ملخص
يشهد النظام الدولي المعاصر تحولًا جذريًّا في طبيعة الصراع يتجاوز التطور التقني ليعيد تشكيل مفهوم الحرب والفاعلية نفسها. لم تعد الحرب فعلًا عسكريًّا تقليديًّا يتركز حول الدولة والإنسان، بل أصبحت عملية شبكية هجينة قائمة على البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، تستهدف البنى الإدراكية والسلوك الجماعي قبل التدمير المادي. تنطلق الدراسة من فرضية أن الفاعلية الخوارزمية أصبحت عاملًا بنيويًّا في صناعة القرار العسكري والسياسي؛ مما يطرح أزمات حول المسؤولية والسيادة والشرعية. وتستهدف الدراسة تقديم قراءة نقدية تحليلية تربط بين الأمن، والفلسفة السياسية، وأطروحات ما بعد الإنسانية، ساعية إلى فهم التحولات العميقة في معنى الحرب والفاعلية في العصر الرقمي.
الكلمات المفتاحية: حروب الجيل الخامس، الفاعلية الخوارزمية، ما بعد الإنسانية، الحروب الهجينة، السيادة الرقمية.
Abstract
The contemporary international system is witnessing a profound transformation in the nature of conflict, one that goes beyond mere technological advancement to reshape the very concept of war and agency. War is no longer a traditional military act centred on the state and human actors; it has become a hybrid networked process driven by big data, algorithms and artificial intelligence, targeting cognitive structures and collective behaviour before material destruction. This study posits that algorithmic agency has emerged as a structural factor in military and political decision-making, raising critical challenges related to responsibility, sovereignty and legitimacy. It offers a critical analytical perspective that bridges security studies, political philosophy and post humanist thought, aiming to explain the deep shifts in the meaning of war and agency in the digital age.
Keyword: fifth-generation warfare, algorithmic agency, posthumanism, hybrid warfare, digital sovereignty.
مقدمة
يشهد النظام الدولي في العقدين الأخيرين تحولًا بنيويًّا عميقًا في طبيعة الصراع، تحولًا لم يعد يُختزل في انتقال تقني من أدوات قتالية تقليدية إلى أدوات أكثر تطورًا بل في انقلاب إبستمولوجي كامل على معنى الحرب، وفاعلها، وأدواتها، وفضائها، ومجال تأثيرها. فالحرب المعاصرة لم تعد حدثًا عسكريًّا محصورًا في ميدان قتال جغرافي، ولا فعلًا سياديًّا محكومًا بقواعد الاشتباك الكلاسيكية، بل صارت بنية ممتدة متعددة الطبقات تتقاطع فيها الفاعلية السياسية مع الفاعلية الرقمية، وتتداخل فيها السلطة مع الخوارزمية، ويتراجع فيها الإنسان من موقع الفاعل المركزي إلى موقع الكيان المُدار حسابيًّا داخل منظومات قرار شبه آلية.
إن تطور أجيال الحروب الخمس يعكس مسارًا تحوليًّا عميقًا في بنية الصراع المسلح، انتقل من الضبط الشكلي إلى التفكيك الإدراكي؛ إذ تُمثل حروب الجيل الأول (1GW) المرحلة التي أعقبت صلح وستفاليا (1648)؛ حيث تكرس احتكار الدولة للعنف ضمن إطار بيروقراطي صارم قائم على “ثقافة النظام”، عبر تكتيكات خطية وتنظيمات هندسية تفصل بوضوح بين العسكريين والمدنيين. ومع الثورة الصناعية، برزت حروب الجيل الثاني (2GW) بوصفها انتقالًا إلى “ثقافة القوة النارية الكثيفة”؛ حيث أصبحت المدفعية والنيران غير المباشرة هي أداة الحسم ضمن منطق استنزافي صناعي يُدار مركزيًّا ويقيس النصر بكمية الموارد والقدرة الإنتاجية، غير أن جمود هذا النموذج أفضى إلى نشوء حروب الجيل الثالث (3GW)، التي دشَّنت قطيعة مفاهيمية عبر تبني “ثقافة المناورة”، مركِّزةً على السرعة والمباغتة والتغلغل العملياتي لتفكيك منظومة العدو من الداخل بدل تدميرها ماديًّا، مع تعزيز اللامركزية ومنح المبادرة للوحدات الميدانية. وفي منعطف أكثر راديكالية، جاءت حروب الجيل الرابع (4GW) لتقوض احتكار الدولة للعنف، مُدخلةً فواعل غير دولتية في صراع غير متماثل (Asymmetric warfare)، تتلاشى فيه الحدود بين الحرب والسياسة، ويُستهدف فيه الوعي الجمعي والإرادة السياسية عبر أدوات نفسية وإعلامية وشبكية، أما حروب الجيل الخامس (5GW)، فتمثل ذروة هذا التحول، إذ تنتقل الحرب من المجالين، المادي والمؤسساتي، إلى المجال الإدراكي الخالص، حيث تُدار الصراعات عبر الفاعلية الخوارزمية والذكاء الاصطناعي في بيئات معلوماتية معقدة تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الخصم وتفكيك بنيته الداخلية دون مواجهة مباشرة، بما يفضي إلى نمط من “اللا يقين الإستراتيجي” الذي تتلاشى فيه الحدود بين السلم والحرب، ويغدو فيه الإنسان ذاته موضوعًا للصراع لا أداةً له([1]).
في هذا السياق، تبرز “حروب الجيل الخامس” بوصفها التعبير الأكثر تطرفًا عن هذا التحول؛ إذ لا تقوم على التدمير المادي المباشر بقدر ما تقوم على تفكيك البنى الإدراكية، وإعادة هندسة الوعي، والتحكم في أنماط السلوك الجماعي، وتوجيه الإدراك السياسي عبر أدوات رقمية قائمة على البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والخوارزميات التنبؤية. وهي بذلك لا تستهدف الجسد قبل أن تستهدف العقل، ولا تحتل الأرض قبل أن تحتل الفضاء السيبراني والرمزي.
ويتقاطع هذا النمط من الصراع مع أطروحات “ما بعد الإنسانية” التي تفكِّك مركزية الإنسان في الفلسفة الحديثة، وتعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًا شبكيًّا موزعًا بين البشر، والآلات، والخوارزميات، والبنى التقنية. فالحرب في عصر ما بعد الإنسانية لم تعد فعلًا إنسانيًّا صرفًا بل عملية هجينة تشترك فيها الكيانات البيولوجية والرقمية في إنتاج القرار، وتنفيذه، وتوجيه نتائجه. ومن ثم، فإن تحليل حروب الجيل الخامس دون مساءلة الأساس الفلسفي لما بعد الإنسانية يظل تحليلًا تقنيًّا قاصرًا، عاجزًا عن إدراك التحول العميق في بنية الفاعلية ذاتها.
تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتجاوز المقاربات الوصفية لحروب الجيل الخامس، والتي تكتفي بتعداد أدواتها وتقنياتها، إلى مقاربة تحليلية نقدية تفكِّك الأسس الفلسفية والمعرفية التي تجعل هذا النمط من الصراع ممكنًا. فالقيمة العلمية للدراسة لا تكمن في وصف الأدوات، بل في تفكيك المنطق الذي يحكم اشتغالها، وفي تحليل التحول من فاعلية إنسانية سيادية إلى فاعلية خوارزمية موزعة.
كما تكتسب الدراسة أهميتها من إسهامها في ربط حقل الدراسات الأمنية والعسكرية بحقول فلسفية معاصرة، وفي مقدمتها فلسفة ما بعد الإنسانية، وفلسفة التقنية، ونظريات الفاعلية غير البشرية. فهذا الربط لا يزال ضعيف الحضور في الأدبيات العربية بل وحتى في جزء معتبر من الأدبيات العالمية التي تتعامل مع حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة تقنية أو إستراتيجية، دون مساءلة الأساس الأنطولوجي والمعرفي الذي أعاد تعريف الحرب ذاتها.
وتتجلى أهمية الدراسة كذلك في بعدها النقدي؛ إذ لا تتعامل مع الفاعلية الخوارزمية بوصفها تقدمًا محايدًا بل بوصفها تحولًا يطرح إشكاليات أخلاقية وسياسية وقانونية، تتصل بمسؤولية القرار وحدود المحاسبة وتآكل السيادة وتفكك مفهوم الفاعل السياسي التقليدي.
تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن حروب الجيل الخامس لا تمثل مجرد مرحلة متقدمة في تطور أدوات الصراع، بل تعبِّر عن تحول جذري في بنية الفاعلية ذاتها، تحول يتقاطع مع أطروحات ما بعد الإنسانية التي تنزع المركزية عن الإنسان لصالح شبكات من الفاعلين الهجينين، البشر والتقنيات والخوارزميات.
وتتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية مجموعة من الأسئلة التحليلية العميقة، من أبرزها:
- كيف أعادت الفاعلية الخوارزمية تشكيل مفهوم الحرب من فعل سيادي إنساني إلى عملية شبكية موزعة؟
- إلى أي حدٍّ يمكن اعتبار حروب الجيل الخامس تجسيدًا عمليًّا لأطروحات ما بعد الإنسانية؟
- ما طبيعة التحول في مفهوم المسؤولية السياسية والقانونية في ظل قرارات تُنتج داخل أنظمة شبه ذاتية؟
- كيف يؤثر هذا التحول على مفاهيم السيادة، والشرعية، والردع، والمحاسبة؟
تنطلق الدراسة من مجموعة من التساؤلات المنهجية التي تسعى إلى البحث عن إجاباتها، وأهمها:
- كيف تمثل حروب الجيل الخامس انتقالًا من الحرب بوصفها فعلًا إنسانيًّا واعيًا إلى الحرب بوصفها عملية خوارزمية موزعة تشترك في إنتاجها أنظمة رقمية ذات قدرة تنبؤية وتقريرية؟
- هل توفر الفلسفة ما بعد الإنسانية الإطار النظري الأقدر على تفسير هذا التحول، من خلال تفكيك مركزية الإنسان في الفاعلية التاريخية والسياسية؟
- ما مدى الأزمة التي تنتجها الفاعلية الخوارزمية في مفاهيم المسؤولية والمحاسبة، نتيجة تشتت القرار بين فاعلين بشريين وغير بشريين؟
- كيف يعيد هذا التحول تعريف مفاهيم السيادة والشرعية في النظام الدولي المعاصر؟
تعتمد الدراسة على توليفة منهجية مركبة، تفرضها طبيعة الموضوع متعددة المستويات، وتتمثل في:
المنهج التحليلي التفكيكي: لتفكيك المفاهيم المركزية مثل الحرب، والفاعلية، والخوارزمية، وما بعد الإنسانية، وكشف تحولاتها الدلالية والتاريخية.
المنهج النقدي: لمساءلة الخطاب التقني والإستراتيجي الذي يقدم حروب الجيل الخامس بوصفها تقدمًا محايدًا، وكشف ما ينطوي عليه من افتراضات أيديولوجية ومعرفية.
المنهج المقارن: لمقارنة أنماط الحرب التقليدية بأنماط الحرب في الجيل الخامس، ومقارنة الفاعلية الإنسانية بالفاعلية الخوارزمية.
المنهج البين-تخصصي: الذي يدمج بين الفلسفة السياسية، ونظريات التقنية، والدراسات الأمنية، ونظريات العلاقات الدولية.
تستند الدراسة إلى مجموعة من المداخل النظرية التي تشكل إطارها التحليلي العام، وفي مقدمتها:
- مدخل ما بعد الإنسانية: الذي ينزع المركزية عن الإنسان، ويعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًا شبكيًّا موزعًا بين البشر والتقنيات.
- مدخل فاعلية الفاعلين غير البشريين: الذي يمنح للأنظمة التقنية والخوارزميات موقعًا فاعلًا في إنتاج القرار والسلوك السياسي.
- مدخل دراسات التقنية والسلطة: الذي يربط بين البنية التقنية وبنية الهيمنة والسيطرة.
- مدخل التحول في طبيعة الحرب: الذي يفسر الانتقال من الحروب الصلبة إلى الحروب الإدراكية والرمزية والسيبرانية.
وبناءً على هذه المداخل، لا تتعامل الدراسة مع حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة عسكرية فحسب بل بوصفها تعبيرًا عن تحول أنطولوجي في موقع الإنسان داخل منظومة الفعل التاريخي، وتحول معرفي في معنى القرار، وتحول سياسي في بنية السلطة ذاتها.
المبحث الأول
التحول الفلسفي في بنية الفاعلية من الإنسان السيادي إلى الكيان الهجين
لا يمكن تفكيك بنية الصراع المعاصر، ولا إدراك منطق اشتغاله الخفي، إلا عبر مساءلة الأساس الفلسفي الذي حكم تصور الفاعلية في الفكر الحديث، والذي تشكَّل حول مركزية الإنسان بوصفه ذاتًا عاقلة، سيدة على فعلها، ومتحكمة في قرارها، وقادرة على توجيه التاريخ من خلال إرادة واعية ومقصودة. هذا التصور لم يكن مجرد افتراض فلسفي مجرد، بل تحول إلى بنية معرفية مهيمنة انعكست في النظرية السياسية، وفي الفلسفة الأخلاقية، وفي الفكر القانوني، وفي النظرية العسكرية، حيث تم بناء مفهوم السيادة، والدولة، والحرب، والقرار، على أساس أن الفاعل المركزي هو الإنسان، ممثلًا في الدولة أو القائد أو النخبة السياسية.
لقد بلور رينيه ديكارت هذا التصور حين أسس للذات بوصفها “جوهر التفكير” القادر على إنتاج اليقين من داخله، وجعل من العقل أساس كل فعل ومعرفة([2])، ثم جاء إيمانويل كانط ليجعل الذات العاقلة شرط إمكان التجربة والمعرفة، ويمنحها موقعًا تأسيسيًّا في بناء العالم الظاهراتي([3]). وتَوَّجَ هيغل هذا المسار حين جعل التاريخ ذاته مسرحًا لتجلي العقل عبر أفعال البشر والدول، بحيث يغدو الصراع والحرب لحظات في مسار العقل الكوني نحو وعي ذاته([4])، وقد انعكس هذا التصور بوضوح في النظرية العسكرية الكلاسيكية، ولاسيما عند كارل فون كلاوزفيتز، الذي جعل الحرب امتدادًا مباشرًا للإرادة السياسية الواعية، أي فعلًا سياديًّا صادرًا عن عقل الدولة وإرادتها([5]).
غير أن هذا البناء المفهومي بدأ يتصدع مع تحولات عميقة مسَّت الفكر الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ الشك يتسرب إلى فكرة الذات السيدة على نفسها، فقد كشف نيتشه أن ما يسمى بالإرادة الحرة ليس سوى بناء أخلاقي يخفي صراعات قوى لا واعية، وأن الفعل الإنساني تحكمه إرادات قوة لا يعيها الفاعل نفسه([6])، ثم جاء فرويد ليؤكد أن قسمًا كبيرًا من السلوك الإنساني محكوم ببنى لا شعورية لا تخضع لرقابة العقل([7])، ومع البنيوية وما بعدها، جرى تفكيك مفهوم الذات ذاته، بحيث لم تعد تُفهم بوصفها مركزًا للفعل، بل بوصفها نتاجًا لبنى لغوية، وثقافية، ومؤسساتية.
في هذا السياق، أعلن ميشيل فوكو “موت الإنسان” بوصفه مركزًا معرفيًّا وأخلاقيًّا، معتبرًا أن الإنسان ليس إلا اختراعًا حديثًا سرعان ما ستطمسه التحولات المعرفية القادمة([8])، كما بيَّن أن الفاعلية ليست خاصية ذاتية بل وظيفة تُنتج داخل شبكات من الخطابات والمؤسسات والسلطات. أما برونو لاتور، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين رفض الفصل بين البشر والأشياء والأنظمة، معتبرًا أن الفعل التاريخي هو دائمًا نتاج شبكات هجينة تشترك فيها كيانات بشرية وغير بشرية([9]).
من هنا، فإن هذا المبحث لا يتعامل مع التحول نحو الخوارزميات بوصفه مجرد تطور تقني لاحق، بل بوصفه تتويجًا لمسار فلسفي طويل فكَّك مركزية الإنسان، وأعاد تعريف الفاعلية بوصفها عملية موزعة داخل شبكات مركبة من البشر والتقنيات والخطابات، فقبل تحليل حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة إستراتيجية، لابد من تفكيك الأساس الفلسفي الذي أعاد تعريف معنى الفعل ذاته، لأن الحرب ليست سوى أحد تجليات الفاعلية في صورتها القصوى.
أولًا: تفكك مركزية الإنسان في الفلسفة الحديثة وصعود منطق الفاعلية الموزعة
- إعادة تعريف الفاعلية خارج الإطار الإنساني الخالص
ارتكزت الفلسفة الحديثة منذ ديكارت على تصور ميتافيزيقي يجعل الذات مركز العالم، ومصدر المعنى، ومنبع الفعل. ففي “تأملات ميتافيزيقية” يؤسس ديكارت لليقين عبر الكوجيتو، أي عبر قدرة الذات على إدراك نفسها بوصفها جوهرًا مفكرًا مستقلًّا عن العالم([10]). هذا التصور سرعان ما تحول إلى قاعدة ضمنية للفكر السياسي؛ حيث غدت الدولة “ذاتًا كبرى” تملك عقلًا سياديًّا وإرادة واعية، وتتصرف بوصفها فاعلًا موحدًا.
عند كانط، تغدو الذات شرط إمكان المعرفة، وهي التي تفرض صورها القبلية على التجربة؛ ما يجعل العالم كما يظهر لنا نتاجًا لبنية العقل الإنساني([11]). وعند هيغل، يتجلى العقل المطلق عبر التاريخ من خلال أفعال الشعوب والدول، بحيث يصبح الصراع والحرب لحظات في مسار الوعي الذاتي للعقل([12]). هذا التصور بلغ ذروته في الفلسفة السياسية الحديثة التي ربطت السيادة بالإرادة العامة، وربطت الحرب بإرادة الدولة.
غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل مع التحولات النقدية التي مسَّت مفهوم الذات، فقد كشف نيتشه أن “الفاعل” ليس سوى افتراض لغوي وأخلاقي يخفي ديناميات القوة، وأن الفعل يسبق الفاعل لا العكس([13])، ثم جاء فرويد ليبيِّن أن الذات ليست سيدة في بيتها، وأن اللاشعور يوجه جزءًا كبيرًا من السلوك دون وعي([14]). ومع البنيوية، تحولت اللغة والبنى الرمزية والمؤسسات إلى فواعل خفية تنتج الذوات بدل أن تنتجها الذوات.
في هذا السياق، يرى فوكو أن الفاعلية ليست ملكية ذاتية بل وظيفة تنتج داخل أنساق السلطة والمعرفة. فالفاعل لا يوجد خارج الشبكة الخطابية والمؤسساتية التي تحدد ما يمكن قوله وفعله([15]). ولذلك، فإن السؤال ليس: “من يفعل؟” بل: “داخل أي نظام من القواعد والخطابات يصبح هذا الفعل ممكنًا؟”. هذا التحليل ينسف فكرة القرار السيادي الخالص ويفتح المجال لفهم الفعل بوصفه نتيجة تموضع داخل شبكة من القوى.
أما برونو لاتور، فقد رفض أن تُنسب الأفعال حصرًا إلى البشر معتبرًا أن كل فعل اجتماعي هو نتاج شبكة من “الفاعلين” تشمل البشر والأدوات والأنظمة والرموز([16]). ففي تصوره، الفعل لا يمكن عزوه إلى كيان واحد، لأن كل فعل هو نتيجة سلسلة من الترجمات والتوسطات بين عناصر متعددة.
هذا التحول النظري يعني أن الانتقال إلى عصر الخوارزميات لا يمثل قطيعة، بل يمثل تتويجًا لمسار طويل من تفكيك مركزية الإنسان. فالخوارزمية ليست دخيلة على مفهوم الفاعلية بل هي التعبير الأقصى عن منطق توزيع الفعل بين كيانات متعددة. وحين يصبح القرار نتاج تفاعل بين بشر وأنظمة بيانات ونماذج تنبؤية فإن السؤال لم يعد: من اتخذ القرار؟ بل: كيف تَشَكَّل القرار داخل شبكة من الفاعلين؟
وعليه، فإن هذا التحول ينقلنا من منطق السيادة إلى منطق التوزع، ومن مفهوم المسؤولية الفردية إلى مفهوم المسؤولية الشبكية الملتبسة؛ حيث يتعذر تحديد موضع القرار بدقة، ويتحول الفعل إلى نتيجة تركيبية لا يمكن ردها إلى فاعل واحد دون تعسف معرفي.
- التقنية بوصفها شريكًا أنطولوجيًّا في إنتاج الفعل
لم تعد التقنية في الفكر المعاصر تُفهم بوصفها مجرد أداة في يد الإنسان، بل بوصفها عنصرًا مكونًا لبنية الوجود الإنساني ذاته. فقد بيَّن مارتن هايدغر أن جوهر التقنية ليس تقنيًّا بل هو نمط في كشف الوجود؛ حيث تجعل التقنية العالم يظهر بوصفه “مخزونًا” قابلًا للتوظيف والسيطرة([17]).
ويرى جاك إيلول أن التقنية تتحول من وسيلة إلى غاية وأنها تفرض منطقها الخاص على المجتمع والسياسة والأخلاق، بحيث يعاد تنظيم الفعل الإنساني كله وفق مقتضيات الكفاءة التقنية لا وفق القيم الإنسانية التقليدية([18]).
أما في فلسفات ما بعد الإنسانية، كما عند دونا هاراواي، فإن الحدود بين الإنسان والآلة والطبيعة تصبح حدودًا وهمية. فالإنسان المعاصر كيانٌ هجين يتكون وجوده عبر تداخل بيولوجي وتقني وثقافي([19]).
وفي السياق ذاته، يذهب برنارد ستيغلر إلى أن التقنية تعيد تشكيل الذاكرة والزمان والقرار لأنها تتدخل في آليات التذكر والتوقع والتخطيط، وبذلك تشارك في إنتاج شروط الفعل ذاته([20]).
في المجال السياسي والعسكري، يعني ذلك أن أنظمة تحليل البيانات والخوارزميات التنبؤية وأنظمة دعم القرار لا تكتفي بتقديم معلومات بل تشارك في تشكيل الأفق الذي يُتخذ فيه القرار. فهي تحدد ما يظهر بوصفه “مشكلة”، وما يظهر بوصفه “حلًّا”، وما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاهله.
وبالتالي، يمكن القول: إن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يُنتج وهمًا جديدًا بالحياد؛ إذ تُقدَّم الخوارزميات بوصفها أدوات موضوعية في حين أنها مشبعة بافتراضات مصمِّميها، وبمصالح الجهات التي تتحكم في بياناتها، وبمنطق السيطرة الذي يحكم استخدامها. ومن ثم، فإن الفاعلية الخوارزمية ليست خروجًا من الأيديولوجيا بل إعادة إنتاج لها في صورة تقنية أقل قابلية للمساءلة وأكثر قدرة على التخفي.
إن تفكك مركزية الإنسان وصعود التقنية شريكًا أنطولوجيًّا في إنتاج الفعل يضع الأساس الفلسفي لفهم حروب الجيل الخامس بوصفها حروبًا ما بعد إنسانية؛ حيث لا يكون الإنسان فيها الفاعل الوحيد ولا حتى الفاعل المركزي بل أحد عُقَد شبكة معقدة تُنتج الصراع وتديره وتعيد تشكيل نتائجه.
ثانيًا: ما بعد الإنسانية بوصفها إطارًا تفسيريًّا لتحولات الصراع
- الحرب حدثًا ما بعد إنساني: من الفاعل السيادي إلى الشبكة الهجينة
إذا كانت الفلسفة الحديثة قد ربطت الحرب بإرادة إنسانية واعية تتجسد في سيادة الدولة، فإن تحولات العقود الأخيرة أفرزت نموذجًا مغايرًا لا يمكن فهمه إلا في ضوء أطروحات ما بعد الإنسانية، التي تنزع المركزية عن الإنسان، وتعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًا شبكيًّا موزعًا بين البشر والآلات والبنى الرقمية والأنظمة الخوارزمية. ففي هذا الأفق، لا تعود الحرب فعلًا إنسانيًّا خالصًا بل حدثًا هجينًا تشترك في إنتاجه كيانات متعددة المستويات، بشرية وغير بشرية، مادية ورقمية، واعية ولا واعية.
ترى دونا هاراواي أن الكائن الإنساني المعاصر هو “سايبورغ” (Cyborg)* بالمعنى الأنطولوجي، أي كيان يتكون وجوده عبر تداخل بيولوجي وتقني وثقافي، وأن هذا التداخل ينسف أي تصور جوهري للإنسان بوصفه ذاتًا مستقلة عن بنيته التقنية([21]). وإذا كان هذا صحيحًا على مستوى الوجود الفردي فإنه يصبح أكثر جذرية على مستوى الفعل السياسي والعسكري؛ حيث تتشابك الإرادات البشرية مع أنظمة الاستشعار وتحليل البيانات والمحاكاة الرقمية والخوارزميات التنبؤية في إنتاج القرار وفي تنفيذ نتائجه.
في هذا السياق، يؤكد نِك بوستروم أن صعود الأنظمة الذكية لا يغيِّر فقط أدوات الفعل بل يعيد تشكيل طبيعة الفاعل ذاته، لأن الإنسان لم يعد الفاعل الوحيد بل أحد مكونات منظومة فاعلية أوسع تشترك فيها أنظمة غير بشرية ذات قدرة على التعلم والتكيف([22]). هذا التحليل يعني أن الحرب لم تعد نتاج إرادة سياسية بشرية فحسب بل نتيجة تفاعل معقد بين إرادات بشرية ونماذج خوارزمية وأنظمة معلوماتية تعيد ترتيب الأولويات وتحدد أنماط الاستجابة الممكنة.
ويرى ريتشارد غريغوري أن الحروب المعاصرة تشهد انتقالًا من منطق “القرار البشري المركزي” إلى منطق “الدعم الخوارزمي للقرار”؛ حيث تقوم الأنظمة الرقمية بتحديد مساحات الرؤية المتاحة لصانع القرار، وترشيح الخيارات التي تظهر بوصفها عقلانية أو فعَّالة([23]). وبذلك، فإن الإنسان لا يقرِّر في فراغ بل داخل أفق تقني يحدد مسبقًا ما يمكن التفكير فيه وما يمكن استبعاده.
من منظور ما بعد إنساني، لا تعود الحرب فعلًا أخلاقيًّا يمكن نسبته إلى ذات بشرية محددة بل حدثًا شبكيًّا تتوزع فيه الفاعلية بين عناصر متعددة. ويؤكد روزنبرغ أن هذا التحول يجعل الحرب أقل ارتباطًا بالفعل الواعي وأكثر ارتباطًا بالعمليات الموزعة التي تعمل بسرعة تفوق قدرة الوعي البشري على الاستيعاب([24]).
لذا، فإن توصيف الحرب بوصفها “حدثًا ما بعد إنساني” لا يعني إلغاء الإنسان من الصراع بل يعني زحزحته من موقع الفاعل السيادي إلى موقع العقدة داخل شبكة؛ حيث يتقاطع فعله مع أفعال كيانات أخرى لا يملك السيطرة الكاملة عليها. وهذا التحول يغيِّر جذريًّا معنى الحرب؛ فهي لم تعد صراع إرادات بشرية مباشرة بل صراع شبكات وخوارزميات وبنى معلوماتية تستخدم البشر بقدر ما يستخدمونها.
- إعادة بناء مفاهيم القرار والمسؤولية في ظل الفاعلية الموزعة
إن أحد أخطر نتائج التحول ما بعد الإنساني في بنية الصراع هو إعادة تعريف مفهومي القرار والمسؤولية. ففي النموذج الكلاسيكي، يُفهم القرار بوصفه فعلًا واعيًا صادرًا عن ذات أو مؤسسة سيادية يمكن مساءلتها أخلاقيًّا وقانونيًّا. أما في النموذج الشبكي؛ حيث يتوزع الفعل بين بشر وأنظمة تقنية وخوارزميات، فإن القرار لا يصدر عن نقطة واحدة بل يتكون عبر سلسلة من العمليات الحسابية والترشيحات الآلية والتدخلات البشرية الجزئية.
يرى لوتز فريدريش أن “القرار الخوارزمي” لا يمكن فهمه بوصفه بديلًا عن القرار البشري بل بوصفه طبقة وسيطة تعيد تشكيل شروط القرار ذاته([25])؛ فالخوارزمية لا تتخذ القرار بالمعنى الأخلاقي لكنها تحدد الإطار الذي يظهر فيه القرار بوصفه ممكنًا أو معقولًا.
وتشير كاثي أونيل إلى أن الخوارزميات ليست محايدة بل مشبعة بتحيزات مصمميها وبالبيئات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، وأنها تمارس شكلًا جديدًا من السلطة غير المرئية لأنها تعمل تحت ستار الموضوعية الرياضية([26])، وعندما تُستخدم هذه الخوارزميات في المجال العسكري، فإنها لا تكتفي بتقديم معلومات بل تشارك في تحديد من هو العدو، وما هو الهدف، وما هو الخطر.
أما من حيث المسؤولية، فإن الفاعلية الموزعة تخلق ما يسميه لوكاس إنغلهارت “أزمة الإسناد”، أي صعوبة تحديد من يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن نتائج أفعال تشاركت في إنتاجها أنظمة بشرية وغير بشرية([27]). فإذا ارتكبت خوارزمية خطأ في التمييز بين هدف مدني وعسكري؛ فمن المسؤول؟ المبرمج؟ القائد؟ المؤسسة؟ النظام ذاته؟ هذا السؤال لا يجد جوابًا واضحًا داخل الإطار القانوني والأخلاقي الكلاسيكي.
ويرى بيتر آسكرسون أن هذه الأزمة ليست تقنية فحسب بل أنطولوجية؛ لأنها تمس مفهوم الفاعل ذاته، الذي لم يعد وحدة متماسكة يمكن تحميلها المسؤولية، بل شبكة من الفاعلين الجزئيين الذين يتوزع بينهم الفعل دون مركز واضح([28]).
وعليه، فإن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يفتح المجال لتبديد المسؤولية تحت ذريعة التعقيد التقني. فكل فاعل بشري يمكنه أن يدَّعي أنه لم يكن سوى حلقة صغيرة في سلسلة طويلة، وأن القرار النهائي لم يكن بيده وحده. وهكذا تتحول الفاعلية الموزعة من أداة تحليلية إلى أداة تبرير تُستخدم لتخفيف العبء الأخلاقي عن الفاعلين البشريين.
وهذا يعني أن حروب الجيل الخامس، بوصفها حروبًا ما بعد إنسانية، لا تعيد فقط تشكيل أدوات الصراع بل تعيد تشكيل الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يقوم عليه مفهوم الحرب ذاته. فهي تنقلنا من منطق المسؤولية المحددة إلى منطق المسؤولية الملتبسة، ومن منطق القرار الواعي إلى منطق القرار الشبكي؛ حيث يصبح الفعل نتيجة تركيبية لا يمكن ردُّها إلى فاعل واحد دون تبسيط مخل.
إن هذا التحول يفرض على الفكر السياسي والقانوني والأخلاقي أن يعيد بناء مفاهيمه الأساسية، لأن الإصرار على تطبيق مفاهيم السيادة والقرار والمسؤولية، كما صيغت في عصر الفاعلية الإنسانية المركزية، على واقع تحكمه الفاعلية الخوارزمية الموزعة لا يؤدي إلا إلى عجز تحليلي، وإلى فراغ معياري يتيح للتقنية أن تمارس سلطتها دون مساءلة حقيقية.
المبحث الثاني
حروب الجيل الخامس والفاعلية الخوارزمية في إعادة هندسة الصراع
إذا كان المبحث الأول قد اشتغل على تفكيك الأساس الفلسفي لتحول الفاعلية من مركزيتها الإنسانية إلى صيغتها الموزعة والهجينة، فإن هذا المبحث ينتقل من المستوى الأنطولوجي-الإبستمولوجي إلى المستوى الإستراتيجي-السياسي، بغية تحليل الكيفية التي تتجسد بها هذه الفاعلية الخوارزمية داخل أنماط الصراع المعاصر، وبصورة مخصوصة داخل ما اصطلح على تسميته بـ”حروب الجيل الخامس”، فهذه الحروب لا تمثل مجرد مرحلة تقنية لاحقة في تطور وسائل القتال، بل تعبِّر عن انقلاب في منطق الحرب ذاته، من الحرب بوصفها مواجهة مادية مباشرة بين قوى عسكرية متقابلة إلى الحرب بوصفها عملية معقدة لإعادة تشكيل الإدراك وضبط السلوك وهندسة الفضاء الرمزي والسيبراني عبر أدوات خوارزمية قادرة على التدخل في البنية العميقة للوعي الفردي والجماعي.
إن انتقال الصراع من ميدان الجغرافيا إلى فضاء الإدراك لا يعني اختفاء العنف المادي بل يعني إعادة ترتيبه داخل بنية أوسع يكون فيها العنف الفيزيائي مجرد لحظة من لحظات صراع إدراكي-خوارزمي أسبق وأعمق. فالقصف العسكري لا تكون غايته التدمير فقط بل إنتاج معنى سياسي وإعلامي ونفسي؛ والعمليات السيبرانية لا تستهدف البنية التحتية التقنية فحسب بل الثقة العامة والاستقرار الإدراكي وقابلية المجتمع لإعادة تأويل ذاته.
وتبعًا لذلك، فإن تحليل حروب الجيل الخامس يقتضي تجاوز الأدبيات التي تحصرها في قائمة من الأدوات (الإعلام الرقمي، وسائل التواصل، الحرب السيبرانية، الذكاء الاصطناعي)، إلى مساءلة المنطق الذي يحكم اشتغال هذه الأدوات بوصفها تعبيرًا عن فاعلية خوارزمية تتدخل في تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي ذاته. ومن هنا، يشتغل هذا المبحث على تفكيك التحول من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية والخوارزمية ثم على تحليل الآثار السياسية والقانونية لهذا التحول تمهيدًا لفهم أعمق لأزمة السيادة والمسؤولية في عصر الحرب الشبكية.
أولًا: من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية والخوارزمية
- الخوارزمية أداةً للسيطرة الإدراكية
يشكِّل الانتقال من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية أحد أهم التحولات البنيوية في طبيعة الصراع المعاصر، فالحرب الكلاسيكية، كما صاغها كارل فون كلاوزفيتز، كانت تُفهم بوصفها صراع إرادات سياسية يُحسم عبر القوة المسلحة، حيث تكون المعركة الفيزيائية هي الفضاء الحاسم للصراع([29]). أما في الحروب المعاصرة، وبصورة خاصة في حروب الجيل الخامس، فإن المعركة الأساسية لم تعد تُخاض في الميدان العسكري فقط بل في ميدان الإدراك، أي في كيفية رؤية الفاعلين لأنفسهم وللآخرين وللواقع وللمستقبل الممكن.
يرى مارتن ليبكي أن الحروب الحديثة تشهد انتقالًا من “تحطيم قدرات العدو” إلى “تفكيك إرادته عبر السيطرة الإدراكية”، أي عبر التأثير في تصوراته وتوقعاته وقدرته على تأويل ما يحدث حوله([30])، وهذا يعني أن الصراع لم يعد يستهدف الجسد فقط بل يستهدف البنية المعرفية التي من خلالها يفسر الجسد ما يتعرض له.
في هذا السياق، تلعب الخوارزميات دورًا مركزيًّا بوصفها أدوات لإدارة التدفق المعرفي وتوجيهه؛ فخوارزميات محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي وأنظمة التوصية لا تعمل فقط على تنظيم المعلومات بل على إعادة ترتيب الأهمية، وتحديد ما يُرى وما يُخفى، وما يتكرر وما يُنسى. وقد بيِّن إِلِي بارايزر أن هذه الخوارزميات تخلق ما يسميه “فقاعة الترشيح”؛ حيث يُحاصَر الأفراد داخل دوائر معرفية مغلقة تعيد إنتاج قناعاتهم المسبقة وتمنعهم من رؤية بدائلها([31]).
وعندما تُستخدم هذه الخوارزميات في سياق الصراع السياسي أو العسكري، فإنها تتحول إلى أدوات للسيطرة الإدراكية، لأنها لا تفرض خطابًا واحدًا بالقوة بل تعيد هندسة المجال الذي تتشكل فيه القناعات ذاتها. وهنا تكمن خطورتها: فهي لا تعمل بمنطق الدعاية الكلاسيكية التي تخاطب الوعي مباشرة بل بمنطق إعادة تشكيل شروط إمكان الوعي.
يشير مانويل كاستلز إلى أن السلطة في العصر الشبكي لم تعد تُمارَس أساسًا عبر السيطرة المباشرة على الأجساد بل عبر السيطرة على تدفقات المعلومات والمعاني داخل الشبكات([32])؛ فالذي يتحكم في الشبكة يتحكم في ما يظهر بوصفه واقعًا وما يختفي بوصفه غير ذي صلة. ومن هنا، فإن الخوارزمية ليست أداة تقنية محايدة بل بنية سلطوية غير مرئية تعيد إنتاج الهيمنة في صورة تدفق معرفي.
ويرى توماس ريد أن الحرب المعلوماتية لم تعد تقتصر على نشر الأخبار الكاذبة بل تشمل “التلاعب بالبيئة المعرفية” التي تتكون فيها الأحكام، أي التلاعب بسرعة التداول وتكرار الرسائل وربط القضايا ببعضها بطريقة تفرض مسارات تفسير معينة([33]).
من منظور نقدي، يمكن القول: إن الخوارزمية تمارس شكلًا جديدًا من السلطة يسميه بعض الباحثين “السلطة ما قبل الإدراكية”، أي سلطة تتدخل قبل تشكل الحكم الواعي، عبر تنظيم ما يدخل إلى مجال الرؤية أصلًا. وهذا يجعل السيطرة الخوارزمية أكثر عمقًا من السيطرة الأيديولوجية الكلاسيكية، لأنها لا تفرض مضمونًا بعينه بل تفرض منطق الانتقاء ذاته.
لذا، فإن هذا التحول ينقل الحرب من مستوى الصراع على الأرض إلى مستوى الصراع على شروط إدراك الأرض. فحين ينجح الفاعل في جعل خصمه يرى الهزيمة نصرًا، أو يرى القمع استقرارًا، أو يرى الاحتلال حماية فإنه يكون قد حقَّق انتصارًا إدراكيًّا يسبق أي حسم عسكري. وهنا تتحول الخوارزمية إلى سلاح إستراتيجي لا يقل خطورة عن الصواريخ والطائرات بل يفوقها أثرًا، لأنه يستهدف البنية العميقة التي من خلالها يُفهم كل عنف لاحق.
- البيانات والذكاء الاصطناعي في توجيه السلوك الجماعي
إذا كانت الخوارزمية تمثل الأداة الإجرائية للسيطرة الإدراكية، فإن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي يمثلان مادتها الخام وعقلها التحليلي؛ فحروب الجيل الخامس تقوم على افتراض أن السلوك الجماعي يمكن رصده ونمذجته والتنبؤ به ثم التدخل في توجيهه عبر أدوات رقمية دقيقة. وهذا ما يجعل الحرب تتحول من مواجهة عسكرية إلى عملية إدارة اجتماعية-نفسية واسعة النطاق.
يرى فيكتور ماير-شونبرغر وكينيث كوكير أن البيانات الضخمة لا تغيِّر فقط حجم المعلومات المتاحة بل تغير منطق المعرفة ذاته، عبر الانتقال من البحث عن العلل إلى الاكتفاء بالارتباطات الإحصائية القادرة على التنبؤ بالسلوك([34])، وهذا يعني أن الفعل السياسي والعسكري لم يعد ينتظر الفهم العميق للدوافع بل يكتفي بقدرة الخوارزمية على التنبؤ بما سيحدث إذا تم إدخال محفز معين.
في المجال العسكري، تُستخدم هذه المقاربة في ما يسمى “الحرب التنبؤية”؛ حيث تُحلل البيانات السلوكية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية لاستخراج أنماط يمكن بواسطتها توقع مناطق التوتر أو احتمالات الاحتجاج أو قابلية فئة معينة للتعبئة أو الإحباط. وقد أشار شون غورو إلى أن الجيوش المعاصرة بدأت تعتمد على نماذج تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي لتوجيه عملياتها النفسية والإعلامية([35]).
وتشير شوشانا زوبوف إلى أن منطق “رأسمالية المراقبة” يقوم على تحويل التجربة الإنسانية إلى مادة خام للتحليل والتنبؤ والتحكم، وأن هذا المنطق لا يقتصر على السوق بل يمتد إلى السياسة والأمن([36]). وعندما يُدمج هذا المنطق داخل إستراتيجيات الحرب، فإن المجتمع كله يتحول إلى مجال رصد وتجريب؛ حيث يُقاس أثر كل رسالة وكل صورة وكل حدث على السلوك الجماعي ثم يُعاد ضبط التدخلات بناءً على النتائج.
ويرى ألكسندر غالواي أن السيطرة في العصر الرقمي لم تعد تعمل بمنطق المنع المباشر، بل بمنطق “التحكم البروتوكولي”، أي ضبط المسارات الممكنة داخل النظام بحيث يسلك الأفراد طرقًا معينة دون أن يشعروا بأنهم مُجبرون([37])، وهذا ينطبق تمامًا على توجيه السلوك في حروب الجيل الخامس؛ حيث لا يُفرض موقف سياسي بالقوة بل تُصمم البيئة الرقمية بحيث يصبح موقف معين هو الأسهل والأكثر تداولًا والأكثر قبولًا.
من زاوية نقدية، يطرح هذا التحول إشكاليات عميقة؛ فحين يصبح السلوك الجماعي موضوعًا للهندسة الخوارزمية، فإن السياسة تتحول من مجال للنقاش والصراع المفتوح إلى مجال للإدارة التقنية. ويصبح المواطن هدفًا لعمليات ضبط خفية لا يملك أدوات معرفية كافية لإدراكها أو مقاومتها.
وعليه، إن أخطر ما في توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في الحرب ليس فقط قدرتها على التنبؤ بالسلوك، بل قدرتها على تحويل هذا التنبؤ إلى أداة تدخل استباقي، بحيث يُعاد تشكيل الواقع بما ينسجم مع النموذج الحسابي، لا العكس. وهنا تتحول الخوارزمية من أداة لفهم الواقع إلى أداة لفرض واقع مطابق لتوقعاتها.
وهذا يعني أن حروب الجيل الخامس لا تستهدف فقط كسب معركة معينة بل تستهدف إعادة برمجة المجال الاجتماعي نفسه، بحيث يصبح أكثر قابلية للتوجيه وأقل قدرة على إنتاج مقاومة غير متوقعة. إنها حرب على العفوية وعلى إمكان المفاجأة وعلى قدرة الجماعات على إنتاج مسارات تاريخية لا تخضع للنمذجة المسبقة.
وبذلك، فإن الانتقال من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية والخوارزمية يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع: لحظة يصبح فيها التحكم في المعنى وفي التوقع وفي السلوك أكثر حسمًا من التحكم في الأرض ذاتها. وهي لحظة لا يمكن فهمها إلا في ضوء التحول الفلسفي الذي نزع المركزية عن الإنسان، وجعل الفاعلية نتاجًا شبكيًّا تتقاطع فيه الإرادات البشرية مع قدرات حسابية قادرة على التدخل في صميم الوعي الاجتماعي.
ثانيًا: التحولات السياسية والقانونية للفاعلية الخوارزمية
إذا كان الانتقال من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية والخوارزمية قد أعاد تشكيل أدوات الصراع وفضاءاته فإن الأثر الأعمق لهذا التحول يتجلى في إعادة بناء الأسس السياسية والقانونية التي يقوم عليها النظام الدولي ذاته؛ فحروب الجيل الخامس لا تغيِّر فقط كيفية إدارة الصراع بل تغير معنى السيادة وحدود الشرعية وطبيعة القرار ومنطق المسؤولية. إننا أمام تحول لا يمس سطح الممارسة السياسية بل بِنيتها العميقة؛ حيث لم تعد الدولة الفاعل السيادي الوحيد، ولم يعد القرار فعلًا يمكن إسناده إلى مركز واحد ولم تعد المسؤولية مفهومًا قابلًا للتحديد داخل إطار قانوني كلاسيكي.
فالفاعلية الخوارزمية، بوصفها فاعلية موزعة بين بشر وأنظمة تقنية وخوارزميات وبيانات، تُحدث اختلالًا بنيويًّا في التصورات التي قامت عليها الحداثة السياسية: تصور السيادة بوصفها احتكارًا للقرار، وتصور المسؤولية بوصفها قابلة للإسناد إلى فاعل محدد، وتصور الشرعية بوصفها نتاجًا لإرادة سياسية يمكن تتبع مسار تشكلها. ومع دخول الخوارزميات في قلب إنتاج القرار لم يعد الفعل السياسي والعسكري نتيجة إرادة واعية يمكن مساءلتها بسهولة بل نتيجة عملية مركبة تتشابك فيها حسابات آلية وترشيحات خوارزمية وتدخلات بشرية جزئية في سلسلة لا يمكن تفكيكها دون خسارة معناها.
ومن هنا، يشتغل هذا القسم على تحليل التحولات السياسية والقانونية التي تُنتجها الفاعلية الخوارزمية، من خلال محورين أساسيين: أولهما: أزمة المسؤولية والمحاسبة في ظل القرار الآلي والموزع؛ وثانيهما: إعادة تعريف السيادة والشرعية في سياق الحرب الشبكية؛ حيث تتآكل الحدود التقليدية بين الداخل والخارج، وبين السلم والحرب، وبين الفعل السيادي والفعل التقني العابر للدول.
- أزمة المسؤولية والمحاسبة في عصر القرار الآلي
شكَّل مفهوم المسؤولية حجر الزاوية في الفلسفة الأخلاقية والقانونية الحديثة؛ حيث يفترض وجود فاعل واعٍ، حُرٍّ، قادر على الاختيار، يمكن إسناد الفعل إليه، ومساءلته عنه أخلاقيًّا وقانونيًّا. وقد تأسس هذا المفهوم على تصور الذات بوصفها مركز القرار، كما عند كانط الذي ربط المسؤولية بالقدرة على الفعل وفق قانون أخلاقي يعقله الفاعل ويختاره([38]). وفي الفكر القانوني الحديث، يقوم مبدأ المسؤولية الجنائية والسياسية على إمكان إسناد الفعل إلى فاعل محدد يملك السيطرة على شروط فعله.
غير أن الفاعلية الخوارزمية تقوِّض هذا الأساس من جذوره، فالقرار في حروب الجيل الخامس لا يصدر عن ذات واحدة، بل يتكون عبر سلسلة من العمليات الحسابية والترشيحات الخوارزمية والتدخلات البشرية المتقطعة؛ ما يرفع احتمالية للوقوع في أخطاء النظام الناتجة عن عدم القدرة على التنبؤ والموثوقية بمآلات المعالجة الخوارزمية للبيانات وتحديثها بشكل مستمر.
ومن منظور واقعي، تكشف إحدى الحالات المعاصرة المرتبطة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في أنظمة الاستهداف عن اختلال بنيوي في العلاقة بين “المعرفة الخوارزمية” والواقع الديناميكي لساحات الصراع؛ حيث تشير التقديرات إلى أن حادثة قصف مدرسة “الشجرة الطيبة” في خضم القصف الأميركي-الإسرائيلي على إيران، 2026، والتي نُفِّذت استنادًا إلى قاعدة بيانات استخباراتية غير مُحدَّثة استمرت في تصنيف الموقع هدفًا عسكريًّا رغم تحوله الوظيفي منذ سنوات([39]).
تمثل هذه الواقعة نموذجًا تحليليًّا لما يمكن توصيفه بـ”القصور الزمني للخوارزميات” (Temporal Data Lag)؛ حيث تعجز النماذج الحسابية عن استيعاب التحولات السياقية المتسارعة، نتيجة اعتمادها على بيانات متأخرة زمنيًّا أو غير محدَّثة، غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في القرار الآلي بحد ذاته بل في البنية الإبستمولوجية التي تُغذِّيه؛ إذ إن الخوارزمية لا “تفكر” بقدر ما تُعيد إنتاج افتراضات كامنة في بياناتها؛ ما يجعل الخطأ الكامن فيها خطًا بنيويًّا لا عرضيًّا.
كما تشير الدراسة الاستقصائية التي أعدَّها يوفال أبراهام (Yuval Abraham) والمنشورة في (+972Magazine )، إلى أن نظام (Lavender)، القائم على الذكاء الاصطناعي استُخدم في قطاع غزة أداةً مركزيةً في إنتاج قوائم أهداف بشرية اعتمادًا على تحليل كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية؛ حيث عمل النظام على تصنيف عشرات الآلاف من الأفراد مشتبهًا بانتمائهم إلى تنظيمات مسلحة ضمن زمن قياسي وبمستوى محدود من التدقيق البشري([40]). وتكشف هذه الحالة عن تحول نوعي في طبيعة اتخاذ القرار العسكري؛ إذ لم يعد قائمًا على التقييم البشري المتدرج، بل على مخرجات خوارزمية عالية السرعة؛ الأمر الذي يرفع من احتمالية “تضخيم الخطأ” نتيجة الاعتماد على بيانات قد تكون غير مكتملة أو غير دقيقة.
وقد أطلق ماتياس مصطلح “فجوة المسؤولية” لوصف هذا الوضع؛ حيث توجد أفعال لها آثار خطيرة، لكن لا يوجد فاعل يمكن تحميله المسؤولية الكاملة عنها([41]).
في المجال العسكري، تتجسد هذه الفجوة بوضوح في استخدام أنظمة الدعم الخوارزمي للقرار، والطائرات المسيرة شبه الذاتية، وأنظمة التتبع والاستهداف الآلي. فإذا قامت خوارزمية بتصنيف هدفٍ ما على أنه تهديد واعتمد القائد على هذا التصنيف ثم تبين لاحقًا أن الهدف كان مدنيًّا، فمن المسؤول: هل هو المبرمج الذي صمَّم الخوارزمية أم القائد الذي اعتمد على مخرجاتها أم المؤسسة التي قررت استخدامها أم النظام التقني ذاته؟
يرى لوكاس إنغلهارت أن هذا الوضع يُنتج “تفكك الإسناد”؛ حيث يتوزع الفعل بين فاعلين جزئيين بحيث لا يمكن تحميل أي منهم المسؤولية الكاملة دون تعسف تحليلي([42])، فالمبرمج قد يدَّعي أنه لم يتوقع هذا السياق، والقائد قد يدعي أنه اعتمد على أداة “موضوعية”، والمؤسسة قد تحيل الخطأ إلى “خلل تقني”.
وتشير هيلين نييسنباوم إلى أن الخوارزميات تُقدَّم غالبًا بوصفها محايدة، في حين أنها مشبعة بافتراضات معيارية حول ما يُعد خطرًا، وما يُعد طبيعيًّا، وما يُعد شاذًّا([43]). وعندما تُستخدم هذه الخوارزميات في المجال العسكري فإن تحيزاتها لا تكون مجرد أخطاء تقنية بل قرارات سياسية مقنعة بلغة رياضية.
ويرى بيتر آسكرسون أن الأزمة ليست تقنية فقط بل أنطولوجية لأنها تمس مفهوم الفاعل ذاته، الذي لم يعد وحدة متماسكة يمكن إسناد الفعل إليها، بل شبكة من الفاعلين الجزئيين الذين يتوزع بينهم الفعل دون مركز واضح([44])، وهذا يعني أن القانون والأخلاق، كما صيغتا في عصر الفاعلية الإنسانية المركزية، لم تعودا قادرتين على استيعاب هذا النمط من الفعل.
من منظور نقدي، يمكن القول: إن أخطر ما في هذه الأزمة هو إمكان توظيفها سياسيًّا لتبديد المسؤولية، فالتعقيد التقني يصبح ذريعة جاهزة لتخفيف العبء الأخلاقي عن الفاعلين البشريين، الذين يمكنهم دائمًا الادعاء بأنهم كانوا مجرد “مستخدمين” لنظام معقد لم يملكوا السيطرة الكاملة عليه، وهكذا تتحول الفاعلية الموزعة من أداة تحليلية إلى أداة تبريرية.
وعلى ما تقدم، فإن تجاوز هذه الأزمة يقتضي إعادة بناء مفهوم المسؤولية على أساس شبكي، لا فردي صرف، بحيث تُحمَّل المسؤولية لمجموع المنظومة التي أنتجت الفعل، من تصميم الخوارزمية إلى جمع البيانات إلى اتخاذ قرار استخدامها إلى تفعيلها في سياق معين. غير أن هذا الحل، على أهميته النظرية، يصطدم بعقبات قانونية هائلة، لأن الأنظمة القانونية القائمة لا تعترف بسهولة بمسؤولية “شبكية” بلا فاعل محدد.
وهذا يعني أن حروب الجيل الخامس تضعنا أمام مفارقة خطيرة: كلما ازدادت قدرة الأنظمة التقنية على إنتاج أفعال معقدة تراجعت قدرتنا على تحديد من يتحمل المسؤولية عنها؛ وهي مفارقة تهدد بإفراغ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام من مضمونهما المعياري، إذا لم يُعاد بناؤهما على أسس جديدة تستوعب الفاعلية الخوارزمية.
- إعادة تعريف السيادة والشرعية في ظل الحرب الشبكية
إذا كانت المسؤولية تمس البعد الأخلاقي والقانوني للفعل فإن السيادة والشرعية تمسان بعده السياسي العميق. فقد تأسس النظام الدولي الحديث، منذ صلح وستفاليا، على تصور السيادة بوصفها سلطة عليا داخل إقليم محدد، تحتكر القرار وتملك حق استخدام العنف المشروع داخليًّا وخارجيًّا. وقد صاغ جان بودان هذا التصور حين عرَّف السيادة بأنها “السلطة المطلقة والدائمة في الدولة”([45]).
غير أن حروب الجيل الخامس، بوصفها حروبًا شبكية، تقوِّض هذا التصور من أساسه؛ فهي لا تُخاض في إقليم محدد، ولا تُمارَس عبر جيوش نظامية فقط بل عبر شبكات رقمية ومنصات إعلامية وهجمات سيبرانية وتدخلات إدراكية عابرة للحدود. ويشير مانويل كاستلز إلى أن السلطة في العصر الشبكي لم تعد متمركزة في الدولة فقط بل موزعة بين فاعلين متعددين يتحكمون في تدفقات المعلومات والرموز([46]).
في هذا السياق، تصبح السيادة مهددة من جهتين: من جهة الفاعلين غير الدولتيين الذين يملكون أدوات رقمية قادرة على التأثير في مجتمعات بأكملها؛ ومن جهة الشركات التقنية العملاقة التي تتحكم في البنية التحتية للفضاء الرقمي، وتملك قدرة هائلة على توجيه الرأي العام، وعلى التحكم في البيانات التي أصبحت موردًا إستراتيجيًّا.
ويرى ستيفن كراسنر أن السيادة كانت دائمًا مفهومًا إشكاليًّا مليئًا بالاستثناءات لكن العصر الرقمي يجعل هذا الإشكال بنيويًّا لا عرضيًّا([47])؛ فالدولة قد تكون “سيدة” على أراضيها، لكنها ليست سيدة على تدفقات البيانات التي تعبُرُها ولا على المنصات التي تشكِّل وعي مواطنيها.
أما الشرعية، التي كانت تُفهم بوصفها قبولًا سياسيًّا لسلطة معينة فإنها هي الأخرى تتأثر جذريًّا بالحرب الشبكية. ففي السياق الكلاسيكي، تُبنى الشرعية عبر مؤسسات وانتخابات وخطاب سياسي يمكن تتبع مساره. أما في سياق الحرب الإدراكية، فإن الشرعية يمكن هندستها رقميًّا عبر حملات منظمة وخوارزميات ترشيح وتلاعب بتدفقات المعلومات، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين القبول “الحر” والقبول المُنتج خوارزميًّا.
تشير شوشانا زوبوف إلى أن السيطرة على السلوك لم تعد تحتاج إلى قمع مباشر بل إلى تصميم بيئات رقمية تجعل أنماطًا معينة من التفكير والتصرف هي الأكثر احتمالًا([48]). وعندما تُستخدم هذه القدرة في الصراع السياسي والعسكري، فإن الشرعية تتحول من تعبير عن إرادة جماعية إلى نتيجة عملية هندسة إدراكية.
لذا، يمكن القول: إن هذا التحول يضع الديمقراطية ذاتها أمام تحدٍّ وجودي، لأن جوهرها يقوم على افتراض أن المواطنين يتخذون مواقفهم بناءً على نقاش عام مفتوح لا بناءً على توجيه خوارزمي خفي. فإذا أصبح الرأي العام نتاجًا لسلسلة من التدخلات الرقمية غير المرئية، فإن الحديث عن “إرادة شعبية” يصبح إشكاليًّا من الناحية المعرفية والأخلاقية.
أما على مستوى النظام الدولي، فإن الحرب الشبكية تخلق وضعًا تتآكل فيه الحدود بين الحرب والسلم. فالهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، والتدخلات الإدراكية، يمكن أن تُمارَس في زمن يُفترض أنه زمن سلم، دون أن تُعد حربًا بالمعنى القانوني التقليدي؛ وهذا ما يسميه بعض الباحثين “المنطقة الرمادية” التي تتحرك فيها الدول والفاعلون دون تجاوز واضح لخط الحرب المعلن([49]).
وبالتالي، فإن هذا الوضع يفرغ مفاهيم مثل “إعلان الحرب”، و”حالة الطوارئ”، و”الدفاع الشرعي” من محتواها العملي، لأن الصراع يصبح دائمًا، لكنه غير مُعلن، وموزعًا عبر فضاءات لا يعترف بها القانون الدولي الكلاسيكي بسهولة.
وهكذا، فإن الفاعلية الخوارزمية لا تعيد فقط تشكيل أدوات الحرب، بل تعيد كتابة القواعد السياسية والقانونية التي حكمت النظام الدولي منذ قرون. فهي تُدخلنا في عصر سيادة هشَّة، وشرعية مُهندَسَة، ومسؤولية ملتبِسة؛ حيث لم يعد ممكنًا الاعتماد على المفاهيم الكلاسيكية دون إعادة نظر جذرية في أسسها الفلسفية والمعرفية.
خاتمة
تُظهر هذه الدراسة في ضوء تحليلها النظري والمنهجي لتحولات الصراع المعاصر في سياق ما بعد الإنسانية، أن الحرب لم تعد حدثًا إنسانيًّا صرفًا يمكن ردُّه إلى إرادة سيادية أو قرار سياسي مركزي بل غدت ظاهرة شبكية هجينة تتداخل فيها الخوارزميات والأنظمة الذكية والبنى التكنولوجية مع الفاعلين البشريين ضمن منظومة معقدة تتجاوز ثنائية الفاعل/الأداة. إن هذا التحول البنيوي لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات القتال بل يعكس انقلابًا عميقًا في منطق الفعل الحربي ذاته، وفي الأسس الفلسفية والقانونية التي بُني عليها تصور الحرب في الحداثة السياسية.
لقد بيَّنت الدراسة أن مقاربات الحداثة القائمة على مركزية الإنسان والعقل والسيادة باتت عاجزة عن تفسير أنماط الصراع الجديدة التي تتسم باللامركزية والتسييل والتشابك الشبكي بين البشر والآلات والأنظمة الذكية. فالحرب في إطار ما بعد الإنسانية لم تعد تُدار حصريًّا من خلال قرار سيادي واعٍ، بل تُنتَج داخل منظومات تقنية-سياسية تشتغل بمنطق الاحتمال والخوارزمية والتفاعل الذاتي بما يفضي إلى تآكل مفهوم المسؤولية الكلاسيكية، وإلى ضبابية متزايدة في تحديد الفاعل والنية وسلسلة القرار.
كما كشفت الدراسة أن هذا التحول يفرض إعادة نظر جذرية في البنى المعيارية للقانون الدولي الإنساني، الذي تأسس تاريخيًّا على فرضية الفاعل الإنساني القادر على التمييز والتقدير وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية. ففي ظل الأنظمة ذاتية التشغيل والطائرات غير المأهولة والخوارزميات القتالية، يصبح مبدأ المسؤولية الفردية ومبدأ التناسب ومبدأ التمييز مهددًا بالتفريغ من مضمونه العملي؛ إذ تنتقل القرارات الحاسمة من وعي الإنسان إلى منطق البرمجة والاحتمال الحسابي.
وعليه، فإن ما بعد الإنسانية لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد إطار وصفي لتطور تقني، بل بوصفها تحولًا أنطولوجيًّا ومعرفيًّا يمس طبيعة الفاعل وطبيعة القرار وطبيعة العنف ذاته. وهذا ما يجعل من الضروري الانتقال من مقاربات قانونية وفلسفية تقليدية إلى نماذج تحليلية جديدة تستوعب هذا التشابك بين الإنساني وغير الإنساني داخل بنية الصراع المعاصر.
أولًا: النتائج
- تبيَّن أن الحرب في السياق المعاصر لم تعد تُفهم من خلال نموذج السيادة الكلاسيكي بل من خلال نموذج شبكي هجين تتداخل فيه الفواعل البشرية مع الأنظمة الذكية والبنى التكنولوجية بما يغيِّر من طبيعة القرار الحربي ومسؤوليته.
- أثبتت الدراسة أن مفهوم الفاعل الحربي يشهد تفتتًا بنيويًّا؛ إذ لم يعد محصورًا في الدولة أو القائد العسكري بل توزع بين مبرمج ومهندس وخوارزمية ونظام ذاتي التشغيل؛ ما يخلق فراغًا مفاهيميًّا في تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية.
- أظهرت الدراسة أن أدوات الحرب الذكية لا تمثل مجرد وسائل محايدة بل تشارك في إنتاج الفعل الحربي ذاته بما يجعلها فاعلًا مشاركًا في تشكيل نتائج الصراع لا مجرد أداة في يد الإنسان.
- تبين أن القانون الدولي الإنساني بصيغته الحالية يعاني من قصور بنيوي في استيعاب منطق الحرب الخوارزمية لكونه يفترض وجود فاعل إنساني قادر على الإدراك والتمييز وتحمل المسؤولية المباشرة.
- كشفت الدراسة أن مبدأي التناسب والتمييز، وهما من أعمدة القانون الدولي الإنساني، يتعرضان لإعادة تعريف ضمنية في ظل الأنظمة الذاتية التشغيل؛ حيث يُعاد ترجمتهما إلى معادلات احتمالية لا إلى تقدير أخلاقي واعٍ.
- أظهرت الدراسة أن ما بعد الإنسانية ليست اتجاهًا فكريًّا هامشيًّا بل تمثل إطارًا تفسيريًّا ضروريًّا لفهم تحولات الصراع، لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية والعنف والقرار السياسي.
ثانيًا: التوصيات
- ضرورة تطوير نظرية قانونية جديدة للمسؤولية في سياق الحرب الذكية، تقوم على مفهوم “المسؤولية الشبكية”، بحيث لا تُحصر المسؤولية في فرد أو جهة واحدة بل تُوزَّع على سلسلة الفاعلين البشريين وغير البشريين المشاركين في إنتاج القرار الحربي.
- الدعوة إلى إعادة صياغة مبادئ القانون الدولي الإنساني بما يسمح بدمج البُعد الخوارزمي والتقني ضمن بنيته المعيارية بدل الاكتفاء بإسقاط مفاهيم تقليدية على واقع لم يعد يتناسب معها.
- التأكيد على ضرورة إخضاع الأنظمة الذاتية التشغيل لرقابة قانونية دولية مسبقة، تقوم على مبدأ “المسؤولية قبل الاستخدام” وليس فقط المحاسبة بعد وقوع الضرر.
- إدماج مقاربات ما بعد الإنسانية في الدراسات القانونية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالنماذج الإنسانية الكلاسيكية التي أثبتت محدوديتها في تفسير العنف المعاصر.
- تطوير آليات دولية لتتبع سلسلة القرار الخوارزمي في العمليات العسكرية بما يسمح بإعادة بناء مسار المسؤولية من مرحلة التصميم إلى مرحلة التنفيذ.
- الدعوة إلى مقاربة أخلاقية جديدة للحرب لا تكتفي بسؤال “من المسؤول؟” بل تطرح سؤال “كيف يُنتَج القرار الحربي داخل منظومات تقنية غير إنسانية؟”.
المراجع
(1) William Lind., et al., The Changing Face of War: Into the Fourth Generation (Quantico, Virginia: Marine Corps Gazette, 1989), p. 23.
(2) رينيه ديكارت، تأملات ميتافيزيقية، ترجمة عثمان أمين، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1958)، ص 34.
(3) إيمانويل كانط، نقد العقل الخالص، ترجمة موسى وهبة، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 112.
(4) غيورغ هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995)، ص 57.
(5) كارل فون كلاوزفيتز، عن الحرب، ترجمة فؤاد أيوب، (بيروت: دار التنوير، 1982)، ص 29.
(6) فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة علي مصباح، ط2، (بيروت: دار الجمل، 2010)، ص 45.
(7) سيغموند فرويد، محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، (بيروت: دار الطليعة، 1983)، ص 112.
(8) ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء: أركيولوجيا العلوم الإنسانية، ترجمة سالم يفوت، ط2، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994)، ص 313.
(9)Bruno Latour, Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 72.
(10) ديكارت، ص 34.
(11) كانط، ص 112.
(12) هيغل، ص 57.
(13) نيتشه، ص 45.
(14) فرويد، ص 112.
(15) فوكو، الكلمات والأشياء، ص 307–313.
(16) Latour, Reassembling the Social, op. cit., p. 72.
(17) Martin Heidegger, “The Question Concerning Technology”, in: Basic Writings (New York: HarperCollins, 1993), p. 311.
(18) Jacques Ellul, The Technological Society (New York: Vintage Books, 1964), p. 132.
(19) Donna Haraway, “A Cyborg Manifesto”, in: Simians, Cyborgs and Women (New York: Routledge, 1991), p. 150.
(20) Bernard Stiegler, Technics and Time, Vol. 1 (Stanford: Stanford University Press, 1998), p. 87.
* * سايبورغ (Cyborg)، هو اصطلاح ابتكره، عام 1960، كل من مانفريد كلاينز وناثان كلاين، ويشير إلى دمج خصائص تقنية وميكانيكية بكائن بشري لتعزيز أو تعويض قدراته الحسية والجسدية، ويشمل ذلك مثلًا زرع الصفائح المعدنية تحت الجلد أو استخدام أجهزة تنظيم ضربات القلب مما يجعل جهاز عدَّاد ضربات القلب فعَّالًا أو زراعة القوقعة الصناعية التي تقوم تحويل الأجهزة الصوتية إلى إشارات كهربائية وحاسة السمع وتتصل مباشرة بالجهاز العصبي. ويشمل كذلك الأطراف الصناعية الذكية (Bionics) أو الشرائح الدماغية التي تُزرع لدى مرضى الشلل للتحكم في أجهزة الكمبيوتر والأطراف الصناعية عبر التفكير.
(21) Haraway, “A Cyborg Manifesto”, op. cit., p. 150.
(22) Nick Bostrom, Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies (Oxford: Oxford University Press, 2014), p. 45.
(23) Richard Gregory, “Human-Machine Decision Making”, Journal of Strategic Studies, Vol. 41, No. 3 (2018), p. 322.
(24) David Rosenberg, “The Algorithmic Battlefield”, Military Review, Vol. 99, No. 2 (2019), p. 18.
(25) Lutz Friedrich, “Algorithmic Governance and War”, Security Dialogue, Vol. 50, No. 4 (2019), p. 299.
(26) Cathy O’Neil, Weapons of Math Destruction (New York: Crown Publishing, 2016), p. 21.
(27) Lucas Engelhardt, “Responsibility Gaps in Automated Warfare”, Ethics and International Affairs, Vol. 33, No. 2 (2019), p. 165.
(28) Peter Ascherson, “Distributed Agency and Moral Responsibility”, Journal of Moral Philosophy, Vol. 15, No. 1 (2018), p. 44.
(29) كلاوزفيتز، ص 29.
(30) Martin Libicki, Conquest in Cyberspace: National Security and Information Warfare (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 15..
(31) Eli Pariser, The Filter Bubble (New York: Penguin Press, 2011), p. 9.
(32) Manuel Castells, Communication Power (Oxford: Oxford University Press, 2009), p. 4.
(33) Thomas Rid, Cyber War Will Not Take Place (Oxford: Oxford University Press, 2013), p. 76.
(34) Viktor Mayer-Schönberger & Kenneth Cukier, Big Data (Boston: Houghton Mifflin Harcourt, 2013), p. 52.
(35). Sean Gourley, “Big Data and the Future of Warfare”, Survival, Vol. 56, No. 3 (2014), p. 87
(36) Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism (New York: PublicAffairs, 2019), p. 8.
(37) Alexander Galloway, Protocol: How Control Exists after Decentralization (Cambridge, MA: MIT Press, 2004), p. 74.
(38) إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997)، ص 67.
(39) The Guardian, “AI Got the Blame for the Iran School Bombing. The Truth Is Far More Worrying,” March 26, 2026, (accessed April 1, 2026,): https://www.theguardian.com/news/2026/mar/26/ai-got-the-blame-for-the-iran-school-bombing-the-truth-is-far-more-worrying
.(40) Yuval Abraham, “’Lavender’: The AI Machine Directing Israel’s Bombing in Gaza,” +972 Magazine, April 3, 2024, (accessed April 1, 2026): https://www.972mag.com/lavender-ai-israeli-army-gaza/ .
(41) Andreas Matthias, “The Responsibility Gap”, Ethics and Information Technology, Vol. 6, No. 3 (2004), p. 175.
(42) Engelhardt, “Responsibility Gaps in Automated Warfare”, op. cit., p. 165
(43) Helen Nissenbaum, Privacy in Context (Stanford: Stanford University Press, 2010), p. 154.
(44) Ascherson, “Distributed Agency and Moral Responsibility”, op. cit., p. 44.
(45) Jean Bodin, Les Six Livres de la République (Paris: Fayard, 1986 [1576]), p. 122.
(46) Manuel Castells, The Rise of the Network Society (Oxford: Blackwell, 2010), p. 18.
(47) Stephen Krasner, Sovereignty: Organized Hypocrisy (Princeton: Princeton University Press, 1999), p. 9.
(48) Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, op. cit., p. 8.
(49) Michael Mazarr, Mastering the Gray Zone (Carlisle: U.S. Army War College Press, 2015), p. 3.
