ملخص
هذه الدراسة محاولة لفهم التحولات المرتبطة بـ”جيل زد” (Z)في المغرب -الذي قاد الاحتجاجات الأخيرة- وذلك انطلاقًا من نظريات الأجيال وحراكات التغيير الاجتماعي، وقد ركزت على الخصائص الذاتية للجيل، ومنها سعت لفهم وتحليل العلاقة بين الرقمنة وأزمة الوساطة بين المجتمع والدولة وسلوكيات المشاركة السياسية بمعناها الواسع.
وتقوم الدراسة على فرضية أن هذا الجيل يختلف عن سابقيه؛ فهو فاعل سياسي جديد خرج على الأسس التقليدية سياسيًّا واحتجاجيًّا وأسَّس لنفسه نمطًا جديدًا واختار الفضاء الرقمي بديلًا عن الشارع.
في هذا السياق، تُظهر النتائج أن “جيل زد” المغربي يتسم بالحشد اللامركزي وغياب القيادة وتغليب الخطاب الإصلاحي الاجتماعي على الشعارات السياسية المباشرة؛ مما مكَّنه من الإفلات النسبي من الرقابة الأمنية والاستمرار في التعبئة دون صدام مباشر مع السلطة. كما تكشف المقارنة المغاربية والدولية عن تقاطعات مع تجارب تونس والجزائر -القريبتين- وهونغ كونغ وشيلي، مقابل فروق بنيوية مع الدول المتقدمة خاصة في مجالي التعليم وسوق العمل.
وفي الخلاصة، ننتهي إلى أن التعاطي الحكومي المغربي، منذ 2020، قام على مقاربة ثنائية تجمع بين الاحتواء الاجتماعي وتشديد الإجراءات الأمنية قبليًّا وبعديًّا دون تحقيق إدماج مؤسسي مستدام لهذا الجيل مما يجعل الفعل الاحتجاجي الرقمي مرشحًا للاستمرار بصيغ مرنة ومتجددة.
_______________________________________
Abstract
This study seeks to explain the transformations associated with Generation Z in Morocco—the group that led the recent protests—drawing on generational theories and social change movements. It focuses on the generation’s intrinsic characteristics, seeking to understand and analyse the relationship between digitalisation, the crisis of mediation between society and the state, and political participation behaviours in their broadest sense.
The study is based on the premise that this generation differs from its predecessors. It is a new political actor, having broken with traditional political and protest structures, establishing a new paradigm for itself and choosing the digital sphere as an alternative to the street.
In this context, the results show that Moroccan Gen Z is characterised by decentralised mobilisation, a lack of leadership, and a preference for social reformist discourse over direct political slogans. This has enabled it to achieve relative impunity from security surveillance and to continue mobilising without direct confrontation with the authorities. Furthermore, a Maghrebi and international comparison reveals parallels with the experiences of neighbouring Tunisia and Algeria, as well as Hong Kong and Chile, while also highlighting structural differences with developed countries, particularly in the areas of education and the labour market. In conclusion, we find that the Moroccan government’s approach since 2020 has been based on a dual approach that combines social containment and tightening security measures before and after, without achieving sustainable institutional integration for this generation, which makes digital protest action likely to continue in flexible and renewed forms.
Keywords: Gen Z, Morocco, digitalisation, political participation, digital protest, social movements, state-society relations.
مقدمة
تدخل هذه الدراسة في محاولة فهم “جيل زد 212” (Gen Z 212) المغربي الذي بات -مع نظرائه- عنوان احتجاجات متجددة في منطقتنا العربية وفي الفضاء العالمي. وهي محاولة لا تدَّعي القطعية وإنما تسعى للاقتراب من فهم ما بات ظاهرة في التغيير السياسي ومطالبه من خلال نظرية الأجيال والنظريات السائدة في تحليل الحراكات الاجتماعية، ثم هي محاولة لفهم الأثر كما يحدد ذلك الاجتماع السياسي.
بات واضحًا من حركات هذا الجيل من نيبال الآسيوية إلى المغرب مرورًا بالسودان وتونس والجزائر وفرنسا، أنه جيل تقني بامتياز، متطلع للتحسين مطلع على حياة غيره وتفاصيلها؛ مما يجعله “يغار” ويحاول اللحاق بالنماذج التي يراها ناجحة.
فمع نهاية شهر سبتمبر/أيلول 2025، ظهر نمط جديد من الاحتجاجات في المغرب لا يشبه حركة 20 فبراير/شباط التي كانت سياسية بامتياز، كما لا يشبه حركة الريف التي كانت محلية تمامًا، بل يتجه -على ما يبدو- إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويرجِّح فعلًا أن هذا الجيل يختلف عن أسلافه -مغربيًّا- في أدوات تحريك الجماهير وتجسيد المطالب وإدارة الحركة، لكنه جزء من شبكة جيلية عالمية ظهرت في جميع القارات دون مبالغة.
انطلقت هذه الحركة فعلًا حركة رقمية لا مركزية، عابرة للمدن، من قضية مطلبية إنسانية تتعلق بوفاة نساء في مستشفى أغادير(1)، فكانت قميص عثمان الذي جسَّدت به مطالب وطنية، خاصة في الخدمات التي تمس الجميع.
السؤال الواضح الذي نحاول الإجابة عليه هو: هل نجحت هذه الحركة في كسر جمود الإدارة؟ فهي وإن لم تكن قدمت مطلبًا جذريًّا بالمعنى الاحتجاجي المتداول -إذ لم يكن ذلك في صميم مطالبها “الاجتماعية”- فقد فرضت فتح النقاش العام بشأن العدالة الاجتماعية، ومطالب الصحة والتعليم والعمل. وفي هذا السياق، فإن رَدَّة الفعل الحكومية زاوجت بين البُعدين، الأمني والسياسي، على ما يبدو، ففرضت إجراءات شاملة تزامنت مع إطلاق وعود إصلاحية في القطاعات الاجتماعية موضوع الاحتجاجات(2). وهو ما يدعو إلى التساؤل عن إمكانية نجاح ذلك بشكل دائم أم احتمال بقائه تكتيكًا ظرفيًّا.
الأساس النظري للأجيال والاحتجاج
- تعريف وتحديد
إن نظرية الأجيال هي إحدى النظريات في تفسير سلوك السكان، فهي متعلقة بالديمغرافيا تحديدًا لا بالمعطيات السكانية الأخرى وتُعنى بتقسيم السكان حسب فترات زمنية تنتظم فيها أعمارهم مبدأً بجيل ما قبلهم ونهاية ببدء الجيل الموالي.
يجري ربط كل جيل بالمعتقدات السائدة أو بالأيديولوجيات الشائعة، وبالأحداث التاريخية المؤثرة، كما يجري ربطه بمجموعة القيم السائدة؛ ما ينتج عنه إطار نظري معرفي مشترك بين الجيل المحدد ثم ظهور معتقدات مشتركة وتاريخ مشترك بل وعضوية مشتركة(3). وهذا مما يساعد على فهم كيفية تغير البيئة الاجتماعية والتقنية في الموقف من الأحداث وتصورها وتصور التغيير في إطارها وتقدير فاعليته وأثره.
فهذا الجيل -جيل z- نشأ في عصر الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ مما يجعله جيل الاستخدام الرقمي المؤهل للتكيف مع التقانة والمنفتح على تكاليف التغيير ومقارناتها عالميًّا، ويمتلك في الوقت نفسه رؤية لقضايا الصحة والتعليم والعمل ووعيًا بالقضايا الاجتماعية والبيئية والعلمية، ورغم شيوع تسمية هذا الجيل بــz فإن له تسميات أخرى أو قل -إن شئت-: صفات من قبيل “جيل الإنترنت” و”جيل التقنية” و”الجيل الرقمي” و”جيل الشاشة” في كثير من الأدبيات العربية(4).
فاعلية هذا الجيل لا تخلو من إشكالات وعقبات؛ فالفجوة واسعة قيميًّا بينه وبين الأجيال السابقة في هذا السياق، ومن الواضح أن اندماجه وتماهيه مع العالم الرقمي يعرِّضه لتشتت الانتباه كما يصمه بالعزلة النفسية والشعورية. لذا، فهو جيل يحمل قيمًا جديدة يساعد فهمها في استيعاب دوره التغييري، وإن كان التعميم في ذلك صعبًا؛ فهل تساعد النظريات على فهمه؟
- حول نظريات الأجيال
لو رجعنا إلى نظرية الأجيال في صياغتها النهائية؛ على يد الألماني كارل مانهايم(5)، لوجدنا أن لكل جيل مميزات وخصائص ذاتية هي نتيجة أحداث ومعطيات اجتماعية صاغت عقله الجمعي، ورسمت سلوكه العام، وحددت رَدَّة فعله بوصفه جيلًا يمتلك وعيًا موحدًا أو متقاربًا، ويطور ردَّة فعل موحدة، ويميزه ذلك كله عما قبله وما بعده من أجيال، فالوحدة الجيلية -لدى العالم الألماني- ترتبط بردة الفعل الجماعية -أو العابرة للمجتمع- ومجمل التفاعل مع الأحداث التاريخية للجيل، وتعني هذه عنده مجموع الهزات الكبرى: من ثورات وحروب وتطورات كبرى في التكنولوجيا والاقتصاد، ولا تمنع تلك الوحدة الجيلية من وجود وحدات داخلها متعددة الرؤى والمقاصد؛ إذ العبرة باتجاه الجيل كُلًّا اجتماعيًّا.
هذه النظرية أساس لتتبع منحنيات التغيير ودور الأدوات والقوى الفاعلة في تنميته أو تحريض تفاعلاته، بل هي أساس فهم التغيير؛ قيمًا وتصورًا في سياق نظم اجتماعية متغيرة، رغم كونها تبدو غير ذلك. وعلى ما يبدو، فهذا المفهوم يكشف تجارب مشتركة تطبع الجيل الذي هو فترة زمنية وتشكِّل “هوية جماعية” وتهدي إلى “أدوات تغيير” وتجسد “مظاهر وعي”، تنتج فهمًا مغايرًا واختلافًا بيِّنًا لقضايا السياسة والفكر والقيم والتكنولوجيا وغيرها -في فهم وممارسات هذا الجيل- قياسًا بسابقيه ولاحقيه من الأجيال.
أما في منطق مانويل كاستيلز، فإن الحركات الاحتجاجية في هذا العصر هي من جنس رد الفعل على التفاعل ما بين الرأسمالية العالمية وعصر المعلومات، فالحركات الاجتماعية -وفقًا لذلك- تتصدى لهذا الغول الرأسمالي بتشكيل أطر تنظيمية لمواجهته. وذلك من مدخل الدفاع عن الهويات التي تهددها العولمة، وتجسيدًا للمطالب الاجتماعية، صحيةً كانت أو بيئية أو اجتماعية، وهي مطالب تتعارض مع مطامع تلك الرأسمالية(6).
وفي سبيل حسم تلك المواجهة؛ تسعى هذه الحراكات لحسن إدارة الشبكات الحديثة وصولًا لامتلاك زمام المبادرة فيها؛ فوجود هذه الحركات في شبكات اتصالات ومعلومات واسعة وفاعلة وقوية يتيح لها فضاء تنظيميًّا أوسع مما كان قبل هذه الشبكات، كما يتيح لها أدوات تواصل تختصر المسافات الزمنية والجغرافية. باختصار، هي محاولة -بحسب كاستيلز- من الفعل الاحتجاجي، للتحكم في الوعي والقدرة على توجيه مسار الأحداث لتحقيق مطالب تُنهي تغول الرأسمالية الشبكية بالحراكات الاجتماعية الشبكية(7).
لكن هذه الخصائص تحمل في ذاتها جينات نهايتها؛ فغياب القيادة أو انعدام رمزيتها البشرية يوقف عملية الإلهام وبناء نموذج التضحية ومجمل صناعة الرمزية التي هي الأساس في استمرار مشاريع التغيير. في هذا السياق، انعدام الوسطاء يجعل تحويل الاحتجاجات إلى مطاب ممكنة التحقق مسستصعبًا، ويحرمه من تقنية التفاوض التي يتحقق بها ما لا يتحقق في الميدان.
يظهر هنا أن الفعل الافتراضي وشبكاته -بفعل الغموض القيادي والتنظيمي- يَسْهُلُ تشويه مشروعه التغييري؛ فيتحول بفعل التشويه إلى حالة مائعة غامضة لا يمكنها الصمود مع الوقت أمام الشائعات وضَخِّ المعطيات والمعلومات المحرفة.
- في أساس التسمية
لقد صيغت نظرية الأجيال للتدليل على أن السكان ينقسمون إلى فئات زمنية تبدأ بتاريخ وتنتهي بآخر. وبحسب هذه الأعمار، فإن كل جيل يتصف بخبرات تاريخية ذاتية، وبحمولات معرفية وقيمية وتصورات وسلوكيات تميزه تمامًا عن غيره، اللهم إلا فيما يتعلق بالخبرة البشرية التي هي جزء أصيل من تكوين الخبرات.
وعلى هذا، فليس الجيل مجرد حقبة زمنية بل هو نظرية متكاملة لفهم فكر وسلوك وتفاعلات الجيل مع الحياة العامة في ضوء خبراته والأحداث التي عايش أو تلك التي لمس أثرها بشكل واضح في حياته المحددة.
منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ابتدع علم الاجتماع الأميركي تسمية الأجيال بهذه الطريقة، أي إطلاق حرف لاتيني على جيل محدد، ومنه أخذ الاجتماعيون الآخرون هذه التسمية، وكان أول جيل سُمي وفقًا لهذه الصيغة هو جيل (Baby Boomers)، (1946-1964)، الذي سموه بجيل الطفرة السكانية حيث امتاز بكثرة المواليد وبالازدهار الاقتصادي، ثم جاء بعده جيل (X) مواليد (1965–1980)، فعبَّروا بالحرف الدَّال على المجهول تعبيرًا عن هوية غير محددة المعالم يبحث عنها هذا الجيل في عالم متقلب، ثم تتابعت الأجيال على النحو المعروف، فجيل (Y) (1981–1996). وأخيرًا، جيل (Z) مواليد (1997–2012) إلى أن وصلنا إلى جيل (ALPHA) من مواليد 2013.
وباستثناء جيلX لم يعبِّر الحرف عن غير التتابع المعروف في الأبجدية الإنجليزية، وهكذا يعرِّفون الجيل -أي جيل- تعريفًا عمريًّا، فيربطونه بفترة زمنية، والجيل (زد) مرتبط بالفترة ما بين 1997 و2012، وبصورة مجردة؛ فليس هذا تعريفًا كاشفًا عن نوازع ومضامين؛ ما لم نستصحب مجمل التطورات المصاحبة لهذه الفترة الزمنية ثم نحاول تتبعها في فهم هذا الجيل؛ لنرى ما الذي تكشفه من خصائص اجتماعية تهم المهتمين بالاجتماع السياسي.
الرقمنة: الصفة الكاشفة للجيل
إنَّ جيل زد هو جيل الرقمنة أو الجيل التقني بجدارة فلحظته الزمنية (1997–2012) تشير إلى أنه أدرك الوعي في اللحظة التي سادت فيها التقنيات بأجهزتها المحمولة فرديًّا وهواتفها الذكية وسرعة اتصالاتها وتيسُّر تواصلها؛ مما هيَّأ له خبرة غير مسبوقة جعلته قادرًا على المقارنة بين بلده وغيره من البلدان ليدرك حدود التقصير ويسعى للتحسين. وفي هذا السياق، وبالواقع التقني المتقدم، هو منفتح على خبرات عالمية، وتجارب متجددة مكَّنته من اكتناز خبرات لم تتوافر للأجيال قبله؛ أهَّلته -هذه الخبرات- بجدارة لإدراك قضايا عالمية؛ مثل البيئة والمناخ فضلًا عن تفاصيل حياة الأمم من حوله(8).
يعيش هذا الجيل في غرفه التقنية؛ مما أورثه خاصية التعلم الذاتي وتلقِّي التجارب غير مغربلة؛ وذلك لقدرته على اختيار مصادر معرفية لم تكن متاحة للأجيال قبله؛ حيث كان للتعليم والتثقيف أدواته التي “يخضع” لها الجميع، وهذا ما يجعله -أيضًا- في سوق العمل مختلفًا؛ حيث يبحث عن أدوات الإنتاج والنشاط المهني المتنوع بدل اتباع قواعد الوظيفة القارة المحسوبة كما كان(9).
لكن الانغماس التقني والخضوع لمنطقه؛ أظهر هذا الجيل بروح انعزالية عالية؛ مما يحيل إلى التشتت الذهني، وأبعده عن رفد التجربة بخبرات من سبقوه ممن لا يعيش سلوكه الرقمي. وعليه، فاستيعاب حراكات هذا الجيل يحتاج -على ما يظهر- إلى تحليل مساهماته في التغيير العالمي، وذلك بوصفه الجمعي، وسيبقى ذلك أيضًا نسبيًّا لصعوبة التعميم في السلوك الاجتماعي(10).
والواقع أن الانغماس التقني لهذا الجيل أوجد خصائص ميَّزته عن غيره:
- الاستغناء بالرقمنة التي لم يدمنها هذا الجيل فحسب بل حوَّلها إلى فضاء حياة حدَّ التشبع؛ فهو جيل يعيش في الشاشات؛ ثابتة أو محمولة، وحياته الاجتماعية تتجسد في حسابات التواصل الاجتماعي، من خلالها يعيش تفاصيل حياته اليومية بما فيها التواصل والاتصال، فهي المعبِّر عنه في فردانيته وعن طموحاته العامة، وهي من يحدد برنامجه وسلوكه.
- تتجسد النزعة الفردانية كذلك في الحياة العملية، فهذا الشباب يطمح للمشروع الشخصي المدار تقنيًّا وليس للعمل في المؤسسات، خاصة كانت أو عامة. إنه يبحث عن مشروعه الفردي في سياق عام وبطريقة مرنة دون أن ينضبط بسلوك مؤسسات العمل.
- اتساع دائرة الشأن العام، فرغم فردانية الجيل فإن اهتماماته العامة تبدو أوسع ممن قبله، فهو يركز على قضايا كالمناخ والبيئة والمساواة والعدالة الاجتماعية، أكثر من اهتمامه بقضايا السياسة والعلاقات الدولية وغيرها مما كان مجال اهتمام الأجيال السابقة عليه.
مقارنات عربية وعالمية
إذا سلَّمنا من منظور الاجتماع السياسي بنظرية الأجيال هذه، فإن هذا الجيل -عالميًّا وعربيًّا- هو “جيل أزمة”، وهو كذلك في المغرب؛ حيث وُلد في لحظة تبدلات وتحولات عالمية كبرى؛ بدءًا من نهاية الحرب الباردة، ووطنيًّا من الانتقال من فترة الراحل الحسن الثاني إلى نجله محمد السادس، بما حمله ذلك من تحولات عميقة في السياسة وأولويات التنمية، وإقليميًّا بتفاعلات الربيع العربي والقضية الفلسطينية والحرب على الإرهاب وغيرها.
ولو توقفنا مليًّا عند ما يمكن أن يكون ميزات فاصلة تحدد صفات الجيل Z هذا في هذه المرحلة الزمنية من عمر البشرية؛ وخاصة في منطقتنا العربية، فسنجد خصائص منطلقها الحالة السياسية، وطنيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، منها نستخلص خصائص هذا الجيل(11).
- جيل ما بعد الحرب الباردة، أو ما نسميه بلحظة أحادية القطبية وسيطرة مفاهيم العولمة بتجلياتها المختلفة على الأقل في مجال تنمية الأفكار وتنميط الحياة، وسيادة القطب الواحد. إنه جيل استقرت قبله القضايا الكبرى وباتت الحروب المحلية غير مؤثرة عالميًّا.
- إن الجيل لم يدرك الحرب فكيف أثَّرت فيه نهايتها؟ لقد عاش آثار الحرب وما تمخض عن نهايتها في تفكير وخبرات وتوجهات الأجيال التي أدركها فكانت جزءًا من نواظم تفكيره وخلفيات قراراته؛ فالأجيال امتداد لبعضها في الخبرات، لكنها لا تتناسخ في أدوات تحقيق المطامح والأهداف وصنع التغيير، فلكل جيل من خبرات مَن قبله مددٌ، وله من الحصيلة التي ينطلق منها أدوات تغيير تحدد مواقفه وأطروحاته في الشأن العام.
- جيل القيادة الذاتية واللامركزية الجغرافية الذي لا يتعاطى مع مرجعية حزبية، ولا مع إطار نقابي، ولا اتجاه أيديولوجي مسيطر، بل يخضع للحظة التفكير الجمعي وانفعال المزاج العام ولا ينقاد للهياكل الثابتة ولا للأفكار المستقرة.
- إنه جيل لا يقدِّر الأحزاب بل يرفضها، ويجدها فاشلة في دور الوسيط؛ إذ لم تحق الطموحات المطلوبة في الصحة والتعليم، والجيل -في هذا السياق- يكفر بالنقابات التي يجدها غير فاعلة في تحقيق المطالب المنوطة بها، ولو راجعنا إحصاءات المندوبية العامة للتخطيط في العام 2023، فسنجد أن نسبة ثقة الشباب المغربي في الأحزاب لا تتعدى 9% وفي النقابات 12% بينما تصل إلى 70% في الملك والجيش، وهي نتيجة تجرِّد تلك الهيئتين الوسيطتين من صفتهما، وتحيل إلى ضرورة الوصول المباشر إلى صاحب الثقة، الملك والجيش(12).
ولو رجعنا إلى حراك 2019 في لبنان، فسنجد أن اللبنانيين لم تكن لهم قيادة معروفة.، في هذا السياق، قيادة المغاربة كذلك لم تكن معروفة وكان اللبنانيون يطالبون بتغيير كل الهيئات الوسيطة كما كان المغاربة تمامًا.
وشباب الحراكيْن العرب -في مطالبهم الاجتماعية- يشبهون أيضًا مطالب الجيل في شيلي، عام 2019، حيث اندلعت المظاهرات مطالبة بتخفيض أسعار النقل لولا أن هذه تُوِّجت بالمطالبة بدستور جديد(13).
- جيل العزوف عن الانتخابات والمشاركة في الفعل السياسي الحزبي، فالأرقام تشير إلى أن معدلات مشاركة الشباب لا تتجاوز 20% من الناخبين(14). فنتائج الانتخابات التشريعية المغربية، يوم 8 سبتمبر/أيلول 2021، تشير إلى أن فئة الشباب (18-24 سنة) سجلت أدنى حضور في تسجيل اللائحة الانتخابية حيث لم تتجاوز 33.6% من الناخبين وهي أدنى الفئات العمرية، وحيث إن معدل المشاركة العام لم يتجاوز قرابة 50% من المسجلين، فإن مشاركي جيل الشباب لم يتجاوزوا 17–20%؛ وهي نسبة تكشف عن عزوف واضح حتى بات بعض الباحثين يسمي هذا الجيل جيل العزوف عن الانتخابات ومقاطعة العمل الحزبي(15).
وفقًا للآراء السابقة، فإن جيلZ المغربي يتمثل ويجسد بوضوح جيل “الشبكية الرقمية” الذي يوظف المجال أو الفضاء الرقمي مقابل المجال العام الواقعي، وهو بهذا يسبق المجال العام المعروف بفعل التقنيات ويتغلب عليه حتى صارت الأدوات التقليدية كالخروج للشارع مجرد امتداد له، فالشبكة هي محضن جيل التغيير وهي أداة فعله، وهي بمجملها قيادته وأدواته التنظيمية.
إن جيل Z المغربي لم يعرف الصراع السياسي المشحون بين القوى المحافظة والقوى التقدمية، ولم يعرف سنوات الرصاص، ولم يعش ضغوطات التنمية، ولا لحظات الانتقال الديمقراطي مع نهاية التسعينات من القرن الماضي، ولم يحضر لحظة دستور 2011. ورغم أنه فتح عينيه على طفرة البنية التحتية التي تبنَّاها الملك محمد السادس؛ والانفتاح السياسي الاستثناء في المنطقة، لكنه يعيش -وهو الذي يشكِّل ثلث سكان المملكة بحسب المندوبية السامية للتخطيط(15)- في ظل حكومة يمكن وصفها بغير الشعبية(16). وقد أظهرت دراسة أجراها المركز المغربي للمواطنة (Moroccan Center for Citizenship (، في سبتمبر/أيلول 2025، انعدام الثقة الشعبية بالأحزاب السياسية؛ حيث عَدَّ 91.5% أن أداءها ضعيف، وتبدو سياسات الحكومة الليبرالية المغموسة في مرق مصالح رجال الأعمال بعيدة عن تحقيق طموحاته عالية السقف(17).
في هذا السياق، نرى أن هذا الجيل أكثر تحضرًا قياسًا بآبائه؛ فأغلبه يعيش في كبريات المدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة وغيرها، فأكثر من نسبة 86% من سكان المغرب تعيش “بجهات محور الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، من جهة، وبجهتي مراكش-آسفي وسوس-ماسة من جهة أخرى… وقد بلغت نسبة التمدن 62.8٪ سنة 2024 مقارنة بـ60.4٪ سنة 2014″(18)، بل نستطيع أن نقول: إن هذا الجيل ليس جيل المدن الكبرى فحسب بل هو جيل عالمي، يتحرك بأدوات عالمية لكنها فعالة وطنيًّا، خلافًا لآبائه الذين كانت أدواتهم محلية تمامًا.
مقارنات عالمية
في المقارنات الخاصة بالمشاركة السياسية وقضايا المجتمع المدني للجيل زد في المغرب مع نظرائه في دولة مثل فرنسا، يمكن ملاحظة أن التعليم كان أحد أسباب الاختلاف في المخرجات؛ حيث عاش هذا الجيل في المغرب قلقًا في السياسات التعليمية لا من حيث الهوية، وهي مشكلة واضحة في أثرها الانتقالي غير المريح شعبيًّا فحسب بل في تراجع جودته ونجاعته رغم تعدد تجاربه وعراقة مؤسساته، خاصة في تفاوت النتائج بين المجالين، الحضري والقروي، رغم أن نسبة الأمية تراجعت وبنى التعليم توسعت(19).
كما يُلاحَظ أن الجيل المغربي لا علاقة له بالنقابات التي ضعف حضورها مما زاد في عولمة الشباب(20)، خلافًا للفرنسيين(21) الذين ارتبطوا بنقابات قوية شكَّلت إطارًا تنظيميًّا وسندًا معنويًّا(22)، وحتى في السياق الجغرافي القريب كما في الجزائر، فإن الجيل زد هناك تحرك في سياق سياسي عام، مناهضًا لعهدة بوتفليقة الخامسة، مستخدمًا الأدوات الرقمية بفاعلية مما هيَّأ له نصيرًا سياسيًّا عموميًّا لم يحصل عليه المغاربة الذين تحركوا في سياق محدد بشعارات محدودة ضد حكومة يمكن وصفها بغير الشعبية(23). وقد بدا الجيل زد المغربي أقرب إلى نظيره التونسي الذي تحرك في سياق عدم الثقة في الأحزاب السياسية في فترة (2020-2021)(24)، وهو ما يشبه عزوف الجيل في البلدين المغاربيين عن المؤسسات السياسية العامة، حزبية كانت أو منتخبة أو نقابية.
ولئن نجح جيل Zفي تشيلي في تحويل قضية النقل الجزئية إلى قضية دستورية عامة فإن نظيره المغربي لم يتجه لذلك، بل قصر مطالبه على خدمات اجتماعية في الصحة والتعليم تحديدًا، لكن الشبه الكبير هو بين أبناء هذا الجيل في كلٍّ من المغرب وهونغ كونغ، في صعود حركة بلا رأس أو جمهور بلا قيادة بل حشد رقمي وشعارات عامة للوطن شاملة للمواطنين(25).
وقد تسبب ارتفاع نسبة البطالة في خلق معاناة خاصة لأبناء هذا الجيل؛ حيث بلغت هذه النسبة 13%، في 2023، ارتفعت إلى 13.3%، في 2024، لاسيما بين حَمَلة الشهادات حيث تصل النسبة إلى 20% تقريبًا، هذا مع أن أغلب الوظائف المتاحة هي في القطاع غير المهيكل مما يطرح التساؤل بشأن الحماية الاجتماعية(26).
وبالمقارنة مع نظرائه، سنجد أن الشباب الجزائري هو الأقرب في النسب وإن كان الاعتماد على ريع مبيعات الطاقة يسمح ببرامج تشغيل مؤقتة أكثر حيث تقدر بـ12.35%(27) ولكن يتفوق الشباب التونسي في نسبة الجامعيين العاطلين حيث تصل النسبة إلى أكثر من 15.70%(28)؛ مما جعلها وقودًا للاحتجاجات المتصلة. وأما في فرنسا فإن معدلات البطالة في البلد تقل عن 15% وإن كان جيل z يشتكي خصوصًا من الوظائف المؤقتة والعقود الهشة.
وينظر الجيل Z المغربي، إلى العمل ليس على أنه وسيلة للاندماج بل مجال للتمييز؛ حيث يتطلب الحصول على الوظيفة الكثير من الحظ والارتباط بشبكة علاقات قوية، وهذا ما يعزز النظر إلى الممارسة الحكومية من زاوية الفساد لا من زاوية الحرص على تكافؤ الفرص(29).
وفي وقفاتهم المتعددة، جاهر أبناء الجيل زد بمطالب اجتماعية صرفة ورددوا شعارات من قبيل “جيل زد جيل جديد ما فيه لا عبد ولا سيد” و”حرية، كرامة، عدالة اجتماعية” و”باراكا من التيرانات زيدونا السبيطارات” (كفى من الملاعب نريد المزيد من المستشفيات) و”ياللي فالحكومة راه الشبيبة مهمومة” (يا من في الحكومة إن الشباب مهموم) و”الصحة أولا ما بغيناش (لا نريد) كأس العالم(30).
وهكذا نجد أن جيل “زد” المغربي أنجز في مجال التعبئة بطريقة فاعلة وغير تقليدية عندما تبنَّى تطبيق الألعاب دسكورد، في محاولة للإفلات من الاجهزة الأمنية، كما استخدم فاعلية وسرعة التيك توك في بث مقاطع الفيديو القصيرة، كل ذلك قبل ساعات من موعد التظاهر في كبريات المدن ليجتمع بسرعة وينفض بسرعة تلافيًا لمواجهة قوات الأمن ولتقليل التكلفة الأمنية لفاعليه.
سياق ونتائج احتجات الجيل زد في المغرب
أصبحت الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح في المغرب من السلوك السياسي المعتاد، وهي احتجاجات يطبعها الطابع الاجتماعي في عمومها وإن لم تخل من مطالب سياسية من قبيل ما كان أيام الربيع العربي 2011 إلى 2012، ومنذ 2020 وما كان من جائحة كوفيد ثم أزمة الأسعار 2022–2023 بدت مظاهر احتجاج جديدة يغلب عليها حضور جيل زد وتميزت عمَّا سواها من مظاهرات سابقة:
- ظهور المطالب ذات الطبيعة الاجتماعية كحقوق العمل والسكن والصحة والتعليم على ما عداها بل الغياب الكلي للمطالب السياسية.
- غياب قيادات نقابية أو سياسية أو اجتماعية في صدارة المحتجين.
- بروز الاحتجاج الرقمي ساحةَ فعلٍ وتأثير تجاوزت الشارع لتقوده وتستخدم تلك الأدوات في التعبئة بدل الأدوات التقليدية المعروفة من قبل وانتظمت في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء ومكناس وطنجة.
وقد كان التعاطي الحكومي مع هذه الاحتجاجات منذ 2020 قائمًا على معالجة بعض القضايا مثل تعميم الحماية الاجتماعية عام 2021، والرقابة الأمنية على ساحة الاحتجاج الافتراضية؛ لمنع تصاعد الاحتجاج(31)، لكن احتجاجات 2025 خرجت على الرقابة بعدما استخدمت تطبيقات الألعاب مثل دسكورد؛ مما جعلها مفاجئة أمنيًّا، وسمح لها بالاستمرار أكثر من الاحتجاجات التي سبقتها وكانت قيادتها افتراضية.
نتائج وآثار
كان لاحتجاجات جيل زد الأخيرة هذه نتائج انعكست على مجمل العمل العام في البلد، ويمكن رصدها في:
- نتائج اجتماعية: ظهر الفضاء الرقمي ساحة احتجاج ومنصة تغيير ممكن ولها فاعلية مباشرة.
- رقمنة قيادة الاحتجاجات؛ حيث برز المؤثرون الاجتماعيون في سوح الاحتجاج الافتراضية وفرضوا خطابهم ووظَّفوا أدوات تأثيرهم وتحولوا فعلًا -ولو بشكل غير مباشر أحيانًا- إلى وسطاء بين الحكومة والشارع المحتج ونجحوا في التعبير عن مطالب المجتمع عامة.
- نتائج سياسية: تكرس العزوف الحزبي؛ حيث لم تبرز أي جهة سياسية حزبية أو نقابية لتقدم نفسها وسيطًا أو مؤثرًا على قيادات الاحتجاج، كما كرس نموذجًا مغربيًّا في الاحتجاج الناعم المطالب بالإصلاح دون عنف ولا قطيعة.
وهكذا، يتبين من التجربة المغربية الانتقال من الفاعل السياسي التقليدي(32) احتجاجًا إلى الفاعل الرقمي صانع الرأي العام افتراضيًّا ومنتج السلوك التواصلي الجديد بعيدًا عن أدوات الرقابة الأمنية التقليدية.
تُظهر هذه التجربة أن المغرب هي الأخرى أنتجت نموذجها الخاص بها في التعاطي مع هذه الاحتجاجات؛ حيث باتت الحكومة تتبنى إستراتيجية “التفاعل الحذر”، فهي تراقب وتستجيب جزئيًّا، والجيل الجديد يضغط دون تصعيد ويطالب دون تراجع ويغيِّر الساحة والشعار تبعًا للقدرات والفاعلية. ولو قلنا: إن تجربة الجيل في السودان كانت ثورية وتجربته في الخليج كانت منغلقة فإن تجربته في المغرب كانت اجتماعية إصلاحية حذرة.
ومن هذه الخاصية يتضح -إلى حدٍّ كبير- أن الجيل المغربي “اجتماعي” في مطالبه، وطني في أهدافه، رقمي في أدوات احتجاجه؛ مما يميزه عن احتجات الربيع العربي في المغرب، 2011، التي كانت سياسية بامتياز، كما تميزه وطنيته الجامعة عن مناطقية المحتجين في الريف، 2017.
تحليل السلوك الجماعي التغييري للجيل
يبني الجيل -أيًّا كان- ردَّة فعل جماعية انطلاقًا من محصلة التغييرات التي بَنَت وعيه. وبناء على ذلك، فإنه غالبًا يحدد الأدوات التي يصنع بها التغيير؛ من نفوذ إلى الكينونة التي تنبعث منها نية التغيير، والتضحية من أجله، إلى التعبئة؛ فالفعل العام، وصولًا إلى التأثير العام؛ فثمراته.
يُفهم من الدرس العالمي أنه ما إن ينتهي عنفوان الدورة الاحتجاجية وتدخل مرحلة الشيخوخة التي هي عطل الفعل وعجز الفكر حتى تبدأ تخمد تحت ضغط “الإصلاحات السياسية” التي تستجيب لها جزئيًّا أو كليًّا، أو بفعل القمع الحكومي الذي يتغلب عليها بفعل ضعف تكتيكاتها أو غَلَبة التقليدية على أدواتها، أو بنفاد طاقة القائمين عليها، خاصة إذا لم يستطيعوا تصدير الفعل القيادي ونقل المعرفة والخبرة أفقيًّا.
لكن الجيل المغربي أظهر منذ 2020 أنه قادر على التجدد دون تصعيد وأن الحكومة قادرة على التعامل بحذر متجنبة التصعيد ومقدمة جملة إصلاحات دون أن تخضع هي لمنطق الجيل ودون أن ينتهي الجيل ممثلًا في مطالبه وتجدد أدواته.
وفي عام 2025، تسيد الجيل اللحظة بقدرته على بث متواصل لمقاطع فيديو توثق الشعارات التي شكَّلت الرمزية وعوَّضت الأيديولوجيا وحلَّت محل القيادة من قبيل “مستشفيات لا ملاعب” و”إسقاط الفساد” و”الشعب يريد إصلاح التعليم” و”لا يمين ولا يسار.. يجمعنا حب الوطن”(33).
ومع ذلك، ففي نهاية الدورة الاحتجاجية ظهرت دروس كانت أساس الحركات بعدها، وتلك قضية توريث لثروة لا تخص فردًا ولا جيلًا بل هي مِلك لعموم المجتمع يوظفها عنه الجيل الجديد وفقًا لما أوضحنا في خصائصه من قبل، ففي المغرب كان الجيل الذي أنجز 2011 جيل مطالب سياسية، فيما طرح جيل Z مطالب اجتماعية تفصيلية حية في عمق الوجدان الشعبي.
هنا نجد أن خصائص جيل المغرب أثمرت تكتيكات جديدة أو متجددة، منها اجتماعيًّا -على سبيل المثال- عدم وجود قيادة وذلك تكتيك يقضي على الطموح الحزبي الذي يشرذم قاعدة التغيير، كما أنه يكبح جماح مجموعات الضغط وأصحاب المنافع ممن يحاولون ركوب الموجات، ولذلك لم يعتمد جهة مرجعية محددة، وإن كان هذا التكتيك يُفقد المطالب أهمية الحوار لتحقيقها، فإنه يتيح للمطالبين بالتغيير البراءة من الجهات التي يمكن أن تتهم بالتقصير أو الممالأة.
وخاصية انعدام القيادة يشترك فيها حراك زد مع الربيع العربي؛ الأمر الذي حرم الحراكيْن من قيادة تحاور وتناور، كما حرمهما من الرؤية المشتركة والفكرة الجامعة التي تهيئ الحراكات الإصلاحية للنجاح.
لقد استطاع الجيل فعلًا تبني أدوات جديدة في عالم الرقمنة، فعدم استخدامه للمنصات الاجتماعية المراقبة أصلًا وانتقاله إلى تطبيقات الألعاب؛ منحه فرصة الإطلال على جمهور المدن المتباعدة دون انتقال ومنحه فرصة التخفي عن يقظة عيون الأمن أو مباغتتها، وأتاح له الحشد بأقل التكاليف الاجتماعية والمالية والنفسية. في هذا السياق، جدَّد هذا الجيل في الشعارات، فنقلها من عموميات 2011 في السياسة والشعارات الاجتماعية العامة إلى تفاصيل حية في الصحة والتعليم تطرق الوجدان وتؤثر في الشعور العام مباشرة.
وفي فهم الفعل الاحتجاجي أيًّا كانت درجته؛ يبرز من منظِّري الحركات الاجتماعية سيدني تارو(34)، بتطويره لفهم أشكال الاحتجاجات انطلاقًا مما يمكن تسميته بأسلحتها الفعَّالة أو ذخيرتها الحية القادرة على النفاذ في جسم الحالة، وصولًا إلى قتلها أو تعطيلها أو تحييدها. في هذا السياق، طور إلى جانب ذلك مفهوم عمر الاحتجاج؛ فلا يكفي لفهم التغييرات تحديد عمر جيلها بل لابد من معرفة عمرها هي حتى تُقرأ في السياق بداية أو مراهقة أو كهولة أو شيخوخة، فالجيل الفاعل في بداية دورته الزمنية كالفرد تمامًا يمتلك طاقة تُقرأ من لحظة العمر(35).
يؤكد تارو على حقيقة أن تبلور الاحتجاج ليس اعتباطيًّا ولا فوضويًّا بل هو حصيلة علم وتفكير وفهم الفاعلين. إن الجيل -بلْهَ المجتمع- في صناعته لتلك الأدوات لابد أن يملك قوة الإبداع.
وهنا تبرز المعيارية في الفعل الاحتجاجي؛ حيث هي الفعل القابل للتطبيق وإعادة التطبيق في بيئات متباعدة، وأقوام متباينة، بل في سياقات تبدو متصادمة لا تلتقي إلا في ساحات هذا الفعل المعياري، فهذا “الفعل” يستخدمه كل “فاعل”، ويوظفه بصيغة أخرى كل “محتج”، أو “ساع للتغيير” كليًّا أو جزئيًّا، ومن هنا نفهم وجود احتجاجات متكررة نمطية تقليدية كالمظاهرات والاعتصامات والاضرابات، وأخرى جديدة تترجم كينونة تلك، لكنها تعطيها أدوات تنقلها إلى الفاعلية والنجاعة، فتتولد دورات الفعل الاحتجاجي وتتجدد أدواته، فيختلف التكتيك الذي تجدد بفعل الجيل دون أن يقضي على الإستراتيجية التي هي حلم المجتمع -في أجياله المختلفة- في التغيير سعيًا إلى الأفضل.
الاحتجاج دورة حياة
تولد الدورة الاحتجاجية في حاضنة الانفتاح السياسي بما يتيحه من تلاقح ومسعى عام للبحث عن الأفضل، كما تولد في سياق ضعف النظام السياسي أو انهيار منظومات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، فتكون لحظة استهلال التغيير، بشرط أن يعي المجتمع ممثَّلًا في الجيل “الفرصة السياسية”، وذلك ما نسميه بلحظة الوعي التي لا تنتظر تمامًا كلحظة الزلزلة أو الموت فجأة.
وفي فهم الدورة الاحتجاجية ندرك أنها لحظة زمنية تبدأ لتنتهي كعمر الإنسان تمامًا؛ ففي عنفوانها يكون التصعيد كسرًا للجمود، وتعبيرًا عن القيم الجديدة التي تبنَّاها الجيل، فتتسع مساحتها أفقيًّا لتشمل الجغرافيا، وعموديًّا لتضم أفراد المجتمع من أجيال سابقة وجيل موعود، فتولد حركة اجتماعية جديدة فاعلة ومنجزة، ويتجلى ذلك في قدرتها على استحضار أدوات الفعل الناجعة من تكتيكات غير متوقعة ولا مسحوبة من قوة الشد إلى الوراء، تلك التكتيكات التي تجمع بين المعهود المعياري والجديد التكتيكي في خلطة تنتج التغيير، فيمكِّنها ذلك من القيادة والتعبير الشعاراتي الفعلي عن الكل.
إن تارو يعتمد إجمالًا تحليل التفاعلات بين المطالب وفاعليها لفهم الحركات الاجتماعية ظهورًا أو اختفاء، وفي دراسته آليات الاحتجاج وإعادة استعراضها وكيفيات تطويرها باتجاه تحقيق التعبئة واستثمارها لتحقيق التغيير عبر دورات تتكرر في أزمة مختلفة تحيل في تكرارها أو إعادة استعراضها -بلغة المسرح- إلى كيفية تغيير الأساليب وإعادة صياغة المطالب، وهذا ما يعطي -وفقًا لمنطقه- تحليلًا صارمًا لفهم آليات التغيير التقليدية من قبل المظاهرات والإضرابات ومختلف أنواع الاحتجاجات، كما يفسر بشكل راجح التفاعل بين المطالبين بالحقوق ومتقلدي الفعل السلطوي –المتحكمين أيًّا كانت صفتهم- ممن تتأثر مصالحهم بآثار الإصلاحات المترتبة على الفعل الاحتجاجي. ويترتب على هذا المنظور استيعاب تأثر المشاركة السياسية في كافة تعبيراتها على الحركات الاجتماعية، وهو في ذلك يعلي من شأن الملاحظة والتتبع في فهم تلك الحركات(36).
وفي منطق آلان تورين، فإن الحركات الاجتماعية تجسيد لقيم سياسية تسعى لتحقيقها في مجتمعاتها، فتخوض في سبيل ذلك “صراعًا” و”مشاركة” في الوقت نفسه. هذان العاملان (الصراع والمشاركة) هما التعبير عن التعددية السياسية والفكرية والنقابية وغيرها، فلئن كان الصراع ينفي نظريًّا المشاركة فإنهما واقعيًّا وجهان لعملة واحدة، فالإشكال في إدارة الصراع، لا في وجوده أصلًا، في هذا السياق، المشاركة في ثمرة الاجتماع السياسي الذي يفرضها بمنطق المصالح والأدوات(37).
إن تورين هنا يقول: إن صراع الهوية ليس سيئة؛ فالحركات الاجتماعية تعبير عن صراع اجتماعي ومشاركة ثقافية في الوقت نفسه، فالحرية ودفعُ الخضوع وتحقيقُ الهوية والاستقلال بكل مظاهره، مطالب تنتهي ببناء قيم سياسية في المجتمع موضع الصراع، وهو بهذا يركز على أن الثقافة والهوية هما محور فهم مجتمعات اليوم. لذا يُرى الفاعل الاجتماعي من خلال علاقته ببنية المجتمع؛ وكيف يسهم في بلورتها.
ومن هذا المنظور، نجد أن رفض جيل Z المغربي لسيطرة الأحزاب أو النقابات على حراكه داخل في صراع الهوية، فهذا تكتيك يحيل إلى الاعتراف بهوية جديدة، ولذا نقول -بكل قوة-: إن الهوية تتجدد بتجدد تعبيراتها لا بتغير جوهرها.
خاتمة
يمكننا -بعد هذا الاستعراض والتحليل- القول: إن هذه حركة احتجاج تترجم حالة هذا الجيل من المغاربة: تآكلَ ثقة في التسيير الحكومي وفي الأحزاب والنقابات وصور الوساطة الحكومية عمومًا، وفي نجاعة البرامج الاجتماعية؛ خاصة التعليم الذي لم يعد -هذا الجيل- يجد فيه الرافعة الاجتماعية، وفي كفاية الخدمات المقدمة في الصحة، وهو في هذا يشبه نظراءه في عدة دول ممن قادوا احتجاجات.
لكن الدولة المغربية كانت قادرة على التعاطي مع الأزمة، سواء بإنتاج سردية الاستقرار النسبي في محيط مضطرب غير جذاب، أو بتقديم وعود إصلاح وجدت صداها في الشارع.
إن الجيل لا يرفض المؤسسات، بل يسائل عن مصداقية وَسِيطيتها، وعن جدوى برامجها وخططها، وعن قدرتها على معالجة الاختلالات الاجتماعية التي هي عنوان حراكات هذا الجيل.
إنه الجيل الثالث أدواتٍ ومطالبَ، فقد كان جيل 2011 جيل الأفق الإصلاحي السياسي، بينما أبرز جيل الريف قضية “التفاوت الجهوي”، في حين كان هذا الجيل الذي أبرز “المطالب الاجتماعية وجعلها عنوان الإصلاح” دون أن يربطها بالسياسة صراحة، فأين سيكون من نظرائه الذين سبقوه؟
المراجع
1- وفاة سيدة حامل في مستشفى الحسن الثاني بأكادير بالتزامن مع تعليق احتجاجات جيل زد انتظارًا لكلمة ملك المغرب، بي بي سي عربي، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، (تاربخ الدخول: 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://www.bbc.com/arabic/articles/c99gey2nv8no
2-احتجاجات جيل زد في المغرب: غضب اجتماعي يختبر قدرة النظام على الإصلاح، رويترز العربية، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://www.reuters.com/ar/world/HH5ZHLT3N5N2DHTCG3EK4T24BM-2025-10-04
3-انظر: عمر عبد الجبار محمد أحمد، الجيل Z شريحة اجتماعية جديدة بخصائص جديدة وتحديات نظرية ومنهجية جديدة، مجلة مستقبل العلوم الإجتماعية، جامعة عين شمس، المجلد 12، العدد الأول، يناير/كانون الثاني 2023، ص ص85-95.
4 – انظر: فاطمة الشمري، الفجوة بين الأجيال في المجتمعات الخليجية: قراءة في ضوء نظرية الأجيال، مجلة جامعة الملك سعود للعلوم الاجتماعية، المجلد 36، العدد 2024، ص ص85-102.
5 – Karl Mannheim, The Problem of Generations. In Essays on the Sociology of Knowledge. Routledge, 1952.
6- انظر: مانويل كاستيلز، شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، ترجمة هايدي عبد اللطيف، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018، الصفحات، 39–40، 46.
7- انظر: عبد الفتاح القط، الحركات الاجتماعية في عصر المعلومات: قراءة في فكر مانويل كاستيلز، مجلة شؤون اجتماعية، العدد 137 (2020)، ص ص97–118.
8- منى أحمد، شريحة اجتماعية جديدة: جيل Z وتحديات نظرية ومنهجية جديدة، مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، جامعة عين شمس، المجلد 12، العدد 1 (2023)، 15-29، القاهرة.
9- فاطمة الشمري، مصدر سابق.
10- Laura E Berk, Exploring Lifespan Development. 5th ed. Pearson, 2023.
11- منى عبد الرحمن بن داوود، الجيل زد (Z) والتحولات القيمية في المجتمعات العربية: قراءة في ضوء الاتصال الرقمي والعولمة الثقافي، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الجزائر 2، العدد 61، 2023، 45–67.
12- محمد الطوزي، عبد الله ساعف، الشباب المغربي والتحولات الاجتماعية والسياسية: من اللامبالاة إلى الفعل الرقمي، مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، الرباط (CERSS)، 2022.
13-, Nicolás Somma, et al. “No Water in the Desert: Student Movements and Social Unrest in Chile.” Journal of Latin American Studies, 2021.
14- كريم رصمي، الامتناع عن التصويت عند الشباب المغربي، مجلة المعرفة للدراسات والأبحاث، العدد 28، يونيو/حزيران 2025، ص ص 143-155.
15- قبيل استحقاقات 2026.. أزمة الثقة تعمق عزوف الشباب عن السياسة، هسبريس، 15 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 12 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://shorturl.at/DMi5L
16- المندوبية السامية للتخطيط (HCP) ، إحصاءات السكان والشباب في المغرب، الرباط، 2023.
17-Arab Barometer VIII, Morocco Report, 2024, (Seen 20/9/2025): https://www.arabbarometer.org/resources/uploads/AB8-Morocco-Report-ENG.pdf?utm_source=chatgpt.com
18- أنوزلا، علي، كأنَّها حكومة تصريف أعمال في المغرب، العربي الجديد، 12 يناير/كانون الثاني 2022 (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://shorturl.at/BE2cC
19- المندوبية السامية للتخطيط، نوفمبر/تشرين الثاني 2024 (تاريخ الدخول: 20 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://www.hcp.ma/file/242228/
20- World Bank. Morocco Economic Monitor: Youth, Jobs, and Skills. Washington, DC: 2022.
21- محمد الطوزي وعبد الله ساعف، مصدر سابق.
22- Beaud, Stéphane, et Michel Pialoux. Retour sur la condition ouvrière: Enquête aux usines Peugeot de Sochaux-Montbéliard. Paris: La Découverte, 2012.
23- حضر المثال الفرنسي في سياق المقارنات العالمية، ولتأثير فرنسا والفرنسية في المغرب.
24- نادية بوخاري، الحراك الشعبي الجزائري ودور وسائط التواصل الاجتماعي في التعبئة السياسية: دراسة حالة حراك 22 فبراير 2019، مجلة البحوث والدراسات الإعلامية، جامعة الجزائر 3، العدد 7 (2020): 95–118.
25- أمل بن عاشور، الشباب التونسي والمشاركة السياسية في زمن التحولات: من الحلم الثوري إلى أزمة الثقة، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة سوسة، العدد 56 (2022): 33–52.
26- خالد العابد، من احتجاجات النقل إلى الثورة الدستورية: قراءة في الحراك الاجتماعي التشيلي 2019، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 493، مارس/آذار 2020، 79–95.
27- المندوبية السامية للتخطيط، حالة سوق العمل في العام 2024، 3 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 10 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://www.hcp.ma/Situation-du-marche-du-travail-en-2024_a4059.html
28- معدل البطالة في الجزائر، Trading Economics https://ar.tradingeconomics.com/algeria/unemploymentate
29- حسن ناجح، الجيل “Z” المغربي بين الفجوة الواقعية والوجود الرقمي: قراءة سيميو-فينومينولوجية للظاهرة، الصحيفة، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 12 ديسمبر/كانون الأول 2025)،https://shorturl.at/tyPZc
30- تجدد احتجاجات “جيل زد” بالمغرب للمطالبة بإصلاحات حقيقية، الجزيرة نت، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول:12 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://shorturl.at/Eoh74
31-عبد الله بنحمو، الدولة الاجتماعية في المغرب: من خطاب الإصلاح إلى سياسات الاحتواء، مجلة السياسات العمومية، جامعة محمد الخامس، العدد 9 (2022): 11–29.
32- راجع: صمي، كريم: الامتناع عن التصويت عند الشباب المغربي: الأسباب والنتائج، مجلة المعرفة (28 يونيو/حزيران 2025).
33- شعارات “جيل زد” تنادي بمطالب اجتماعية وإصلاحات عاجلة من الرباط، هسبريس، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://shorturl.at/lzryq
34- Sydney Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics. Cambridge: Cambridge University Pres 1994, p 45.
35- عبد الرحمن الشناوي، دورات الاحتجاج الاجتماعي: قراءة في أطروحات سيدني تارو، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت: العدد 415 يناير/كانون الثاني 2014، 101–122.
36- عبد الإله حسين، مقاربات تفسير الحركات الاجتماعية: من البنيوية إلى التفاعلي، مجلة إضافات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 45 (2019)، 33–58.
37- Alain Touraine, The Voice and the Eye: An Analysis of Social Movements. Cambridge: Cambridge University Press, 1981.
