ملخص
تبحث هذه الدراسة في دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد، من خلال تحليل الأطر القانونية والمؤسسية التي أنشأها الاتحاد، وفي مقدمتها اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته ومجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد. وتهدف إلى تقييم فاعلية هذه الآليات في ضوء استمرار الفساد في عدد من الدول الإفريقية، والكشف عن أبرز التحديات التي تحد من تنفيذ الالتزامات القارية، والفرص المتاحة لتعزيز جهود المكافحة. وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في تناول الاتفاقية وآليات عمل المجلس والمؤشرات والتقارير ذات الصلة. وتخلص إلى أن الاتحاد الإفريقي نجح في بناء إطار قانوني ومؤسسي لمكافحة الفساد، إلا أن فاعليته لا تزال مقيدة بفجوة بين التصديق على الالتزامات القارية وتنفيذها على المستوى الوطني، فضلًا عن تفاوت القدرات المؤسسية، وضعف آليات المتابعة والمساءلة، ومحدودية الإرادة السياسية في بعض الدول. وفي المقابل، تكشف مؤشرات التحسن في عدد من الدول، وتنامي التعاون مع الجماعات الاقتصادية الإقليمية، والاهتمام باسترداد الأصول ومواجهة التدفقات المالية غير المشروعة، عن فرص يمكن البناء عليها لتعزيز فاعلية المنظومة القارية. وتؤكد الدراسة أن تقليص الفجوة بين الإطار القانوني والتطبيق الفعلي يظل عاملًا حاسمًا في تطوير دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد.
الكلمات المفتاحية: الاتحاد الإفريقي، الفساد، اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد، الحوكمة، المساءلة.
Abstract
This study examines the role of the African Union in combating corruption by analysing the legal and institutional frameworks established by the Union, particularly the Convention on Preventing and Combating Corruption and the Advisory Board Against Corruption. It assesses the effectiveness of these mechanisms in light of the persistence of corruption in a number of African countries, identifies the main challenges constraining the implementation of continental commitments, and explores opportunities for strengthening anti-corruption efforts. Using a descriptive-analytical approach, the study examines the Convention, the mechanisms of the Advisory Board, and relevant indicators and reports. It finds that, although the African Union has succeeded in establishing a legal and institutional framework for combating corruption, its effectiveness remains constrained by a gap between the ratification of continental commitments and their implementation at the national level, as well as disparities in institutional capacity, weaknesses in monitoring and accountability mechanisms, and limited political will in some countries. At the same time, improvements recorded in several countries, growing cooperation with regional economic communities, and increased attention to asset recovery and illicit financial flows provide opportunities to strengthen the continental anti-corruption framework. The study concludes that narrowing the gap between legal frameworks and effective implementation remains critical to enhancing the African Union’s role in combating corruption.
Keywords: African Union, corruption, Convention on Preventing and Combating Corruption, Advisory Board Against Corruption, governance, accountability.
المقدمة
يُعد انتشار الفساد أحد أبرز التحديات البنيوية التي تعوق مسارات التنمية والاستقرار في إفريقيا، إذ يستنزف مليارات الدولارات سنويًّا، ويسهم في إضعاف الأنظمة الديمقراطية، وتعزيز الإفلات من العقاب، وتكريس الفقر وتدهور الخدمات العامة. ومن هذا المنطلق، أَوْلى الاتحاد الإفريقي، منذ تأسيسه عام 2002، اهتمامًا بمكافحة الفساد والحد منه ضمن توجه أوسع نحو تحقيق التنمية المستدامة في القارة. فقد نَصَّ القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي على جملة من الأهداف، من بينها تهيئة الظروف الملائمة لتمكين القارة من أخذ دورها المناسب في الاقتصاد العالمي وتعزيز التنمية المستدامة. كما أكد مبادئ العدالة الاجتماعية واحترام قدسية الحياة البشرية، وهي أهداف ومبادئ يرتبط تحقيقها بمكافحة الفساد، الذي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكم الرشيد والنمو الاقتصادي المستدام والاستقرار والتنمية.
وفي هذا السياق، اعتمدت دول الاتحاد الإفريقي، عام 2003، “اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته”، ثم أُنشئ مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC)، عام 2009. وتسعى الدول الإفريقية، من خلال الاتفاقية، إلى تطوير الآليات اللازمة لمناهضة الفساد، وتعزيز التعاون بين الدول الأطراف لضمان فاعلية التدابير والإجراءات الخاصة بمنعه ومكافحته، فضلًا عن تنسيق السياسات والتشريعات ومواءمتها. ويستند هذا التوجه إلى إدراك أن الفساد يمثل تهديدًا للمبادئ والقيم الأساسية، ويعوق تحقيق الديمقراطية والنمو الاقتصادي، بما يستدعي معالجته بصورة مستدامة.
وقد تناول عدد من الباحثين اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، كما في دراستي زايدي حمدي (2022) وهاشم علي (2026)، مع تركيزهما على الاتفاقية من دون التوسع في دراسة هيكلية مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC). ومن هنا، يركز هذا البحث على المجلس وهيكليته وآليات عمله، إلى جانب بحث أبرز التحديات والعقبات التي تواجه دوره في مكافحة الفساد والحد منه في ضوء التطورات التي شهدتها دول القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة.
هدف البحث
يهدف البحث إلى بيان وتحليل الآليات التي اعتمدها الاتحاد الإفريقي، منذ تأسيسه عام 2002، لمكافحة الفساد والحد منه، من خلال الاتفاقيات التي أقرها والمؤسسات التي أنشأها لهذا الغرض، وتقييم مدى فاعلية هذه الآليات في تعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة في الدول الإفريقية.
إشكالية البحث
تنطلق إشكالية البحث من التساؤل عن مدى قدرة الاتحاد الإفريقي، من خلال أطره القانونية ومؤسساته الرقابية، على مكافحة الفساد المستشري والحد منه في دول القارة الإفريقية، في ظل التحديات البنيوية والسياسية والسيادية التي تواجهها، وما يقابلها من فرص وإمكانات يمكن استثمارها للوصول إلى حوكمة رشيدة.
ويتفرع عن هذا التساؤل الرئيس عدد من الأسئلة:
- ما الأطر القانونية والمؤسسية التي اعتمدها الاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد؟
- إلى أي مدى أسهمت هذه الأطر والآليات في مكافحة الفساد والحد منه في الدول الإفريقية؟
- ما أبرز التحديات التي تحد من فاعلية جهود الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد، وما الفرص المتاحة لتعزيزها؟
فرضية البحث
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن الاتحاد الإفريقي، وإن نجح في بناء إطار مؤسسي وقانوني لمكافحة الفساد، فإن فاعلية هذا الإطار لا تزال تواجه تحديات بنيوية وسياسية وسيادية، تجعل نجاحه مرهونًا بمدى استغلال الفرص المتاحة لتعزيز آليات المساءلة والمحاسبة.
منهجية البحث
يستعين البحث بالمنهج القانوني في تناول اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته وآلية عمل مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC)، كما يستعين بالمنهج الوصفي التحليلي في وصف ظاهرة انتشار الفساد في إفريقيا وتحليلها، وبيان التحديات التي تعوق عمل المجلس والفرص المتاحة أمامه، وصولًا إلى تقييم دوره في مكافحة الفساد والحد منه.
هيكلية البحث
في ضوء الفرضية المراد اختبارها، قُسِّم البحث إلى ثلاثة أقسام رئيسة: يتناول الأول اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، التي أقرَّها الاتحا،د عام 2003، فيما يتناول الثاني مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC)، بوصفه إحدى أهم الآليات المؤسسية التي يعتمد عليها الاتحاد في مكافحة الفساد والحد منه. أما الثالث، فيقيِّم دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد والحد منه في الدول الإفريقية، في ضوء التحديات والفرص المتاحة.
أولًا: اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته
عُقِدت القمة الإفريقية لمؤتمر رؤساء الدول والحكومات في مدينة دوربان بجنوب إفريقيا، خلال الفترة من 9 إلى 11 يوليو/تموز 2002، وشهدت الإعلان رسميًّا عن ميلاد الاتحاد الإفريقي وانعقاد دورته الأولى(1). وناقشت القمة عددًا من المسائل المتعلقة بالاتحاد وآلياته.
وفي مجال مكافحة الفساد، نصَّ القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي على جملة من الأهداف، من بينها التعجيل بالتكامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي للقارة، وتهيئة الظروف الملائمة لتمكين إفريقيا من أخذ دورها المناسب في الاقتصاد العالمي، وتعزيز التنمية المستدامة وتكامل الاقتصادات الإفريقية، فضلًا عن تنسيق السياسات بين المجموعات الاقتصادية الإقليمية لتحقيق أهداف الاتحاد. كما نص على التعجيل بتنمية القارة من خلال تعزيز البحث في مختلف المجالات، ولا سيما العلم والتكنولوجيا، وتعزيز المبادئ والمؤسسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية والحكم الرشيد، وحماية حقوق الإنسان والشعوب وفقًا للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والمواثيق الأخرى ذات الصلة(2).
وفيما يتعلق بمبادئ الاتحاد الإفريقي، نَصَّ القانون التأسيسي على مجموعة من المبادئ التي تحكم عمله، ومن أبرزها ما يرتبط بمكافحة الفساد واحترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الرشيد، ورفض الإفلات من العقاب. كما أكد مشاركة الشعوب الإفريقية في أنشطة الاتحاد، وتعزيز المساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية(3).
وبعد تأسيس الاتحاد الإفريقي، عام 2002، اعتمدت الدول الأعضاء، خلال الدورة العادية الثانية لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، “اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته”، وذلك في مابوتو، عاصمة موزمبيق، في 11 يوليو/تموز 2003. وتتكون الاتفاقية من ديباجة و28 مادة. وقد أشارت ديباجتها إلى القلق من العواقب الوخيمة للفساد والإفلات من العقاب على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في الدول الإفريقية، وآثارهما المدمرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أكدت أن الفساد يقوض المساءلة والشفافية في إدارة الشؤون العامة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وشدَّدت على ضرورة معالجة أسبابه الجذرية في القارة، وصياغة سياسة جنائية موحدة لمواجهته، بما يشمل اعتماد التشريعات والإجراءات الوقائية المناسبة، وتعزيز الشراكة بين الحكومات ومختلف فئات المجتمع المدني، ولاسيما النساء والشباب ووسائل الإعلام والقطاع الخاص(4).
وحددت الاتفاقية جملة من الأهداف، من أبرزها تشجيع الدول الإفريقية على إنشاء الآليات اللازمة لمنع الفساد وضبطه والمعاقبة عليه، وتعزيز التعاون بينها وتنظيمه بما يضمن فاعلية التدابير والإجراءات الخاصة بمنع الفساد، وتنسيق السياسات والتشريعات ومواءمتها من أجل مكافحته والقضاء عليه في القارة. كما استهدفت تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال إزالة العقبات التي تحول دون التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك الحقوق المدنية والسياسية، وتوفير الظروف الملائمة لتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الشؤون العامة(5).
وفيما يتعلق بالمبادئ، تعهدت الدول الإفريقية الأطراف في الاتفاقية باحترام المبادئ والمؤسسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية وسيادة القانون والحكم الرشيد، واحترام حقوق الإنسان والشعوب وفقًا للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والمواثيق الأخرى ذات الصلة. كما أكدت الالتزام بالشفافية والمساءلة في إدارة الشؤون العامة، وتعزيز العدالة الاجتماعية بما يكفل تنمية اجتماعية واقتصادية متوازنة، وإدانة أعمال الفساد والجرائم ذات الصلة ورفضها، ومكافحة الإفلات من العقاب(6).
ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 5 أغسطس/آب 2006، بعد ثلاثين يومًا من إيداع وثائق تصديق 15 دولة عليها. وحتى يوليو/تموز 2026، صادقت 49 دولة إفريقية على الاتفاقية وأصبحت أطرافًا فيها، من مجموع 55 دولة عضوًا في الاتحاد الإفريقي(7).
وبذلك، أصبحت اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته إطارًا قانونيًّا إقليميًّا شاملًا، يتضمن 28 مادة تُلزم الدول الأطراف بتبني سياسات وقائية، وتجريم أفعال الفساد، وتعزيز التعاون الدولي، وإشراك المجتمع المدني، واسترداد الموجودات.
ثانيًا: مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC)
مثَّل إنشاء مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC) أحد أبرز المسارات المؤسسية التي اعتمدها الاتحاد لمواجهة الفساد في القارة، إلى جانب الأطر القانونية التي أرستها اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته. وقد أُنشئ المجلس رسميًّا في 26 مايو/أيار 2009، استنادًا إلى المادة 22 من الاتفاقية(8).
وفي عام 2022، اعتمد مؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، في دورته الخامسة والثلاثين، الاسم الجديد للمجلس، “مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد” (AUABC)(9). وجاء ذلك في سياق مراجعة مساره الإستراتيجي وتطوير أدواره؛ إذ تناولت الدورة العادية الأربعون للمجلس تعزيز الشراكات والتعاون مع المجموعات الاقتصادية الإقليمية، ومراجعة حالة مكافحة الفساد في الدول الأعضاء، إلى جانب التعديلات المقترحة على اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، وبعثات التوعية والمراجعة الخاصة بالدول الأطراف(10).
ويعمل المجلس، بصفته هيئة مستقلة داخل الاتحاد الإفريقي، بوصفه الجهاز الرئيس المعني بمكافحة الفساد، وتتركز وظيفته في دعم تنفيذ اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، وتشجيع الدول الأطراف على تبني التدابير والإجراءات اللازمة لمنع الفساد والجرائم ذات الصلة والكشف عنها ومعاقبة مرتكبيها(11).
ويتكون المجلس من 11 عضوًا من الخبراء الذين يتمتعون بمستوى عال من النزاهة والكفاءة، ترشحهم الدول الأطراف في الاتفاقية وينتخبهم المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي(12)، مع مراعاة التمثيل المتكافئ بين الجنسين والتوزيع الجغرافي العادل(13)، ويقوم تشكيله على تمثيل مناطق القارة الخمس بعضوين عن كل منطقة، إضافة إلى عضو واحد يتناوب بين المناطق. وقد عُدِّلت الفقرة الرابعة من المادة 22 من الاتفاقية لتصبح مدة عضوية المجلس ست سنوات بدلًا من سنتين قابلة للتجديد مرة واحدة فقط(14).
وتجمع اختصاصات المجلس بين الوظائف الوقائية والرقابية والاستشارية. فهو يعمل على تعزيز الإجراءات اللازمة لمنع الفساد وتطبيقها، وجمع المعلومات المتعلقة بطبيعة الفساد والجرائم المرتبطة به ونطاقها في القارة وتوثيقها وتحليلها، ونشر المعلومات والتوعية بآثار الفساد. كما يقدم المشورة إلى الحكومات الإفريقية بشأن معالجته ضمن اختصاصاتها القضائية، ويتابع سلوك الشركات متعددة الجنسيات العاملة في القارة من خلال جمع المعلومات المتعلقة بها وتحليلها وإتاحتها للسلطات الوطنية. وتشمل اختصاصاته كذلك تطوير مدونات سلوك للموظفين العموميين، وبناء الشراكات مع اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب والمجتمع المدني والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، فضلًا عن رفع تقارير إلى المجلس التنفيذي بشأن مدى تقدم الدول الأطراف في الامتثال لأحكام الاتفاقية(15).
وتتيح آلية تقييم تنفيذ الاتفاقية الوقوف على جانب عملي من عمل المجلس ومدى تفاعل الدول الأعضاء معه. ففي فبراير/شباط 2026، خضعت تشاد لأول عملية تقييم يجريها المجلس منذ تصديقها على الاتفاقية، عام 2015. وشملت العملية مراجعة التقرير المقدم من السلطات التشادية والتحقق ميدانيًّا من المعطيات الواردة فيه من خلال لقاءات مع المؤسسات والفاعلين المعنيين. وتزامن ذلك مع إصلاحات إدارية وقانونية اتخذتها تشاد في مجال مكافحة الفساد، من بينها تحويل محكمة الحسابات إلى هيئة مستقلة وإنشاء السلطة العليا للرقابة ومكافحة الفساد بصلاحيات مستقلة. ومع ذلك، تكشف المشاركة في آلية التقييم عن محدودية نطاقها؛ إذ لم يشارك فيها سوى 12 دولة من أصل 55 دولة عضوًا في الاتحاد الإفريقي(16).
وإلى جانب آليات المتابعة والتقييم، يتجه المجلس إلى توسيع مقاربته لمكافحة الفساد لتشمل الجوانب الوقائية والمجتمعية. وقد برز هذا التوجه خلال اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد في الجزائر، في يوليو/تموز 2026، حين طرح ممثل المجلس الانتقال من التركيز على الردع والعقاب إلى ترسيخ ثقافة النزاهة، من خلال تعزيز دور التعليم والأسرة والقيادات الدينية والتراث الإفريقي والتكنولوجيا. واقترن ذلك بالتأكيد على التطبيق الفعَّال لاتفاقية الاتحاد الإفريقي، وتعزيز الامتثال في القطاع الاقتصادي، وإعطاء الأولوية لاسترداد الأموال المنهوبة في إطار جهود تحقيق التنمية في القارة(17).
ثالثًا: تقييم دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد: التحديات والفرص
أرسى الاتحاد الإفريقي، منذ تأسيسه، إطارًا قانونيًّا ومؤسسيًّا لمكافحة الفساد، تمثل أساسًا في اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته ومجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد. وبعد أكثر من عقدين على تأسيس الاتحاد واعتماد الاتفاقية، تتيح حصيلة هذه التجربة تقييم مدى فاعلية الآليات التي أُنشئت لمواجهة الفساد. وتكشف هذه الحصيلة عن تفاوت بين ما تحقق من تقدم في بعض الدول، واستمرار تحديات تحدُّ من قدرة الاتحاد وآلياته على تحقيق أهدافها على مستوى القارة.
التحديات
تكشف المؤشرات المتعلقة بحجم الفساد وتداعياته الاقتصادية عن استمرار الفجوة بين الأطر التي أنشأها الاتحاد الإفريقي والنتائج المتحققة على أرض الواقع. فوفقًا لمجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد، تخسر القارة نحو 120 مليار دولار سنويًّا بسبب الفساد، بما يفرض أعباءً كبيرة على اقتصادات الدول الإفريقية ويعوق جهود تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية المستدامة. وتزداد آثار هذه الخسائر في ظل اعتماد عدد من الدول على القروض والمساعدات الإقليمية والدولية لتمويل مشروعات التنمية ودعم الاقتصادات الهشة. كما تشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن الفساد يمثل أحد أبرز العوائق أمام النمو الاقتصادي والاجتماعي في إفريقيا، وأن ما يُهدَر بسببه يعادل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة سنويًّا(18).
ولا تتعلق المشكلة بوجود الإطار القانوني بقدر ما ترتبط بمدى تنفيذه. فعلى الرغم من مصادقة 49 دولة من أصل 55 دولة عضوًا في الاتحاد الإفريقي على اتفاقية منع الفساد ومكافحته، لم تنجز سوى 12 دولة المراجعات الوطنية المطلوبة. ويكشف هذا التفاوت بين نطاق التصديق ومستوى التنفيذ عن أحد التحديات التي تواجه فاعلية الاتفاقية، وهو ما دفع مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد إلى الدعوة إلى تكثيف المراجعات الوطنية، وتعزيز التفاعل مع الدول التي لم توقِّع على الاتفاقية، ودعم بناء مؤسسات وطنية قوية ونزيهة لمكافحة الفساد(19).
ويتزامن قصور التنفيذ مع ضغوط اقتصادية تواجهها دول القارة. فقد أظهرت بيانات البنك الإفريقي للتنمية ارتفاع إجمالي الدَّيْن الخارجي لإفريقيا من 1.12 تريليون دولار عام 2022 إلى 1.152 تريليون دولار بنهاية عام 2023، فيما يُتوقع أن تبلغ مدفوعات خدمة الدَّيْن 163 مليار دولار خلال عام 2024. ويهدد تزايد أعباء خدمة الدين قدرة دول القارة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولاسيما في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية(20).
ويمثل الإبلاغ عن المخالفات وحماية المبلِّغين مجالًا آخر لاختبار مدى انتقال الالتزامات الواردة في الاتفاقية إلى التشريعات والممارسات الوطنية. فقد نصَّت الاتفاقية على اعتماد تدابير تشريعية وغيرها لحماية المبلغين والشهود في جرائم الفساد والجرائم ذات الصلة، بما يشمل حماية هوياتهم وتمكين المواطنين من الإبلاغ عن حالات الفساد من دون الخوف من الأعمال الانتقامية. وعلى الرغم من اتخاذ بعض الدول الإفريقية تدابير تشريعية وتنظيمية في هذا المجال، تشير التقارير إلى استمرار قصور الحماية التي توفرها دول عديدة للمبلِّغين، وما قد يترتب على ذلك من تعرضهم للانتقام(21).
وتتصل فاعلية مكافحة الفساد كذلك بقدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها باستقلال وخضوع القيادات للمساءلة. وفي هذا السياق، تؤكد منظمة الشفافية الدولية الحاجة إلى قيادات خاضعة للمساءلة ومؤسسات مستقلة قادرة على حماية المصلحة العامة، خصوصًا في ظل ما يشهده العالم من أزمات وعدم استقرار واستقطاب(22).
الفرص
في مقابل هذه التحديات، تظهر بعض المؤشرات إمكانات لتحسين فاعلية مكافحة الفساد في القارة. فوفقًا لمؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية لعام 2026(23)، ارتفع متوسط نقاط مكافحة الفساد في إفريقيا من 38.6 نقطة، عام 2016، إلى 39.1 نقطة، عام 2025. ورغم محدودية الزيادة الإجمالية، فإن مسار المؤشر يكشف عن تراجع خلال الفترة من 2016 إلى 2020 أعقبه تحسن خلال النصف الثاني من العقد، وهو ما صنَّفته مؤسسة مو إبراهيم ضمن مسار “التحسن المتزايد”(24).
وتُظهر المؤشرات كذلك تفاوتًا واضحًا بين الدول الإفريقية في أدائها في مجال مكافحة الفساد. ووفقًا لبيانات مؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية لعام 2025، تصدرت رواندا وسيشيل الدول الإفريقية بدرجة 76.6 نقطة لكل منهما، تلتها موريشيوس بدرجة 65.7 نقطة، ثم السنغال بـ64 نقطة، فيما جاءت بوركينا فاسو في المرتبة العاشرة ضمن الدول العشر الأعلى أداءً، بدرجة 55.6 نقطة. كما حافظت رواندا على موقعها في الصدارة منذ عام 2016، بينما سجلت سيشل أكبر تحسن خلال العقد الماضي، بزيادة بلغت 26.3 نقطة وتقدمها 12 مركزًا.
جدول (1): الدول الإفريقية العشر الأعلى أداءً في مكافحة الفساد عام 2025
| الترتيب | الدولة | الدرجة |
| 1 | رواندا | 76.6 |
| 2 | سيشيل | 76.6 |
| 3 | موريشيوس | 65.7 |
| 4 | السنغال | 64.0 |
| 5 | بنين | 58.7 |
| 6 | بوتسوانا | 57.8 |
| 7 | ناميبيا | 57.6 |
| 8 | الرأس الأخضر | 56.1 |
| 9 | تونس | 55.9 |
| 10 | بوركينا فاسو | 55.6 |
المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على بيانات مؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية(24).
وتكشف المقارنة بين الدول عن تفاوت مسارات مكافحة الفساد على مستوى القارة. فقد سجَّلت سيشل وأنغولا وتشاد والصومال وتوغو أكبر تحسن خلال العقد الماضي، في حين سجلت جزر القمر وليبيريا وجنوب إفريقيا والنيجر وبوتسوانا أكبر تراجع منذ عام 2016. وعلى المستوى الإقليمي، حققت الجماعة الإنمائية لإفريقيا الجنوبية (SADC) أعلى متوسط لمؤشر مكافحة الفساد عام 2025، بواقع 44.5 نقطة، مقابل 26.9 نقطة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (IGAD)(25).
ويمثل تعزيز التعاون بين الاتحاد الإفريقي والجماعات الاقتصادية الإقليمية فرصة أخرى لتطوير آليات مكافحة الفساد وتنسيقها على المستوى القاري. وفي هذا الإطار، ركز مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد، عام 2021، على تطوير آليات التنسيق وتبادل الخبرات بين الاتحاد وهذه الجماعات، وعُقِد الحوار الإفريقي لمكافحة الفساد تحت عنوان “الجماعات الاقتصادية الإقليمية: الجهات الفاعلة الحاسمة في تنفيذ اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته”(26). وأتاح الحوار مناقشة أطر وسياسات وتشريعات مكافحة الفساد على المستويين الإقليمي والوطني، وتبادل الخبرات بين الوكالات الوطنية، وبحث سبل تعزيز التعاون عبر الحدود ومشاركة الجهات غير الحكومية في جهود مكافحة الفساد(27).
وتبرز أهمية هذا المسار في ضوء الطبيعة العابرة للحدود لعدد من الممارسات المرتبطة بالفساد. فقد أشار مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري إلى أن التدفقات المالية غير المشروعة تكبد القارة أكثر من 80 مليار دولار سنويًّا، بما يحرمها من موارد ضرورية للتنمية. ويرتبط التعامل مع هذه المشكلة، وفقًا للمجلس، بالحاجة إلى مزيد من الاتساق بين القوانين واللوائح والمعايير الوطنية والإقليمية، وتعزيز التنسيق عبر الحدود داخل الجماعات الاقتصادية الإقليمية (28).
وأظهر الحوار الإفريقي عددًا من المجالات التي يمكن البناء عليها لتعزيز هذا التعاون. فقد أسهمت الجماعات الاقتصادية الإقليمية في توفير آليات للعمل الجماعي وتبادل المعلومات، ووضع معايير وقوانين نموذجية لمكافحة الفساد، وتطوير أطر للتعاون عبر الحدود. كما ظهرت نماذج للتعاون بينها وبين الوكالات الوطنية، شملت إدماج البروتوكولات الإقليمية في التشريعات الوطنية، وتدريب المحققين في مجالات التدفقات المالية غير المشروعة واسترداد الأصول ومكافحة غسل الأموال.
ومع ذلك، لا يزال إدماج بروتوكولات مكافحة الفساد في التشريعات الوطنية يواجه قيودًا تتعلق بالموارد المالية والبشرية، وضعف آليات المتابعة والتقييم، ونقص الخبرات الفنية، ولاسيما في التمويل الدولي واسترداد الأصول، إلى جانب ضعف التنسيق بين السياسات والتشريعات الوطنية. ومن ثم، تظل هناك مساحة لتعزيز دور الجماعات الاقتصادية الإقليمية في بناء قدرات الجهات الوطنية المعنية بمكافحة الفساد، وتطوير أطر المساعدة القانونية المتبادلة، ودعم تنفيذ الموقف الإفريقي المشترك بشأن استعادة الأصول(29).
وتتسع فرص تعزيز مكافحة الفساد لتشمل البيئة المؤسسية والسياسية التي تعمل فيها آليات المساءلة. وقد حددت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها لعام 2025 مجموعة من المتطلبات في هذا المجال، تشمل ضمان استقلال المؤسسات القضائية وشفافيتها وإتاحتها للجميع، وحمايتها من التدخلات المرتبطة بالمصالح السياسية والاقتصادية، وتعزيز الشفافية في التمويل السياسي وتضارب المصالح وأنشطة كسب التأييد.
كما تشمل هذه المتطلبات تمكين الأفراد والمجتمعات المتضررة من الفساد من اللجوء إلى القضاء، مباشرة أو من خلال منظمات المجتمع المدني، وحماية الحريات الأساسية وحرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومات، وتوفير الحماية للمبلغين عن الفساد ومنظمات المجتمع المدني. وتمتد كذلك إلى تعزيز الشفافية والرقابة على الخدمات العامة والإدارة المالية العامة، وتطوير آليات وطنية ودولية أكثر فاعلية لمواجهة الفساد واسع النطاق والتدفقات المالية غير المشروعة وغسل الأموال عبر الحدود(30).
وتنسجم هذه المتطلبات مع التوجه الذي عبَّر عنه الاتحاد الإفريقي خلال اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد، في 11 يوليو/تموز 2026، الذي حمل شعار “توسيع نطاق تعزيز النزاهة وأعمال مكافحة الفساد عبر إفريقيا”(31). فقد أكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، ارتباط مكافحة الفساد بتحقيق التنمية والسلام والأمن والعدالة الاجتماعية، وأهمية النزاهة والشفافية والمساءلة في تحقيق أجندة إفريقيا 2063(32)(33).
ويعكس هذا التوجه إدراكًا داخل الاتحاد لأن الأطر القانونية والمؤسسية لا تكفي وحدها لتحقيق النتائج المرجوة، وأن تعزيز النزاهة والمساءلة يتطلب أيضًا دعم الإستراتيجيات الوطنية، وتوسيع التعاون متعدد الأطراف، وتسريع استرداد الأصول، وتنسيق جهود مكافحة الفساد بين الحكومات والمؤسسات والمجتمع المدني والقطاع الخاص(31).
وعلى الرغم من هذه الفرص، تظل فاعلية جهود الاتحاد الإفريقي مرتبطة بقدرته على معالجة مجموعة من القيود التي كشفت عنها تجربة تطبيق الاتفاقية. فالفساد ما زال يؤثر سلبيًّا في الأداء الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويعوق تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتطلعات شعوب القارة. كما أن نجاح الإطار القاري يظل مرتبطًا بدرجة التزام الدول الأعضاء بالاتفاقية وقرارات أجهزة الاتحاد، في وقت يحد فيه ضعف تفعيل الآليات الملزمة من تحقيق المعايير الموضوعة لمكافحة الفساد.
وتبرز مسألة السيادة أيضًا ضمن القيود التي تواجه التنفيذ؛ إذ يُستند إليها أحيانًا في تفسير عدم التطبيق الكامل لأحكام الاتفاقية، رغم أن التصديق عليها يقتضي قدرًا من التعاون والتنسيق عبر الحدود. وإلى جانب ذلك، تظل الإرادة السياسية عنصرًا أساسيًّا في فاعلية سياسات مكافحة الفساد وارتباطها بالحكم الرشيد.
وتشمل مجالات تطوير الأداء كذلك تعزيز تبادل المعرفة بين الخبراء الأفارقة في إطار تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد(34)، بما يدعم آليات الرصد الخاصة باتفاقية الاتحاد الإفريقي. كما يعمل مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد على إنشاء مركز موارد يضم معلومات عن الممارسين والباحثين والخبراء في مجال مكافحة الفساد، وتطوير إستراتيجية لمشاركة الجماعات الاقتصادية الإقليمية وتوجيه التعاون معها(35). ومع ذلك، لا يزال تنفيذ اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته يواجه جوانب قصور ترتبط بثغرات في الاتفاقية وفي وضع المعايير، ولاسيما في مجال التدفقات المالية غير المشروعة(35).
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن تجربة الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد أفضت إلى بناء إطار قانوني ومؤسسي قاري متقدم نسبيًّا، تمثل أساسًا في اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، ومجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد، إلى جانب اتساع نطاق انضمام الدول الإفريقية إلى الاتفاقية. غير أن هذا التطور المؤسسي لم ينعكس بالقدر نفسه على مستويات التنفيذ والامتثال الوطني؛ إذ لا يزال الفساد واسع الانتشار في عدد من دول القارة، بما يترتب عليه من استنزاف للموارد، وإضعاف للمؤسسات، وتعطيل لجهود التنمية، وتراجع في جودة الخدمات العامة.
وتؤكد هذه النتيجة الفرضية التي انطلق منها البحث. فقد نجح الاتحاد الإفريقي في وضع الأسس القانونية والمؤسسية لمكافحة الفساد، لكن فاعلية هذه المنظومة ما زالت مقيدة بتحديات تتصل بدرجة التزام الدول بتنفيذ الاتفاقية، وضعف آليات المتابعة والمساءلة، وتفاوت التشريعات والقدرات الوطنية، فضلًا عن إشكالات التعاون عبر الحدود واسترداد الأصول والتعامل مع التدفقات المالية غير المشروعة. ومن ثم، تكشف التجربة عن فجوة بين تطور الإطار القاري لمكافحة الفساد وبين قدرته على إحداث أثر مماثل في الممارسات والسياسات الوطنية.
ويبرز العامل السياسي في صميم هذه الفجوة. ففاعلية التشريعات والمؤسسات تظل مرتبطة بوجود إرادة سياسية تتيح لها العمل باستقلال وفاعلية، وتخضع ممارسة السلطة للرقابة والمساءلة. وعندما يمتد الفساد إلى مؤسسات الحكم في صور الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ، تتجاوز آثاره المجال السياسي لتصل إلى بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد. ولذلك لا يمكن تفسير استمرار الفساد بضعف التشريعات وحده؛ إذ تكشف الدراسة عن تداخله في بعض الدول مع أنماط مؤسسية وسياسية واجتماعية تحد من قدرة الأدوات القانونية، مهما بلغت درجة تطورها، على تحقيق النتائج المرجوة.
ومع ذلك، لا تقدم المؤشرات التي تناولتها الدراسة صورة ساكنة. فثمة تحسن في أداء عدد من الدول الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تطور التعاون بين مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد والجماعات الاقتصادية الإقليمية، واتساع الاهتمام بتبادل المعلومات والخبرات، واسترداد الأصول، ومواجهة التدفقات المالية غير المشروعة. وتكشف هذه التطورات عن فرص يمكن البناء عليها، وإن ظل أثرها مرتبطًا بقدرة الدول والمؤسسات القارية والإقليمية على تحويل الالتزامات القانونية إلى سياسات وممارسات قابلة للمتابعة والمساءلة.
وعليه، فإن تعزيز دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد يتطلب الانتقال من اتساع نطاق التصديق على الاتفاقيات وبناء المؤسسات إلى رفع مستوى تنفيذ الالتزامات ومتابعتها، وتقوية مؤسسات الرقابة والمساءلة، وحماية المبلِّغين، وتعزيز التعاون بين الدول والجماعات الاقتصادية الإقليمية، ودعم استرداد الأصول ومواجهة التدفقات المالية غير المشروعة. كما يظل ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية والمساءلة شرطًا أساسيًّا لاستدامة هذه الجهود. وتتوقف قدرة الاتحاد الإفريقي على تضييق الفجوة بين طموحاته القارية والنتائج الفعلية لمكافحة الفساد، إلى حدٍّ بعيد، على مدى فاعلية تطبيق هذا الإطار القانوني والمؤسسي.
المراجع
(1) محمد كمون، مجموعة النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة الفساد، ط3 (تونس: الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، يناير/كانون الثاني 2019)، ص 66.
(2) ينظر: الاتحاد الإفريقي، القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، المادة الثالثة (لومي، توغو، 11 يوليو/تموز 2000)، ص 14-15.
(3) ينظر: المادة الرابعة، المرجع السابق، ص 16-17.
(4) ينظر: الاتحاد الإفريقي، اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، الديباجة (مابوتو، موزمبيق، 11 يوليو/تموز 2003)، ص 1-2.
(5) ينظر: المادة الثانية، المرجع السابق، ص 5.
(6) ينظر: المادة الثالثة، المرجع السابق، ص 5-6.
(7) باستثناء كل من: بوتسوانا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وكوت ديفوار، ومالاوي، والمغرب، وسيشل. ينظر:
African Union, African Union Advisory Board Against Corruption (AUABC), Arusha, Tanzania, accessed August 3, 2026. https://anticorruption.au.int/en/about.
وينظر أيضًا:
African Union, List of Countries Which Have Signed, Ratified/Acceded to the African Union Convention on Preventing and Combating Corruption (Addis Ababa, February 14, 2023), pp. 1-2, accessed July 23, 2026.
https://au.int/en/treaties/african-union-convention-preventing-and-combating-corruption
وينظر كذلك: زايدي حمدي، “الحكم الراشد في مكافحة الفساد في إفريقيا: دراسة تحليلية لاتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته”، المجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مج 13، ع 2 (2022)، ص 618.
(8) African Union Advisory Board Against Corruption (AUABC), African Union Advisory Board Against Corruption (AUABC), accessed August 3, 2026.
(9) African Union, “Outlining African Priorities for 2022: The Assembly of the African Union Begins Its 35th Ordinary Session,” February 5, 2022, accessed July 30, 2026.
(10) African Union, “New Identity: African Union Advisory Board on Corruption Transitions into a New Name,” May 19, 2022, accessed July 29, 2026.
(11) موري سفيان، آليات مكافحة الفساد الاقتصادي الدولي، أطروحة دكتوراه (جامعة مولود معمري، تيزي أوزو، 2018)، ص 220.
(12) يتكون المجلس التنفيذي من وزراء الخارجية أو أي وزراء آخرين أو سلطات تعيِّنها حكومات الدول الأعضاء، وتكون دورات المجلس التنفيذي برئاسة وزير الخارجية أو أية سلطة مختصة تتولى بلادها رئاسة المؤتمر، مع ثلاثة نواب يُنتخبون على أساس جغرافي. وينعقد المجلس التنفيذي في دورتين عاديتين كل عام، كما ينعقد في دورة غير عادية بناء على طلب رئيس المجلس التنفيذي أو أية دولة عضو، بالتشاور مع رئيس المؤتمر وبموافقة أغلبية ثلثي الدول الأعضاء. ويتخذ قراراته بتوافق الآراء، وإن تعذر ذلك فبموافقة أغلبية ثلثي الدول الأعضاء في المسائل الموضوعية. أما المسائل الإجرائية، بما في ذلك تحديد ما إذا كانت المسألة إجرائية أم لا، فيُبَتُّ فيها بالأغلبية.
ينظر:
African Union, Rules of Procedure of the Executive Council, Assembly of the African Union, First Ordinary Session (Durban, South Africa, July 9-10, 2002), pp. 2-10.
(13) الاتحاد الإفريقي، اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، المادة (22)، المرجع السابق، ص 20.
(14) African Union Advisory Board Against Corruption (AUABC), African Union Advisory Board Against Corruption (AUABC), accessed August 3, 2026.
(15) الاتحاد الإفريقي، اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته، المادة (22)، المرجع السابق، ص 20-21.
(16) “الحوكمة والشفافية: الاتحاد الإفريقي يُقيِّم جهود تشاد في مكافحة الفساد ضمن آلية طوعية”، الوكالة التشادية للأنباء والنشر، 2026، (تاريخ الدخول: 3 أغسطس/آب 2026) https://tinyurl.com/4rpwb4zj
(17) “اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد”، السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، 11 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 7 أغسطس/آب 2026)،
https://hatplc.dz/detail-article/2b941158-d944-4a50-9c17-dc5cd7d75b2b.
(18) “إفريقيا تخسر 120 مليار دولار سنويًّا بسبب الفساد”، الجزيرة نت، 19 يونيو/حزيران 2025، تاريخ الدخول: 2 أغسطس/آب 2026، https://www.aljazeera.net/news/2025/6/19
(19) المرجع السابق.
(20) African Development Bank Group, “Annual Meetings 2024: Old Debt Resolution for African Countries – The Cornerstone of Reforming the Global Financial Architecture,” May 15, 2024, accessed September 21, 2026.
(21) مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد، المذكرة المفاهيمية للحوار الإفريقي الثامن لمكافحة الفساد (أروشا، تنزانيا، 9-10 يوليو/تموز 2024)، ص 2-3.
(22) منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2025 (برلين: منظمة الشفافية الدولية، 2026)، ص 8.
(23) مؤشر إبراهيم للحوكمة في إفريقيا (IIAG): أداة لقياس أداء الحوكمة في البلدان الإفريقية ورصده، ويصدر عن مؤسسة مو إبراهيم (Mo Ibrahim Foundation)، وهي مؤسسة غير ربحية أسسها رجل الأعمال السوداني، مو إبراهيم، عام 2006، لدعم الحكم الرشيد والقيادة في القارة الإفريقية. وصدر المؤشر للمرة الأولى عام 2007، ويقيس مجموعة من المدخلات والمخرجات المتعلقة بالسياسات، ويستعين بمؤشرات مستمدة من “أفروباروميتر” تعكس تصورات الجمهور بشأن واقع الحوكمة.
وبالموازاة مع المؤشر، أطلقت المؤسسة “جائزة إبراهيم للإنجاز في القيادة الإفريقية”، التي تُمنح لرئيس دولة أو حكومة إفريقية سابق انتُخب ديمقراطيًّا وأكمل ولايته الدستورية وأظهر قيادة متميزة وغادر منصبه وفق الأطر الدستورية.
ينظر:
Mo Ibrahim Foundation, The Ibrahim Index of African Governance (IIAG), accessed July 25, 2026.
وينظر أيضًا: المحفوظ فضيلي، “ملياردير سوداني يدعم الحوكمة الإفريقية بـ’مؤشر’ وجائزة مالية تفوق نوبل”، الجزيرة نت، 25 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 2 أغسطس/آب 2026)،
https://www.aljazeera.net/news/2025/5/25/
(24) “مكافحة الفساد في إفريقيا تستعيد زخمها بعد سنوات من التراجع”، قراءات إفريقية، 12 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 1 أغسطس/آب 2026)، https://qiraatafrican.com/42553
(25) المرجع السابق.
(26) African Union Advisory Board on Corruption, Report of the 5th African Anti-Corruption Dialogue: Regional Economic Communities: Critical Actors in the Implementation of the African Union Convention on Preventing and Combating Corruption, held virtually, November 9-11, 2021, p. 1, accessed July 27, 2026.
(27) مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC)، تقرير الحوار الإفريقي الخامس لمكافحة الفساد، 9-11 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ص 1.
(28) المرجع السابق، ص 1-2.
(29) المرجع السابق، ص 2-3.
(30) منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2025 (برلين: منظمة الشفافية الدولية، 2026)، ص 9-10.
(31) هاشم علي حامد محمد، “إفريقيا في مواجهة الفساد… معركة التنمية المؤجلة”، إندبندنت عربية، 19 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)،
https://www.independentarabia.com/node/653669 .
(32) “رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي يحتفل بيوم إفريقيا لمكافحة الفساد 2026 ويدعو لدعم محاربة الفساد في القارة”، الراصد الإثيوبي، أديس أبابا، 11 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2026)،
https://www.aps.dz/monde/afrique/mrgh5ftp
وينظر أيضًا: “رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي يؤكد التزام المنظمة بتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد”، وكالة الأنباء الجزائرية، الجزائر، 11 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2026)، https://tinyurl.com/yujw4f9y
(33) تعد أجندة إفريقيا 2063 الإطار القاري أو خطة العمل الإستراتيجية الحاكمة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في إفريقيا، وقد أُطلقت عام 2013 في إطار الاحتفالات باليوبيل الذهبي لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي حاليًّا)، عام 1963. ويمتد إطارها الزمني إلى عام 2063، وقد قُسِّم إلى خمس خطط تنفيذية، مدة كل منها عشر سنوات. وتركز الأجندة على سبعة تطلعات رئيسية ونحو عشرين هدفًا وأولوية، تدور في مجملها حول التنمية المستدامة والشاملة، والتكامل القاري، والحكم الرشيد والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والعدالة وسيادة القانون، والسلام والأمن، والهوية الثقافية والقيم المشتركة، والاستفادة من طاقات الشعوب الإفريقية، وتعزيز مكانة إفريقيا بوصفها فاعلًا وشريكًا دوليًّا.
ينظر: African Union, Agenda 2063: The Africa We Want, accessed July 30, 2026.
وينظر أيضًا: محمود زكريا محمود، “أجندة إفريقيا 2063.. ما بين المرتكزات والتقدم المُحرز”، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 30 أغسطس/آب 2021، (تاريخ الدخول: 1 أغسطس/آب 2026)، https://tinyurl.com/j52yd6yd
(34) اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هي الصك العالمي الوحيد الملزم قانونيًّا لمكافحة الفساد. وتتكون من ديباجة و(71) مادة موزعة على ثمانية فصول. واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2003، ودخلت حيز التنفيذ عام 2005، وتهدف إلى إرساء استجابة شاملة تغطي المجالات الرئيسة لمكافحة الفساد.
للمزيد، ينظر: مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (نيويورك: الأمم المتحدة، 2004)، ص 1-56.
(35) مجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد (AUABC)، تقرير الحوار الإفريقي الخامس لمكافحة الفساد، المرجع السابق، ص 3-4.
