها داخل حدودها الرسمية، وإسرائيل لا تجد أمنها داخل خطوطها المعترف بها أو المتنازع عليها. كل طرف يرى أن البقاء يحتاج إلى ما هو أبعد من الدولة: مجال نفوذ، أو حزام أمني، أو شبكة حلفاء، أو عمق عسكري. وهنا يتحول الشرق الأوسط إلى فضاء من الحدود المتحركة. غير أن هذا التماثل الهندسي تماثل تحليلي لا معياري: فهو يكشف منطقًا مشتركًا في التعامل مع كفاية الحدود القائمة، لا تكافؤًا في الوضع القانوني أو الكلفة الإنسانية، وهو تمييز يجب تثبيته قبل المضي في أي مقارنة كي لا تتحول المماثلة البنيوية إلى مساواة في الميزان الأخلاقي أو القانوني.

فإسرائيل تمارس توسعًا ماديًّا مباشرًا على أراضٍ محتلة يحكمها وضع قانوني محدد: خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري، الصادر في يوليو/تموز 2024، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير مشروع في ذاته، وطالبت بإنهائه “بأسرع وقت ممكن”، معتبرةً أن دواعي الأمن لا تبيح اكتساب الأرض بالقوة(49). أما إيران فتمارس نفوذًا عابرًا للحدود عبر فاعلين محليين يتغلغل في البنى السياسية والاجتماعية لدول أخرى، من دون أن يقابله جسم مماثل من الأحكام الدولية الملزمة. وبذلك يقع الفعلان على مستويين مختلفين قانونيًّا وأخلاقيًّا وإن تشابها بنيويًّا: أحدهما يغيِّر الجغرافيا والديمغرافيا مباشرة تحت طائلة وصف قانوني دولي صريح، والآخر يعيد توزيع الولاءات داخل الدولة من دون أن يرفع عَلَمًا. إغفال هذا التمييز يحوِّل تشخيص “منطق مشترك” إلى تسوية لا تُقرِّها لا وقائع الأرض ولا نصوص القانون. الجدول رقم (1) يلخّص المقارنة عبر الأدوات الأربع.

جدول (1): المقارنة بين إيران وإسرائيل عبر الأدوات المنهجية للتوسع

إيران إسرائيل
الأداة العسكرية-المجالية تعتمد الوكلاء المسلحين والممرات البرية غير المعلنة رسميًّا. تعتمد الاحتلال المباشر والمناطق العازلة المعلنة رسميًّا بذريعة أمنية.
الأداة الاقتصادية تعتمد التجارة الرسمية المختلطة بالتهريب وشبكات الطاقة غير المشروعة. تعتمد تمويل الاستيطان من الموازنة العامة والمساعدات الخارجية المباشرة.
الأداة المؤسسية-القانونية تعتمد دمج الفصائل داخل مؤسسات الدولة المضيفة (الحشد الشعبي نموذجًا). تعتمد تحويل الإدارة العسكرية إلى تسجيل ملكية مدني دائم (قرارات فبراير/شباط 2026 نموذجًا).
الأداة السردية تستحضر سردية المستضعفين ومقاومة الهيمنة. تستحضر سردية الأمن الاستباقي والعودة التاريخية.

المصدر: من إعداد الباحث

في الحالات الأربع جميعها، تنتج زيادة المجال زيادة في كلفة الإدارة لا ضمانًا للاستقرار: كلما اتسعت الشبكة الإيرانية ازداد استنزافها وازدادت حساسية المجتمعات المضيفة تجاه طهران، وكلما اتسعت المساحة الإسرائيلية المسيطر عليها ازدادت الجبهات المفتوحة والكلفة الأمنية والسياسية والأخلاقية المصاحبة لإدارتها.

النتيجة في الحالتين واحدة ومتقاطعة: الدولة الوطنية العربية تصبح المجال الذي يتلقى ضغط التوسع من الطرفين. إنما المسؤولية القانونية والأخلاقية لا تتوزع بالتساوي، وإغفال هذا التمييز يحوِّل تشخيص “منطق مشترك” إلى تسويةٍ لا تقرُّها لا وقائع الأرض ولا نصوص القانون.

  1. العقل الإستراتيجي: كيف يفكر صانعا القرار وليس فقط ماذا يفعلان

ما يجري داخل صناعة القرار الإستراتيجي في إيران وإسرائيل أعمق من لغة التصريحات اليومية أو حتى من الأدوات الأربع نفسها؛ فالأدوات تشرح ماذا يفعل كل طرف، لكنها لا تشرح كيف يفكر. في طهران، بدت المؤسسة الحاكمة، حتى مطلع 2026، وكأنها تمر بلحظة مراجعة قاسية؛ فـ”محور المقاومة” الذي صُمِّم طوال عقدين ليمنح إيران عمقًا إستراتيجيًّا بتكلفة منخفضة، تحوَّل بعد 2024 و2025 إلى عبء مكشوف ومكلِّف. ثم جاء اغتيال المرشد الأعلى نفسه، في فبراير/شباط 2026، ليضع هذه المراجعة أمام اختبار وجودي لا إستراتيجي فحسب: كيف تُدار دولة فقدت رأسها الرمزي والديني معًا؟ الإجابة التي قدَّمتها المؤسسة -مبايعة مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى خلال أسابيع رغم اعتراضات غربية- كشفت أن آلية الاستمرارية أهم لدى النظام من مصدر الشرعية ذاته: المهم أن يبقى الموقع مشغولًا، لا أن يُعاد التفكير في شكله.

تتشكل الآن داخل العقل الإيراني معادلة مختلفة عمَّا كانت عليه قبل 2026: لم يعد السؤال: كيف يُرمَّم الردع من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة شاملة؟ لأن هذه الحرب وقعت فعلًا وانتهت بمذكرة تفاهم لا بانتصار حاسم لأي طرف؛ السؤال الآن: كيف تُدار الدولة في ظل قيادة أكثر تشددًا من سلفها بينما الاقتصاد ينكمش والاحتجاجات يمكن أن تعود؟ هذا السؤال يقود طهران غالبًا إلى مزيج من ثلاثة مسارات: تطوير الصواريخ والطائرات المسيَّرة، وإعادة بناء شبكات الوكلاء بطريقة أكثر مرونة ولا مركزية وأقل ظهورًا على النمط الذي بدأ التبلور بعد الحرب، ورفع قيمة البرنامج النووي -الذي لم تَقْضِ عليه الضربات رغم حجمها- كورقة ردع سياسية ونفسية أكثر منها مشروعًا عسكريًّا مكتملًا.

في إسرائيل، تبدو الصورة معكوسة تمامًا. مراكز القرار لا تتصرف فقط بمنطق “منع التهديد” بل بمنطق تحويل الانكشاف الجغرافي إلى فرصة لإعادة رسم البيئة المحيطة. بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وبعد حرب لبنان، وبعد انهيار سوريا الأسد، ثم بعد حرب 2026 نفسها، أصبح التفكير الإسرائيلي أكثر جرأة في التعامل مع الحدود بوصفها مساحات أمنية قابلة للتعديل الدائم. الجدار، والمنطقة العازلة الموسَّعة جنوب الليطاني، والخط الأصفر في غزة، والنقطة العسكرية التي تتحول إلى قاعدة، وتسجيل الأراضي في المنطقة “ج” بقرار مدني لا عسكري، والضربة الوقائية بعيدة المدى التي بلغت ذروتها باغتيال قيادة دولة كاملة، كلها أدوات ضمن عقل إستراتيجي واحد: نقل المعركة إلى خارج المركز الإسرائيلي، وتفكيك قدرة الخصوم قبل أن تصبح تهديدًا متراكمًا، واستثمار كل نافذة ضعف لدى الخصم قبل أن تُغلق. لذلك لا يمكن فهم التوغل في جنوب سوريا، أو الاحتلال الموسَّع جنوب الليطاني، أو تسريع الضم القانوني في الضفة، أو هندسة غزة الجديدة، بوصفها ملفات منفصلة؛ إنها أجزاء من تصور واحد يرى أن المرحلة الممتدة من سقوط الأسد إلى اغتيال خامنئي منحت إسرائيل نافذة تاريخية استثنائية قصيرة لتثبيت وقائع يصعب عكسها لاحقًا، وهو ما يفسر لماذا تسارعت قرارات الضم في الضفة تحديدًا في الأسابيع التي كان فيها العالم منشغلًا بالحرب على إيران، لا قبلها ولا بعدها.

الفارق الجوهري بين العقلين يكمن هنا: صانع القرار الإيراني ينطلق من سؤال حول موقع إيران داخل التاريخ؛ فمنذ سقوط الشاه وحتى اليوم، تشكَّلت داخل المؤسسة الإيرانية قناعة راسخة بأن إيران ليست دولة عادية في الشرق الأوسط، وإنما مركز حضاري يمتلك حقًّا طبيعيًّا في التأثير داخل المجال الممتد من الخليج إلى المتوسط وآسيا الوسطى. لهذا لا تنظر طهران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن بوصفها ملفات خارجية منفصلة، وإنما بوصفها حلقات ضمن فضاء إستراتيجي واحد؛ وعندما تتعرض إحدى هذه الحلقات للاهتزاز -كما حدث بالتتابع في سوريا ولبنان ثم داخل إيران نفسها- يشعر صانع القرار بأن الخلل أصاب بنية الأمن القومي ذاتها لا حليفًا هامشيًّا. هذه الرؤية تفسر استعداد إيران لتحمل عقوبات هائلة وكلفة بشرية غير مسبوقة مقابل الحفاظ على مواقع نفوذها؛ فالقضية في نظرها لا تتعلق بحليف هنا أو ميليشيا هناك، بل بصورة إيران عن ذاتها كقوة مركزية في الإقليم، وهي صورة لم يُبطلها اغتيال خامنئي بقدر ما اختبرها بقسوة.

أما العقل الإستراتيجي الإسرائيلي فهاجسه الأساسي ليس استعادة مجال حضاري تاريخي، وإنما إدارة الخوف من المستقبل. فمعظم النخب الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه بيئة متقلبة لا يمكن الوثوق باستقرارها حتى في لحظة تفوقها العسكري الأوضح منذ 1967. لذلك تتشكل السياسات حول مبدأ منع ظهور التهديد قبل أن يتبلور، لا حول تسوية دائمة تُغلق ملف الأمن نهائيًّا. من هنا نفهم لماذا تتحول المناطق العازلة إلى قواعد، ولماذا تتحول الخطوط المؤقتة إلى وقائع دائمة، ولماذا تُفضِّل إسرائيل توسيع مجالها الأمني باستمرار حتى بعد تحقيق أهدافها المعلنة. في التفكير الإسرائيلي السائد لا توجد حدود نهائية للأمن؛ لأن الأمن نفسه يُعرَّف بوصفه عملية استباق مستمرة لا حالة نهائية تُبلغ ثم تُدار. وهنا يصبح التوسع نتيجة طبيعية لطريقة التفكير أكثر من كونه مجرد قرار سياسي ظرفي؛ وهو ما يفسر لماذا لم يتوقف التوسع حتى بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وتفكك جزء كبير من محور المقاومة، بل تسارَع.

سادسًا: الجغرافيا وتفاوت القدرة على تشكيل التوازنات الإقليمية

يمكن الاعتراض هنا بأن ما تسميه الورقة “انتقام الجغرافيا” ليس إلا الاسم الحديث لمعضلة الأمن الكلاسيكية: كل بحث عن عمق أو حزام عازل يقرؤه الخصم تهديدًا فيرد بتوسع مماثل، فتدور حلقة الفعل ورد الفعل من دون حاجة إلى الجغرافيا متغيرًا حاكمًا(50). والاعتراض وجيه جزئيًّا: يمكن تفسير قدر من السلوك الإيراني بمنطق شرعية النظام واقتصاد العقوبات أكثر من تفسيره بإرث الهضبة، كما يمكن ردُّ جانب من السلوك الإسرائيلي إلى موازنة التهديدات لا إلى ضيق المساحة وحده(51).

غير أن هذه التفسيرات المنافسة تكمِّل الجغرافيا ولا تلغيها، وذلك لسببين تحليليين محددين؛ أولًا: معضلة الأمن تشرح آلية التصعيد لكنها لا تشرح لماذا تتركَّز المواجهة تحديدًا على الممرات والمضائق والمناطق العازلة، لا على أي متغير آخر قابل للتصعيد المتبادل. اختيار الساحة نفسها -جنوب سوريا، وجنوب لبنان، ومضيق هرمز، والضفة الغربية- هو اختيار جغرافي بامتياز يسبق منطق الفعل ورد الفعل ويحدد شكله. ثانيًا: تفسير شرعية النظام يشرح الدافع الداخلي للتوسع لكنه لا يشرح خريطة انتشاره: لماذا اختارت إيران تحديدًا العراق ولبنان واليمن دون آسيا الوسطى مثلًا رغم وجود جاليات وروابط تاريخية هناك أيضًا؟ الإجابة تكمن في القرب الجغرافي والاتصال البري لا في حسابات الشرعية وحدها. تبقى الجغرافيا، إذن، شرطًا ضروريًّا غير كافٍ: تُحدد قائمة الخيارات الممكنة وكلفة كل منها، بينما تحسم العوامل الأخرى أيَّ الخيارات يُنتقى. وبهذا المعنى لا يكون “الانتقام” قدَرًا يُلغي الإرادة، بل بنية تجعل بعض القرارات أرخص وبعضها أبهظ.

على صعيد آخر، المثير للاهتمام أن إيران وإسرائيل، رغم عدائهما الظاهر، تتحركان وفق منطقين تاريخيين متشابهين بصورة غير متوقعة. كلتاهما تنظر إلى نفسها بوصفها وريثة قصة تاريخية أكبر من الدولة الحديثة. إيران تستدعي ذاكرة الإمبراطوريات الفارسية، وإسرائيل تستدعي ذاكرة العودة إلى الأرض التاريخية وإعادة تجميع المجال اليهودي. في الحالتين، تتحول الجغرافيا إلى أداة لإثبات صحة الرواية التاريخية. ولذلك فإن الصراع بينهما ليس صراع نفوذ تقليديًّا فقط بل صراعَا بين سرديتين تاريخيتين تحاول كل منهما إعادة تشكيل الخريطة بما ينسجم مع تصورها للماضي والمستقبل.

ومن هنا يتشكل الشرق الأوسط الجديد، الانتقال من عصر الصراع على الأرض إلى عصر الصراع على الوظيفة. المنطقة لم تعد تُدار وفق الحدود التي رسمتها اتفاقيات القرن العشرين فقط بل وفق خرائط ذهنية جديدة تبنيها القوى الإقليمية. في هذه الخرائط تصبح الممرات أهم من الحدود، والمناطق العازلة أهم من خطوط السيادة، والولاءات العابرة للدول أكثر تأثيرًا من المؤسسات الرسمية. لهذا السبب تبدو دول عديدة وكأنها تتحرك داخل خرائط صمَّمها الآخرون. فإيران تفكر بممر يصل الخليج بالمتوسط، وإسرائيل تفكر بحزام أمني يمتد عبر أكثر من جبهة.

إلى جانب النموذجين المركزيين يبرز نموذج ثالث لا يُختزل في أيٍّ منهما، لكن الورقة تعامله بوصفه حالة ضبط محدودة الوظيفة، لا حالة موازية بالعمق التحليلي نفسه، تجنبًا لتشتت الطرح الذي وُجِّه إليه نقد منهجي سابق. النموذج التركي لا يوسِّع شبكة بالوكالة كطهران، ولا يبني حزامًا عازلًا كإسرائيل، بل يفكر بمحور شمالي-جنوبي يربط الأناضول بعمقه الجنوبي ويملأ الفراغ الذي خلَّفه تراجع النفوذين، الإيراني والروسي، عبر قواعد جوية ومنظومات دفاع جوي وتدريب للجيش السوري الجديد، ودمج فصائل “الجيش الوطني” المدعومة من أنقرة داخل البنية العسكرية الناشئة(52). أما دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، فتقدِّم نموذجًا يقوم على تحويل رأس المال والربط اللوجستي إلى حضور عبر ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا  (IMEC)، بديلًا معلنًا عن مبادرة الحزام والطريق الصينية(53).

غير أن حرب 2026 قدَّمت اختبارًا إمبريقيًّا حاسمًا لحدود هذا النموذج الاقتصادي: حين اندلعت الحرب، لم يكن لدول الخليج صوت في قرار شنِّها، واستُهدف جميعها بصواريخ ومسيَّرات إيرانية رغم عدم مشاركتها المباشرة في القتال؛ فتعرضت الإمارات لأكثر من 537 صاروخًا باليستيًّا و2256 مسيَّرة حتى وقف إطلاق النار، وقطر لأكثر من 60 صاروخًا باليستيًّا وموجات متعددة من المسيَّرات مع إسقاط طائرتين حربيتين إيرانيتين، والسعودية لعشرات الصواريخ ومئات المسيَّرات استهدفت منشآت أرامكو النفطية، والبحرين لنحو 194 صاروخًا و523 مسيَّرة أدَّت لأضرار في مصفاة “بابكو” وإصابات في منشآت سكنية، فيما استنزفت دول خليجية عدة أغلب مخزونها من صواريخ الاعتراض Patriot  خلال الأيام والأسابيع الأولى وحدها؛ إذ أطلقت إيران أكثر من 2000 مسيَّرة و500 صاروخ باليستي في الأيام الأربعة الأولى فقط(54). هكذا يتكشَّف الفارق الحاسم بين فاعلية اقتصادية قادرة على تمويل الممرات، وعجز إستراتيجي عن ردع حرب تُخاض فوق المجال الخليجي نفسه دون إرادة أصحابه.

والأردن يقدِّم الدليل الأكثر وضوحًا على اتساع مفهوم “الفراغ العربي” ليشمل حتى الدول ذات المؤسسات الأمنية الفاعلة والتحالفات الراسخة. فقد أبلغت عمَّان جميع الأطراف، قبل اندلاع حرب 2026، بأنها “لن تكون ساحة معركة لأي طرف”، وكرَّر وزير الخارجية، أيمن الصفدي، هذا الموقف علنًا(55). ومع ذلك، استُهدفت المملكة بمئات الصواريخ والمسيرات، تصدت لها القوات الجوية الملكية، فيما سقط 18 داخل الأراضي الأردنية، بينما تضرر نظام رادار مرتبط بمنظومة THAAD الأميركية المنتشرة في المملكة، واستُهدفت قاعدة موفق السالطي الجوية مباشرة(56)، فيما استمرت الاستهدافات المتقطعة حتى بعد وقف إطلاق النار الأول، في أبريل/نيسان، واستُهدفت، في يونيو/حزيران، قاعدة الأزرق تحديدًا بوصفها موقعًا أميركيًّا(57). الأردن هنا حالة نقية لاختبار مفهوم الفراغ: دولة أعلنت حيادها بوضوح، ولديها جيش فاعل وتحالفات دفاعية راسخة مع واشنطن ودول الخليج، ومع ذلك لم يحمها إعلان الحياد من أن تصبح ممر عبور صاروخي وهدفًا مباشرًا في آن معًا، لأن موقعها الجغرافي بين الطرفين المتحاربين جعلها جزءًا من ساحة الحرب بحكم الجغرافيا لا بحكم الإرادة السياسية.

من هنا يلزم تدقيق مفهوم “الفراغ العربي” لا تخفيفه: ثمة ثلاثة أشكال متمايزة له لا شكل واحد. فراغ الدول المنهارة (سوريا سابقًا) التي تتحول أرضها إلى خريطة مفتوحة تُستثمر فيها قوة الآخرين مباشرة؛ وفراغ الدول الغنية اقتصاديًّا والغائبة إستراتيجيًّا (الخليج) التي تُموَّل الممرات فوقها بينما تُرسم قرارات الحرب والسلم خارجها؛ وفراغ الدول ذات السيادة الوظيفية المحدودة جغرافيًّا (الأردن) التي تملك قرارًا سياسيًّا واضحًا لكن موقعها الجغرافي بين قوتين متحاربتين يجعل هذا القرار عاجزًا عن حماية أراضيها فعليًّا. وما يفصل بين من يَرسم ومن يُرسَم له، في الحالات الثلاث، ليس الثروة ولا الموقف السياسي المعلن، بل امتلاك القدرة الذاتية على الردع الفعلي، وهو ما تفتقده المنظومة العربية بأشكالها الثلاثة على السواء.

سابعًا: العنصر الخفي الذي لا يظهر على الخرائط

هناك عامل آخر يصعب التقاطه إذا ركزنا فقط على الجغرافيا العسكرية. ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بتوسيع الحدود، وإنما بإعادة تعريف معنى الدولة نفسها. خلال العقود السابقة كانت الدول تتنافس على السيطرة على الأرض. أما اليوم فإن التنافس ينتقل تدريجيًّا إلى السيطرة على التدفقات: تدفقات الطاقة، والمعلومات، والتكنولوجيا، والبيانات، ورؤوس الأموال، وسلاسل الإمداد. هنا يكمن التحول الأعمق الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي.

إذا تأملنا السلوك الإيراني والإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة سنلاحظ أن كليهما يسعى إلى الإمساك بالعقد الإستراتيجية أكثر من السعي إلى التوسع التقليدي. إيران تهتم بالممرات البرية، وخطوط الطاقة، والمنافذ البحرية (مضيق هرمز)، والاتصال بين آسيا الوسطى والخليج والمتوسط. وإسرائيل تهتم بالموانئ، والربط اللوجستي، ومشروعات الممرات الاقتصادية، والبنية الرقمية، وشبكات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. وفي هذا المستوى تحديدًا يصبح الصراع أكثر خطورة، لأنه يدور حول هندسة النظام الإقليمي القادم لا حول إدارة الأزمة الحالية فقط.

لكن هذه “العقد الإستراتيجية” ليست محل تنافسٍ إقليمي فحسب؛ إنها بالضبط حلبة المنافسة بين القوى الكبرى. فالتدفقات التي تتحدث عنها الورقة -الطاقة والبيانات والممرات وسلاسل الإمداد- هي ميدان الصراع الأميركي-الصيني نفسه: ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الذي مرَّ ذكره يُطرح بوصفه بديلًا غربيًّا لمبادرة الحزام والطريق، ويتقاطع مع مسار التطبيع وإعادة هندسة الإقليم(58). والصين، التي رعت تقارب الرياض–طهران عام 2023 وراكمت بذلك رصيدًا تفاوضيًّا، تتصرف بوصفها موازِنًا “اقتصاديًّا أولًا” يحرص على تدفقات الطاقة عبر الخليج من دون أن يملك نفوذًا يُذكر على القرار العسكري الإسرائيلي، فيبقى دورها أقرب إلى “محدِّد الأضرار” منه إلى صانع التسويات(59). وفي المقابل، يفتح تراجع الحضور الروسي في سوريا بعد الأسد الفراغَ الذي ملأته أنقرة، بينما تظل واشنطن الطرف القادر على تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي المؤقت إلى وقائع أطول عمرًا عبر الدعم والتغطية السياسية. وبهذا تكتمل صورة “الصراع على الوظيفة”: إقليمٌ تتقاطع فوقه خرائط الفاعلين المحليين مع خرائط القوى الكبرى، فلا يُفهَم سلوك إيران وإسرائيل بمعزل عمن يملك القدرة على هندسة التدفقات عالميًّا.

ما يحدث هو أن الشرق الأوسط ينتقل ببطء من عصر الصراع على الأرض إلى عصر الصراع على الوظيفة. السؤال لم يعد: من يسيطر على هذه المنطقة؟ بل: ما الدور الذي ستؤديه هذه المنطقة داخل الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة والطاقة والتكنولوجيا؟ الدولة التي تنجح في احتلال موقع محوري داخل هذه الشبكات ستحصل على نفوذ يفوق بكثير ما تمنحه السيطرة العسكرية المباشرة. ولهذا السبب فإن المعركة الحقيقية خلال العقد القادم قد لا تكون على الحدود الحالية، وإنما على من يمتلك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى وظيفة إستراتيجية لا يستطيع العالم الاستغناء عنها.

وهنا تحديدًا يظهر المعنى الأعمق لانتقام الجغرافيا. فالانتقام لا يتمثل في عودة الخرائط القديمة أو في توسع دولة على حساب أخرى فقط. الانتقام الحقيقي يتمثل في أن الجغرافيا تعيد ترتيب أولويات الجميع وتجبرهم على العودة إلى الأسئلة الأساسية: من يسيطر على الممرات؟ من يربط القارات؟ من يدير التدفقات؟ ومن يستطيع تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر دائم للقوة؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة أكثر من أي معركة منفردة أو اتفاق مؤقت.

ثامنًا: المسارات المستقبلية بعد حربَي 2025 و2026

قد تبدو إسرائيل في لحظة 2025 أكثر قدرة على فرض الجغرافيا بالقوة. لديها تفوق عسكري، ودعم أميركي واسع، وتكنولوجيا مراقبة، وقدرة على تنفيذ عمليات جوية بعيدة من سوريا ولبنان إلى إيران. فقد تلقت إسرائيل منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية.(60) لكنها تواجه معضلة جوهرية: كل توسع بري يولد سكانًا غاضبين، وجبهات أطول، وكلفة أمنية مستمرة. المنطقة العازلة لا تلغي الخطر، إنها تدفعه إلى عمق جديد. والاستيطان لا ينهي الصراع، إنه يحوله إلى بنية يومية من الاحتكاك. والخط الأصفر في غزة قد يتحول إلى حدود عسكرية، لكنه سيبقى محاطًا بسكان فقدوا بيوتهم ومجالهم الطبيعي للحياة.

أما إيران، فإن مستقبلها يعتمد على قدرتها على الانتقال من نفوذ الميليشيات إلى نفوذ الدولة. إذا ظلت تعتمد على الجماعات المسلحة وحدها، فسوف يتراجع نفوذها كلما ازدادت كلفة الحروب بالوكالة. وإذا استطاعت تحويل موقعها إلى مركز للتجارة والطاقة والربط بين آسيا الوسطى والخليج والمشرق، فقد تستعيد جزءًا من قوتها بطريقة أقل استنزافًا. المشكلة أن النظام الإيراني بنى شرعيته الخارجية على الصراع، بينما تحتاج المرحلة المقبلة إلى اقتصاد، وممرات، وتسويات، وقدرة على تخفيف العداء الإقليمي.

وفي ضوء مذكرة إسلام آباد ومآلات الجبهة اللبنانية، يمكن استشراف ثلاثة مسارات، لكل منها متغير حاكم مختلف. المسار الأول هو استمرار التوسع المتبادل المُدار: إسرائيل تعمِّق مناطقها العازلة وتؤسس ضمَّها الزاحف في الضفة، وإيران تعيد بناء شبكتها بصيغة كونفيدرالية أكثر سرية ولا مركزية بعد تجربة الاغتيال القيادي. المتغير الحاكم لهذا المسار هو الوقائع الميدانية، ومنطقه يتعلق بفرض رؤية أحادية تتقدم فيها إسرائيل بصفتها الطرف الأقدر حاليًّا على تثبيت الأرض عسكريًّا وقانونيًّا معًا.

المسار الثاني هو توازن استنزاف طويل الأمد يبقى فيه الطرفان قادريْن على الإضرار ببعضهما دون قدرة أي منهما على فرض نظام إقليمي مستقر، عبر صعود أدوات الردع غير المرئي: سيبراني، واستخباري، وصاروخي، ونووي كامن بعد أن أثبتت الحرب الأخيرة صعوبة القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني رغم حجم الضربة. لا فائز في هذا المسار بل عجزًا متبادلًا عن فرض نظام.

المسار الثالث هو إعادة تعريف النفوذ عبر التحول من السيطرة العسكرية المباشرة إلى التحكم بالممرات والطاقة وإعادة الإعمار، وهو الأكثر عقلانية اقتصاديًّا لكنه يحتاج تسويات سياسية عميقة ما زالت شروطها ضعيفة بعد حرب دمَّرت جزءًا كبيرًا من البنية التحتية الإقليمية، ومستفيده المحتمل من يملك تحويل موقعه إلى وظيفة لا يُستغنى عنها اقتصاديًّا، وهنا تدخل تركيا والخليج بوزنهما الاقتصادي-الوظيفي تحديدًا، لا بوزن عسكري لم تثبته حرب 2026، بل نقضته الوقائع الميدانية بوضوح.

تاسعًا: خاتمة-خرائط معلقة وانتقام لا يمنح نصرًا كاملًا

لا يتشكل الشرق الأوسط الجديد عبر خريطة واحدة بل عبر تفاعل ثلاث خرائط متداخلة: خريطة الخوف الإسرائيلي التي تريد تحويل الانكشاف إلى هندسة حدودية دائمة، وخريطة العمق الإيراني التي تريد تحويل الشبكة إلى ردع قابل للبقاء بعد انهيار بعض حلقاته، وخريطة الفراغ العربي التي تتحول فيها الدول المنهارة والغنية والمحدودة السيادة على السواء إلى المجال الذي تُختبر فيه الرؤيتان الأولى والثانية. لهذا السبب لا تدور المواجهة المقبلة حول غزة أو لبنان أو سوريا أو البرنامج النووي فقط بل حول من يملك حق تعريف المجال الإقليمي: هل تكون الحدود نتاج القانون الدولي، أم نتاج القدرة على تثبيت الوقائع؟ وهل تكون السيادة وظيفة للدولة الوطنية أم مساحة تفاوض بين الجيوش والوكلاء والممرات والاستخبارات والتكنولوجيا؟

غير أن انتقام الجغرافيا لا يمنح نصرًا كاملًا لأي طرف. فقد دفعت إيران، عبر عامين ونصف من الاستنزاف المتواصل واغتيال مرشدها الأعلى، ثمنًا غير مسبوق منذ 1979 لاتساع شبكتها، من دون أن يفكِّك ذلك حضورها الإقليمي كليًّا. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الكاسح الذي تُوِّج باغتيال رأس الدولة الإيرانية، تدفع ثمنًا سياسيًّا وأخلاقيًّا وقانونيًّا متصاعدًا لاتساع سيطرتها، وسط رأي استشاري دولي صريح يصف استمرار احتلالها بعدم المشروعية. كلما اتسع المجال، ازدادت صعوبة الحكم، وكلما تمددت القوة خارج حدودها، احتاجت شرعية لا توفرها الصواريخ ولا الغارات الجوية ولا الحلفاء المسلحون وحدهم.

ستُبقي طهران على حلفائها، لكنها ستعيد توزيع أدوارهم وتخفف مركزية الجغرافيا السورية، وتمنح الصواريخ والمسيَّرات والقدرات السيبرانية والنووي الكامن وزنًا أكبر في معادلة البقاء. هنا يتحول المشروع الإيراني من توسع إقليمي متصل إلى هندسة طبقات ردع متباعدة: طبقة في العراق، وطبقة في اليمن، وطبقة في لبنان، وطبقة داخل إيران نفسها. هذه ليست نهاية النفوذ الإيراني، وإنما بداية نسخته الأكثر حذرًا وخشونة في الوقت ذاته. وهذا بالضبط ما يحسم السؤال النظري الذي طُرح مبكرًا: فالجغرافيا لم تُبطل عقيدة الدفاع الأمامي، لكنها فرضت عليها كلفة لم تُصمَّم لتحمُّلها، وهو ما يعني أن انتقام الجغرافيا هنا ليس فشلًا في تجاوز القيد بقدر ما هو كشفٌ عن سقفه الحقيقي بعد عقدين من إخفائه. أما إسرائيل، فتتصرف وكأنها دخلت مرحلة تثبيت المكاسب قبل عودة التوازن؛ فهي تدرك أن لحظة ضعف إيران وحلفائها قد لا تستمر طويلًا، ولذلك تسعى إلى تحويل التفوق العسكري المؤقت إلى حقائق مكانية أطول عمرًا.

تحت هذا السطح، تتشكل قاعدة جديدة: الدول التي تفقد احتكارها للمجال تتحول إلى خرائط مفتوحة. الدولة الضعيفة لا تخسر قرارها السياسي فقط، بل تخسر قابلية أرضها لأن تبقى أرضًا وطنية مغلقة؛ تتحول الحدود إلى مناطق تفاوض عسكري، والمعابر إلى أدوات ضغط، والمناطق العازلة إلى بدايات حدود جديدة. لذلك فإن انتقام الجغرافيا هنا ليس عودة الجبال والأنهار والصحاري إلى السياسة فقط، بل عودة الفراغ نفسه بوصفه معيارًا للقوة: الفراغ في سوريا أعطى إسرائيل فرصة تمدد، والفراغ في غزة أعطاها فرصة هندسة، والفراغ في لبنان أعطاها فرصة تثبيت نقاط، والفراغ داخل مؤسسات الدولة العربية أعطى إيران فرصة بناء شبكات موازية؛ وهو ما أكدته حرب 2026 حين تحوَّل حتى الحياد المُعلن، كما في الحالة الأردنية، إلى عجز عن الإفلات من الجغرافيا.

من زاوية تاريخية، تتحرك إيران وإسرائيل تحت ضغط ذاكرتين طويلتين. إيران ترى نفسها وريثة هضبة وإمبراطورية ومجال حضاري، ولذلك تعتبر الانكفاء داخل حدود الدولة الحديثة تقليصًا لدورها الطبيعي. إسرائيل ترى نفسها مشروع دولة محاطًا بتهديد وجودي مستمر، ولذلك تعتبر الحدود القانونية غير كافية ما لم تتحول إلى عمق أمني عملي. الذاكرة الإيرانية توسعية لأنها تفكر بالمجال، والذاكرة الإسرائيلية توسعية لأنها تفكر بالنجاة. وبين المجال والنجاة يتولد الشرق الأوسط الجديد: إقليم تتراجع فيه فكرة الحدود النهائية، وتتقدم فيه فكرة الحدود الوظيفية – أي الحدود التي تتحرك وفق الحاجة الأمنية لا وفق القانون وحده. وهما معًا، رغم عدائهما، يساهمان في تفكيك النظام الإقليمي القديم: لا يعود الشرق الأوسط إلى خرائط سايكس-بيكو بصيغتها التقليدية، ولا ينتقل إلى نظام جديد مستقر، بل يدخل مرحلة خرائط معلقة – حدود موجودة على الورق، وسيادات مجروحة على الأرض، ومجالات نفوذ تتحرك فوق الدول وداخلها في آن واحد.

القيمة النظرية لهذه القراءة تكمن في اختبارها الصريح لتفسيرات متنافسة عبر مقارنة مهيكلة بدل الاكتفاء بأطروحة وصفية واحدة، وفي تفكيكها المنهجي لمفهوم “التوسع” إلى أدوات قابلة للمقارنة عبر حالتين مختلفتين جذريًّا في كل شيء إلا في محكومية سلوكهما ببنية جغرافية غير آمنة بذاتها؛ أما قيمتها الإمبريقية فتكمن في توثيقها الدقيق لتحولات حربَي 2025 و2026، بما فيها اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، وتحوُّل الاحتلال الإسرائيلي في لبنان إلى واقع بمساحة تقارب خُمس الأراضي اللبنانية، والانتقال الإسرائيلي في الضفة الغربية من الأداة العمرانية إلى الأداة القانونية. وتقرُّ هذه القراءة، مع ذلك، بحدودها: فالبيانات الصادرة عن أطراف متحاربة أثناء نزاع فعلي تحمل درجة من عدم اليقين لا يمكن حسمها بحثيًّا، ومسار التفاوض على الملف النووي الإيراني ما زال مفتوحًا عند إغلاق باب البحث في مطلع يوليو/تموز 2026، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة أواخر العام قد تعيد تشكيل بعض هذه المعطيات. هذه الحدود لا تُضعف الأطروحة البنيوية لكنها تُبقي الحاجة قائمة لتحديث الطبقة الإمبريقية كلما استجدت وقائع، مع بقاء المنطق الجغرافي الحاكم -كون الحدود القائمة غير كافية لأمن أيٍّ من الطرفين- ثابتًا نسبيًّا عبر تعاقب الأزمات.

ختامًا، خلال العقود الماضية ساد الاعتقاد بأن العولمة والتكنولوجيا والردع بعيد المدى خففت من أهمية الجغرافيا. غير أن حروب العقد الأخير تشير إلى اتجاه معاكس: فالممرات البحرية، والمضائق، وشبكات الطاقة، والمناطق العازلة، والعمق الإستراتيجي عادت لتصبح عناصر مركزية في حسابات القوة. لا تكشف إيران وإسرائيل عن استثناء إقليمي بل عن عودة عالمية للجغرافيا بوصفها محددًا رئيسيًّا للأمن والنفوذ. ومستقبل المنطقة لن يتحدد بسؤال: من يملك القوة الأكبر؟ فحسب، بل بسؤال: من يستطيع تحويل هذه الجغرافيا من عبء أمني إلى نظام سياسي قابل للحياة؟ إسرائيل قد ترسم خطوطًا جديدة، لكنها ستبقى أمام سؤال السكان والشرعية الدولية. وإيران قد تعيد بناء شبكاتها، لكنها ستبقى أمام سؤال الاقتصاد المنهك والدولة المتصدعة داخليًّا. وبين الحالتين تقف الدول العربية -من سوريا المنهارة إلى الخليج الغني إلى الأردن ذي السيادة المحدودة جغرافيًّا- أمام تحدٍّ مصيري واحد: إما أن تبقى فراغًا تستثمره القوى الإقليمية المتحاربة، أو تتحول إلى فاعل يملك ردعًا ذاتيًّا حقيقيًّا يعيد تعريف حدوده وممراته ومصالحه قبل أن يرسمها الآخرون نيابة عنه فوق أراضيه.

المراجع

https://www.aljazeera.com/news/2026/6/14/israel-expands-military-control-in-gaza-lebanon-and-syria-by-1000sq-km.