ملخص
تتناول الورقة ديناميات مسارين متوازيين في لبنان ضمن سياق حرب إقليمية أوسع: مسار حزب الله ومسار السلطة اللبنانية. تحلل كيفية سعي الحزب إلى استعادة تماسكه الداخلي وإعادة تأطير الجبهة اللبنانية ضمن مواجهة إقليمية أشمل، بما يعزز ارتباط دوره بموقع إيران. في المقابل، تتبنى السلطة مسارًا مختلفًا يقوم على التمايز عن الحزب، وتقييد دوره الأمني، ومحاولة إعادة تثبيت قرار الحرب والسلم بيد الدولة عبر الانخراط في التفاوض المباشر مع إسرائيل. كما تبحث الورقة في تداخل هذين المسارين عبر مستويين تفاوضيين مترابطين، لبناني-إسرائيلي وأميركي-إيراني، وتوضح كيف يتيح هذا التداخل هوامش حركة متفاوتة لكل طرف. وتهدف إلى تفسير كيفية تفاعل هذه المسارات في ما بينها، وانعكاس ذلك على إدارة الصراع وتوجيه مساراته في المرحلة الراهنة.
Abstract
This paper examines the dynamics of two parallel trajectories in Lebanon within the context of a broader regional war: the trajectory of Hezbollah and that of the Lebanese state. It analyses how Hezbollah seeks to restore its internal cohesion and reframe the Lebanese front within a wider regional confrontation, thereby reinforcing the link between its role and Iran’s position. In contrast, the Lebanese state is pursuing a different path, aiming to differentiate itself from Hezbollah, constrain its security role, and reassert control over the decision of war and peace through direct negotiations with Israel. The paper also explores the overlap of these trajectories across two interconnected negotiation arenas—Lebanese-Israeli and US-Iranian—showing how this overlap creates varying margins of manoeuver for each actor and shapes the management and trajectory of the conflict.
مقدمة
يتشكَّل المشهد اللبناني في سياق حربين متداخلتين: حرب حزب الله مع إسرائيل، والحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، وعلى قاعدة داخلية تقوم على مسارين متوازيين نسبيًّا، تتداخل نتائجهما: مسار المواجهة الذي يقوده حزب الله، ومسار التفاوض الذي اختارته السلطة اللبنانية.
انخرط حزب الله مجددًا في الحرب ضد إسرائيل، في 2 مارس/آذار 2026، مؤكدًا أنها ردٌّ على استمرار استهدافه لبِنى لبنانية، إلا أنه اختار هذا الرد ضمن سياق أوسع يرتبط بالحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في أواخر فبراير/شباط 2026، ولاسيما بعد اغتيال مرشد الثورة الإيرانية، علي خامنئي. وقد قدَّم الحزب عمليته بوصفها “ثأرًا لدماء الإمام الخامنئي ودفاعًا عن لبنان”، لتنتهي بذلك الهدنة التي كانت قائمة منذ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وبذلك، انتقل من إدارة جبهة لبنانية ضمن هامش إسناد، إلى الانخراط المباشر في الجبهة الإقليمية وتفاعلاتها، حربًا وتفاوضًا.
في المقابل، اتجهت السلطة اللبنانية إلى تعزيز خيار التفاوض، والسعي إلى نزع أسباب الحرب على الجبهة اللبنانية، فبادرت إلى طلب مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، مؤكدة أن هدفها وقف الحرب، وإخراج القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، واستعادة الأسرى(1)، مع التشديد على فصل المسار اللبناني عن المسارات الإقليمية الأخرى، ولاسيما الإيراني منها.
ويبدو أن جدوى أيٍّ من المسارين ستُقاس، في حدها الأدنى، بقدرته على الوصول إلى اتفاق يوقف إطلاق النار، ويحد من حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في لبنان، ويضع حدًّا لعمليات الاغتيال، ويفضي إلى انسحابها من الأراضي اللبنانية.
بهذا المعنى، لا تواجه كل من الدولة اللبنانية وحزب الله تحدي بعضهما فقط، بل يواجهان أيضًا تحديًا مشتركًا يتمثل في الشروط التي تفرضها إسرائيل على مساري الحرب والتفاوض معًا. فلا تزال تصر على إقامة شريط حدودي عازل، تشير إليه أحيانًا بـ”الخط الأصفر”، بذريعة توفير مسافة حماية مضادة للدروع، ويشمل تدمير عدد من القرى الحدودية (يزيد على خمسين قرية)، إلى جانب فرض منطقة أوسع خالية من السلاح، ولا سيما من حزب الله، تمتد حتى نهر الليطاني(2).
تتناول هذه الورقة هذين المسارين، مع تركيز أكبر على حزب الله بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في مسار الحرب، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسية:
الأول: مسار حزب الله داخليًّا، ومحاولته استعادة تماسك جبهته، في ظل كلفة متزايدة للحرب. ومساره في إعادة ربط الجبهة اللبنانية بالإطار الإقليمي، حربًا وتفاوضًا.
الثاني: مسار السلطة اللبنانية في محاولة فصل لبنان عن هذا السياق، عبر التمايز عن حزب الله، وتقييد شرعيته الأمنية، والانخراط في التفاوض المباشر.
أما الثالث، فهو تحليل التفاوض في ظل مسارين متداخلين، وطبيعة العلاقة بين الطاولتين، اللبنانية والإقليمية.
والرابع: التوازنات الداخلية ومآلات هذين المسارين في ضوء نتائج التفاوض وتطورات الميدان.
أولًا: مسار حزب الله
وقد استند على استعادة جبهته الداخلية ومن ثم تأكيد ارتباطه بالإقليم.
- الجبهة الداخلية
لقي انخراط حزب الله في الحرب الإقليمية، في بادئ الأمر، اعتراضًا معلنًا أو ضمنيًّا من معظم القوى اللبنانية، حتى نُقل ما يفيد انزعاج حليفه، رئيس حركة أمل ورئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري(3). كما شارك وزيرا حركة أمل في الحكومة في جلسة حكومية حظرت أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية وعدَّتها خارجة عن إطار الشرعية القانونية(4). وعلى المستوى الشعبي، ظهر تباين ملحوظ، وإن كان محدودًا، حتى داخل الطائفة الشيعية حول ما قام به الحزب، خاصة أنه استخدم عددًا محدودًا من الصواريخ البدائية، ولم تبدُ أنها جدية في أهدافها، في وقت كانت فيه كلفتها المتوقعة مرتفعة على البيئة الحاضنة؛ إذ أعادت “جَرَّ الجنوبيين” إلى معاناة جديدة جرَّاء حرب مدمرة وغير متكافئة، وهم الذين بالكاد خرجوا من تداعياتها مع هدنة 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلًا؛ إذ استطاع حزب الله إعادة ترميم حاضنته الاجتماعية الواسعة، واستعادة اصطفاف حليفه الأساسي، نبيه بري، إلى جانبه في هذه الحرب، وذلك بفعل ثلاثة عوامل رئيسية على الأقل:
الأول: سلوك إسرائيل خلال الهدنة والحرب، وهو الأهم والأكثر تأثيرًا؛ إذ إن إسرائيل، بغضِّ النظر عن حزب الله، لم تترك خيارًا بديلًا للطائفة الشيعية ولا للبنان عمومًا. فقد استمر الاستهداف الإسرائيلي للبنان أثناء الهدنة، التي استمرت ما يقرب من 15 شهرًا، بذريعة استهداف الحزب، وانحصر في جزء كبير منه في مناطق الحاضنة الشيعية أو باستهداف النازحين؛ حيث سقط، بحسب تقديرات لبنانية متعددة، أكثر من “500 شهيد”(5). ومع عودة إسرائيل إلى الحرب الواسعة رفعت من مستوى أهدافها متجاوزة هدف تأمين حدودها إلى محاولة دفع اللبنانيين نحو الاقتتال الداخلي، في سياق إعادة تشكيل البيئة الداخلية اللبنانية.
وقد بدت حملتها العسكرية وكأنها تسعى إلى تحريض بقية المكونات اللبنانية ضد الشيعة وعزلهم بوصفهم حاضنة حزب الله، وهو ما تجلَّى في التدمير الواسع لبعض القرى الحدودية على نمط ما حدث في غزة، وفي توسيع نطاق الاستهداف ليشمل عمق الجنوب وصولًا إلى مشارف صيدا، بل وامتداده إلى بيروت نفسها في سياق ملاحقة النازحين. ومثَّل ما عُرف بـ”الأربعاء الأسود”، في 8 أبريل/نيسان 2026، ذروة هذا المسار، مع سقوط مئات “الشهداء” من النازحين وسكان العاصمة. وعلى الصعيد السياسي، اشترطت إسرائيل “نزع سلاح حزب الله” لوقف الحرب تارة، أو مدخلًا لأي مفاوضات مع الدولة اللبنانية تارة أخرى، مقترنًا بطرح ترتيبات أمنية وسياسية تمس طبيعة السيادة اللبنانية، مثل فرض مناطق عازلة خالية من السكان، وأخرى منزوعة السلاح، أو الدفع نحو مسارات قد تؤدي إلى أشكال من التطبيع معها.
الثاني: تمكَّن حزب الله من إظهار تعافٍ نسبي في قدراته العسكرية والتنظيمية. وقد بدا ذلك في قدرته على العودة إلى مقارعة إسرائيل في قرى جنوب الليطاني، بما في ذلك القرى الواقعة في الحافة الأمامية، رغم كونها مناطق منزوعة السلاح وفق ترتيبات ما بعد حرب 2024. كما أظهر قدرة على التأقلم مع الواقع الجديد، من خلال تبني بنى تنظيمية يُرجَّح أنها مستحدثة، وقواعد عمل مختلفة إلى حدٍّ بعيد عما كان قائمًا سابقًا. ورغم بقائه عرضةً للاستهداف الفاعل من قبل إسرائيل، فإنه حافظ على قدرته على الاستمرار في المواجهة، وهو ما يعكس مستوى من التعافي يتجاوز المناورة إلى مستوى فعلي.
الثالث: عمل حزب الله على إعادة بناء روايته “اللبنانية” لدخوله الحرب. فقد سعى إلى إعادة التموضع في حاضنته التقليدية وفي الإطار اللبناني الأوسع، عبر إعلان أن هدفه يتمثل في إعادة تثبيت هدنة نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بوصفها نهاية للحرب، ووقف الأعمال العسكرية بكل أشكالها، ولاسيما الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وفرض انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، أي العودة إلى وضع ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي مطالب تُطرح بوصفها مطالب لبنانية عامة. كما قدَّم انخراطه في الحرب الإقليمية في إطار المصلحة اللبنانية، باعتبار أن الضغط الإقليمي على إسرائيل يمكن أن يُستثمر لفرض هذه الأهداف، مؤكدًا أن على لبنان الاستفادة من الدعم الإيراني بدل رفضه أو مواجهته.
هذا التصعيد، بمساره التراكمي، دفع على الأرجح الرئيس بري وحركة أمل إلى العودة للاصطفاف مع الحزب، على الأقل في معركته في الجنوب، وإن استمر التباين معه في ملفات داخلية لبنانية أخرى. كما أسهم في إعادة شد العصب السياسي والشعبي؛ حيث عادت غالبية الحاضنة الشعبية الشيعية إلى الالتفاف حول الثنائي (حزب الله وحركة أمل)، والتأم صفهما، على الأقل، في مواجهة الحرب الإسرائيلية التي رأوا أنها تستهدف “الشيعة” بعمومهم، فضلًا عن استهدافها للبنان.
غير أن هذا التماسك، على أهميته، لا يبدو مستقرًّا بالضرورة على المدى الأبعد؛ إذ شهدت الساحة اللبنانية، منذ انخراط حزب الله في الحرب بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصاعدًا في الخطاب السياسي المعارض له، تجاوز في كثير من الأحيان طابعه السياسي إلى توظيف التعبئة الطائفية والمذهبية. وقد تفاعل هذا التصعيد مع طبيعة البيئة السياسية اللبنانية، التي تميل أصلًا إلى إنتاج خطاب طائفي متبادل، بما أسهم في تعزيز مخاوف متبادلة بين المكونات، ولاسيما داخل البيئة الشيعية.
وفي هذا السياق، أسهمت هذه التعبئة -رغم كونها موجهة ضد الحزب- في إعادة شَدِّ تماسك الجبهة الداخلية للحزب، إذا ما عُدَّت الحالة الطائفية أحد مكونات هذه الجبهة. غير أن هذا التماسك يبدو، في معظمه، ذا طابع قصير المدى، إذ لا يضمن استقرارًا مستدامًا على المدى المتوسط أو البعيد.
ويعود ذلك إلى أن التعبئة التي جرى توظيفها خلال الحرب لم تُبْنَ على أساس مصالح لبنانية واضحة، بقدر ما استندت إلى بُعد مذهبي وأيديولوجي عابر للحدود، مرتبط بالتحالف مع إيران، وهو ما يضع الحزب لاحقًا أمام تحدي تبرير كلفتها داخل بيئته. وفي مرحلة ما بعد الحرب، سيكون حزب الله مطالبًا بتحمل الأعباء السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه التعبئة، أو بإقناع جمهوره بأن الكلفة التي دُفعت كانت مبررة في ضوء النتائج. وتزداد حساسية هذا التحدي في حال عدم تحقق مكاسب واضحة، أو في حال تحول نتائج الحرب إلى إعادة تشكيل أوسع في المشهد السياسي اللبناني. وهو ما يفسر، في جانب منه، تمسك الحزب بربط هذه الجبهة بسياقها الإقليمي، بوصفه مصدرًا لتعزيز هذا التماسك واستدامته.
- الجبهة الإقليمية
بانخراط حزب الله في الحرب الإقليمية، لم يضع ملف “الجبهة اللبنانية” لدى إيران فحسب بل وضع أيضًا بنيته التنظيمية ومساره ومصيره السياسي على المحك؛ إذ إن أي خسارة أو تداعيات تتعرض لها إيران ستنعكس بشكل مباشر عليه وعلى شيعة لبنان. إلا أن حزب الله ينطلق، في المقابل، من تصور يرى أن هذه النتيجة قائمة في الحالتين، سواء في حال الانخراط أو عدمه، بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي يرى الحزب، وربما قوى أخرى، أنها تربط شيعة لبنان بإيران أو بالبيئة الشيعية في الإقليم.
وقد كرَّس مسار الحرب هذه الرواية؛ إذ إن الحرب الإسرائيلية على غزة كانت حربًا ضد “محور المقاومة” في السردية الشيعية بالمنطقة، ولكن بتحييد غزة عن مسار الحرب، انزاح مركز الصراع لتكون الحرب على المحور بوصفه “شيعيًّا”. وهو ما عبَّر عنه نتنياهو في حديثه عن وجود محورين في الإقليم، محور شيعي وآخر سُني ناشئ وثالث تعمل إسرائيل على تشكيله(6).
وبذلك، لم يعد مركز الحرب الأميركية/الإسرائيلية موجهًا إلى إيران بوصفها دولة فحسب بل إلى الجماعات المرتبطة بها في المنطقة أو ما يسمى (محور المقاومة) ومنها حزب الله بوصفه المكون العسكري والسياسي الأبرز في هذا المحور، بغضِّ النظر عن السرديات الأخرى. في هذا السياق، لا يمكن فهم استعادة رمزية “كربلاء” الدينية، والقتال حتى النهاية في خطاب حزب الله وإيران، إلا بوصفها تعبيرًا عن تطابقٍ بين الشيعية السياسية فيما تعدُّه سعيًا للدفاع عن بقائها (المهدد)، وبين إدراكها للحرب الدائرة بوصفها حربًا شاملة تستهدفها، وما يترتب على ذلك من استعداد لمواجهتها وفق هذا المنظور(7).
لهذا، وبالرغم من الكلفة البشرية والمادية المرتفعة، استطاع حزب الله إعادة تكريس سرديته داخل حاضنته، مؤكدًا استمرار ارتباط شيعة لبنان بعمقهم الديني والسياسي في إيران، بوصفه توصيفًا للواقع وحقًّا مشروعًا لشيعة لبنان ضمن بنية النظام الطائفي اللبناني. كما أعاد تأطير الصراع بوصفه استهدافًا أوسع للشيعة في لبنان والمنطقة، مقدِّمًا نفسه جزءًا من هذه المواجهة. وعزَّزت الحرب الإسرائيلية/الأميركية على إيران، المتزامنة مع التصعيد الإسرائيلي ضد الحزب، من هذه السردية، خصوصًا مع توسعها و”توحشها” في استهداف المدنيين بوصفهم “شيعة” مؤيدين لحزب الله.
وفي المقابل، شكَّل انخراط حزب الله في الحرب عاملًا في إعادة إنتاج هذه السردية وتثبيتها؛ إذ لم يعد بحاجة إلا إلى إعادة “سرد” ما يقدمه بوصفه “حقائق أساسية” تؤكدها الوقائع. فإيران، في هذا الخطاب، تُستهدف لأنها تسعى إلى إعادة الشيعة إلى الخارطة السياسية في الإقليم. ولا يقتصر أثر تدخله على جمهوره في لبنان، ولا يقتصر على إعادة هذا الجمهور إلى سرديته في الإطار اللبناني، بل يمتد أيضًا إلى الداخل الإيراني؛ حيث يسهم في تعزيز تقبل دوره، في ظل مشاعر مهيمنة تعتقد بوجود تخلٍّ واسع عن الشعب الإيراني، مع محدودية في التضامن معه. وهو ما يعزز، أو يستعيد، القناعة لدى بعض الإيرانيين كما لدى شيعة لبنان، بترابط المسار والمصير بينهما، وبخصوصية العلاقة بين دولة إيران وشيعة لبنان، ولو بقي هذا الأمر محل جدل لدى شرائح أخرى من المجتمع الإيراني.
هذا التطور يمنح حزب الله حضورًا وقوة سياسية في أي مفاوضات مستقبلية قد تخوضها إيران، لأنه يظهر بوصفه طرفًا منخرطًا في الحرب والتفاوض، ومدعومًا بدرجة أعلى من القبول داخل البيئة الإيرانية مقارنة بما سبق، ويحمل قدرًا من الشعور بالامتنان تجاه الجبهة اللبنانية وشيعة لبنان، بما يجعل التخلي عنهم، حربًا أو تفاوضًا أو سلمًا، أقل احتمالًا. وبلغ هذا الالتزام ذروته خلال مفاوضات إسلام آباد، التي أكدت فيها طهران أن لبنان جزء من الهدنة الإقليمية، وأن هذه الهدنة تشمل مختلف “الجبهات” المرتبطة بها.
بذلك، لم يعد الأمر مقتصرًا على ربط بين جبهات متعددة بل اتجه نحو تصور أوسع للصراع، يتداخل فيه السياسي مع المذهبي والديني، ويتجاوز الحدود الوطنية نحو إطار إقليمي عابر لها، وكأنه يتحول إلى قضية تمس مصير جماعة دينية عابرة للحدود.
ثانيًا: مسار السلطة اللبنانية
قامت السلطة اللبنانية، منذ انخراط حزب الله في حرب “إسناد غزة”، بثلاث خطوات أساسية ذات طابع تصاعدي، سعت من خلالها، وفق منظورها، إلى استعادة ملف الحرب والسلم من الحزب، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها.
الأولى: التمايز عن حزب الله
اتخذت السلطة اللبنانية مسارًا تصاعديًّا في التمايز عن حزب الله، بدأ منذ انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة، في يناير/كانون الثاني 2025، تحت عنوان عام تمثَّل في التأكيد على الأجندة اللبنانية، ولاسيما حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة إدخال ملف التفاوض مع إسرائيل ضمن مؤسساتها الرسمية. وقد تدرَّج هذا المسار عبر عدد من المحطات التي عكست انتقالًا من التمايز في الخطاب إلى مستوى بنية الدولة، ثم إلى محاولة تثبيته دوليًّا. ففي مرحلة أولى، حرصت السلطة، منذ تولي أركانها الحكم، على الفصل بين موقفها الرسمي ومسار حزب الله العسكري، من خلال بياناتها وتصريحاتها، بما في ذلك إعادة التأكيد على مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم، مع الحرص على عدم الذهاب إلى مواجهة سياسية مباشرة مع الحزب، ولاسيما من قبل رئيس الجمهورية، والاكتفاء باعتبار هدنة نوفمبر/تشرين الثاني إطارًا جامعًا للسلطة والحزب في مواجهة إسرائيل.
الثانية: إعادة تعريف شرعية حزب الله
أخذ هذا المسار منحى أكثر جدية قبيل انخراط حزب الله في الحرب الإقليمية، وتكرَّس بشكل أوضح بعدها. فقد اتخذ مجلس الوزراء اللبناني، في 2 مارس/آذار 2026، قرارًا بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله وعدَّها خارجة عن إطار الشرعية القانونية، قبل أن يُبلغ هذا القرار إلى الأمم المتحدة، برسالة من وزارة الخارجية اللبنانية، في 2 أبريل/نيسان 2026(8)، في خطوة هدفت إلى نقل هذا التمايز من مستواه الداخلي المؤسسي إلى مستوى الاعتراف الدولي به. وضمن هذا السياق، وتحديدًا بعد ما عُرف بـ”الأربعاء الأسود” الذي استهدفت فيه إسرائيل بيروت، قررت الحكومة اللبنانية، في 9 أبريل/نيسان 2026، تعزيز بسط سيطرة الدولة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها(9). ويُرجَّح أن يتعزز هذا المسار في بيروت، وأن يتسع ليشمل مناطق أخرى.
الثالثة: المسار التفاوضي مع إسرائيل
قامت السلطة اللبنانية، بعد تقدم القوات الإسرائيلية في العمق الجنوبي، ولاسيما وصولها إلى بنت جبيل، بخطوة متقدمة قياسًا إلى تحفظاتها السابقة؛ إذ أجرت محادثات مباشرة بين وفد لبناني وآخر إسرائيلي، في واشنطن، في 14 أبريل/نيسان 2026، لوضع إطار لمسار تفاوضي، لا يزال البناء عليه مستمرًّا(10). ويأتي ذلك، في أحد وجوهه، في سياق سعي السلطة اللبنانية إلى تثبيت نفسها مرجعية تمثيلية في إدارة ملف الحرب والسلم، وتكريس ذلك دوليًّا. كما طُرحت، في السياق نفسه، إمكانية إجراء اتصال أو لقاء مباشر بين جوزاف عون وبنيامين نتنياهو(11). وإن بقي ذلك في إطار التداول السياسي، فإن مجرد القبول به من حيث المبدأ يشير إلى اتساع الهوة بين الطرفين، السلطة وحزب الله، ويعكس تراجع مستوى التنسيق بينهما، ولو من دون انقطاع كامل.
لم يبد هذا التمايز، مع بدء رئاسة عون، موجهًا إلى إقصاء الحزب بقدر ما هو سعي لإعادة تعريف حدود أدواره داخل المجال السيادي للدولة. إلا أن هذا المسار، ومع تطور الحرب وتداخل محاورها، أخذ طابعًا تصاعديًّا أوضح، انتقل فيه من الفصل السياسي عن خيارات الحزب، ومحاولة الحد من انعكاساتها داخل السلطة، إلى إعادة تنظيم المجال المؤسسي للدولة وتغليب توجهاتها، وصولًا إلى تثبيت هذه الخيارات في السياسة الخارجية، ولاسيما في التمثيل التفاوضي. ومع ذلك، ظل هذا المسار محكومًا بعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، وهو ما يعكس طبيعة النظام اللبناني، القائم على إدارة التوازنات الطائفية والسياسية أكثر من حسمها، وعلى إعادة توزيع الأدوار داخلها بدل إلغائها، ولو بقدر من الإكراه واستخدام محدود للقوة، خشية من عودة الحرب الأهلية.
ولكن لا ضمانات بعدم انزلاق لبنان إلى مدى أبعد، لاسيما أن تغييرات عميقة تحدث ويمكن أن تتطور أكثر سواء في سياق الحرب أو التفاوض، وقد تمس التوازنات اللبنانية.
ثالثًا: التفاوض في ظل مسارين متداخلين
تداخَلَ مساران تفاوضيان متوازيان ومؤثران على لبنان: الأول هو مسار السلطة من خلال طاولة تفاوض لبنانية/إسرائيلية في واشنطن، والمسار الثاني يخص حزب الله، ويتعلق بطاولة تفاوض أميركية/إيرانية في إسلام آباد. ولا يمكن الحكم على نتائج أيٍّ منهما بمعزل عن الآخر؛ إذ إن العلاقة بينهما ليست علاقة فصل كامل ولا اندماج كامل، بل تداخل جزئي تتحكم فيه نتائج الميدان في الحرب، وموازين القوة في لبنان، وضرورات التفاوض لكل الأطراف.
من الواضح أن السلطة اللبنانية لا تستطيع، في الظروف الحالية، امتلاك قرار الحرب، لكنها تسعى إلى استعادة قرار السلم، وهو مقصد قد لا يختلف معه حزب الله ولا إيران من حيث المبدأ، ولكن يختلفان معها في الطريق المؤدية إليه وشروطه، والأهم في نتائجه.
لهذا، تركز السلطة اللبنانية على تجاوز منطق ربط الجبهات العسكرية، من خلال الذهاب إلى التفاوض المباشر من جهة، ونقل مركز الثقل اللبناني من الميدان العسكري الذي لا محل لها فيه، إلى طاولة التفاوض في واشنطن من جهة أخرى.
تعمل السلطة على تكريس حصر التفاوض بالدولة، وقد تحقق ذلك جزئيًّا عبر انخراطها في التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهو ما لا تستطيع إيران ولا حزب الله القيام به، كما يرفضان قيام السلطة به؛ الأمر الذي يجعلها المرجعية الوحيدة في هذا الملف. كما أن تجنب السلطة مسار التفاوض غير المباشر -وهو المسار الذي يطالب به حزب الله وقوى أخرى، وإن اختلفت دوافعهم- من شأنه الحؤول دون نقل الملف اللبناني إلى الطاولة الدولية، وتحديدًا إلى المسار الأميركي/الإيراني، بما يفقد السلطة قدرتها على التحكم به.
يمنح هذا المسار السلطة هامشًا نسبيًّا من الاستقلالية في إدارة هذا الملف، خاصة في مواجهة التأثير الإيراني، وإن بقي هذا الهامش محدودًا وتوافر نتيجة ضغوط دولية لاسيما أميركية. كما أن الدولة تريد حماية بنيتها التحتية ومؤسساتها ولا تريد أن تكون هدفًا مباشرًا لآلة الحرب الإسرائيلية. وفي هذا السياق، تبرر الدولة إصرارها على التفاوض المباشر بوصفه “أداة سيادية”، فضلًا عن كونه وسيلة لتفادي استمرار الحرب وتداعياتها من دمار واحتلال.
كما يفتح هذا المسار نافذة لإدخال العامل العربي في التفاوض، ولو بصورة غير مباشرة، عبر الدعم السياسي والدبلوماسي، وربما الاقتصادي، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان. ويأتي ذلك في وقت يغيب فيه الحضور العربي المباشر عن طاولة التفاوض الأميركية/الإيرانية؛ ما يجعل المسار اللبناني -ولو نظريًّا- مدخلًا ممكنًا لتفعيل هذا الدور، ومنح الدولة عمقًا إضافيًّا في مواجهة الضغوط الدولية.
وفي المقابل، لا تستطيع إيران، بحكم طبيعة الصراع، الدخول في تفاوض مباشر مع إسرائيل، كما لا يمكنها وضع الملف اللبناني تحت إدارتها الرسمية، في ظل تمسك الحكومة اللبنانية بمسارها المستقل، وسعيها إلى الدعم العربي والدولي. كما أن غياب الوسيط التقليدي، الذي كانت تمثله سوريا، يحد من قدرة إيران على إدارة هذا الملف بشكل مباشر، ويدفعها إلى الاعتماد على أدوات ضغط داخلية؛ حيث يلعب حزب الله، بحضوره السياسي والشعبي، دورًا محوريًّا في هذا السياق.
أما حزب الله، فإنه سيتعامل مع مسار التفاوض بمنطق انتقائي، تدعمه إيران من الخلف؛ فهو ليس ضد التفاوض بحد ذاته، بل يتعامل معه وفق نتائجه. فمن المرجح أن يقبل بما ينسجم مع رؤيته، خصوصًا ما يؤدي إلى انسحاب إسرائيل مع الحفاظ على موقعه داخل المعادلة اللبنانية، في حين سيرفض ما يقيد دوره أو يضعف موقعه، أو لا يحقق أهدافه بشروط بقائه واستمراره شريكًا في تقرير المصير.
أما في حال فشل المفاوضات، فمن المتوقع أن يحمل حزب الله الدولة تبعات خيار التفاوض المباشر، بما يعيد إنتاج شرعية بقائه قوة مسلحة تحت عنوان “المقاومة”، ويفتح المجال لمعارضة السلطة وربما إعادة تشكيل التوازنات الداخلية.
ويعود ذلك إلى أن الترابط العسكري بين لبنان وإيران قائم، ولا يمكن فصله إلا في حالات قصوى، كالهزيمة. أما في التفاوض، فإن الفصل يبقى ممكنًا عبر التفاهم والتعويض، وليس عبر الحسم. بالنظر إلى مساري التفاوض، اللبناني والإيراني، لا يمكن الفصل بينهما بشكل قاطع كما لا يمكن دمجهما بالكامل؛ ذلك أن الترابط العسكري بين لبنان وإيران قائم، ولا يمكن فصله إلا في حالات قصوى، مثل الهزيمة لإيران أو لحزب الله وبالقوة القاهرة، أما الفصل النسبي بين المسارين بالتفاوض فهو ممكن إن استمرت الطاولتان وبُحث الثمن السياسي في الإقليم ولبنان لكل منهما. مع التأكيد أن أي اتفاق سينتهي إليه أي تفاوض من أي من الطاولتين يحتاج إلى توقيع شيعي، وهنا التعويل على رئيس مجلس النواب، نبيه بري، والذي يتمسك بخيار المفاوضات غير المباشرة(12) دون أن يتنازل عن أي من الطاولتين، لكنه في نهاية المطاف سيختار الوقت المناسب للتوقيع الأنسب، إما لحفظ مكاسب الشيعة في لبنان، أو لتفادي تعضها لأضرار جسيمة.
بالنسبة الولايات المتحدة، فهي تسعى إلى فصل مسارات القتال ميدانيًّا، وقد تجد نفسها بحاجة إلى ضامن لحزب الله في أي تسوية مقبلة، لتفادي بقائه قوة معترضة داخل النظام اللبناني. ولذلك، فهي قد تدفع نحو فصل نسبي في الميدان، لكنها لا تسعى بالضرورة إلى فصل كامل في التفاوض؛ حيث تبقى العلاقة قائمة، ولو بشكل غير مباشر، بين الطاولة اللبنانية والطاولة الإيرانية.
حتى الدولة اللبنانية، على الرغم من سعيها إلى الاستقلال عن المسار الإيراني، فإنها لا تستطيع تجاهله بالكامل بل قد تستفيد منه، سواء عبر الضغوط التي تمارسها إيران على واشنطن لإنهاء الحرب، أو عبر الشروط التي تطرحها في التفاوض، كما كان شأنها مع اشتراط وقف إطلاق النار على كل الجبهات من أجل استمرار مسار التفاوض. غير أن هذه الاستفادة تبقى محكومة برغبة السلطة في منع تحول هذا الدور إلى تعزيز نفوذ حزب الله داخل مؤسساتها.
وتبقى إسرائيل الطرف الأكثر سعيًا إلى الفصل القاطع، سواء بين الجبهتين الإقليمية واللبنانية، أو بين طاولتي التفاوض؛ إذ لا يخدمها تحول التفاوض إلى صفقة إقليمية شاملة، بقدر ما تسعى إلى تفكيك “الجبهة الشيعية” تفاوضيًّا، كما واجهتها عسكريًّا.
رابعًا: التوازنات والمآلات
أما على صعيد التوازنات بين السلطة اللبنانية وحزب الله، فإن مآلاتها ترتبط بشكل مباشر بمساري التفاوض، ولاسيما المسار الأميركي/الإيراني. فإذا نجحت هذه المفاوضات، فقد يحقق حزب الله مكاسب على المدى القصير، سواء عبر تثبيت موقعه داخل مؤسسات الدولة أو من خلال تخفيف الضغوط العسكرية والسياسية عليها.
غير أن هذه المكاسب لا تبدو مضمونة على المدى البعيد، ما لم تستند إلى استمرار الدعم الإيراني له، سياسيًّا واقتصاديًّا، وإلى تعافي موقع إيران في الإقليم. وفي حال غياب ذلك، فإن أي تسوية أوسع قد تتجه نحو إعادة تعريف النفوذ الإيراني تدريجيًّا، بما يشمل لبنان، مقابل ضمانات تتعلق بدور حزب الله السياسي وموقع الشيعة داخل النظام اللبناني، بوصفهم شريكًا في التوازن الداخلي لا قوة مهيمنة عليه.
أما الجزء الأكثر تعقيدًا، فيرتبط بالضمانات الأمنية التي ستطالب بها إسرائيل، والتي قد تشمل تقليص الوجود العسكري للحزب، أو إعادة تنظيمه ضمن شروط جديدة، وهو ما يضع الحزب أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على دوره العسكري أو تثبيت موقعه السياسي.
وفي هذا السياق، فإن أي تنازل إسرائيلي حتى لو كان محدودًا، سيقابله ثمن إيراني مرتفع نسبيًّا، قد يكون في مقدمته إعادة تعريف حضورها العسكري والسياسي في لبنان، بما ينعكس مباشرة على موقع حزب الله.
ولا يمكن افتراض علاقة حتمية بين مسار الحرب ومسار التفاوض، بحيث يقود أحدهما بالضرورة إلى الآخر بل إن كليهما يخضع لمنطق مستقل نسبيًّا، يتقاطع أحيانًا ويتباعد أحيانًا أخرى، تبعًا لموازين القوى في الميدان، ولمدى قدرة الأطراف على تحويل مكاسبها العسكرية إلى أوراق تفاوضية.
وفي الداخل اللبناني، لا يبدو أن مسار التفاوض سيقود تلقائيًّا إلى استعادة “الدولة” لقرار الحرب، كما لا يعني استمرار الحرب بالضرورة تعزيز موقع حزب الله بشكل مطلق بل إن التوازن الداخلي سيبقى نتاج تفاعل مركب بين قدرة الحزب على الحفاظ على بيئته ودوره، وقدرة الدولة على توسيع مجالها السيادي عبر التفاوض، إضافة إلى تأثير العامل الإقليمي، ولاسيما الإيراني.
وفي هذا الإطار، فإن أي تحول في التوازنات لن يكون حاسمًا أو سريعًا، بل تراكميًّا، وقد يأخذ شكل إعادة توزيع للأدوار داخل النظام اللبناني أكثر من كونه حسمًا لصالح طرف على حساب آخر.
أما على مستوى بنية القوة، فلا يُتوقع أن يؤدي صعود دور “الدولة” التفاوضي إلى امتلاكها الكامل لقرار الحرب، كما لا يعني استمرار دور الحزب العسكري قدرته على حسم التوازن الداخلي؛ إذ إن مصادر القوة في لبنان تبقى موزعة بين الدولة، بتمثيلها السياسي والدولي، والحزب، بقدراته العسكرية وحاضنته، وهو ما يجعل التوازن بينهما قائمًا على إدارة هذا التداخل، لا إنهائه.
وبذلك، فإن التوازنات اللبنانية في المرحلة المقبلة ستتحدد بمدى قدرة كل من المسارين، مسار السلطة ومسار الحزب، على التكيف مع مآلات التفاوض، وليس بقدرة أحدهما على إلغاء الآخر.
أما الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان، دولة وسلطة وكذلك حزب الله، فهو استمرار سيطرة إسرائيل فعليًّا أو بقوة النار على أغلب الجنوب اللبناني، وتستمر في استهداف “شيعة لبنان”؛ ما يعني أن لبنان مقبل على تغيير ديمغرافي، مع ما يعنيه ذلك من احتمال دخول لبنان في اضطرابات أمنية ومرحلة من انعدام اليقين قد تصل إلى ما يقرب من حرب أهلية.
وليس بالضرورة أن يؤدي التغيير الديمغرافي إلى إضعاف حزب الله أو حاضنته؛ إذ إن دفع مئات الآلاف من السكان إلى ما بعد منطقة الزهراني وصيدا، على امتداد الساحل اللبناني وصولًا إلى بيروت، قد يفضي، مع استمرار الأزمة، إلى تشكُّل حزام “شيعي” جديد، أو ما هو أوسع من ذلك. ويستعيد هذا السيناريو، في أحد وجوهه، نمط التحولات الديمغرافية التي شهدها لبنان بعد الحرب الأهلية، ولاسيما تشكُّل حزام شيعي في الضاحية الجنوبية لبيروت، التي كانت تاريخيًّا في غالبيتها مناطق مسيحية، قبل أن تتحول تدريجيًّا إلى أحد المراكز الأساسية لنفوذ حزب الله.
خاتمة
تتمثل أزمة لبنان في مساري التفاوض والحرب في محدودية أوراق القوة التي يملكها، بما لا يتيح له فرض شروطه أو كسر الشروط الإسرائيلية، ولا تفادي الضغوط الأميركية. ففي مسار التفاوض، تراهن السلطة اللبنانية على توجه “المجتمع الدولي”، وفي مقدمته الولايات المتحدة، نحو تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، وتفترض أن الدولة، بوصفها فاعلًا محليًّا منظمًا، يمكن أن تحل تدريجيًّا محل هذا النفوذ، بدعم عربي وتأييد دولي، بما يتيح تحقيق قدر من الاستقرار وإعادة الإعمار. وتستند هذه المقاربة، جزئيًّا، إلى تجارب إقليمية يُنظر إليها بوصفها مؤشرات على هذا الاتجاه، كما في الحالة السورية، وبدرجة مختلفة في العراق. كما لا يخلو خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل من تقدير لدى السلطة بضعف موقع حزب الله بعد اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الذي لم يكن في صالحه، وبدا، على الأقل، إقرارًا بحدود قدرته جنوبًا.
أما حزب الله، فإنه يراهن على صمود إيران وقدرتها على المساومة، ويأتي موقعه ونموذجه في مقدمة ما يُرجح سعي إيران إلى عدم التفريط به؛ إذ إن حزب الله يكاد يكون من أبرز المظاهر الأيديولوجية لجوهر “ولاية الفقيه”، وتأكيد طبيعتها بوصفها فوق الدولة وعابرة لحدودها. فالولي الفقيه، في هذا التصور، ليس مرجعًا سياسيًّا لإيران فحسب، بل بحسب النظرية يمتد نطاقه إلى أكثر من دولة أو سلطة. وبهذا المعنى فإن حزب الله يُعد سلطةً تحت الولاية، وإن كان جغرافيًّا في لبنان. كما أن شرائح أوسع من الشعب الإيراني تبدو أكثر استعدادًا للدفاع عن حزب الله، بعد أن فتح معركته الأخيرة في بعض سياقاتها بعنوان “الدفاع عن إيران”. وأثبت حزب الله أيضًا أنه أكثر فاعلية من قوى عسكرية أخرى في إيران تراجعت في بداية المواجهة؛ إذ استطاع الصمود والاستمرار فيها.
في المحصلة، يبدو أن لبنان، في كلا المسارين، قد انفتح بصورة أوسع على مسار التدويل، الذي يُرجح أن يكون عاملًا مرجحًا في تحديد وجهته، من دون أن يكون حاسمًا بذاته؛ إذ يبقى هذا المسار مرتبطًا بمآلات التفاوض الأميركي/الإيراني، وبطبيعة الشروط التي تسعى إسرائيل إلى فرضها. وفي حال تعثر هذه المسارات، أو تصاعدت الضغوط الميدانية، فإن احتمالات عدم الاستقرار ستظل قائمة، سواء في صورة تجدد المواجهة، أو عبر تحولات داخلية أعمق قد تمس بنية التوازن اللبناني.
وعندما تقترب مطالب الأطراف اللبنانية من حدود البقاء، فإن إعادة تنظيم الخلاف الداخلي قد تتجه نحو صيغ أكثر جذرية. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن تتشكل توازنات لبنان المقبلة في ارتباط وثيق بمسار إعادة تشكيل النظام الإقليمي، لا بمعزل عنه، بما يجعلها انعكاسًا لتوازناته بقدر ما هي نتاج لتفاعلاته الداخلية.
المراجع
- الجزيرة نت، عون: اخترت التفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان، 20 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/qn4Um
- الجزيرة نت، هل تنجح إسرائيل في استنساخ تجربة “الخط الأصفر” بجنوب لبنان؟، 20 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/RmNq2
- صوت بيروت إنترناشونال، بري “لا يريد التحدث مع حزب الله” في الوقت الراهن!، 3 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/hBrIX
- وكالة الأناضول، لبنان.. حظر أنشطة “حزب الله” العسكرية وحصر عمله بالسياسة، 2 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/0aJIC
- الجزيرة نت، نعيم قاسم: قصفنا إسرائيل ردًّا على الانتهاكات ولصبرنا حدود، 4 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/fivWx
- سعيد عموري، نتنياهو يتحدث عن تشكيل “تحالف “ضد “محاور سنية وشيعية”، وكالة الأناضول، 22 فبراير/شباط 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/QkI6N
- موقع أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، الشيخ قاسم: نحن كربلائيون لا نستسلم أذلة بل نقاتل حتى الشهادة أو النصر، 13 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/soWw9
- بتول يزبك، الخارجية تنفي لـ”المدن”: الرسالة لمجلس الأمن لم تخالف الأصول، المدن، 2 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/d1VlI
- وسيم سيف الدين، الحكومة اللبنانية تكلف الجيش بحصر السلاح في بيروت، وكالة الأناضول، 9 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/FyWqJ
- الجزيرة نت، محادثات واشنطن.. لبنان يأمل وقف إطلاق النار وإسرائيل تصر على ترتيبات أمنية، 14 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/rJqsZ
- الجزيرة نت، هدنة لـ10 أيام.. لبنان يرحب وإسرائيل غاضبة وحزب الله يراقب بحذر، 16 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/HSFXU
- عربي 21، نبيه بري: لا خطوط صفراء ولا حمراء.. حدد موقفه من التفاوض مع الاحتلال، 21 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 22 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/GshZi
