ملخص

يتناول الكتاب إشكالية ذات راهنية بالغة في الدراسات الجيوسياسية، تتصل بأهمية المضايق الدولية في النظام العالمي. يقدِّم للقارئ بصورة مبسطة مفارقة حاسمة تقرن بين أهمية اقتصادية وإستراتيجية للمعابر البحرية توارثتها الأمم ولم تنل منها تطورات التبادل العالمي والاتجاهات الحديثة لحركة الملاحة، بل كرَّستها، من جهة، وإمكانية تحول هذه المواقع إلى بؤر تتمركز فيها اضطرابات وأزمات عاصفة بترتيبات الأمن والرخاء الإقليمي والدولي، من جهة أخرى.

يعرِّف الكتاب هذا المجال الجغرافي، ويعزِّز تمثله لدى القارئ باستدعاء خصوصياته الجغرافية وحكامته السياسية والقانونية ودوره في هيكلة خطوط الملاحة وتوجيه مسارات التبادل العالمي، ثم يستعرض أهميته الاقتصادية ووظيفته بوصفه محورًا يربط مراكز التصدير والاستيراد، خدمة لقلب العولمة النابض بحركة سيَّارة لا تتوقف.

واعتمادًا على مسح لنماذج من أهم المضايق عبر العالم، معزَّز بمؤشرات وافية، اقتصادية بالأساس، يستشرف الباحثان إمكانيات التحرر من تبعية كاملة خطرة تضع الاقتصاد والرخاء العالمي رهينة هذه المعابر الحيوية. كتاب لا يمكن أن يُقرأ إلا في ظل سيناريو أزمات حية تتفاقم اليوم في مضيق هرمز وباب المندب، وأخرى محتملة على نقاط التَّماس بين إستراتيجيات القوى الكبرى.

كلمات مفتاحية: المضايق، الجيوبوليتيك، قانون البحار، الملاحة، التجارة الدولية، هرمز، باب المندب.

Abstract:

Géopolitique des détroits. Enjeux de contrôle de passages stratégiques addresses a highly topical issue in geopolitical studies: the importance of international straits in the global system. In an accessible manner, it presents the reader with a crucial paradox: on the one hand, the enduring economic and strategic importance of maritime passages, inherited across generations and reinforced, rather than diminished, by developments in global trade and modern trends in maritime traffic; on the other, the potential for these locations to become flashpoints of disruption and crises capable of unsettling regional and international security and prosperity.

The book defines this geographical space and enhances the reader’s understanding of it by examining its geographical characteristics, political and legal governance, and role in structuring shipping routes and shaping the flows of global trade. It then explores its economic significance and its function as a pivotal link between centers of export and import, serving the pulsating heart of globalisation and its ceaseless flows.

Drawing on a survey of some of the world’s most important straits, supported primarily by extensive economic indicators, the authors explore the possibilities of reducing a dangerous and near-total dependence that leaves the global economy and prosperity hostage to these vital passages. The book can scarcely be read outside the context of unfolding crises that are intensifying today in the Strait of Hormuz and Bab al-Mandeb, as well as potential crises at the points where the strategies of major powers intersect.

Keywords: straits, geopolitics, law of the sea, navigation, international trade, Strait of Hormuz, Bab al-Mandeb.

عنوان الكتاب

الجغرافيا السياسية للمضايق: رهانات السيطرة على الممرات الإستراتيجية

Géopolitique des détroits. Enjeux de contrôle de passages stratégiques

المؤلفان: فريدريك لاسير وبولين بيك

دار النشر: Le Cavalier Bleu، باريس

تاريخ النشر: 30 يناير/كانون الثاني 2025

اللغة: الفرنسية

الطبعة: الأولى

عدد الصفحات: 184

ISBN: 979-10-318-0733-1

مدخل

دفعت أزمة هرمز عبر جولاتها المتوالية، التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، عقب ضربات جوية أميركية-إسرائيلية استهدفت البنية التحتية العسكرية والنووية في الداخل الإيراني، بمسألة المضايق إلى واجهة النقاش السياسي والاصطفاف الدبلوماسي والجدل الإعلامي والنشاط البحثي والأكاديمي.

جاءت الأزمة مجسِّدة لمفارقةٍ ما فتئ يترقبها ويتوجس منها العقل الإستراتيجي منذ زمن طويل، تتحقق في لحظة تحول مواقع بحرية ذات إسهام ثمين في خلق الرفاه وتدفق المبادلات بين البلدان إلى بؤر اختناق تضع مجمل مؤشرات الاقتصاد العالمي في دائرة حمراء، وساحة اضطراب يهدد توازنات الأمن والسلام الإقليمي والعالمي.

فردًّا على الهجمات الأميركية، قام الحرس الثوري الإيراني بـإغلاق مضيق هرمز وأعلن منع عبور السفن. وتفاقم التصعيد، في مارس/آذار الماضي، باستهداف فعلي للسفن عبر زرع الألغام البحرية ومهاجمة ناقلات النفط؛ مما تسبب في قفزات حادة في أسعار الطاقة العالمية وارتباك في الأسواق. وردًّا على الرد، جاء التحرك الأميركي التصعيدي في 13 أبريل/نيسان بشنِّ حصار بحري مضاد، بعد فشل جهود باكستان للوساطة؛ حيث أعلنت إدارة دونالد ترامب فرض حصار بحري أميركي كامل على الموانئ الإيرانية.

وتوصل الطرفان، الأميركي والإيراني، في يونيو/حزيران 2026، إلى مذكرة تفاهم وهدنة مؤقتة قضت برفع الحصار المتبادل ووقف العمليات العسكرية، لكن الوضع انهار مجددًا، في 8 يوليو/تموز 2026؛ مما أصاب الأسواق والمزاج الاقتصادي والأمني العالمي والإقليمي بحالة تشنج واضطراب، خصوصًا أن التداعيات الأمنية والعسكرية تصب في توسيع رقعة المواجهة مع استهداف إيران لعدد من المواقع في بلدان الخليج العربي، واستنفار التيارات المسلحة الموالية لإيران، خصوصا في اليمن، لمناصرة طهران، ناهيك عن التحسب الدائم لمعاودة تورط إسرائيل في الصدام.

شهور المواجهة في مضيق هرمز، بتمظهراتها العسكرية والأمنية، أو بأبعادها الاقتصادية والسياسية، نبَّهت الوعي العالمي إلى الأهمية الحيوية التي تكتسبها المضايق كبؤر جيوسياسية وجيواقتصادية وإستراتيجية بالغة الأهمية. إنها أزمة كشفت مفارقة واضحة تلتئم فيها أهمية هذه العناصر الطبيعية في الجغرافية البحرية بالنسبة لاقتصاديات العالم، من جهة، والهشاشة الأمنية والاقتصادية والبيئية التي تخيم على هذه المجالات، من جهة أخرى. وهذه المفارقة المثيرة للتأرجح بين منافع استغلال المضايق والمخاطر الناجمة عن أهميتها في صلب كتاب صدر قبل بضعة أشهر من اندلاع أزمة مضيق هرمز، للباحثيْن، فريديرك لاسير وبولين بيك، بعنوان “الجغرافيا السياسية للمضائق: رهانات السيطرة على الممرات الإستراتيجية”.

وإن كان عموم المتابعين لأخبار العالم قد تيقظوا إلى جسامة التحديات التي يطرحها العبور في مجال بحري محدود بالنسبة للأمن والرفاه العالمييْن في زمن عولمة المبادلات ودينامية الاعتماد المتبادل بين الدول تصديرًا واستيرادًا، فإن المضايق تشكل منذ زمن طويل بؤرة انشغال إستراتيجي مزمن في العقل السياسي والاقتصادي والعسكري. انشغال رجل السياسة رافقه اهتمام رجال العلم والبحث بهذه المضايق من منطلقات وبمرجعيات وأدوات مقاربة مختلفة. هناك من قارب تشكيلتها كعنصر طبوغرافي جغرافي صرف، وهناك من استقرأ موقعها بمنظار الحسابات السياسية لتصبح مشروعًا بالغ الجاذبية في الدراسات الجيوسياسية، وهناك من نقَّب في دورها بوصفها موقعًا مؤثرًا في حسم الصراعات العسكرية وتملك المبادرة الإستراتيجية عبر محاصرة العدو وخنق إمداداته، ومن شخَّص واستشرف الإمكانيات التي تتيحها على مستوى تدفق المبادلات التجارية وربط الأسواق وصناعة الثروة، بينما تَخَصَّص البعض في رصد الخصائص الإيكولوجية لهذه المجالات البحرية وآثار التغيرات المناخية والأنشطة البشرية عليها.

من هذا المنطلق، تتعاظم أهمية الأبحاث والدراسات التي كان لها امتياز النظرة الاستباقية في مقاربة أهمية المضايق في الخريطة الجيوسياسية الراهنة، قبل حرارة لحظة الانفجار التي عرفتها منطقة هرمز وظرفية التوتر عالي الحدة. ذلك هو شأن الكتاب المذكور الذي صدر في باريس عن دار نشر “لوكافاليي بلو”، في 30 يناير 2025، علما أنه خرج أياما قبل ذلك في مكتبات كندا، حيث يعمل الباحثان. وقد صدر الكتاب ضمن سلسلة ضمت عناوين هامة من أواخرها “الجغرافيا السياسية للتسلح”، “الجغرافيا السياسية للبحار والمحيطات”، “الجغرافيا السياسية للأديان”، “الجغرافيا السياسية النووية”، “الجغرافيا السياسية للخطر”…إلخ.

إنه تتويج لمشروع أكاديمي مشترك بين باحثين بارزين في شعبة الجغرافيا بجامعة لافال الكندية، وتجسيد لشراكة ثنائي بحثي ذي مسار متماثل تقريبًا. ذلك أن الباحثيْن معًا ينحدران من فرنسا بلد النشأة والدراسة قبل أن يلتحقا بلافال في كيبك حيث طوَّرا مسيرتهما الأكاديمية. الاثنان تخصَّصا في الدراسات الجيوسياسية المتخصصة أساسًا في الممرات البحرية وكذلك في القطب الشمالي. ثم إن فريدريك لاسير هو المشرف على أطروحة دكتوراه زميلته، بولين بيك، ليتواصل العمل العلمي المشترك بينهما على مدى سنوات في إطار المجلس الكيبكي للدراسات الجيوسياسية الذي يرأسه ويديره فريدريك نفسه.

ومن الجدير بالانتباه في مسار هذا الباحث تكوينه متعدد التخصصات الذي تُوِّج بشهادات في التجارة من مدرسة الإدارة بليون وإدارة الأعمال من جامعة يورك والجغرافيا السياسية من جامعة باريس الثامنة إلى جانب دكتوراه الجغرافيا من جامعة سانت إتيان. وإلى جانب المجلس الكيبكي للدراسات الجيوسياسية بلافال، يتولى فريدريك لاسير إدارة وحدات دراسية مهمة من قبيل كرسي الأبحاث في دراسات المحيط الهندي-الهادي ويقود فرقًا بحثية تدرس تأثيرات التغير المناخي، والملاحة البحرية، والموارد الطبيعية، والتوترات الدولية وقضايا السيادة المحيطة بالمجالات المائية. ومن أبرز مؤلفاته “دليل الجغرافيا السياسية: رهانات السلطة على الأقاليم” (بالاشتراك)، و”الممرات والبحار القطبية: الجغرافيا السياسية لمنطقة في طور التحول” (مشرفًا)، و”صحوة التنين: تحديات التنمية في الصين في القرن الحادي والعشرين”. وهو ينشر مقالاته ودراساته في أبرز المجلات الفرنسية والكندية المتخصصة في الجغرافيا والجغرافيا السياسية على غرار هيرودوت وdiplo.web وInternational Journal و Géoconfluences.

ومن موقعها كتلميذة لفريدريك لاسير، فإن بولين بيك تُقاسمه انشغالات مماثلة مع تركيز أكبر على الأبعاد الجيوسياسية لمنطقة القطب الشمالي والمفعول الجيوسياسي للتحولات المناخية في المجالات البحرية. وهي تمارس مهامها بوصفها باحثة في مرصد سياسات وأمن القطب الشمالي بكيبك وفي شبكة التحليل الإستراتيجي بجامعة كينغستون، وفي اللجنة الوطنية الفرنسية للأبحاث القطبية واللجنة الدولية لعلوم القطب الشمالي. وتنشر مقالاتها في مجلات متخصصة مثل هيرودوت وInternational Journal  والحولية الفرنسية للعلاقات الدولية وThe Polar Journal وGéoconfluences. وفضلًا عن الكتاب موضوع العرض، اشتركت بولين بيك مع فريدريك لاسير في كتاب جماعي سابق (2024) ضَمَّ باحثين آخرين بعنوان “القطب الشمالي والنظام الدولي: الأمن والحكامة والاقتصاد” (L’ Arctique et le système international. Sécurité, gouvernance et économie)

هو كتاب سليل السياق الدولي بامتياز؛ حيث الحالة الصحية للاقتصاد العالمي والسلام الدولي والإقليمي تتحدد في رقع بحرية ضيقة. بمنهج مبسط في العرض والتحليل، يأخذ الكتاب قارئه إلى قلب هذه المجالات ليعرِّفها جغرافيًّا ويضيء دورها في هيكلة خطوط الملاحة وتوجيه حركة التبادل، وكيف حاول المجتمع الدولي بلورة حكامة توافقية لها في إطار القانون الدولي. يفصِّل لاحقًا في وجهي العملة مبرزًا الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للمضايق من جهة، ومكامن الهشاشة والتهديد التي تنطوي عليها بالنسبة للأمن الاقتصادي والإستراتيجي للعالم. ثم ينصرف في محور آخر إلى استشراف ممكنات الالتفاف والتجاوز والبدائل المتاحة، خصوصًا تجاه بعض المضايق التي درج على وصفها بأنها “نقاط خنق” لشريان الاقتصاد العالمي.

نحاول في هذه الورقة تقديم قراءة في الكتاب، محايثة من حيث تحليل مضمونه ومنهجه التحليلي، ومفارقة من خلال إدراجه في موقع حواري مع أدبيات مغايرة سابقة أو لاحقة عليه في مقاربة الإشكالية، ومع سياقه التاريخي الذي وضع أطروحاته في اختبار مباشر إثر اندلاع أزمة مضيق هرمز الراهنة.

المضايق تهيكل خطوط الملاحة والمنافذ الحيوية البحرية

  • المضيق: نسيج البر والبحر

يتبنى الكاتبان التعريف المتداول على أوسع نطاق للمضيق. إنه ممر مائي بحري ضيق نسبيًّا يفصل مجالين بريين متقاربين، وهو يتيح التواصل بين مجالين بحريين واسعين ويشكِّل نقطة عبور للتدفقات البحرية المختلفة. يعطي القرب من البر لهذه المواقع أهمية إستراتيجية؛ إذ يتيح الربط والتواصل، وهو في نفس الوقت، بالنظر إلى محدودية العرض والطول، سهل التحكم والتنظيم مقارنة مع المجال الواقع في أعالي البحار. كما أن إجبارية المرور عبر هذه المضايق تجعلها حلقات حساسة في سلسلة الطرق البحرية.

وتنقسم المضائق الدولية من الناحية الجغرافية إلى نوعين: الأول يصل بين أعالي البحار وبحر داخلي مثل مضيق كيرتش الذي يربط بين البحر الأسود وبحر أزوف في روسيا. أما النوع الثاني فيصل بين جزأين أو منطقتين من أعالي البحار، ومن أمثلته مضيق جبل طارق الذي يصل بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ومضيق ماجلان الذي يصل بحر الصين الجنوبي بالمحيط الهندي ومضيق الدردنيل الذي يربط بين بحرين: إيجه ومرمرة(1).

ويحرص الكاتبان على التدقيق بأن مجال بحثهما يوسع نطاق تعريف المضيق ليشمل القنوات التي تعد بمنزلة مضايق اصطناعية تضطلع بنفس الوظيفة وتكتسي نفس الأهمية كنقطة عبور حيوية بالنسبة للتدفقات البحرية. وفي هذا التعريف الموسع، تبدو خصوصية المقاربة الجيوسياسية للكتاب التي تهتم بالوظيفة التي يضطلع بها المجال الجغرافي دون أن تقتصر على تكوينه الطبيعي.

وإذ لا يفيض الكتاب في تعريف المجال الجغرافي موضوع الدراسة، فإن الكتابات ذات الطابع القانوني تتيح تدقيقًا أكبر وتستدعي مرجعيات متعددة للإحاطة بمفهوم المضيق.

من الناحية القانونية، يرى الفقيه الفرنسي، جيلبير جيديل  Gilbert Gidel، أن المضيق الدولي هو “كل ممر طبيعي بين ساحلين لا يتجاوز عرضًا معينًا، ويسمح بالاتصال بين جزأين من المجالات البحرية”.

وقد أثارت مسألة اتساع المضيق الدولي خلافًا بين الباحثين، إلا أن الرأي الراجح يرى أن الصفة الدولية للمضيق تثبت إذا كان اتساع فتحته لا يتجاوز عرض البحر الإقليمي عندما يكون واقعًا بين إقليمي دولتين، أما إذا زاد المضيق عن هذا الاتساع فإنه يعد في هذه الحالة جزءًا من أعالي البحار، وبالتالي يخرج عن فئة المضائق ولا ينطبق عليه نظامها(2).

ولا يتفق التعريف الجغرافي للمضيق بالضرورة مع تعريفه القانوني الذي ينصرف إلى كل ممر مائي طبيعي ضيق يستخدم فعليًّا في الملاحة الدولية ويصل بين جزأين من أعالي البحار. فالقانون الدولي يشترط لاستيفاء التعريف أن يكون المضيق يُستخدم فعليًّا في الملاحة الدولية، بغضِّ النظر عن حجم هذه الملاحة وأهميتها، وعليه فإن الصفة الدولية لا تثبت للمضائق التي تقتصر على الملاحة الداخلية أو الوطنية لدولة أو دول معينة.

وكانت محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة، في تعريفها للمضيق الدولي عام 1949 قد جمعت بين المدلول الجغرافي للمضيق ومدلوله الوظيفي. فقد عرَّفت، في حكمها الصادر في أبريل/نيسان 1949 بشأن قضية كورفو (بين ألبانيا وبريطانيا)، المضيق بأنه ممر مائي يُستخدم في الملاحة الدولية، ويربط بين جزأين من أعالي البحار، وبصرف النظر عن كمية السفن العابرة فيه. وبذلك استبعدت المحكمة من تعريف المضائق الدولية تلك المضائق التي تصل بحرًا عاليًا ببحر إقليمي أو مياه إقليمية.

من المفاهيم السابقة لمفهوم المضيق الدولي بأبعاده ومدلولاته الثلاث الجغرافية والقانونية والوظيفية، يجمل هشام قدري أحمد عناصر المضيق الدولي فيما يلي:

– أن يصل المضيق بين جزأين أو منطقتين من البحر العالي.

– أن يكون المضيق تكوَّن بشكل طبيعي، وبذلك تُستبعد الممرات والقنوات البحرية الصناعية، وهنا يختلف التعريف القانوني عن المقاربة الجيوسياسيسة التي تدمج هذه المجالات، على غرار ما يعتمده الكتاب.

– أن يكون المضيق محدد الاتساع، بحيث لا يزيد اتساعه عن عرض البحر الإقليمي في حال كان المضيق مشاطئًا لدولة واحدة، أو ضعف البحر الإقليمي إذا كان واقعًا بين دولتين.

– أن يُستخدم المضيق للملاحة الدولية، بغضِّ النظر عن حجم السفن المارة فيه.

وتعرِّف اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982 المضيق الدولي بأنه “ممر يصل بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة”. ومما يمكن ملاحظته بصدد هذا التعريف أنه أضاف منطقة بحرية جديدة إلى المناطق التي يصل بينها المضيق الدولي ألا وهي المنطقة الاقتصادية الخالصة(3).

ويتميز المضيق بخاصيتين مختلفتين ولكنهما متكاملتان، وذلك تبعًا للمنظور الجغرافي المعتمد. فوفق المقاربة البحرية، يعد المضيق ذراعًا بحرية تضيق بشكل أو بآخر بين الساحلين اللذين يحدانها؛ حيث يربط بين مساحتين مائيتين. وبالنسبة للسفن، فهو يمثل ممرًّا ماديًّا يضمن استمرارية الملاحة بين حوضين مائيين. ويمكن أن تحمل هذه المواقع أسماءً مختلفة: مضيقًا (مثل هرمز، تايوان…)، أو ممرًّا (ممر دوفر)، أو قناة (مثل قناة موزمبيق)، أو بحرًا مفتوحًا من الطرفين (مثل بحر المانش)، أو ثغرة بحرية. أما وفق المقاربة البرية، فالمضيق هو النقطة الأكثر قربًا بين مجالين بريين، سواء كانت جزرًا أو قارات تفصل بينها المياه. وإذا كان عرضه يسمح بذلك، فإن التدفقات العرضية تكون كثيفة عبره (مثل رحلات العبَّارات…)، وقد يُجهَّز هذا الممر الرابط أحيانًا بنفق (مثل نفق المانش) أو بجسور (مثل مضائق البوسفور في إسطنبول، والدردنيل، ومضيق كيرتش بين روسيا والقرم، ومضائق الأرخبيل الياباني مثل مضيق أكاشي بين أواجي وهونشو…)(4).

  • المضايق وهيكلة المجال

لا يكفي التحديد الجغرافي القانوني للمضايق في فرز بُعدها الجيوسياسي بوصفها فاعلًا في هيكلة المبادلات الدولية وتشكيل خريطة العولمة في فضائها البحري. تتميز المضائق بتركيز عالٍ للتدفقات الطولية، المرتبطة بدورها كممرات ترانزيت مفضلة تربط مجالات بحرية مختلفة. كما يمكنها استقبال تدفقات عرضية مهمة تربط هذه المرة المساحات البرية بين البلدين أو البلدان المشاطئة.

وتتركز التدفقات الطولية في ممرات معينة تتخلَّل الطرق البحرية العالمية الكبرى. فعلى الرغم من اتساع المحيطات، تبدو الحركة البحرية التجارية مهيكلة إلى حدٍّ كبير. وتُظهر خرائط التدفق، المعتمدة على بيانات تحديد موقع السفن، مواقع شديدة التركيز للطرق البحرية السريعة. ويُفسَّر هذا التنظيم بالبحث عن المسارات المثالية التي تجمع بين سلامة الملاحة، وسعة الاستيعاب لسفن تتزايد أحجامها باستمرار، فضلًا عن تقليل المسافات المقطوعة وترشيد التكاليف. هذه عناصر، ضمن أخرى، تصنع تفاوتًا بين جاذبية هذا الطريق البحري وغيره.

في هذا السياق، تلعب بعض المضائق دورًا حيويًّا في ترسيم خطوط رحلات عالية المردودية. على سبيل المثال، يمثل الربط البحري بين لندن والخليج العربي عبر جبل طارق والسويس وباب المندب حوالي 12 ألف كيلومتر، أي ما يناهز 14 يومًا من الملاحة. وعبر الالتفاف على هذه الممرات، يستطيل المسار إلى حوالي 20 ألفًا و900 كيلومتر و24 يومًا من السفر، مع ظروف ملاحة أقل ملاءمة بكثير. يوضح هذا المثال المزية الحاسمة لنقاط المرور في المضايق والقنوات التي فرضت نفسها تدريجيًّا فاعلًا جغرافيًّا مهيكلًا لتنظيم المجال البحري العالمي والتأثير في خلق القيمة المضافة في سوق التبادل المعولم(5).

على مساحة تغطي 360 مليون كيلومتر مربع، أي 71 في المئة من مساحة الأرض، تمتد بحار ومحيطات تفصل بينها مساحات برية، لكنها تظل متصلة فيما بينها عبر عدد من المضائق، التي يرصد الكتاب تنوع أحجامها وتشكيلاتها الجغرافية وخصائصها البيئية. فالبوسفور يمتد بعرض 700 متر فقط وطول 30 كلم، بينما يصل عرض مضيق الدنمارك مثلًا إلى 280 كلم. وتشمل الاختلافات أيضًا العمق المائي الذي تتوقف عليه معايير سلامة التنقل، وشدة التيارات البحرية، ومخاطر حوادث الملاحة….(6).

ويشكِّل التحكم في هذه الممرات وأمنها وسلامة تشغيلها موضوع رهانات جيواقتصادية، وجيوسياسية، وأمنية كبرى، كونها تمثل “نقاط خنق” محتملة، نقلًا عن العبارة الإنجليزية Choke Points المتداولة لدى خبراء الجغرافيا السياسية البحرية. يعكس ذلك الاهتمام المتزايد الذي توليه إياها الدول المشاطئة والقوى العظمى على حدٍّ سواء، وبشكل عام، جميع الفاعلين في التجارة البحرية العالمية.

وإذ يُحصي الباحثون ما بين 150 إلى 180 مضيقًا بحريًّا وممرًّا دوليًّا تجوبها حركة الملاحة البحرية، فإن القائمة تُختصر إلى حوالي ثلاثين موقعًا رئيسيًّا، من بينها 12 نقطة خنق ذات مكانة عالمية بالغة الأهمية. ومفاد هذا التوصيف أن أي تعثر أو انحباس في حركة العبور على مستوى هذه النقاط الحساسة يبث الاضطراب في مسلسل التبادل المنساب بلا توقف كما يقتضيه اقتصاد العولمة وتحتاجه سلاسل الإمداد. وتم تحديد نقط الخنق هذه في مضيق ملقا جنوب شرق آسيا، ومضيق دوفر (المانش) غرب أوروبا، ومضيق تايوان شرق آسيا، ومضيق هرمز بالشرق الأوسط، ومضيق جبل طارق بالبحر الأبيض المتوسط، والبوسفور والدردنيل بتركيا، وباب المندب بالبحر الأحمر، وأورسند بالدنمارك، ومضيق ماكاسار بإندونيسيا، بالإضافة إلى قناتي بنما والسويس.

إن تهديدات مختلفة الأشكال مثل أزمة المياه التي تقيد حركة العبور في قناة بنما، وحالة التشبع التي يشهدها مضيق ملقا، أو الأزمات الجيوسياسية التي تؤثر على مضائق باب المندب، وهرمز، وتايوان، كلها عوامل تضع نظام المبادلات العالمي تحت ضغوط شديدة. الأهمية الإستراتيجية يلازمها طابع الهشاشة الناجمة عن تهديدات ذات طابع بشري أو طبيعي أو تقني(7).

   – القانون الدولي وحكامة المضايق

كغيرها من مكونات المجال الجغرافي العالمي التي شكَّلت موضوع أنظمة وقواعد تقنِّن استغلالها وتؤمِّن حكامتها، كان منطقيًّا أن يشمل القانون الدولي المضايق بقواعد ناظمة، يلاحظ الكتاب أن اتجاهها الغالب كرَّس حرية الملاحة مبدأً عامًّا تم التنصيص عليه في اتفاقية قانون البحار 1982، تزكية لتاريخ المبادلات المفتوحة عبر البحار، والتي استندت على فرضية أن المبدأ يخدم مصالح جميع الأطراف في تجارة مفتوحة تصديرًا واستيرادًا في المتوسط كما في المحيط الهندي وجنوب شرق آسيا….وغيرها.

لقد وجدت حرية الملاحة تكريسًا لها في القانون الروماني وصولًا إلى القانون البيزنطي وأنظمة البندقية في العصور الوسطى. كذلك تقررت حرية الملاحة في مضيق ملقا بين القوى الآسيوية قبل أن تشتد السيطرة البرتغالية في القرن 15 والتي قيدت هذه الحرية بعد التحكم في بومباي وهرمز وملقا؛ مما أثار معارضة هولندا المنافسة. ومن وحي هذا التوتر البرتغالي-الهولندي، كتب غروسيوس، أبو القانون الدولي الحديث، عن حرية الملاحة بوصفها مبدأ مضمونًا في هذا القانون. فقد رأى أن المجال البحري فضاء تعاون وتبادل ولا يتعين إخضاعه للاحتكار أو المنع، معتبرًا أن حركة السفن ونشاط الصيد فعل متاح. جاء ذلك في سياق مناهضة فقهية لهيمنة إسبانية-برتغالية، جعلت المحيط الهادي بحرًا مغلقًا.

في القرن 17، انتقد الفقيه الإنجليزي، جون سيلدن، إطلاقية مبدأ حرية الملاحة في كتاب صدر سنة 1635. وجاء الفقيه الألماني، بوفندورف، ليُقرَّ حقَّ سَنِّ رسوم على العبور (1672). ها هو التأويل القانوني يُطوَّع لخدمة مصالح قومية، فيشرِّع مبدأ حرية الملاحة عبر المضايق بشكل مطلق، أحيانًا، ويسوِّغ فرض سلطة الدولة المشاطئة أحيانًا أخرى. هو ذاته التناقض الذي يطبع إلى اليوم صراع السرديات حول القواعد السارية على حركة الملاحة في هذا المضيق أو ذاك.

في بداية القرن 19، وتماشيًا مع أحكام الهيمنة البريطانية على البحار، تبنَّت بريطانيا وروَّجت مبدأ حرية الملاحة. وسنة 1856، جاء إعلان باريس حول القانون البحري ليمنع حجز ممتلكات السفن والهجوم على السفن التجارية للعدو. وضع الإعلان لبنات النظام القانوني الحالي، بينما منعت اتفاقية حول مضايق الدنمارك، سنة 1857، إقرار الرسوم الجمركية على العبور. في المقابل، أرست اتفاقية لندن، سنة 1841، نظامًا مخالفًا على المضايق التركية، حين أقرَّت بريطانيا حق الدولة العثمانية في منع مرور سفن حربية روسية ولو في زمن السلم(8).

بات التقنين يفرض نفسه بقوة مع تنامي أهمية الملاحة البحرية في المبادلات الدولية وتصاعد الأزمات السياسية المرتبطة بمصالح القوى البحرية. يرصد الكتاب كيف أنه في نهاية القرن 19 تحركت جمعيات قانونية دولية مطالبة بإرساء نظام قانوني للمضايق، وفي مقدمتها معهد القانون الدولي وجمعية القانون الدولي. واقترح مؤتمر تدوين القانون الدولي في لاهاي، عام 1930، تحت رعاية عصبة الأمم، التنصيص على حرية الملاحة دون أن يتمخض اتفاق في هذا الشأن.

وجاء حادث مضيق كورفو، 1946، ليعيد إطلاق الحركة الدولية لتقنين الملاحة عبر المضايق. فقد أصيب أسطول بريطاني بألغام ألبانية وتم رفع النزاع إلى محكمة العدل الدولية التي أصدرت قرارًا، بتاريخ 9 أبريل/نيسان 1949، صَبَّ في مصلحة بريطانيا ومبدأ حرية الملاحة.

ونصَّت لجنة القانون الدولي، من جهتها، على حق العبور السلمي في إطار مداولاتها التي مهَّدت لاتفاقية جنيف حول المياه الإقليمية، 1958. تواصل النقاش مع سعي الدول إلى تحديد نطاق مياهها الإقليمية والسيطرة على الموارد البحرية والطبيعية ناهيك عن الاعتبارات الأمنية. ثم جاءت اتفاقية 1982 حول قانون البحار لتعتمد بشكل أوضح حرية الملاحة.

وتجدر الإشارة إلى أن المبدأ تضافر مع حق الدولة المشاطئة في التحكم في الموارد البحرية؛ ذلك أن الاتفاقية تكرس حرية الملاحة دون أن تمنح حق استغلال هذه الموارد من طرف السفن العابرة. كما تقر حق الدولة المشاطئة في تعليق حرية الملاحة في حالة وجود تهديد أمني. وتشمل صلاحياتها في هذا الصدد تأمين الملاحة، وحماية الكابلات البحرية التي تؤمِّن الاتصالات الدولية، وحماية الموارد الإحيائية والبيئية(9).

والواقع أن الكتاب اكتفى بسرد تاريخي يُفضي إلى اتفاقية قانون البحار، 1982، في طرح المقاربة القانونية الدولية بعناوين عامة لا تكفي لاستجلاء كل الأبعاد التي يثيرها تكييف النقاشات والاختلافات والمنازعات الواقعة والمفترضة حول المضايق. القانون الدولي يضمن حرية الملاحة، لكن إلى أي حدٍّ؟ وبأي شكل؟ وهو يضمن حقوق الدولة المشاطئة في تأمين مجالها البحري وحفظ مقدَّراتها الطبيعية والبيئية وغيرها، لكن إلى أي حدٍّ وبأي شكل؟

بين إطلاق حرية الملاحة وتقييدها، جاء الكتاب سابقًا زمنيًّا لنموذج حي لاختبار هذه المنظومة القانونية الدولية على واقع الاستقطاب الحاد في مضيق هرمز بين إيران الدولة المشاطئة التي تدفع بحقها في تنظيم حركة العبور وإدراجها ضمن حقها في الدفاع والولايات المتحدة التي ترفع شعار حرية الملاحة، وإن كانت التطورات قد دفعت الطرفين إلى تصعيد فعل الإغلاق والإغلاق المضاد، لتصبح حرية الملاحة ضحية لهما معًا. في هرمز، صاحب التوتر السياسي والأمني صراع سرديات أيضًا باستدعاء القانون الدولي وتأويله في ذات الاتجاه ونقيضه.

فإن وضعنا المعايير القانونية التي استعرضها الكتاب في مواجهة مع نموذج حي تجسده أزمة هرمز، نجد أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تصنِّف حركة السفن عبر المضائق البحرية وفقًا لطبيعتها الجغرافية إلى آليتين رئيسيتين: أولًا: “المرور البريء”، ويُقصد به السماح للسفن الأجنبية بعبور المياه الإقليمية للدول بشكل متواصل ودون توقف، بشرط ألا يشكل هذا العبور أي تهديد أو ضرر بأمن وسلامة الدولة الساحلية، ويعطي هذا القانون الدول المشاطئة الحق في فرض إجراءات رقابية وتنظيمية مؤقتة في الحالات الاستثنائية القصوى. وثانيًا: “المرور العابر”، الذي يُطبَّق على المضائق الدولية التي تربط بين منطقتين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، ويضمن هذا القانون حرية الملاحة الكاملة وتحليق الطائرات دون أي عوائق، ولا يحق للدول المطلَّة على المضيق تعطيل هذا العبور أو إيقافه تحت أي ظرف.

ويذهب خبراء إلى أن هرمز يقع، من الناحية الجغرافية، بين سلطنة عُمان وإيران، ويربط مياه الخليج العربي بالمحيط الهندي، وهو ما يجعله خاضعًا من منظور القانون الدولي لبند “المرور العابر” الذي لا يجوز تعليقه(10).

في المقابل، تصطدم هذه السردية برفض إيراني مستمر؛ إذ تحاول إيران فرض سلطتها القانونية الخاصة على الممر المائي، على أساس أن طهران (حال واشنطن أيضًا) لم تصدق رسميًّا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وهو ما تعده سندًا يتيح لها عدم الالتزام التام بنظام “المرور العابر” المفروض دوليًّا. إنها تصر على تطبيق نظام “المرور البريء” بدلًا من “المرور العابر” على الممر المائي، وهو نظام يمنح الدول المشاطئة صلاحيات أوسع لفرض قيود تنظيمية وأمنية لحماية أمنها القومي. وأخيرًا، تستند إيران على اعتبارات الدفاع الشرعي وحالة الحرب لتسويغ عملية الإغلاق.

لكن بغضِّ النظر عن مصادقة الدول على اتفاقية قانون البحار، تتطابق آراء شريحة واسعة من الخبراء على أن حرية الملاحة تشكل قاعدة من قواعد القانون العرفي، تحوز حاكميتها بغضِّ النظر عن النص الاتفاقي. وإذا كانت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، على غرار القانون العرفي، تسمح للدولة الساحلية بالتعليق المؤقت وغير التمييزي لحق المرور البريء للسفن الأجنبية في بحرها الإقليمي، فإن ذلك لا يكون إلا عندما يكون هذا الإجراء ضروريًّا لأمنها. وفي جميع الأحوال، لا وجود لمثل هذه الصلاحية في المضائق الدولية المطلة على أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ حيث لا يمكن تعليق المرور البريء ولا المرور العابر فيها(11).

وبالعودة إلى عموميات الكتاب في عرض المقاربة القانونية للمضايق، فإن المرجعية الجيوسياسية للكاتبين قد تفسر هذا الأمر؛ حيث الأولوية في مقاربة القضايا الدولية لتوازنات الواقع. كما تزكي ذلك توجهات السياق الدولي المطبوع بعودة قوية للمقاربات الانعزالية وتراجع الاحتكام الجماعي إلى قواعد القانون الدولي وآليات التوافق في المؤسسات الدولية. وبالفعل، في قضية هرمز كما في غيرها، لم يعد النقاش القانوني يحتل إلا هامشًا ضيقًا في الجدل العام الذي تهيمن عليه الاعتبارات المصلحية والجيوسياسية، حتى في الخطاب السياسي المعلن للأطراف.

الأهمية الاقتصادية والجيوستراتيجية للمضايق

  • الأهمية الجيواقتصادية للمضايق

من الهندسة الجغرافية الطبيعية التي أنتجت المضايق وحفزت الاستقطاب الدولي فيها، تتجلى حقيقة النعمة/النقمة الجغرافية التي تشكل أهمية المضايق الإستراتيجية الحيوية بالنسبة لديناميات التنقل والهجرة والمبادلات التجارية والتوازنات الأمنية والعسكرية فضلًا عن الرهانات البيئية.

لقد أسهمت الطرق البحرية بشكل متنام في تطور الاقتصاد العالمي. وتشير البيانات المنشورة، في سبتمبر/أيلول 2025، من قبل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، إلى أن أكثر من 80% من التجارة الدولية تمر عبر البحر. وتظهر هذه التبعية بشكل ملحوظ لدى بعض الاقتصادات، على غرار الصين، حيث تتجاوز 95% من المبادلات. وإذا كان نمو النقل البحري مدعومًا اليوم بشكل كبير من الأسواق الآسيوية، فإن هذه التبعية تشمل جميع مناطق العالم، بنسب متفاوتة. يفيد تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي نُشر في الفترة نفسها، إلى أن 75.6% من واردات الاتحاد و73.7% من صادراته تمر عبر البحر. وفي فرنسا، على سبيل المثال، تصل هذه النسبة إلى حوالي 72%.

وبالطبع، ثمة تفاوت كبير في تركيز حركة الملاحة التجارية عبر المضايق؛ يشهد مضيقا تايوان وملقا وحدهما مرور حوالي 20% من التدفق الملاحي العالمي؛ فهما يهيكلان محاور تبادل كبرى بين شرق آسيا وأوروبا، وبين جنوب آسيا والشرق الأوسط. وتستقطب ممرات رئيسية أخرى، مثل قناة السويس، ومضيق دوفر، وجبل طارق، وباب المندب، حوالي 15% من التجارة البحرية لكل منها، بربطها أساسًا آسيا بأوروبا. وتتميز أنواع البضائع بالتنوع، وفي مقدمتها إمدادات النفط التي تغذِّي حركة الإنتاج في مختلف مناطق العالم. ويعد مضيق هرمز نموذجًا لشريان حيوي على هذا الصعيد؛ حيث تتدفق عبره 20 في المئة من مبادلات النفط العالمية (12).

ولا يقصِّر الباحثان في استدعاء المؤشرات المحيَّنة، ومن مؤسسات مرجعية مختلفة، لتأكيد أهمية المسارات البحرية للاقتصاد العالمي. فحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، ينتقل 90 في المئة من مبادلات السلع على الصعيد العالمي عبر الطريق البحري. وقد تضاعفت التدفقات البحرية 5 مرات بين 1970 و2021، وتضاعفت مرتين بين 1990 و2021. ومثَّلت التجارة البحرية، سنة 2023، ما يعادل 80 في المئة من حيث الحجم و70 في المئة من حيث القيمة.

وفي مضيق هرمز، تراجعت المنتجات النفطية المتجهة إلى الولايات المتحدة بينما ارتفعت في اتجاه الأسواق الآسيوية حيث تشكِّل 76 في المئة: الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة…. وهو مؤشر يمر عليه الكتاب سريعًا، بينما كان يمكن التوقف عنده وتقليب دلالاته لفهم تصلب الموقف الأميركي تجاه المضيق، وربطه بمسعى موصول لتغيير مراكز الثقل في المبادلات الدولية للقوة العظمى.

وتقدم الطرق البحرية خريطة للعالم الاقتصادي من حيث كونها تربط بين مراكز الإنتاج ومراكز الاستهلاك. وتلعب المضايق دور اختصار الزمن والمسافة، فنقل البضائع من المحيط الهندي إلى أوروبا أقصر عبر باب المندب، والسويس، وجبل طارق بدل الالتفاف حول القارة الإفريقية(13).

ثمة اختلاف في إحصائيات حركة العبور؛ حيث يورد الكتاب مصادر تقدر أن مضيق دوفر بين فرنسا وبريطانيا يعد الأكثر نشاطًا بحوالي 400 سفينة يوميًّا (146 ألفًا سنويًّا). وتشير بعض المصادر إلى 365 ألف سفينة سنويًّا في مضيق تايوان بينما تقدر مصادر أخرى أن ملقا يحتل الصدارة في تدفقات السفن التي تتنوع بين ناقلات حاويات، وناقلات سلع، وسفن صيد، وسفن ركاب، وسفن ترفيهية..إلخ.

وفي عصر تكنولوجيا المعلومات والإنترنت، يظل الاقتصاد العالمي معتمدًا على التجارة البحرية؛ حيث أصبحت اقتصادات مختلف الدول تعتمد في جزء متزايد من ناتجها المحلي الإجمالي على مبيعاتها في أسواق بعيدة. وفي الواقع، ليس تبادل المنتجات النفطية هو السبب الرئيسي وراء هذا التوسع في التجارة البحرية؛ فقد انخفضت حصتها من 60.9% من إجمالي التدفقات في عام 1970 إلى 45.4%، في عام 1998. وعلى العكس من ذلك، شهدت حركة البضائع المتنوعة، التي تشمل المنتجات المنقولة في الحاويات ذات القيمة المضافة العالية، ارتفاع حصتها من حيث القيمة والحجم (من 19.9% في عام 1970 إلى 25.9% في عام 2000).

حين تصبح الجغرافيا حاضنًا لتحفيز الثروة، يدخل الاقتصاد إلى قلب الجيوبوليتيك. هذا درس أزلي في التاريخ السياسي والاقتصادي للأمم. إن الأهمية الجيوسياسية لهذه الممرات البحرية تنبثق أساسًا من وظيفتها كقنوات لتدفقات الطاقة بين المنتجين، المتمركزين في الشرق الأوسط وإفريقيا والأميركتين، من جهة، والمستهلكين في أوروبا وآسيا والاقتصادات الناشئة المتنامية، من جهة أخرى. ويوفر النقل البحري الوسيلة الأكثر كفاءة واقتصادًا للوجستيات الطاقة واسعة النطاق، لا سيما النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، اللذين يتطلبان تنقلًا بحجم كبير ولمسافات طويلة لا تستطيع أنابيب النفط والغاز توفيرها دائمًا. غير أن الكفاءة من حيث تكلفة الشحن البحري لا تقلِّل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الممرات البحرية الضيقة ذات الحساسية السياسية غالبًا.

في هذا السياق، تتركز نسبة كبيرة من ترانزيت الطاقة العالمي في نقاط الاختناق البحرية الإستراتيجية مثل مضيق هرمز، ومضيق ملقا، وقناة السويس. في عام 2023 على سبيل المثال، أتاح مضيق هرمز وحده مرور ما يقرب من 21 مليون برميل من النفط يوميًّا، وهو ما يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط السائل، حسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وبالمثل، نقل مضيق ملقا أكثر من 23 مليون برميل يوميًّا في العام نفسه؛ مما يسلط الضوء على اعتماد آسيا على تجارة الطاقة البحرية غير المنقطعة(14).

إن الأهمية الاقتصادية مقرونة بالحساسية الجيوسياسية تجعل من مضايق مثل هرمز، والبوسفور، وملقا، وجبل طارق… عامل امتياز ومصدر هشاشة في الآن نفسه بالنسبة للتبادل العالمي، تبعًا للموقف السياسي والأمني. فالعبور بالمضايق يتيح ربح الزمن واقتصاد الكلفة وأي عرقلة تضرب هذه الأبعاد تبث الاضطراب في نبض الاقتصاد العالمي الذي تنامت شبكات ترابطه وتكامل سلاسله اللوجستية في الزمن والمكان. على هذا المنوال، يهيكل الباحثان أطروحتهما التي تتواجه فيها المزية الجغرافية التي تجلب المنفعة مع الاستقطاب السياسي الذي يصنع التوتر.

  • الأهمية الجيوستراتيجية للمضايق

يفهم التجار أكثر من غيرهم أهمية الموقع الجغرافي، لكن العقل السياسي والإستراتيجي هو الذي يصوغ حركة الأمة من أجل تثمين هذه الرؤية خدمة للرفاه العام. كذلك كان الأمر عبر التاريخ. يستدعي الكاتبان بنباهة سرديات تاريخية تناولت مبكرًا أهمية هذه المواقع بما يضعها في سياق استمرارية وعي إستراتيجي ملتزم بالمصالح القومية في المجالات البحرية. وينصفان في هذا الصدد إسهامًا عربيًّا مبكرًا قدَّمه الجغرافي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي البشاري (المتوفى نحو 380هـ)، في إحالة ضمنية إلى كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” الذي يتضمن وصفًا متقدمًا في وقته للمجالات البحرية التي تخترق العالم الإسلامي أو تحيط به وتربطه بباقي مناطق العالم. وقد تنبه المقدسي إلى أهمية المضايق وتحديات الملاحة ومخاطرها، مجملًا في كتابه أحوال البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي ومضايق باب المندب وجبل طارق وهرمز. وفي القرن 16، تناول المدون البرتغالي، أنتونيو كالفاو، أحوال حركة النقل البحري في منطقة (قناة) بنما (سنة 1563). وشدَّد هالفورد ماكيندر، رائد الجيوبوليتيك الذي اشتُهر بنظريته عن قلب الأرض (1904) على أهمية المضايق في مراقبة الطرق البحرية(15). ومع ذلك، ظلت الإحالات النظرية على رواد الدراسات الجيوسياسية في مقاربة أهمية المضايق محدودة وعابرة في متن الكتاب، ونال الاختزال من العمق التاريخي الذي يتيح إضاءة أكبر في التجربة الممتدة للتنافس والصراع حول المضايق عبر التاريخ القديم والحديث.

ورافق هذا الاقتضابَ الشديدَ في استدعاء تجذر الوعي بأهمية المضايق في الفكر الإستراتيجي والجيوسياسي اقتضابٌ مماثل في استحضار العناية التي حظيت بها الطرق البحرية والمضايق بشكل خاص في الممارسة السياسية والإستراتيجية للدول منذ القدم. فجدير بالذكر أن التحكم في الطرق البحرية، وضمنها الحركة عبر المضايق، كان مثلًا في صلب الحروب البونيقية بين الرومان والقرطاجيين الذين فرضوا رسومًا على السفن التي تعبر جبل طارق.

هذا بالضبط ما ترصده الباحثة جورجيا بالادينو التي توضح كيف بَنَتْ إمبراطوريات مثل روما وبيزنطة، ولاحقًا الإمبراطورية البريطانية، هيمنتها البحرية حول نقاط الاختناق الرئيسية. فالسيطرة على مضيقي الدردنيل والبوسفور، على سبيل المثال، سمحت للإمبراطورية البيزنطية ولاحقًا للإمبراطورية العثمانية بتنظيم العبور بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. وخلال عصر الاكتشافات والتوسع الاستعماري، أدركت القوى البحرية مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا القيمة الإستراتيجية لممرات مثل مضيق جبل طارق، ورأس الرجاء الصالح، ومضيق ملقا، فأقامت حصونًا ومواقع استيطانية بالقرب منها لحماية طرق شحنها وفرض هيمنتها.

بل إن ذروة ازدهار الإمبراطورية البرتغالية في زمن تصدرها للحملات البحرية تحققت في القرن 16 بفضل سيطرتها على حركة التجارة في المحيط الهندي وخليج عمان، بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك. فقد نجحت القوات البرتغالية في انتزاع المبادرة من التجار المسلمين وتوطين مواقع على ضفاف المحيط الهندي، وفرضت رسومًا على العبور. وفي طريق ذلك، استولى ألبوكيرك، عام 1507، على سقطرة، لتصبح قاعدة لسدِّ الطريق عن البحر الأحمر، ومن ثم حوَّل اهتمامه إلى هرمز، الذي يسيطر على مدخل الخليج العربي، لانتزاع هذين الطريقين التجاريين المهمين.

وشهد القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تحولًا في الإستراتيجية الجيوسياسية البحرية مع إنشاء القنوات الاصطناعية، وأبرزها قناة السويس (1869) وقناة بنما(1914). هذه الإنجازات المتطورة للهندسة الملاحية العالمية قلَّلت بشكل حاد من تكلفة ووقت التجارة البحرية، وأصبحت أصولًا إستراتيجية حاسمة خلال الحربين العالميتين. فعلى سبيل المثال، كانت السيطرة البريطانية على قناة السويس خلال الحرب العالمية الثانية حيوية للحفاظ على خطوط الإمداد مع المستعمرات والحلفاء، بينما أظهر إغلاق القناة خلال أزمة السويس، عام 1956، محوريتها لأسواق الطاقة العالمية وهشاشة التجارة البحرية أمام الاضطرابات السياسية، كما تلاحظ جورجيا بالادينو التي تسجل أنه في زمن الحرب الباردة، أصبحت نقاط الخنق البحرية مناطق تنافس أيديولوجي وإستراتيجي بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو. وكان الوصول إلى هذه النقاط والسيطرة عليها معامليْن أساسيين في توازن القوى العالمي. وجاءت إستراتيجية البحرية الأميركية لتؤكد أهمية تأمين نقاط الاختناق مثل فجوة “GIUK” (غرينلاند-آيسلندا-المملكة المتحدة)، ومضيق هرمز، وقناة السويس لمواجهة النفوذ السوفيتي وضمان حرية الملاحة(16).

ويجسد تاريخ قناة السويس سيناريو تحول الممر البحري من امتياز إلى مأزق في زمن التوتر السياسي والنزاع العسكري، كما ظهر خلال أزمة السويس، عام 1956، والحروب العربية-الإسرائيلية اللاحقة؛ حيث فرضت مصر قيودًا على عبور سفن تحمل أعلامًا معينة. وتعد المضايق التركية (البوسفور والدردنيل) نقطة خنق أخرى مثيرة للجدل؛ حيث تخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936. وتتيح هذه الاتفاقية لتركيا السيطرة على المضايق، لكنها تُلزمها بالسماح بالمرور الحر للسفن المدنية في أوقات السلم، مع فرض قيود على الحركة البحرية العسكرية، لاسيما للدول غير المطلَّة على البحر الأسود. وفي عام 2022، وفي خضم الحرب في أوكرانيا، فعَّلت تركيا الاتفاقية لتقييد عبور السفن الحربية لأسطولي الناتو وروسيا؛ مما يوضح الأهمية المستمرة للمعاهدات التاريخية في الأزمات المعاصرة، حسب نفس الباحثة(17). فمع أن بعض هذه النصوص الاتفاقية أو كثيرًا منها لا يصمد أمام الممارسة الواقعية لدول تعطي الأولوية لمصالحها الملموسة، ينفع بعضها الآخر في وضع أسس دنيا لحكامة هذه المناطق عالية الاستقطاب.

يوضح العديد من الأمثلة (انقطاع الملاحة في قناة السويس، وحصار مضيق تيران عام 1967 خلال حرب الأيام الستة، وإغلاق مضيق هرمز خلال “حرب الناقلات” بين إيران والعراق في الخليج العربي خلال ثمانينات القرن الماضي…) أن السيطرة على “نقاط الخنق” وتأمينها هما مفتاح أي إستراتيجية بحرية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن غياب الأمن على البر المحيط بالدول المشاطئة (مثل القرصنة، والتوترات، والنزاعات…) ينعكس بدوره بشكل مؤثر على أمن البحار. بمعنى آخر، قد يصبح الاضطراب في المجال البحري امتدادًا طبيعيًّا لأزمة أمنية أو سياسية تبدأ من البر.

وقد تكثفت خلال العقود الأخيرة العمليات العسكرية الجوية والبحرية، وغالبًا ما جاءت في إطار تحالفات (مثل عملية “أجينور”AGENOR ، عام 2020، في مضيق هرمز)، وذلك في مضايق الخنق الكبرى (البحر الأحمر وباب المندب، وهرمز وبحر عمان، ومضيق تايوان) التي تتأثر بالأزمات الجيوسياسية أو تصاعد التوترات (مثل مكافحة القرصنة…). وإذا كانت القوات البحرية الغربية هي الطليعة في هذه العمليات لفترة طويلة، فإن صعود قوى بحرية جديدة في الجنوب العالمي، مثل الصين والهند، جسَّد بروز متدخلين جدد يطمحون إلى حماية مصالحهم الحيوية(18).

ويشكِّل الخلاف الروسي-الياباني حول جزر الكوريل نموذجًا للبعد الإستراتيجي الذي يتعلق بمراقبة المضايق، خصوصًا مضيق أوروب Urup، ويتعلق الأمر بالتحكم في ولوج بحر Okhotsk انطلاقًا من المحيط الهادي. الهدف هو منع محتمل للغواصات الأميركية من دخول هذا المجال البحري المهم بالنسبة لملاحة الغواصات الإستراتيجية الحاملة للصواريخ، ذات الأهمية الكبرى في معادلة الردع النووي. إنه فكر تأسس في العهد السوفيتي ولا يزال معتمدًا اليوم.

وحيث إن المخاطر لا تأتي دائمًا من الخيارات الأمنية السياسية، فإن المضايق التي تشجع الربط بالمبادلات الاقتصادية وقاطرة لتطوير المجالات الإقليمية على الجانبين، قد تصبح مجال تركيز للتدفقات غير الشرعية من هجرة غير نظامية وتهريب المخدرات؛ مما ينتج أزمات أمنية وإنسانية كان مضيق جبل طارق -على سبيل المثال- مسرحًا لها. وتتطور هذه المشاكل لتملي إقرار سياسات كبرى لاحتواء التدفقات العابرة لهذه المجالات، على غرار السياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي تجاه جنوب المتوسط.

فضلًا عن الأهمية التجارية، تشكل المضايق مجالًا للرصد بالنظر إلى صغر المجال البحري، كما تعد مواقع للتأثير في حركة المعدات العسكرية في زمن النزاعات. لذلك هي مواقع مثالية للقواعد ونقاط الدعم والارتكاز العسكرية، وبالتالي جاذبة لعسكرة المجال البحري. فبريطانيا لها قاعدة في جبل طارق، وإسبانيا تسيطر على سبتة ومليلية لمراقبته، وتتواجد قواعد أميركية قريبًا من مضيق هرمز…. ولمضيق ملقا أيضًا أهمية تجارية وإستراتيجية؛ حيث يوفر مواقع للمراقبة ونَصْب أنظمة مضادة للسفن والغواصات. ويمثل مضيق الدردنيل نموذجًا للأهمية العسكرية حيث كان نقطة العبور الوحيدة بين البحر الأسود والأبيض المتوسط خلال الحرب العالمية الأولى. ويعكس التواجد الأميركي في خليج ريوكيو قريبًا من مضيق تايوان الأهمية الإستراتيجية لبعض نقاط العبور البحرية في منطقة المحيط الهندي والهادي(19).

وينبِّه الكاتبان إلى أن الأهمية لا تقتصر على السطح المائي، بل الأعماق أيضًا؛ حيث تمر الأسلاك التحت مائية للألياف البصرية والتي تشكِّل 90 في المئة من حركة الاتصالات العالمية. وتنتشر هذه الكابلات في باب المندب، وهرمز، وملقا، وجبل طارق، والدردنيل. ولا شك أن حماية هذه الأصول الحاسمة لاستمرارية الربط في عالم متشابك يسير بإيقاع ارتباط لحظي موصول تكتسي أهمية حاسمة في زمن التهديدات غير التقليدية، والتي لم تعد تنبثق حصرًا من قدرات الدول بل من فاعلين غير نظاميين أيضًا، تمنحهم التكنولوجيا الجديدة القدرة على إلحاق الضرر بالوضع القائم.

وفضلًا عن الأبعاد الإستراتيجية، تثير المضايق سؤال المخاطر التي يطرحها عبور السفن خصوصًا الضخمة منها التي تعرضت لعدة حوادث هددت بإقفال الطريق البحري. وجاءت التحولات المناخية والبيئية والتوترات الأمنية والاختلالات التقنية لتفاقم هذه التهديدات. فضيق المجال البحري في المضيق يجعل الحوادث التقنية شبحًا قائمًا يمكن أن يعطِّل الحركة كليًّا أو جزئيًّا: اصطدامًا، أو غرقًا، أو تسريبًا نفطيًّا، على غرار الحوادث التي عرفها مضيق البوسفور وترتبت عنها نتائج وخيمة.

وترتبط الهشاشة السياسية والأمنية في كثير من الأحيان بمجالات الهشاشة الاقتصادية. إنها مناطق لإلحاق الضرر السياسي والاقتصادي على غرار عمليات القرصنة الصومالية في البحر الأحمر بين 1995 و2015. فمنذ 2007، تم تسجيل 939 هجومَ قرصنة في هذا المجال. وتفيد تقديرات بأن القراصنة الصوماليين حصلوا، ما بين 2005 و2012، على ما بين 339 و413 مليون دولار مبالغ فدية. ويتطلب التعامل مع هذه التهديدات استثمارات كبرى في التأمين وتكييف سرعات العبور والالتفاف على المناطق الخطرة(20).

سيناريوهات الاختناق ومعضلة البدائل

في معرض تبيان الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية للمضايق التي تهيكل الملاحة في البحار والمحيطات، ينبه الكاتبان إلى طابع الهشاشة البنيوية التي تسم هذه المجالات. وهي من جنس الهشاشة نفسها التي تلازم مجتمعًا إنسانيًّا معولمًا مرتبطًا بعلاقات اعتماد متبادل عابرة للبحار والقارات. إن مسألة المضايق تذكِّر بواحدة من بديهيات الدرس الجيوسياسي، وهي أن المجال الجغرافي كلما زادت جاذبيته واتسع نطاق مزاياه الاقتصادية والأمنية، صار بؤرة توتر ومجال تنافس وساحة استقطاب متفاوت الحدة يبتعد أو يقترب من لحظة الانفجار تبعًا لحسابات الفاعلين وتوازنات القوة.

يقوم الكتاب في هذا السياق بمسح جيوسياسي لخريطة المضايق الدولية ذات الأهمية الإستراتيجية مستدعيًا سيناريوهات الاختناق والأزمة التي تهدد بعطب إقليمي أو عالمي النطاق. هو جرس إنذار يدق عبر صفحات الكتاب ليحذر من أن هذه التشكيلات الجغرافية التي تجمع البر والماء لتصنع خطوط الرخاء والازدهار وتبادل الخيرات والمنافع، قد تنجرف في لحظة تصعيد لتفرز انهيارًا عظيمًا أو عطبًا كاسحًا في النظام الاقتصادي العالمي وفي توازنات منظومة الأمن والاستقرار.

النماذج كثيرة من الماضي والحاضر وهي ماثلة أيضًا في المستقبل. يتركز معظمها في سواحل العالم العربي الإسلامي، غربًا وشرقًا، من مضيق جبل طارق بمجاله المتوسطي، إلى السويس على البحر الأحمر مرورًا بمضيق باب المندب وصولًا إلى هرمز ثم في المجال الآسيوي على مستوى مضيق ملقا.

يقدم الكتاب هذه المضايق المحفوفة بالخطر توصيفًا ونمذجة دون تصنيف نظري يسهِّل أكثر الإضاءة المعرفية لهذه المسألة الحارقة في العلاقات الدولية الراهنة، من خلال ربطها بالمفاهيم الكبرى للصراع والقوة والسيادة والاعتماد المتبادل… ويبدو لنا ممكنًا إعادة فرز وتصنيف أشكال هذه الهشاشة البنيوية في هذا الصدد على عدة مستويات: من حيث طبيعة الهشاشة، بين عوارض تقنية تعطل العبور عبر المضيق على غرار حادث الناقلة الذي أغلق قناة السويس لأيام وأخرى طبيعية مثل التحولات التي تجري على مستوى عمق المياه، واختلالات بيئية أخرى تتصل بالاحترار والتجمد، وعجز بعض المواقع البحرية عن استيعاب الناقلات الجديدة ذات الحجم الكبير، ثم سياسية- أمنية على غرار تصعيد عسكري أو اضطراب أمني طارئ يعطل الملاحة.

ومن حيث الفاعلون، يمكن تصنيف نماذج الهشاشة السياسية الأمنية إلى أزمات من صنع فاعلين غير نظاميين على غرار عمليات القرصنة التي قامت بها عصابات صومالية في باب المندب أو هجمات الحوثيين على الناقلات الإسرائيلية وناقلات أخرى، أو عمليات القرصنة المتواصلة في مضيق ملقا، مقابل اضطرابات نتيجة تورط دول في عمليات عنف أو حصار كما يجري حاليًّا في هرمز.

انطلاقًا من مضمون الكتاب وفي مسعى لإدراجه ضمن سياق إستراتيجي أوسع يتصل براهن ومستقبل النظام العالمي ككل، وموقع مسألة المضايق والمجالات البحرية ككل في السباق على القمة، يبدو من المفيد التوقف بتفصيل أكبر عند نموذجين بارزين من النماذج التي توقف عندها الكتاب، في أفق توسيع زمنية المقاربة لتربط الماضي بالحاضر والمستقبل من جهة، ومدِّ بُعدها الجيوسياسي لتجمع بين نموذج أزمة إقليمية راهنة ونموذج أزمة عالمية مرتقبة. نحن هنا في قلب رقعتين عاليتي الحرارة: هرمز وملقا.

يمثل هرمز نموذجًا لسيناريو الأزمة الراهنة الملموسة التي حدثت في الماضي مع حرب الناقلات العراقية-الإيرانية التي عمد من خلالها كل من الطرفين (من 1980 إلى 1988) خلال حرب الخليج الأولى إلى استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية لإلحاق الضرر بالخصم. هرمز إذن يسائل زمنية الكتاب الذي صدر قبل اندلاع الأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة، بدروس أزمات سابقة وبسؤال حول مآل التطورات غير المسبوقة التي تجسدها الأزمة المفتوحة حاليًّا.

وبشكل متكامل على المستوى التحليلي، يقدم ملقا نموذجًا لسيناريو الأزمة المستقبلية التي يتوقعها كثير من الباحثين في الجغرافيا السياسية والخبراء المهتمين بتتبع واستشراف مآل التنافس الصيني-الأميركي.

أزمة هرمز نموذج صدام إقليمي بين قوة عالمية وقوة إقليمية مع تداعيات أمنية على النطاق الإقليمي ككل، والأزمة المرتقبة في ملقا نموذج ساحة صراع عالمي بين القوة المتصدرة للنظام العالمي والقوة المرشحة لإسقاطها من قمته.

  • أزمة هرمز: تحليل من وحي اللحظة الجيوسياسية المتوترة

توصيف الأزمة

تسبب اندلاع النزاع في مضيق هرمز في صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد أصابت أسواق الطاقة، وإمدادات السلع وأسعارها، وأنظمة النقل، والأوضاع الاقتصادية الكلية، والأسواق المالية. ولا يقتصر التأثير على إمدادات النفط والغاز فحسب بل يمتد عبر الشحن البحري، والطيران، وتكاليف الغذاء، والتحويلات المالية، ومؤشرات التضخم، واستجابات البنوك المركزية. وفي حال امتداده، يهدد النزاع بالانجراف إلى ركود تضخمي، وتغيير أنماط التجارة، وإعادة تشكيل الديناميكيات المالية العالمية.

لقد انهارت حركة المرور البحري -لاسيما بسبب الخوف من التعرض لنيران إيرانية- حيث انخفضت على سبيل المثال من 2310 عمليات عبور خلال الأسبوعين الأولين من شهر يونيو/حزيران 2025 إلى 189 عملية فقط للفترة نفسها من عام 2026. كما أدَّت المخاطر التي تُحْدِق بالسفن التي تبحر في هذه المياه إلى زيادة تكاليف التأمين بشكل كبير: فبينما كانت علاوة مخاطر الحرب تبلغ نحو 0.25% من قيمة هيكل السفينة قبل الحرب، تتراوح المعدلات اليوم بين 3% و10%.

ويعد ارتفاع أسعار المحروقات أحد التداعيات الرئيسية لهذه الاضطرابات؛ حيث شهدت الأشهر الأخيرة ارتفاعات وصلت إلى 118.35 دولارًا، في 31 مارس/آذار، أو 95.24 دولارًا، في 22 يوليو/تموز، مع ما لذلك من تأثير تلقائي على الأسعار بشكل عام. فالبنك المركزي الأوروبي يقدر أن التضخم في منطقة اليورو قد يرتفع بمقدار 1.3 نقطة مئوية بسبب الحرب الإيرانية-الأميركية، متوقعًا أن تصل هذه الزيادة إلى 2.6 نقطة بالنسبة للصين.

لقد حذَّر فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من أن الحرب مع إيران تشكل “أكبر تهديد للطاقة العالمية في التاريخ”، وأي تعطيل مؤقت تنتج عنه عواقب ضخمة على سلاسل الإمداد وتسعير المنتجات. وتفيد التقديرات بأن الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز استبعدا 12 مليون برميل يوميًّا من إمدادات النفط العالمية؛ مما أدى إلى السحب من المخزونات وارتفاع أسعار الخام(21).

ويمتد أثر النزاع إلى أسواق السلع الأساسية، ولاسيما المعادن والمدخلات الصناعية. فقد ارتفعت أسعار الألومنيوم والكبريت وارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة 26.2% في مارس/آذار. وتحذر منظمة الأغذية والزراعة  (FAO)من أنه إذا استمرت الأزمة، قد تستقر الأسعار عند مستويات أعلى بنسبة 15% إلى 20%. ويقدِّر برنامج الغذاء العالمي أن الحرب ستدفع 45 مليون شخص إضافي نحو الجوع الحاد (ثلثاهم في إفريقيا).

بعد وقف مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في 7 أبريل/نيسان 2026، وتوقيع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في 17 يونيو/حزيران 2026، مذكرة تفاهم تنص على رفع الحصار البحري الأميركي وترتيبات إيرانية لضمان المرور الآمن للسفن التجارية لمدة 60 يومًا فقط، أعادت واشنطن، في أوائل أغسطس/آب 2026، فرض حصارها البحري مما عمَّق الشعور بعدم اليقين في المستقبل.

وشملت التحركات الأميركية لفرض حرية المرور عبر المضيق، منذ مارس/آذار 2026، شنَّ هجمات على سفن زرع الألغام الإيرانية، ومواقع الصواريخ البرية. في المقابل، بدا القادة الإيرانيون ملتزمين بموقفهم الثابت؛ إذ صرَّح رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، بأن “إدارة المضيق لن تعود أبدًا إلى ما كانت عليه قبل الحرب”. وفي مايو/أيار 2026، أنشأت إيران “سلطة مضيق الخليج العربي” منبِّهة إلى أنه “لا يُسمح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز دون تصريح مرور ساري المفعول صادر عن سلطة مضيق الخليج العربي”. وظل القادة الإيرانيون يستندون إلى مذكرة التفاهم الموقَّعة، في يونيو/حزيران 2026، بوصفها منحت إيران الحق في إدارة الملاحة عبر المضيق(22).

تكشف هذه اللحظة عن تآكل افتراضات طويلة الأمد، وضمنية إلى حدٍّ كبير، شكَّلت السلوك الدولي منذ أواخر القرن العشرين. يتعلق الافتراض الأول بالانفتاح الوظيفي للشرايين العالمية؛ حيث كان من المتوقع أن تظل المضايق البحرية وممرات الطاقة وطرائق التجارة قيد التشغيل حتى أثناء الأزمات، بناء على فهم مشترك بأن التعطيل الهيكلي سيكلف جميع الأطراف أثمانًا باهظة. ويُظهر الإغلاق الجزئي وعسكرة مضيق هرمز أن هذا التوازن لم يعد قائمًا.

يهم الافتراض الثاني تماسك التحالفات. فتاريخيًّا، كانت الخلافات داخل التحالفات الغربية والشريكة تُحصر داخل إطار أوسع من التوافق الإستراتيجي تحت القيادة الأميركية. غير أن الاستجابات لحرب عام 2026 تشير إلى التفكك الذي يجسده الحذر الأوروبي، والموقف الخليجي المحسوب، وحسابات المخاطر المتباينة لدى المستوردين الآسيويين. لقد أصبح التوافق المتبادل مرتبطًا بالسياق والموقف. فغياب هذا الموقف الجماعي المنسق يفتح المجال الجيوسياسي على حرب مصالح فردية لا يُعرف مآلها.

واستند الافتراض الثالث إلى الوظيفة الرادعة للقانون الدولي. فحتى عند انتهاكها، وفرت القواعد القانونية التي تحكم استخدام القوة والملاحة والتناسب لغة مشتركة تؤثر في الشرعية والسلوك. واليوم، تُظهر الروايات القانونية المتنافسة حول الحصار واقعًا مختلفًا: لم يعد القانون يرسخ التوافق، بل يتم توظيفه بشكل متزايد كخطاب ترويجي في التنافس الإستراتيجي(23).

يُجمل الكتاب عناصر الخطر التي تهدد أمن المضايق وانسيابية الحركة عبرها، غير أنه لا يضع سيناريوهات دقيقة للأزمة، حذَّر منها خبراء آخرون، ممن أطلقوا خيالهم الإستراتيجي. لقد تخيل آلان مينك، في كتابه “عشرة أيام تهز العالم”، قيام إسرائيل بقصف المنشآت النووية الإيرانية، تبعه إغلاق المضيق عبر إغراق ثلاث ناقلات نفط من قبل الحرس الثوري، مع ردٍّ فوري من الأميركيين بفضل حاملات طائرات، في تتابع أحداث يشبه “أفلام الإثارة والكوارث المثيرة”. يصل سعر البرميل إلى أكثر من 200 يورو وتتراجع البورصات بنسبة 30%. إنه توقع إستراتيجي يكاد يتحقق على أرض الواقع.

ومن جهته، يصف سيرج إنديرلين أمسية من الرعب عُرضت على القادة العالميين في دافوس، في يناير/كانون الثاني 2007، حيث يضرب تنظيم القاعدة ناقلة نفط في البوسفور، وينفذ هجومًا بمادة الـ TNT على محطة رأس تنورة، الحيوية في السعودية، وتُضرب ناقلة نفط في هرمز، ليجثو “الاقتصاد العالمي على ركبتيه” في غضون دقائق قليلة(24).

ما يفاقم المشكلة أن التهديدات تتسع وتتنوع مصادرها. باتت القدرة على خلق الاضطراب متاحة في هذه المضايق مع انتشار الطائرات المسيرة الرخيصة، والزوارق المسيرة غير المأهولة، والصواريخ المضادة للسفن بين الفاعلين من الدول وغير الدول على حدٍّ سواء.

لقد نشر مجلس العلاقات الخارجية، ذو الصلة الوثيقة بصناعة القرار الأميركي، ورقة سياسية حول تغيير الوضع القائم في هرمز كهدف ثابت في الإستراتيجية الأميركية منذ زمن طويل. ثمة مؤشر دال يورده الكتاب، ولعله يضيء جزئيًّا جرأة واشنطن في التصعيد: لقد تراجعت المنتجات النفطية المتجهة إلى الولايات المتحدة التي ظلت تتحسب لحظة الاختناق في أمد منظور، بينما ارتفعت في اتجاه الأسواق الآسيوية حيث تشكل 76 في المئة: الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة… ومن الملاحظ أن الكتاب في عرضه لإمكانيات تجاوز لحظات الاختناق، يبدي اهتمامًا أكبر بنموذج باب المندب، وهو اختيار تبرره على الأرجح ذاكرة الأزمة الفعلية التي نجمت عن هجمات الحوثيين، بينما جاء الانفجار في هرمز لاحقًا لصدور الكتاب.

لقد سلَّطت هجمات الحوثيين الضوء على مشروع سككي يروم الالتفاف على مضيق باب المندب. في قمة مجموعة العشرين، سبتمبر/أيلول 2023، طُرح مشروع الممر الاقتصادي الهند/الشرق الأوسط/أوروبا، الذي يروم ربط موانئ الساحل الغربي للهند وميناء الفجيرة في الإمارات العربية وبالتالي تجاوز مضيق هرمز، وينص على مواصلة الربط عبر السكك في الإمارات والسعودية، ونحو الأردن وإسرائيل ثم المتوسط. هذا الممر يفترض أن يحتضن أنبوب غاز وكوابل إنترنت لتفادي باب المندب وقناة السويس(25).

أميركيًّا، تتواتر أدبيات استشراف الموقف في فرضية إغلاق هرمز. في تقرير حديث أُعِدَّ لفائدة الكونغرس، ترتسم السيناريوهات المستقبلية في هرمز كما يلي:

  • عمليات عسكرية أميركية واسعة النطاق لفرض سيطرة أميركية على المناطق الساحلية الإيرانية على طول المضيق.
  • تسوية تفاوضية تمنح إيران والولايات المتحدة و/أو أطرافًا أخرى سلطة إدارة حركة الملاحة عبر المضيق، بما في ذلك تحديد القنوات والإجراءات البحرية و/أو المدفوعات المحتملة.
  • إعادة ترتيب أولويات الأصول الأميركية، بما فيها الأصول العسكرية، بعيدًا عن المضيق.

يرى التقرير أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى عمل عسكري لفرض سيطرتها على المناطق الساحلية الإيرانية على طول مضيق هرمز. قد تُسهم هذه العملية في إجبار إيران على الامتناع عن شنِّ هجمات (أو إعادة التفاوض على بنود مذكرة التفاهم)، لكن هذا الخيار قد يكون مكلفًا عسكريًّا للولايات المتحدة وأي دول شريكة. ويلاحظ التقرير أن مدى المقذوفات الإيرانية يشير إلى أن بعض التهديدات قد تأتي من عمق الأراضي الإيرانية أو تظل متحركة للغاية، مما يُعقِّد هذه الاعتبارات.

وتشمل السيناريوهات ما هدَّد به الرئيس ترامب من الاستيلاء على جزيرة خارك، التي يمر عبرها جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية؛ حيث يمكن استخدامها ورقة ضغط في المفاوضات مع إيران بشأن المضيق. لكن من المرجح أن يُثير ذلك ردود فعل إيرانية قد تكون أوسع نطاقًا من العمليات السابقة.

وقد تحاول الولايات المتحدة، كما فعلت في ثمانينات القرن الماضي، تسهيل الملاحة الحرة عبر مضيق هرمز بواسطة سفن مرافقة بحرية، غير أن بعض المراقبين أبدوا شكوكًا حول ما إذا كانت هذه المرافقة ستؤدي إلى تدفق حركة مرور شبه طبيعي.

وبنبرة أكثر واقعية، يرى التقرير أن عدم الاستقرار في المضيق قد يستمر لفترة طويلة. فقد أدت الهجمات الإيرانية الدورية على السفن والضربات الأميركية الانتقامية ضد إيران إلى تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق بشكل كبير خلال معظم الأشهر الخمسة الماضية، حتى أوائل أغسطس/آب 2026. وكانت آثار هذا التعطيل على أسواق الطاقة والسلع كبيرة. وقد يستمر الوضع الراهن طالما رأت الولايات المتحدة وإيران أنهما قادرتان على تحمل التكاليف الاقتصادية والعسكرية لإغلاق مضيق هرمز فعليًّا واستمرار النزاع. والحال أن إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، أكدت وجود مصلحة أميركية “جوهرية” في “ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا”(26).

تُبرز ورقة بحثية أميركية جملة دروس رئيسية من استجابات الولايات المتحدة والدول الأخرى لأزمات الممرات المائية على مدى العقود الأخيرة. فهي تؤكد  أهمية الاستشراف والاستعداد للتدخل في المكان والوقت المناسب، مذكِّرة بأن عملية “إيرنست ويل” (1987-1988)، التي حمت فيها القوات الأميركية ناقلات النفط الكويتية من الهجمات الإيرانية، نجحت جزئيًّا بسبب التحضيرات التي استمرت سبعة أشهر. وهي تشدد على أن الأدوات الاقتصادية لا يمكن أن تكون بديلًا ناجزًا، على اعتبار أن الولايات المتحدة استنفدت كل أدوات الاستجابة الاقتصادية المتاحة في غضون أسابيع من إغلاق مضيق هرمز دون معالجة العائق الأساسي: لم يكن هناك أي طريق تصدير بديل قابل للتطبيق طالما كان المضيق مغلقًا فعليًّا أمام حركة العبور.

وتوسع الورقة نطاق تحليلها لترى أن تهديدات الوكلاء من غير الدول تتطلب ضغطًا بحريًّا وبريًّا متزامنًا لتخلص إلى أن العمل العسكري الحاسم يتطلب مخرجًا مهيكلًا للخصم بحيث يكون متناسبًا ومستهدفًا، ويترك لإيران مخرجًا ضمنيًّا لتجنب استمرار المواجهة.

وتوصي بتعزيز مصداقية الولايات المتحدة كضامن للممرات البحرية المفتوحة وحرية الملاحة، محذرة من أن ممارسة الإكراه في ممر مائي تؤثر مباشرة على حسابات خصوم الولايات المتحدة في الممرات الأخرى، وتسرِّع تآكل التحالفات الأميركية.

ونبَّهت الورقة السياسية إلى تأثيرات منافسة القوى العظمى حيث تفيد اضطرابات الممرات المائية المنافسين الإستراتيجيين للولايات المتحدة (الصين وروسيا أساسًا) عبر تقويض النظام التجاري الذي تقوده أميركا(27).

خيارات بديلة

يستشرف الكتاب بدائل برية وبحرية للالتفاف عبر مجموعة من المضايق، خصوصًا بالشرق الأوسط، وفي صدارتها هرمز وباب المندب. لكن فكرة البحث عن البديل تبلورت بشكل أكثر غزارة لدى الأبحاث والدراسات التي صدرت لاحقًا تحت ضغط لحظة الاختناق غداة اندلاع المواجهة الأميركية-الإيرانية.

ظهر ضمن الخيارات البديلة، مشروع خط أنابيب النفط “شرق-غرب” التابع للمملكة العربية السعودية. فبدلًا من شحن صادراتها النفطية بحرًا عبر الخليج العربي، تقوم الرياض بنقلها عبر خط أنابيب يمتد على مسافة 1200 كيلومتر يقطع المملكة بأكملها ليربط منشأة معالجة النفط في “بقيق” شرقًا بميناء “ينبع” غربًا، والمطل مباشرة على البحر الأحمر. ويمكن لخط الأنابيب هذا، القادر على نقل ما يعادل سبعة ملايين برميل يوميًّا، أن يشهد زيادة في قدرته الاستيعابية من خلال أعمال تخطط لها السلطات السعودية حاليًّا لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز قدر الإمكان. ومنذ بداية الأزمة الإيرانية-الأميركية، تم الاعتماد بشكل مكثف على خط أنابيب “شرق-غرب” للحد من تأثير الاضطرابات اللوجستية والأمنية في الخليج العربي على الصادرات النفطية السعودية.

البديل الثاني هو خط أنابيب “حبشان-الفجيرة” في الإمارات العربية المتحدة. ويسمح خط الأنابيب هذا، الممتد على مسافة 380 كيلومترًا، بربط حقول النفط في جنوب غرب أبوظبي بالمحطة الإماراتية الواقعة على الساحل الشرقي للبلاد؛ مما يتيح إبعاد هذه الشحنات عن تهديد العبور عبر مضيق هرمز من خلال شحن النفط مباشرة على متن السفن في الفجيرة أو خورفكان.

فهل تسمح هذه البدائل بتعويض الاضطرابات في هرمز وباب المندب، والتطلع إلى خفض ملحوظ في اعتماد دول شبه الجزيرة العربية على هذه المضايق؟ الأمر بعيد كل البعد عن ذلك، يجيب أحد الخبراء، في ردٍّ ضمني على السيناريو الذي يحذِّر منه الكتاب: حتى لو تم استغلال خطوط الأنابيب هذه بأقصى طاقتها، فإن هذا المجموع، رغم أهميته، يظل أقل بنحو الضعف من الكميات التي كانت تمر عبر هرمز قبل الأزمة، والتي كانت تبلغ نحو عشرين مليون برميل يوميًّا.

انطلاقًا من هذا الواقع، تدرس دول شبه الجزيرة العربية العديد من المسارات لزيادة قدرتها على تصدير المحروقات دون الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز؛ وتلقى في ذلك تشجيعًا – إن لم يكن ضغطًا – من الولايات المتحدة، حيث أكد وزير خارجيتها ماركو روبيو في الأول من أغسطس أن على دول المنطقة القبول من الآن فصاعدًا بفكرة أن إيران لن تتخلى أبدًا عن قدرتها على الإضرار بمضيق هرمز، وأن عليها إيجاد حلول بديلة لهذا المضيق.

وفيما يتعلق بالنقل البري، هناك خيار متاح يتمثل في إنشاء خطوط أنابيب. ويتمثل أحد هذه المشاريع في ربط البصرة في العراق بسلطنة عُمان؛ ومن هناك، يمكن أن تتفرع خطوط أنابيب أخرى أصغر حجمًا، مثل خطوط أنابيب تنطلق من الكويت أو الإمارات العربية المتحدة، من أجل نقل النفط عبر شبه الجزيرة العربية قبل شحنه بحرًا عبر بحر العرب؛ حيث يمكنه الوصول إلى الأسواق الآسيوية. لكن مثل هذه البنى التحتية، فضلًا عن تكلفتها الباهظة، ستستغرق سنوات لإنجازها، وبالتالي لن تسمح بحل مشكلة هرمز على المدى القصير(28).

  • سيناريو أزمة في ملقا ومستقبل الصراع على القمة

إن كانت أزمة هرمز تقدم نموذجًا لمقاربة المضيق بوصفه مجالًا جيوسياسيًّا للاستقطاب طرفاه قوة إقليمية متحدية وقوة عالمية تريد فرض معادلة تخدم مصالحها في المنطقة وفي النظام العالمي على نحو أشمل، فإن السيناريو المستقبلي للمأزق في مضيق ملقا يقع في صلب الدراسات الاستشرافية لمآل التنافس بين قوتين عالميتين، هما الولايات المتحدة والصين.

يذكر الكاتبان أن مضيق ملقا يشكِّل متنفسًا حيويًّا للصين ومعها اليابان ودول الآسيان؛ ذلك أن 30 في المئة من قيمة المبادلات التجارية العالمية تمر عبر ملقا بما يعادل 3500 مليار دولار (85 ألف سفينة سنويًّا). هو أهم نقطة اختناق بحرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والأكثر ازدحامًا بحركة الشحن في العالم من حيث الحجم(29).

بطول 800 كيلومتر وعرض متفاوت لا يتجاوز في أضيق نقطة منه 2.5 كلم وعمق يصل إلى 23 مترًا (حوالي 70 قدمًا)، هيمن على مضيق ملقا العديد من القوى الكبرى، وكان على مدى قرون جزءًا مهمًّا من طرق التجارة التي تربط العالم العربي بالصين والشرق الأوسط بجنوب شرق آسيا.

تمر عبر المضيق %90 من واردات قوى اقتصادية كبرى، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ويشكِّل منطقة جيوستراتيجية تربط العالم البحري للشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وشمال شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي. ومن مزايا المضيق أنه أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي ويسهل التواصل معه، خاصةً عندما يتعلق الأمر بأوضاع حركة النقل؛ إذ يقع في منطقة ذات مناخ معتدل، بلا تيارات هوائية عنيفة، وبطقس مشمس طوال العام؛ مما يسهِّل الملاحة للسفن الكبيرة التي تنقل النفط إلى الدول المطلة على هذا المضيق(30).

ويتيح المضيق جغرافيًّا أقصر طريق بحري بين الشرق الأوسط -موطن أكبر منتجي النفط في العالم- وشرق وجنوب شرق آسيا  -موطن أكبر مستهلكي النفط-. ففي عام 2023، مرَّ عبر المضيق ما يُقدَّر بـ 23.7 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام والمنتجات النفطية؛ مما يجعله بالفعل أكبر نقطة خنق في العالم من حيث الحجم.

وتعتمد الدول المستوردة الرئيسية مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند بشكل كبير على التدفق الموصول في ملقا من أجل أمنها الطاقي. ويشكِّل النفط الخام نحو 70% من النفط المار عبر المضيق، بينما تتكون الـ30% المتبقية من المنتجات النفطية المكررة. كما أن تدفقات الغاز الطبيعي المسال كبيرة أيضًا؛ حيث تدفق نحو 9 مليارات قدم مكعب يوميًّا عبر المضيق، في عام 2023، اتجه معظمها إلى الاقتصادات الصاعدة في شرق آسيا(31).

من جهة أخرى، يعتمد منتجو النفط في الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات والعراق، على المضيق للوصول إلى الأسواق الآسيوية. وفي عام 2023، تدفق نحو 60% من النفط المنقول عبر مضيق ملقا من دول الخليج. وفي السنوات الأخيرة، تعزز هذا الاعتماد بشكل أكبر بسبب التحولات في أنماط التجارة العالمية عقب العقوبات الغربية على صادرات النفط الروسية؛ مما دفع المزيد من الشحنات من حوض الأطلسي والموانئ الشرقية لروسيا للوصول إلى آسيا عبر هذا الممر المائي الضيق.

ومع ذلك، فإن ضيق عرض المضيق في بعض نقطه يجعله عرضة للازدحام والتعطيل. وتفرض المخاطر الطبيعية والحوادث البحرية وعدم الاستقرار الجيوسياسي خطرًا مستمرًّا. وتظل القرصنة قضية قائمة في المنطقة، خاصة في المناطق المحيطة بمضيق سنغافورة، رغم الدوريات البحرية المشتركة وتعزيزات التنسيق الإقليمي(32).

بدائل لتجاوز “المعضلة الصينية”

يمثل مضيق ملقا بالنسبة للصين نظيرًا للأهمية الحيوية التي يكتسيها مضيق هرمز بالنسبة لإيران. فهو رئة اقتصادية وموقع إستراتيجي دفاعي. ويلاحظ الباحثان فعلًا أن الصين تحاول السيطرة على بحر الصين الجنوبي عبر المدخل الشمالي لمضيق ملقا ومضيق تايوان. وهي بلا شك تنزعج من أي مزاحمة اقتصادية أو إستراتيجية في مجال حيوي من هذا القبيل.

فأمام تنصيص قانون البحار على مبدأ حرية الملاحة المقرون بصلاحيات الدول المشاطئة في حماية الموارد البحرية والبيئية والتصدي للتهديدات الأمنية، تتخذ الصين موقفًا متحفظًا بخصوص حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وتحديدًا مضيق كيونغزو وتايوان؛ فتعد الأول من مياهها الداخلية وترفض تصنيف الثاني مضيقًا دوليًّا بل مجال من مياهها الداخلية والمنطقة الاقتصادية الخالصة(33).

هذا التحفظ الصيني لا يخص فقط الملاحة التجارية التي تعتمد عليها بل يعكس مخاوفها تجاه حركة السفن العسكرية. ففي ذاكرتها تكمن مشاهد حملة اليابان 1895 و1937 التي تمت بحرًا، على غرار الأساطيل الأوروبية التي خاضت حرب الأفيون في نسختيها: 1839-1842 و1856- 1860.

في ملقا إذن، كما في المضايق المجاورة، يسكن الدولة الصينية انشغال مزدوج يتضافر فيه الاقتصادي بالإستراتيجي، بات يحمل في الأدبيات الإستراتيجية عنوان “معضلة ملقا”، كما طرحه الرئيس الصيني السابق، هو جينتاو، سنة 2003، في معرض تحديد نقاط الهشاشة التي تواجه وضع الصين؛ فحيث إن المضيق هو الشريان الرئيس للتوريد الطاقي، مع تواجد قوى منافسة (الولايات المتحدة) في مواقع قريبة، يصبح التهديد كبيرًا بالنسبة لدولة تطمح إلى قيادة النظام العالمي.

جاء طرح معضلة ملقا على أساس توصيف التبعية البالغة للصين تجاه هذا المنفذ الذي تتدفق عبره ثلثا تجارتها الخارجية، سواء في الواردات (النفط: 80%، الغاز: 22%، البوكسيت: 50%، الحديد: 21%، الصويا: 68%…) أو الصادرات (المنتجات المصنعة). أما التوجس الأكبر، كما يؤكد الكتاب، فيتمثل في سيناريو حصار بحري محتمل قد تفرضه الولايات المتحدة، التي تُبقي على قواعد بحرية مهمة في آسيا(34).

لقد دفعت هذه المخاوف الإستراتيجية بيجين إلى الاستثمار بكثافة في طرق نقل طاقة بديلة، بما في ذلك أنابيب النفط والغاز بين الصين وميانمار، وأنبوب خط المحيط الهادئ وسيبيريا الشرقية من روسيا. خلال عشر سنوات، اعتمدت الصين العديد من الإستراتيجيات البديلة لمحاولة تقليص مستوى اعتمادها على مضيق ملقا وضمان أمن إمداداتها. فعلى الصعيد الداخلي، شهدت البلاد تشكيل احتياطيات إستراتيجية وتنويع المنظومة الطاقية (عبر طفرة الطاقة النووية والمتجددة…). وعالميًّا، بدأت الصين تعزيز قدراتها البحرية وإنشاء قواعد عسكرية خارجية (جيبوتي، غوادر…) وتفاوضت للحصول على تسهيلات في موانئ أجنبية. وعلى الجانب البري، عملت على تنويع مورِّديها (إيران، السودان، نيجيريا، كازاخستان…) وإطلاق مشاريع بنية تحتية برية من شبكات طرقية وخطوط سككية، تروم الالتفاف حول المضيق من خلال الطرق المبرمجة في إطار مشروع الحزام والطريق (طرق الحرير الجديدة) الذي تم إطلاقه، سنة 2013، والممرات الطاقية واللوجستية الجديدة(35).

في هذا السياق، تعمل بيجين على تطوير ممرات برية، ولاسيما مع كازاخستان، التي صدَّرت نحو 5 مليارات متر مكعب من الغاز إلى الصين، سنة 2023. وتسمح الطرق البرية بالتحرر من قيود طرق النقل البحرية. فإلى جانب الازدحام في مضيق ملقا، وأعمال القرصنة في البحر الأحمر، وثقل وجود الأسطول الخامس الأميركي في المحيط الهندي، تخشى بيجين أن يتيح اندلاع نزاع مفترض لواشنطن السيطرة على تدفقاتها التجارية وتطويقها بشكل قاتل. ولهذا تم تطوير ثلاثة ممرات رئيسية للطاقة: الأول يمر عبر باكستان وصولًا إلى ميناء غوادر، والثاني عبر ميانمار وصولًا إلى كونمينغ، والثالث عبر تايلاند ولاوس وماليزيا وصولًا إلى مقاطعة يونان. ويضاف إلى ذلك عدد من خطوط أنابيب النفط والغاز العابرة لروسيا وإيران وآسيا الوسطى. في عام 2014، كانت الصين تقدِّر أن الرحلة نحو أوروبا تستغرق من 20 إلى 40 يومًا بحرًا، وأسبوعين بالسكك الحديدية، و11 يومًا فقط عبر الطرق البرية.

ويوفر الأرخبيل الإندونيسي عدة مسارات بديلة لمضيق ملقا. ويشكِّل مضيق ماكاسار، الواقع بين جزيرتي بورنيو وسولاويسي، ممرًّا مهمًّا لنقل المحروقات بين الشرق الأوسط وأستراليا من جهة، واقتصادات شرق آسيا من جهة أخرى. وإلى الشرق، يسمح مضيق توريس بالوصول إلى بحر أرافورا، غير أن ضحالة مياهه وكثرة الشعاب المرجانية تحدَّان من جاذبيته. كما يمثل مضيق باسيلان، الواقع جنوب الفلبين، طريقًا آخر للعبور بين بحر سيليبس وبحر سولو، رغم تدهور البيئة الأمنية في المنطقة، وهو ما تجلَّى في مرور سفينتين صينيتين في يونيو/حزيران 2024.

وتظل هذه الطرق أطول، وأحيانًا أكثر تكلفة، من طريق ملقا، لكنها توفر قدرة حقيقية على الالتفاف وتجاوز المضيق. كما تجعل أي حصار طويل الأمد أمرًا أكثر صعوبة، وتعزز مرونة حركة التجارة البحرية في آسيا، من دون أن تؤدي، في الوقت نفسه، إلى تغيير جوهري في المكانة المركزية التي يحتلها المضيق(36).

مع ذلك، يظل العبور البحري عبر ملقا لا غنى عنه في المدى المنظور بسبب قدرته الاستيعابية الهائلة، وكفاءته، واندماجه في شبكات الشحن العالمية.

 

البديل القطبي

في نطاق اقتصاد معولم ومرتبط الحلقات والشركاء، تهدد هشاشة هذه المواقع السلاسل اللوجستية للاقتصاد العالمي، حسب ما يوضح الكتاب من خلال عدة نماذج من المضايق الإستراتيجية. أكثر من ذلك، يصعد منسوب التهديد ليضرب مقومات الأمن والاستقرار في البر والبحر كما بيَّنت أزمة هرمز التي تُعرف بدايتها دون أن يعرف أحد مآلها ونطاق امتداد تداعياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والبيئية أيضًا.

إن الهشاشة واللايقين طابع ملازم للرهانات الاقتصادية والإستراتيجية في هذه المجالات البحرية، والقوى المنخرطة أو المعنية تبدي وعيًا وتبذل جهدًا للتجاوز والالتفاف. في هرمز، كما في ملقا، نشهد حالة شد وجذب، معلنة أحيانًا ومضمرة أخرى، بين القوة المشاطئة التي تريد الاتكاء على المضيق وتكريسه ورقة للضغط والمساومة والإبقاء على امتياز المبادرة في مجالها البحري، والقوة الكبرى الراغبة في انتزاع هذه الورقة كخطوة للتطويق والإخضاع في ساحة التفاوض حول المعادلة الإقليمية، كما في هرمز، والدولية، كما في ملقا.

وهما يتناولان سيناريوهات الاختناق في شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وبؤر مرجحة في التوازنات الإستراتيجية للنظام العالمي والأنظمة الإقليمية، ينخرط المؤلفان في نقاش يتسع بشكل مطَّرد في مراكز التفكير والدراسات الاستشرافية والأدبيات الجيوسياسية حول البدائل الممكنة التي يتيحها المجال القطبي. يتساءلان: هل تتحول الممرات البحرية القطبية إلى طرق سريعة للملاحة البحرية مستقبلًا؟

يتواتر هذا السؤال في سياق التغيرات المناخية وتراجع الغطاء الجليدي في المحيط المتجمد الشمالي؛ حيث تناسلت سيناريوهات فتح هذه الممرات القطبية منذ بداية القرن الحادي والعشرين. ألا تتيح هذه الممرات، التي قد تصبح قريبًا خالية من الجليد في فصل الصيف، إمكانية الاستفادة من مسافات أقصر بكثير (15.700 كيلومتر بين روتردام وطوكيو بدلًا من 21.200 كم عبر قناة السويس)؟

فعليًّا، تزايدت حركة الملاحة في المنطقة القطبية الشمالية. ففي المجال القطبي الكندي، ارتفع عدد الرحلات من 121 رحلة، في عام 2005، إلى 499 رحلة، في عام 2023. وبين عامي 2013 و2019، زاد عدد السفن التي تبحر في المياه القطبية بنسبة 37%؛ مما يعني أن هناك بالفعل عددًا متزايدًا من السفن التي تتوجه إلى المنطقة القطبية.

لكن الكتاب يعود إلى تنسيب هذه الدينامية الملاحية القطبية؛ ذلك أن نشاط هذه السفن يتركز غالبًا على الصيد، والمشاركة في استغلال الموارد، وتزويد القرى المحلية بالإمدادات، ونقل السياح. أما حركة نقل البضائع فلا تزال ضعيفة جدًّا: سفينة بضائع واحدة فقط عبرت الممر الشمالي الغربي في عام 2017، و5 سفن في عام 2019، و13 سفينة في عام 2023. وفي المقابل، عبرت 18 سفينة طريق بحر الشمال في عام 2015، و64 في عام 2020، و75 في عام 2023، وكانت الغالبية العظمى منها سفن روسية متجهة إلى مورمانسك، وبالتالي تظل داخل المنطقة القطبية.

في قطاع نقل الحاويات، يعود سبب عدم الإقبال على الطريق القطبي أساسًا إلى طبيعة تنظيم النقل البحري نفسه، وإلى حالة عدم اليقين المحيطة بموثوقية وقت العبور. فشركات الشحن تعمل وفق منهجية لوجستية تعتمد على “التسليم في الوقت المحدد” (Just-in-time)، وبالتالي فهي لا تبيع مجرد خدمة توصيل المنتجات، بل تضمن تسليمها في يوم محدد يتم الإعلان عنه ضمن جداول زمنية تنشر قبل ستة أشهر. وكل يوم تأخير يترتب عليه غرامات مالية ويهز مصداقية الشركة. فالتباين الكبير من سنة إلى أخرى في مواعيد ذوبان الجليد وتشكله مجددًا، فضلًا عن التيارات والرياح التي تنقل الجليد الانجرافي، يجعل من الصعب جدًّا ضمان ألا يؤدي الجليد إلى سدِّ المضائق التي ستمر عبرها السفن(37).

والواقع أن التطورات اللاحقة لصدور الكتاب حملت مستجدات تختبر فرضية البديل القطبي على أرض الواقع. فيوم 15 أغسطس/آب 2026، أوردت وكالات أنباء قصاصات تحمل تصديقًا للسيناريو المستقبلي الذي تشكِّله المنطقة القطبية بإمكانيات ولو صعبة ومحدودة في توسيع بدائل العبور التي تحتكرها المضايق اليوم، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. فقد غادرت سفينة الحاويات “دبي تاور” ميناء نينغبو شرقي الصين ووصلت بالفعل ميناء تيزبورت شمال شرقي إنجلترا، يوم 9 سبتمبر/أيلول، عبر الطريق البحري الشمالي الذي يمر بمحاذاة الساحل الروسي في المحيط المتجمد الشمالي، في خطوة تتيح لبيجين تجنب المرور عبر الشرق الأوسط واختصار مسار الشحن.

وتندرج الرحلة ضمن مشروع “طريق الحرير القطبي” الصيني. ومن المقرر أن يتحول الخط إلى خدمة أسبوعية خلال موسم الملاحة الصيفي. وتأتي هذه الخطوة في ظل الاضطرابات المتزايدة في الشرق الأوسط على خلفية حرب الولايات المتحدة على إيران، وما تسببه من مخاطر على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن المسافة عبر هذا المسار تبلغ نحو نصف المسافة التي تقطعها السفن عبر قناة السويس؛ مما يمنحه جاذبية لشركات الشحن الباحثة عن تقليص زمن الرحلات وتكاليفها.

ومن المقرر أن تشغل شركة “سي ليجند” المالكة للسفينة الخط حتى أكتوبر/تشرين الأول، مستفيدة من ذوبان الجليد خلال موسم الصيف الذي يسمح للسفن بالعبور من دون الحاجة إلى كاسحة جليد.

ويرى مراقبون أن اتساع استخدام الطريق قد يفتح مسارًا جديدًا للتجارة بين آسيا وأوروبا، لكنه يظل مرتبًطا بعوامل موسمية ومناخية وأمنية، فضلًا عن التحديات البيئية التي ترافق زيادة النشاط البحري في المنطقة.

وتختبر شركات شحن صينية وروسية وكورية جنوبية إمكانات استخدام الطريق تجاريًّا، فيما أصبح الإبحار عبره أكثر قابلية للتنفيذ مع تسارع ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي(38).

 

خلاصات

ما كان يُعتقد أنه أزمة قصيرة المدى في مضيق هرمز أصبح مأزقًا ممتدًّا يضع المضايق في صلب النقاش الدولي حول الأمن الاقتصادي والإستراتيجي على المستوى الإقليمي والعالمي. ولئن كانت سيناريوهات الاختناق والإغلاق في هذه المعابر لم تعد فرضيات متشائمة بل خبرة واقعية تسائل العالم، سياسيين وصنَّاع قرار وباحثين، فإن البدائل الجذرية تبدو غير جاهزة حتى اليوم.

يذكر الباحثان أنه من قبيل التصور الخاطئ الاعتقاد بأنه يمكن قطع الملاحة الدولية بمجرد إغلاق مضيق أو قناة، ثم يعودان إلى تأكيد استمرار الأهمية الحيوية لهذه المواقع. صحيح أن إغلاقًا محتملًا لقناة السويس مثلًا، أو حصار مضيق ملقا، سيكون لهما تداعيات كبرى على تنظيم حركة المرور البحري؛ مما يفرض إعادة تنظيم لوجستية معقدة، وزيادة في تكاليف النقل، وتأثيرات خطيرة على الأنشطة التصنيعية التي غالبًا ما تُنظَّم وفق أسلوب “التسليم في الوقت المحدد”؛ غير أن هذه التأثيرات لن توقف حركة التبادل بشكل قاطع، بالنظر إلى وجود بدائل بحرية أخرى، أو على المدى الأطول عبر الممرات القطبية، رغم أنها لا تزال غير جاذبة لحركة التجارة حتى الآن.

إن إغلاق المضائق الإستراتيجية يُحدث بالتأكيد موجة صدمة، لكنها لن تكون قاضية، بحسب هذا الكتاب الذي يقر بعناد الجغرافيا ودورها في تقييد الخيارات، لكنه لا يستسلم لحتميتها المطلقة. ولعل أزمة هرمز تزكي هذا الطرح، في وقت يخيم شبح الإغلاق مجددًا على باب المندب، مع إطلاق موجة جديدة من هجمات الحوثيين.

قدَّم الكتاب إضاءة مفيدة ومركبة لوجهي المعادلة التي تحكم وظيفة المضايق في النظام الدولي، مفصِّلًا الأهمية الحيوية لهذه المواقع الجغرافية في صناعة الرخاء العالمي وتيسير تدفق المبادلات العابرة للقارات، من جهة، ومنبِّهًا إلى هشاشة الرهان على هذه الحلقات المهددة بالعطب أو الإغلاق التام مع ما يترتب عن ذلك من اضطرابات تصيب قلب الاقتصاد العالمي وتخلخل سلاسل التوريد.

واقترح الباحثان مسحًا واسعًا لنماذج من المضايق الأكثر أهمية على الصعيدين، الاقتصادي والإستراتيجي، مبرزين الرهانات المطروحة على راهن ومستقبل هذه المواقع، بين وظيفة داعمة لدينامية التبادل الإقليمي والعالمي وهشاشة بنيوية تنطوي على سيناريوهات جدية للإغلاق، بعضها تحقق في الماضي على غرار حوادث السويس وباب المندب، وبعضها تحقق بعد إصدار الكتاب في أزمة هرمز، بينما تظل سيناريوهات سوداء أخرى معلقة في المستقبل على صعيد المضايق الآسيوية مثلًا، مثل مضيق ملقا. بل تقدم الكتاب في خطوة أخرى نحو مساءلة قدرة القوى الدولية على هزم الحتمية الجغرافية الراهنة وشق طرق جديدة تتجاوز المضايق الحيوية اليوم وبالتالي تسقطها من حزمة أوراق الدول المشاطئة التي تعوِّل عليها في رخائها الاقتصادي وقوتها التفاوضية الإستراتيجية. كان النموذج الأبرز في هذا السياق هو الطريق التجاري القطبي، ولو أن 3 صفحات ظلت غير كافية لتقليب جدوى الاستثمار في هذا المجال، مع العلم بأنه مطروق بشكل مكثف في الأدبيات الجيوسياسية والأبحاث المستقبلية.

لكن الإفادات المتحصلة من الكتاب تحتمل بعض الملاحظات التي تخص الإغراق في الطابع الوصفي التركيبي الذي يعتمد ترتيب المعلومات والمؤشرات والأحداث التي تغذي طرفي المعادلة المشار إليها سلفًا، بين أهمية المضايق وهشاشتها الإستراتيجية. ولعل الصيغة التحريرية التي انحدر منها الكتاب تبرر نسبيًّا هذا القصور. فالكتاب صدر ضمن سلسلة بعنوان “جيوبوليتيك”، برَّر الناشر إطلاقها بالسعي إلى تفكيك حالة التعقيد الناجمة عن تنامي الاعتماد المتبادل بين المجتمعات والمجالات الترابية مع ظهور إشكالات جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا.

يستدعي ذلك تقديم مقاربات لحالة العالم في سياق شمولي تبسيطي. إنه إذن عمل ذو طابع تعليمي بيداغوجي يروم إشاعة معرفة متخصصة لدى شريحة أوسع من القرَّاء. وبالفعل، يمكن الجزم بأن الكتاب يأخذ القارئ العام إلى قلب الإشكالية بنوع من التبسيط والتدرج في قصة تبدأ بالتعرف على ملامح المجال الجغرافي مرورًا بأهميته في الاقتصاد والأمن من جهة، والمخاطر المحدقة التي تهدد بتحويله إلى مجال فوضى واضطراب، من جهة أخرى، وصولًا إلى الطرق البديلة للالتفاف على هذه النقاط.

إن ملاحظة شكلية تخص حجم الإصدار (184 صفحة) تكفي للقول بأنه من المستحيل تقديم الإحاطة الوافية بالأبعاد الجيوسياسية للمضايق بتعدد مواقعها في الخريطة ورهانات وظيفتها التبادلية وأبعاد أهميتها الإستراتيجية والأمنية في مادة تحليلية لا تتجاوز 160 صفحة (باستبعاد الفهرس والتقديم والخاتمة). رهانات التبادل التجاري، والنقل البحري، والطاقة، والبيئة، والأمن، والتوازنات العسكرية، والجريمة الدولية…هذه جملة من الإشكاليات الفرعية التي تتناسل هي الأخرى إلى إشكاليات أوسع يستحق كل منها كتبًا ودراسات مستفيضة مما يحكم على الكتاب بالاقتضاب والعمومية، لكنه لا يرفع عنه أهميته المرجعية التي توجه القارئ والباحث المهتم نحو تقصي نصوص أكثر تخصصًا وعمقًا وتأصيلًا.

يستحضر الكتاب نماذج كثيرة من المضايق في عرض أطروحته التي تقرن الأهمية بالهشاشة الداعية إلى جهود من أجل بدائل مستدامة لسيناريوهات العطب والإغلاق، لكن القارئ المهتم أو الباحث المختص يظل مفتقدًا للتأصيل النظري الذي يربط إشكاليات المضايق بالمفاهيم الكبرى في العلاقات الدولية: الصراع كحالة مهيمنة في ممارسة السياسة، والسيادة كسند حاسم في تعريف الدولة، والإقليم كمجال تسعى كل دولة إلى احتكار السيطرة عليه، والقوة كمنظومة مكونة من عدة عناصر منها الموقع الجغرافي والمجال البحري، والاعتماد المتبادل كمفهوم مؤسس لدينامية التبادل الدولي في زمن العولمة…وكل هذه المفاهيم لها موقعها لدى صانع القرار أو الباحث على السواء في قراءة واقع المضيق كمجال جيوسياسي واستشراف مآلاته.

قد يسجل القارئ اختلالًا في العمق التحليلي لوجهي الأهمية التي تكتسيها المضايق، حيث يتوسع الكتاب في عرض وتركيب المؤشرات التي تعكس الوظيفة الحيوية لهذه المواقع في إنعاش حركة التبادل الاقتصادي، لكنه يعتمد الاختزال في رصد الدينامية الجيوستراتيجية التي تشهدها من خلال مجهودات الدول المشاطئة والقوى الدولية أيضًا لتجهيز هذه المواقع وهيكلتها عسكريًّا وأمنيًّا ولوجستيًّا بحيث تغطي الأولويات الأمنية للدول. فالمضايق والمجالات البرية والبحرية المجاورة لها تغدو مواقع متقدمة للتحصين والتطويق ومراقبة المجال الحيوي والتحسب للحظة مواجهة مفترضة، على غرار أزمة هرمز. وفي هذا الصدد، كان من المأمول أن يوسع الباحثان أفق مقاربتهما لمضيق ملقا ليصبح بؤرة تحليل واستشراف لمآل السباق، المعلن والخفي في نفس الآن، بين الولايات المتحدة والصين. فمضيق ملقا سيتلون في المستقبل بلون القوة العالمية التي ستتصدر النظام الدولي.

 أخيرًا، تطرح خلفيات المقاربة في هذا الكتاب، وفي معظم الدراسات الغربية، إشكالية الموقع والموقف. دون محاكمة للنوايا، يفكر الباحثون الغربيون في إشكالية المضايق الحيوية المتمركزة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا بمنظار مشوب بالمركزية حين يطرحون كسؤال محوري، تصريحًا أحيانًا وإضمارًا أحيانًا أخرى، سؤال البديل الممكن للتحرر مما يصنع قوة فاعلين إقليميين خارج أوروبا وأميركا. إنهم يقاربون سؤال المصلحة في التحرر من إكراه العبور عبر المضايق من منطلق حسابات المجال الأوروبي الأميركي، بوصفها مصلحة كونية. وهو ما يحيل إلى الدور المنوط بالباحثين وصنَّاع السياسات في هذه المناطق، بأن يطلقوا النقاش العلمي المستقبلي الذي يفتح أفق هذه المواقع لتغدو محاور بناء نسيج بيني تكاملي يثمر الرخاء والاستقرار المحلي والإقليمي، بدل الارتهان للإستراتيجيات الخارجية.

المراجع

(1) F. Lasserre, & P. Pic (2025). Géopolitique des détroits: Enjeux de contrôle de passages stratégiques. Le Cavalier bleu. p. 29.

(2) هشام قدري أحمد، (2025)، قواعد القانون الدولي الناظمة للملاحة في المضائق الدولية وتطبيقاتها على مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين، مجلة قضايا آسيوية، مجلد 5، العدد 23، ص 80.

(3) المرجع نفسه، ص. 81-82.

(4) C. Biaggi, & L. Carroué (2024, juin). «Les grands détroits et canaux internationaux dans la géopolitique des mers et océans, un système très hiérarchisé sous tensions multiformes». Géoconfluences.

https://geoconfluences.ens-lyon.fr/informations-scientifiques/dossiers-thematiques/oceans-etmondialisation/articles-scientifiques/passages-strategiques-maritimes-ppo-geopolitique

(5) P. Pic (2026). Les détroits sont-ils le centre du monde? Les Grands Dossiers des Sciences Humaines, 83(2), pp. 40-45. [https://doi.org/10.3917/gdsh.083.0040](https://doi.org/10.3917/gdsh.083.0040)

(6) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 45.

(7) C. Biaggi, & L. Carroué. «Les grands détroits et canaux internationaux dans la géopolitique des mers et océans…». Op. cit.

(8) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 56.

(9) F. Lasserre, & P. Pic. Idem, p. 66.

(10) محمد جمال، “المرور البريء أم العابر.. أي قوانين الملاحة تنطبق على مضيق هرمز؟”، اليوم السابع، 16 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 17 يوليو/تموز 2026)، [https://tinyurl.com/3v4c8vn8](https://tinyurl.com/3v4c8vn8)

(11) N. Aloupi (2026, March 25). «Détroit d’Ormuz: Quel est le droit qui s’applique?». Le Club des Juristes. [https://www.leclubdesjuristes.com/le-club-dans-les-echos/detroit-dormuz-quel-est-le-droit-qui-sapplique-15065/](https://www.leclubdesjuristes.com/le-club-dans-les-echos/detroit-dormuz-quel-est-le-droit-qui-sapplique-15065/)

(12) P. Pic. «Les détroits sont-ils le centre du monde?». Op. cit.

(13) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 86.

(14) G. Paladinou (2025). The geopolitical importance of maritime choke points and the Northern Sea Route (Master’s thesis, University of Piraeus). p. 6.

(15) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 31.

(16) G. Paladinou. The geopolitical importance of maritime choke points and the Northern Sea Route. Op. cit., p. 12.

(17) G. Paladinou. Idem, p. 15.

(18) C. Biaggi, & L. Carroué. «Les grands détroits et canaux internationaux dans la géopolitique des mers et océans, un système très hiérarchisé sous tensions multiformes». Op. cit.

(19) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 101.

(20) F. Lasserre, & P. Pic. Idem, p. 122.

(21) O. Canuto (2026). Dire Strait of Hormuz: A chokepoint for global food and energy. In: Hormuz and the invisible fractures: The price of a distant war views from the new south. Policy Center for the New South. p. 74.

(22) M. Ratner, L. W. Rosen, & C. Thomas (2026, August 7). The Strait of Hormuz: Security Developments and Impacts on Oil, Gas, and Other Commodities (Report). Congressional Research Service. p. 2.

(23) F. Belhaj (2026). The Hormuz test: Power, law and the fragmentation of trade and connectivity (a triple fracture). In: Hormuz and the invisible fractures… Op. cit., p. 23.

(24) A. Nonjon (2011, 2 mars). «Le détroit d’Ormuz, le verrou géopolitique de toutes les peurs». Diploweb.com: La revue géopolitique.

(25) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 164.

(26) M. Ratner, L. W. Rosen, & C. Thomas. The Strait of Hormuz: Security Developments and Impacts on Oil, Gas, and Other Commodities… op cit. p 7.

(27) Jason Ladnier: Conflict-Driven Chokepoint Disruptions Crisis Response Playbook no. 4. Policy report. Spirit of America. July 23, 2026. P 2- 3.

(28) M. Isidore (2026, August 18). «Contourner l’incontournable: Étude des projets visant à se passer des détroits d’Ormuz et Bab el-Mandeb pour l’exportation des hydrocarbures moyen-orientaux». Les clés du Moyen-Orient. [https://www.lesclesdumoyenorient.com/Contourner-l-incontournable-etude-des-projets-visant-a-se-passer-des-detroits-d.html](https://www.lesclesdumoyenorient.com/Contourner-l-incontournable-etude-des-projets-visant-a-se-passer-des-detroits-d.html)

(29) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 13.

(30) مروة عدي موسى، ودنيا جواد مطلك، (2024)، الأهمية الإستراتيجية لمضيق ملقا وأثره في التنافس الأميركي-الصيني، مجلة حمورابي، العدد 49، ص149.

(31) C. Biaggi, & L. Carroué. «Les grands détroits et canaux internationaux dans la géopolitique des mers et océans, un système très hiérarchisé sous tensions multiformes». Op. cit.

(32) G. Paladinou. The geopolitical importance of maritime choke points and the Northern Sea Route. Op. cit., p. 22.

(33) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 72.

(34) F. Lasserre, & P. Pic. Idem, p. 20.

(35) نزار الفراوي، الصين.. زعامة القرن: من “الحزام والطريق” إلى ما بعد كورونا، (عمان، دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2021).

(36) L. Doucet (2026, 21 juillet). «Contourner les détroits: Une alternative viable?». Le Camulogène [Brève marine n°5. [https://lecamulogene.fr/2026/07/21/breve-marine-n5-contourner-les-detroits/](https://lecamulogene.fr/2026/07/21/breve-marine-n5-contourner-les-detroits/)

(37) F. Lasserre, & P. Pic. Géopolitique des détroits. Op. cit., p. 142.

(38) أول سفينة حاويات صينية تسلك طريق الحرير القطبي إلى أوروبا، الجزيرة نت، 16 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 17 أغسطس/آب 2026)، [https://tinyurl.com/36p3p8yv](https://tinyurl.com/36p3p8yv)