الملخص
شهدت الحركة المحافظة الأميركية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة أعادت طرح أسئلة الاستمرار والقطيعة داخل اليمين الأميركي. وتنطلق هذه الدراسة من التحول الذي قاد من الاندماجية الكلاسيكية (Fusionism)، المرتبطة بجهود ويليام ف. باكلي الابن (William F. Buckley Jr.) وفرانك س. ماير (Frank S. Meyer) منذ خمسينات القرن العشرين، إلى الترامبية (Trumpism) بوصفها الظاهرة الأكثر تأثيرًا في المحافظة الأميركية المعاصرة. وتجادل الدراسة بأن الترامبية لا تمثل قطيعة كاملة مع الإرث الاندماجي ولا استمرارًا مباشرًا له بل إعادة تركيب انتقائية لبعض عناصره داخل سياق سياسي ومؤسسي جديد. وتركز على الدور الذي اضطلعت به مؤسسة التراث (The Heritage Foundation) والجمعية الفيدرالية (The Federalist Society) في إعادة تعريف معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة، والانتقال من سياسة الاحترام (Respectability Politics) والانضباط الفكري إلى منطق الولاء المؤسسي وفاعلية تحقيق المكاسب السياسية والقضائية. كما تتتبع التحول من إستراتيجية “حراسة البوابة” (Gatekeeping) التي ارتبطت بمشروع باكلي إلى التحالف الذي نشأ عام 2016 بين النخب القانونية المحافظة ودونالد ترامب (Donald Trump)، بما أتاح تحويل “رأس مال الصدقية” (Credibility Capital) الذي راكمته المؤسسات المحافظة إلى نفوذ سياسي مباشر. وتخلص الدراسة إلى أن المكاسب القضائية والمؤسسية التي حققتها الاندماجية الجديدة (New Fusionism)، وفي مقدمتها إعادة تشكيل القضاء الفيدرالي ومشروع 2025 (Project 2025)، ارتبطت في الوقت نفسه بتآكل بعض الأسس الرمزية للشرعية المحافظة وتراجع الحدود التي كانت تفصل المحافظة المؤسسية عن بعض التيارات الشعبوية والراديكالية.
كلمات مفتاحية: الاندماجية – الترامبية – الشرعية – الجمعية الفيدرالية – مشروع 2025
Abstract
The American conservative movement has undergone profound transformations in recent decades, raising renewed questions about continuity and rupture within the American Right. This study examines the transition from classical Fusionism, associated with the efforts of William F. Buckley Jr. and Frank S. Meyer since the 1950s, to Trumpism as the most influential phenomenon in contemporary American conservatism. It argues that Trumpism represents neither a complete rupture nor a direct continuation of the fusionist tradition, but rather a selective recombination of some of its elements within a new institutional and political context. The analysis focuses on the role of the Heritage Foundation and the Federalist Society in redefining legitimacy criteria within the conservative movement, shifting them from Respectability Politics and intellectual discipline toward institutional loyalty and the effective pursuit of political and judicial gains. It further traces the transition from Buckley’s strategy of Gatekeeping to the post-2016 alliance between legal conservative elites and Donald Trump, showing how accumulated Credibility Capital was converted into direct political influence. The study identifies a central paradox: the judicial and institutional gains achieved by the New Fusionism—including the reshaping of the federal judiciary and the emergence of Project 2025—have coincided with the erosion of some of the symbolic foundations of conservative legitimacy and the weakening of boundaries separating institutional conservatism from populist and radical currents.
Keywords: Fusionism – Trumpism – Legitimacy – Federalist Society – Project 2025
المقدمة
شهد الفكر المحافظ الأميركي منذ منتصف القرن العشرين تشكُّل ائتلاف فكري وسياسي واسع عُرف في الأدبيات باسم “الاندماجية” (Fusionism)، وارتبط خصوصًا بجهود ويليام ف. باكلي الابن (William F. Buckley Jr) وفرانك س. ماير (Frank S. Meyer) في الجمع بين حرية السوق والنزعة الأخلاقية التقليدية ومناهضة الشيوعية ضمن إطار محافظ قادر على استيعاب تيارات مختلفة داخل اليمين الأميركي. وقد أسهمت هذه الصيغة في توحيد مكونات متعددة ضمن إطار محافظ واحد، كما مهَّدت لقيام تحالف بين اتجاهات متباينة؛ الأمر الذي أدَّى إلى توسع نفوذها في المجالين الفكري والسياسي، ولاسيما خلال الحقبة الريغانية.
غير أن هذا الائتلاف لم يكن بناءً ثابتًا أو متجانسًا على نحو نهائي، بل قام على تسويات داخلية بين اتجاهات محافظة متعددة، وعلى قدرة النخب المحافظة على ضبط الحدود بين ما يُعد محافظًا مشروعًا وما يُنظر إليه خارجًا عن الإجماع المحافظ. ومع التحولات التي عرفتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، وتصاعد الجدل بشأن العولمة والهجرة والهوية الوطنية ودور الدولة، أخذت هذه الصيغة التقليدية تتعرض لضغوط متزايدة أعادت طرح أسئلة قديمة بشأن طبيعة المحافظة الأميركية وحدودها الفكرية والمؤسسية.
وفي هذا السياق، برزت الترامبية على أنها أحد أهم التحولات التي شهدتها الحركة المحافظة في العقود الأخيرة. فقد أثار صعود دونالد ترامب (Donald Trump)، منذ عام 2016، نقاشًا واسعًا داخل الأوساط المحافظة عن طبيعة العلاقة بين الترامبية والإرث الاندماجي الذي تشكَّل منذ خمسينات القرن العشرين، وحول ما إذا كانت الترامبية تمثل قطيعة مع ذلك الإرث أم إعادة صياغة بعض عناصره ضمن سياق سياسي ومؤسسي جديد. كما أعاد هذا الجدل تسليط الضوء على أدوار مؤسسات محافظة مؤثرة، في إعادة تعريف أولويات الحركة المحافظة ومعايير الشرعية والقبول داخلها.
وتسعى هذه الدراسة إلى تفسير التحول الذي عرفته الحركة المحافظة الأميركية من الاندماجية الكلاسيكية، القائمة على التوفيق بين تيارات محافظة متعددة وبناء الشرعية من خلال “سياسة الاحترام” و”حراسة الحدود” الفكرية للحركة، إلى الترامبية التي أعادت تعريف الشرعية بدرجة متزايدة من خلال الفاعلية السياسية والإنجاز المؤسسي والقدرة على التأثير في مؤسسات الدولة. وتجادل الدراسة بأن الترامبية لم تنشأ خارج السياق المحافظ، لكنها لم تكن كذلك استمرارًا مباشرًا للموروث الباكلي؛ إنما مثَّلت إعادة تركيب انتقائية لبعض عناصر الاندماجية داخل سياق سياسي ومؤسسي جديد. ومن هذا المنطلق، ترى الدراسة أن المكاسب القضائية والمؤسسية التي حققها هذا التحول ارتبطت في الوقت نفسه بتحديات تتعلق بالشرعية والاحترام والتماسك الفكري داخل الحركة المحافظة. ولتحليل هذه الفرضية، تجمع الدراسة بين التأريخ الفكري وتحليل التحولات المؤسسية وقراءة الجدل المحافظ الداخلي، مع التركيز على دور المؤسسات المحافظة في إعادة تشكيل قواعد الشرعية والقبول داخل الائتلاف المحافظ.
الجزء الأول
الجذور البنيوية للتحول: التناقضات الكامنة في الاندماجية الكلاسيكية
يمثل الانتقال من الاندماجية الكلاسيكية إلى صيغتها الجديدة تحت مظلة الترامبية أحد أكثر التحولات إثارة للجدل في تاريخ الفكر المحافظ الأميركي المعاصر. فبينما يرى بعض المحللين أن الترامبية تُعد قطيعة جذرية مع المبادئ والتقاليد التي أرساها رواد الحركة المحافظة مثل ويليام ف. باكلي وفرانك س. ماير، يذهب آخرون إلى عَدِّها امتدادًا طبيعيًّا -وإن كان متطرفًا- لمسارات كانت كامنة في بنية الاندماجية الكلاسيكية ذاتها. ولمقاربة هذه الإشكالية على نحو منهجي دقيق، يحلل هذا الجزء التناقضات الداخلية التي وسمت الاندماجية الكلاسيكية منذ نشأتها، محاولًا الإجابة عن السؤال الفرعي الآتي: إلى أي مدى مهدت التناقضات الكامنة في الاندماجية الكلاسيكية، ولاسيما التوتر بين الانضباط الفكري والخطاب التصادمي، لظهور الاندماجية الجديدة، أم أن الترامبية مثَّلت قطيعة جوهرية مع ذلك الموروث؟
وبناءً على هذا السؤال، فإن الفرضية المركزية لهذه الورقة مفادها أن الترامبية لم تكن مجرد انقطاع ظرفي أو انحراف عابر عن المسار المحافظ التقليدي، بل مثَّلت تتويجًا لتحولات بنيوية كامنة داخل الفكر المحافظ الأميركي، تعود جذورها إلى التناقضات الداخلية للاندماجية الكلاسيكية، ولاسيما التوتر بين “الانضباط الفكري” و”الخطاب المعادي للأعداء”. غير أن الترامبية تجاوزت، في الوقت نفسه، تلك التناقضات نحو قطيعة نوعية على صعيد “سياسة الاحترام”. وبعبارة أخرى، تقوم هذه الفرضية على علاقة جدلية بين الاستمرار والقطيعة؛ فمن حيث البذور البنيوية، يمكن تتبع أصول الترامبية داخل الاندماجية الكلاسيكية، أما من حيث إستراتيجيات بناء الشرعية والممارسة السياسية، فقد مثَّلت الترامبية انقطاعًا نوعيًّا عن الموروث الباكلي.
ولاختبار هذه الفرضية والإجابة عن السؤال الفرعي الأول، يتناول هذا الجزء البنية الداخلية للاندماجية الكلاسيكية عبر أربعة محاور تحليلية مترابطة؛ أولًا: يستعرض تأسيس الاندماجية الكلاسيكية إطارًا فكريًّا وسياسيًّا، مع التركيز على العلاقة الجدلية بين “الوسائل الليبرالية” التي نادى بها باكلي و”اكتشاف الأعداء” الذي مارسه عمليًّا. ثانيًا: يحلِّل شخصية باكلي من خلال التوتر القائم بين “الأيديولوجي المتشدد” و”الرفيق المخلص”، وذلك عبر تتبع مساره الفكري والسياسي المبكر. ثالثًا: يتناول إستراتيجية “إبعاد المجانين” التي اتخذها باكلي آلية مركزية لبناء شرعية الحركة المحافظة، وكيف أسهمت في رسم حدود فاصلة بين الداخل المحافظ “المحترم” والخارج المتطرف “المجنون”. رابعًا: يحلل التوتر الدائم بين “الجدية الفكرية” و”الخطاب الجماهيري” في أسلوب باكلي، ولاسيما من خلال حملاته الانتخابية وخطاباته العامة، بما يكشف الأبعاد البراغماتية والتكتيكية التي طبعت الاندماجية منذ بداياتها.
وهكذا، يسعى هذا الجزء، من خلال المحاور الأربعة المومأ إليها، إلى بناء حجة متكاملة تُظهر أن الاندماجية الكلاسيكية، رغم تشديدها على الانضباط الفكري والتوازن الأيديولوجي، كانت تحمل في طياتها تناقضات بنيوية عميقة؛ وفي مقدمتها التوتر القائم بين السعي إلى الاحترام الأكاديمي والسياسي من ناحية، والانزلاق نحو خطاب متمحور حول اكتشاف الأعداء ومواجهتهم من ناحية أخرى. وهذه التناقضات، كما سيتضح، لم تقوض الاندماجية الكلاسيكية بل شكَّلت مصدر ديناميكيتها وقدرتها على التكيف. ومع ذلك، فإن الترامبية لم تكتفِ بتفعيل هذه التناقضات، بل تجاوزتها نحو قطيعة نوعية تمثلت في التخلي الصريح عن “سياسة الاحترام” التي كانت تشكِّل العمود الفقري لإستراتيجية باكلي، وتطبيع الجماعات والأفكار التي كان يصفها بـ”المجانين”. وبهذا المعنى، يمكن القول: إن العلاقة بين الاندماجية الكلاسيكية والجديدة هي علاقة جدلية مركبة تجمع بين الاستمرارية على مستوى البذور البنيوية، والقطيعة في مجال إستراتيجيات بناء الشرعية.
أولًا: تأسيس الاندماجية الكلاسيكية
ابتداءً من خمسينات القرن العشرين، تمحورت الحركة المحافظة الأميركية حول محاولة الجمع بين تيارات فكرية متعددة داخل ائتلاف واحد. وقد رأى جورج هـ. ناش (George H. Nash) أن نشأة الحركة المحافظة كان نتيجة تفاعل ثلاثة تيارات رئيسة، هي الليبرتارية، والتقليدية، والمناهضة المتشددة للشيوعية. ولم يكن يجمع هذه الاتجاهات في البداية سوى رفضها المشترك لليبرالية الحديثة والشيوعية، قبل أن تنشأ محاولات لصوغ إطار فكري يسمح لها بالعمل داخل حركة واحدة(1).
وقد عُرفت هذه المحاولة لاحقًا باسم “الاندماجية”. وكان فرانك ماير أبرز منظِّريها؛ إذ سعى إلى التوفيق بين تأكيد الليبرتاريين على الحرية الفردية وتشديد المحافظين التقليديين على الفضيلة والنظام الأخلاقي(2). وانطلق ماير من أن الحرية ليست غاية نهائية في ذاتها بل الشرط الضروري الذي يتيح للإنسان اختيار الفضيلة؛ فالإكراه قد يفرض السلوك لكنه لا ينتج الفضيلة(3). ومن ثم، فإن الغاية الأخلاقية هي الفضيلة، أما الغاية السياسية فهي صون الحرية التي تمكِّن الإنسان من السعي إلى تلك الغاية(4). ومن هذا المنظور نشأت القراءة اللاحقة للاندماجية بوصفها محاولة للتوفيق بين الوسائل الليبرالية والغايات المحافظة.
وكان ويليام باكلي، المحرر المؤسس لمجلة ناشيونال ريفيو (National Review)، من أبرز من عملوا على تحويل هذا التصور الفكري إلى مشروع سياسي وثقافي منظم. غير أن المشروع الاندماجي لم يقم على الجمع بين الاتجاهات المحافظة المختلفة فحسب بل على رسم حدود واضحة للمحافظة المقبولة واستبعاد الاتجاهات التي رأى أنها تهدد شرعية الحركة وصدقيتها العامة(5).
وتُعد مواجهة باكلي لجمعية جون بيرش (John Birch Society) المثال الأبرز على هذه السياسة. فعلى الرغم من اشتراك الطرفين في العداء للشيوعية، رأى باكلي أن النزعة المؤامراتية التي ارتبطت بروبرت وِلتش (Robert Welch) تُلحق ضررًا بالغًا بالمحافظة الأميركية وتُقوِّض الجهود الرامية إلى تقديمها بوصفها تيارًا فكريًّا وسياسيًّا جادًّا. ولذلك سعى إلى الفصل بين المحافظة التي أراد لها أن تكتسب الشرعية السياسية والثقافية وبين الخطاب المؤامراتي الذي مثَّلته الجمعية في نظره(6).
ومن ثم، لم تُبنَ الاندماجية الكلاسيكية على دمج التيارات المحافظة المختلفة داخل ائتلاف واحد فحسب، بل قامت كذلك على تحديد الخصوم الذين توحَّدت الحركة في مواجهتهم، وعلى استبعاد العناصر التي عُدَّت عائقًا أمام اكتسابها الشرعية والنفوذ. وبهذا المعنى، كان “إبعاد المجانين” جزءًا بنيويًّا من المشروع الاندماجي نفسه، لا مسألةً هامشيةً في تاريخه.
ثانيًا: مفارقة باكلي: بين “الأيديولوجي المتشدد” والرفيق المخلص
كان أول عمل سياسي لباكلي، وهو في الرابعة عشرة من عمره، الانضمام إلى لجنة “أميركا أولًا” (America First). أما أول ظهور علني له فكان من خلال خطاب ألقاه أمام زملائه في المدرسة الإعدادية دفاعًا عن تشارلز ليندبيرغ (Charles Lindbergh). وكما يلاحظ سام تانينهاوس (Sam Tanenhaus)، لم يكن ذلك الخطاب دفاعًا عن ليندبيرغ بقدر ما كان هجومًا على منتقديه، وإرهاصًا للأسلوب السجالي اللاذع الذي سيلازم باكلي لاحقًا في معاركه الفكرية والسياسية(7).
وبمجرد وصوله إلى جامعة “ييل” (Yale)، خفَّف باكلي من بعض معتقداته الراديكالية المبكرة؛ فلم يعد انعزاليًّا متشددًا، وإن ظل متحمسًا بالقدر نفسه في معاداته للشيوعية. وفي هذه المرحلة برزت لديه ميزة سرعان ما أدرك أهميتها، تمثلت في قدرته الفائقة على التواصل الاجتماعي. وهناك بدأ في التوفيق بين شخصيتيه المختلفتين: “الأيديولوجي المتشدد” والرفيق المخلص. وكما يلاحظ كارل بوغوس (Carl T. Bogus)، لم تقتصر أهمية باكلي على جمع أفكار محافظة متباينة داخل إطار واحد بل أسهم حضوره القيادي ومهاراته الشخصية والتنظيمية في بناء الحركة المحافظة الحديثة وجمع طيف واسع من الناشطين والمثقفين المحافظين حول المشروع الذي قاده(8). ويستعيد غاري ويلز (Garry Wills)، أحد أوائل المنتسبين إلى مجلة “ناشيونال ريفيو” (National Review)، لقاءاته الأولى بباكلي، فيبرز سهولة التواصل معه وحرصه على إشراك من حوله في الحوار وجعلهم يشعرون بأهمية آرائهم، وهي خصال أسهمت في تعزيز حضوره وتأثيره داخل الأوساط المحافظة(9).
وقد انعكس هذا المزيج من الحدة الأيديولوجية والجاذبية الشخصية في كتاباته المبكرة؛ إذ استخدم عموده في صحيفة “ييل دايلي نيوز” (Yale Daily News) لتوجيه انتقادات حادة إلى ما رآه انحرافًا عن حقائق المسيحية الخالدة ومبادئ الليبرالية الاقتصادية. وفي عام 1951، وبعد تخرجه في جامعة ييل، نشر كتابه الشهير”الإله والإنسان في جامعة ييل” (God and Man at Yale)، الذي هاجم فيه ما رآه هيمنة الجماعية والعلمانية على التعليم العالي النخبوي. ولم يقتصر أثر الكتاب على إثارة جدل واسع داخل الأوساط الأكاديمية، إنما كشف كذلك عن نمط فكري سيلازم باكلي طوال مسيرته، قوامه تحديد الخصوم الفكريين وتعبئة المحافظين في مواجهتهم، وهو النمط الذي سيصبح لاحقًا أحد المرتكزات الأساسية للمشروع الاندماجي.
ثالثًا: “إبعاد المجانين” إستراتيجية لبناء الشرعية
لم تقم اندماجية وليام باكلي على الجمع بين التيارات المحافظة المختلفة فحسب، بل قامت كذلك على رسم حدود واضحة للحركة واستبعاد ما عُدَّ خارجًا عنها. فمنذ تأسيس مجلة “ناشيونال ريفيو” (National Review)، عام 1955، سعى باكلي إلى بناء حركة محافظة قادرة على اكتساب الشرعية الفكرية والسياسية داخل المجال العام الأميركي. وكان هذا المشروع يقوم على استيعاب اتجاهات محافظة متعددة داخل إطار مشترك، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حدود فاصلة بين المحافظة المنظمة والتيارات التي يمكن أن تُستخدم لتشويه صورتها(10).
ولم يكن يجمع هذه الاتجاهات في البداية سوى رفضها المشترك لليبرالية الحديثة والشيوعية، قبل أن تنشأ محاولات لصوغ إطار فكري يسمح لها بالعمل داخل حركة واحدة(11). وهكذا برزت الاندماجية محاولة لبناء أرضية مشتركة بين هذه المكونات المختلفة، غير أن نجاح هذا المشروع لم يعتمد على الدمج وحده، إنما ارتبط كذلك بقدرته على استبعاد الاتجاهات التي رآها قادته عبئًا على المحافظة الحديثة.
وقد أدرك باكلي أن الحركة المحافظة لا تستطيع اكتساب الشرعية السياسية والثقافية إذا ظهرت للرأي العام مظلة لمختلف أشكال التطرف اليميني. ولذلك لم يكتفِ بجمع الأفكار المحافظة المتباينة وصهرها في رؤية واحدة، إنما عمل كذلك على تهميش بعض الاتجاهات المحافظة واستبعاد بعضها الآخر كلما رأى أنها تهدد المشروع الذي يسعى إلى بنائه. وكما يلاحظ كارل بوغوس، فقد أصبح باكلي قادرًا على رسم حدود المحافظة المقبولة واستبعاد الأفراد والجماعات الذين رأى أنهم يضرون بتماسك الحركة وصدقيتها العامة(12).
وتُعد مواجهة باكلي لجمعية بيرش المثال الأبرز على هذه السياسة. فعلى الرغم من اشتراك الطرفين في العداء للشيوعية، رأى باكلي أن النزعة المؤامراتية التي طبعت خطاب روبرت وِلتش تهدد الجهود الرامية إلى تقديم الحركة المحافظة الأميركية على أنها تيار فكري وسياسي جاد. ومع اتساع الجدل العام بشأن الجمعية مطلع ستينات القرن العشرين، انضم إلى أصوات محافظة بارزة رأت أن وِلتش ألحق ضررًا بقضية “المحافظة المحترمة” (respectable conservatism). وفي مقاله الشهير “قضية روبرت وِلتش” (The Question of Robert Welch)، عام 1962، انتقد باكلي استمرار وِلتش في قيادة الجمعية، ورأى أن مواقفه المؤامراتية تضر بقضية مناهضة الشيوعية وتدفع النشاط المحافظ نحو الهامشية والعجز السياسي(13).
ومن ثم، لم تُبنَ الاندماجية على دمج التيارات المحافظة المختلفة وصهرها في رؤية متماسكة فحسب، إنما قامت كذلك على استبعاد العناصر التي رآها باكلي عائقًا أمام اكتساب الحركة للشرعية والنفوذ. وبهذا المعنى، كان “إبعاد المجانين” جزءًا بنيويًّا من المشروع الاندماجي نفسه، لا مسألة ثانوية عارضة في تاريخه.
رابعًا: التوتر بين الانضباط الفكري والخطاب التعبوي
قد تكون هزيمة باري غولدووتر في انتخابات 1964 قد عرقلت المدَّ المحافظ الراديكالي مؤقتًا، لكنها لم تُنهِ الحضور المتزايد لويليام باكلي داخل الحركة المحافظة الأميركية. ففي النصف الثاني من ستينات القرن العشرين، جمع باكلي بين النشاط الفكري والعمل السياسي والحضور الإعلامي؛ الأمر الذي جعله أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمحافظة الأميركية في تلك المرحلة.
وقد تجلَّت هذه النقلة بوضوح في حملة باكلي لمنصب عمدة مدينة نيويورك، عام 1965، وهي الحملة التي نقلته من دائرة السجال الفكري المحافظ إلى واجهة السياسة الوطنية. ففي خضم الجدل الذي أعقب أحداث “الأحد الدامي” في سيلما (Selma)(14)، أثار باكلي عاصفة من الانتقادات حين هاجم التغطية الإعلامية للأحداث ودافع عن تصرفات شرطة ألاباما، قبل أن يعترف لاحقًا بأن فهمه لبعض الوقائع استند إلى تفسير مغلوط للتعليق التليفزيوني الذي تابع من خلاله الأحداث(15).
ولم تتوقف هذه النزعة الجدالية عند حدود الحملات الانتخابية. فمع انطلاق برنامج “فايرينغ لاين” (Firing Line)، عام 1966، أصبح باكلي أحد أبرز الوجوه الإعلامية في الولايات المتحدة. وقد أتاح له البرنامج أن يخوض مناظرات منتظمة مع سياسيين ومفكرين وناشطين من اتجاهات متباينة، وأن يحافظ على حضور دائم في المجال العام طوال عقود.
وهكذا تكشف تجربة باكلي عن مفارقة مركزية في الاندماجية الكلاسيكية. فمن جهة، سعت الحركة المحافظة إلى بناء شرعيتها من خلال الانضباط الفكري ورسم حدود واضحة تفصل بينها وبين الجماعات والتيارات التي عُدَّت متطرفة أو غير مسؤولة، كما ظهر في موقف باكلي من جمعية جون بيرش(16). ومن جهة أخرى، اعتمدت على خطاب تعبوي وصراعي جعل تحديد الخصوم وتوحيد الصفوف في مواجهتهم جزءًا أساسيًا من هويتها السياسية.
وبذلك نخلص إلى أن الانتقال من الاندماجية الكلاسيكية إلى الترامبية لا يمكن تفسيره بمنطق الاستمرارية الخالصة أو القطيعة المطلقة، بل من خلال علاقة جدلية تجمع بينهما معًا. فقد أظهر التحليل أن التناقضات الداخلية للاندماجية الكلاسيكية، وفي مقدمتها التوتر بين الانضباط الفكري والخطاب المناهض للخصوم، هيأت الأرضية لظهور نموذج أكثر راديكالية في المستقبل. غير أن الترامبية لم تكتفِ بتفعيل هذه التناقضات، بل تجاوزتها نحو قطيعة نوعية تمثلت في التراجع عن سياسة الاحترام التي شكَّلت أحد المرتكزات الأساسية للمشروع الباكلي، وفي إعادة رسم حدود الشرعية داخل الحركة المحافظة على نحو مغاير لما سعى إليه باكلي وجيله. ومن ثم، لا تبدو الترامبية انقطاعًا كاملًا عن الميراث الاندماجي، كما لا تمثل امتدادًا مباشرًا له؛ بل يمكن فهمها بوصفها حصيلة تفاعل معقد بين عناصر الاستمرار وعناصر القطيعة في آن واحد.
وإذا كان هذا المحور قد تناول الجذور الفكرية والشخصية لهذه التحولات، فإن فهم انتقال المحافظة الأميركية من سياسة الاحترام إلى منطق الولاء يقتضي الانتقال إلى مستوى المؤسسات. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الدور الذي اضطلعت به مؤسسات محافظة رئيسة، وفي مقدمتها مؤسسة التراث والجمعية الفيدرالية، في إعادة تعريف معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة وفي تهيئة البيئة المؤسسية التي مهَّدت لصعود الترامبية وترسيخ نفوذها داخل اليمين الأميركي.
خامسًا: إعادة تشكيل اليمين الأميركي من غولدووتر إلى الترامبية
لا يستقيم، ونحن ندرس الحركة المحافظة الأميركية، الانتقال من باكلي إلى ترامب دون الوقوف عند الحلقات الوسيطة التي أعادت تشكيل اليمين الأميركي بين ستينات القرن العشرين والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. لقد نقل باري غولدووتر (Barry Goldwater) الحركة المحافظة الأميركية من الهامش الفكري إلى المنافسة الانتخابية المباشرة، حتى وإن انتهت حملته الرئاسية، عام 1964، بهزيمة ساحقة. ولا تكمن أهمية غولدووتر في النتيجة الانتخابية بقدر ما تكمن في بلورة رؤية محافظة متماسكة للدولة والدستور والحرية الفردية. فقد انطلق من اقتناع راسخ مفاده أن السلطة السياسية تحمل في ذاتها ميلًا دائمًا إلى التوسع، مؤكدًا أن “الحكومة أثبتت عبر التاريخ أنها الأداة الرئيسة لإعاقة حرية الإنسان”(17). كما رأى أن الدستور الأميركي صُمِّم أساسًا لمواجهة الميل الطبيعي للحكومة إلى التوسع وتركيز السلطة(18). وانطلاقًا من هذا التصور، شدَّد على أولوية الشرعية الدستورية على اعتبارات المنفعة السياسية، معلنًا أنه “لن أحاول أن أقرر ما إذا كان التشريع مطلوبًا قبل أن أحدد أولًا ما إذا كان مسموحًا به دستوريًّا”(19). وقد مثَّلت حملة غولدووتر، رغم هزيمتها الانتخابية، محطةً مهمة في مسار صعود الحركة المحافظة الأميركية؛ إذ جاءت ضمن مرحلة التحول التي انتقل خلالها المحافظون من موقع الأقلية الفكرية إلى موقع القوة السياسية والتنظيمية المتنامية(20).
أما رونالد ريغان (Ronald Reagan) فقد منح الاندماجية صيغتها السياسية الأكثر نجاحًا؛ إذ جمع بين اقتصاد السوق والخطاب الأخلاقي المحافظ والقومية الأميركية المناهضة للشيوعية، وحوَّل ما كان ائتلافًا فكريًّا إلى صيغة حكم. غير أن الريغانية لم تُنهِ التوترات الكامنة داخل هذا الائتلاف بل أجَّلتها مؤقتًا خلف قيادة سياسية جامعة وفي ظل البيئة الاستثنائية التي فرضتها الحرب الباردة. ومع انتهاء الحرب الباردة، تراجعت الوظيفة التوحيدية لمعاداة الشيوعية، وبرزت أسئلة جديدة تتعلق بالتجارة والهجرة والعولمة والهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، ظهرت الحركة المحافظة الجديدة التي سعت إلى إعادة تعريف الدور الأميركي عالميًّا، ثم برزت حركة “حزب الشاي” (Tea Party)، بعد عام 2009، تعبيرًا شعبويًّا عن السخط تجاه الدولة الفيدرالية والضرائب والنخب الحزبية. وقد مهَّدت هذه الحركة، وإن لم يكن ذلك هدفها المعلن، لانتقال مركز الثقل من النخبة الفكرية المحافظة إلى التعبئة الجماهيرية المناهضة للمؤسسة. ومن ثم لم تكن الترامبية بدعًا من الحركة المحافظة الأميركية، بل استفادت من مسار طويل أضعف آليات حراسة البوابة ووسَّع قبول الخطاب الشعبوي داخل اليمين. كما أسهم صعود تيارات الحركة المحافظة القومية وما بعد الليبرالية في منح بعض التحولات الترامبية تأصيلًا فكريًّا جديدًا. فبدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن السوق الحرة والدولة المحدودة، أخذت تلك التيارات تنافح عن الدولة القومية والسيادة والدين والهوية الثقافية، جاعلةً منها محاور مركزية في المشروع المحافظ.
وعليه، فإن الشُّقَّة الفكرية بين باكلي وترامب لا يمكن فهمها من خلال انتقال مباشر بين شخصيتين أو مرحلتين، بل في سياق مسار طويل من التحولات الفكرية والسياسية داخل الحركة المحافظة الأميركية. لقد نقل غولدووتر المحافظين من الهامش الفكري إلى المنافسة الانتخابية، ووحَّد ريغان الائتلاف المحافظ، ووسَّعت الحركة المحافظة الجديدة أفق القوة الأميركية، وأطلقت حركة حزب الشاي موجة التعبئة الشعبوية، بينما أعادت الحركة المحافظة القومية صياغة سؤال الهوية والسيادة، وهي جميعًا تحولات مهَّدت الطريق لصعود الترامبية وإعادة تشكيل الحركة المحافظة الأميركية في القرن الحادي والعشرين.
الجزء الثاني
من سياسة الاحترام إلى الولاء المؤسسي: إعادة تعريف الشرعية داخل الحركة المحافظة
إذا كان الجزء السابق قد كشف عن الجذور البنيوية والتناقضات الداخلية الكامنة في الاندماجية الكلاسيكية، والتي هيأت الأرضية لظهور نموذج محافظ أكثر راديكالية في العقود اللاحقة، فإن فهم هذا التحول يقتضي البحث في الآليات المؤسسية التي نقلت هذه التناقضات من مستوى الإمكان إلى مستوى الممارسة السياسية. فبينما تكشف شخصية وليام ف. باكلي ومشروعه الفكري عن وجود توتر دائم بين الانضباط الفكري والخطاب التعبوي، فإن تحول هذه التناقضات إلى واقع سياسي ومؤسسي لم يكن نتيجة تلقائية بل ارتبط بدور المؤسسات والتحالفات الإستراتيجية التي أعادت تعريف معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة.
ومن أجل معالجة هذه الإشكالية بطريقة منهجية، يتبنَّى هذا الجزء مقاربة مؤسسية تسعى إلى الإجابة عن السؤال الفرعي الآتي: كيف أدَّى التحالف الإستراتيجي بين النخب القانونية المحافظة ودونالد ترامب، في عام 2016، إلى إعادة تعريف معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة من “الانضباط الأيديولوجي” إلى “فاعلية تحقيق المكاسب المؤسسية”؟ وترتبط بهذا السؤال فرضية مركزية مفادها أن التحالف الذي نشأ بين النخب القانونية المحافظة وترامب في عام 2016، والذي تمحور حول إعادة تشكيل السلطة القضائية، أسهم في إعادة تعريف معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة؛ إذ حلَّت فاعلية تحقيق المكاسب المؤسسية والولاء السياسي محل الانضباط الأيديولوجي وسياسة الاحترام معيارين أساسيين للقبول داخل الحركة. ومن هذا المنظور، فإن ما حدث لم يكن مجرد تحول في الخطاب أو الأولويات السياسية بل إعادة صياغة للمعايير التي تحدد ما يُعد مقبولًا ومشروعًا داخل الحركة المحافظة ذاتها.
ومن أجل اختبار هذه الفرضية وتقديم إجابة عن السؤال الفرعي الثاني، سيعمد هذا الجزء إلى تفكيك الآليات المؤسسية التي مكَّنت هذا التحول من خلال أربعة محاور تحليلية مترابطة؛ أولًا: سيجري استعراض الكيفية التي بُنيت بها الحركة القانونية المحافظة خلال الحقبة الريغانية؛ إذ تأسست كل من “مؤسسة التراث” (1973) و”الجمعية الفيدرالية” (1982) على مبادئ الاندماجية الكلاسيكية، واعتمدتا إستراتيجية “حراسة البوابة” وسيلة لبناء الصدقية الفكرية والسياسية. ثانيًا: سيجري تحليل إستراتيجية “حراسة البوابة” بمزيد من العمق، مع التركيز على كيفية توظيف هذه المنظمات سياسة “إبعاد المجانين” لبناء ما يمكن تسميته “رأس مال الصدقية”، وترسيخ حضور الفكر القانوني المحافظ داخل الأوساط الأكاديمية والمهنية. ثالثًا: سيتوقف المحور عند منعطف عام 2016، حين انتقلت هذه المنظمات من موقع الاستقلال النسبي إلى شريك فاعل في مشروع ترامب السياسي من خلال دورها في إعداد قوائم المرشحين للمناصب القضائية، وهو ما أعاد تعريف علاقتها بالسلطة التنفيذية وقلَّص المسافة التي كانت تفصلها عن العمل الحزبي المباشر. رابعًا: سيجري تحليل الكيفية التي أفضى بها هذا التحالف إلى إعادة تعريف معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة، بحيث حَلَّ الولاء السياسي وفاعلية تحقيق المكاسب المؤسسية تدريجيًّا محل الانضباط الأيديولوجي وسياسة الاحترام. وسيكون التركيز بصورة خاصة على “مشروع 2025” كونه التعبير الأكثر اكتمالًا عن هذا التحول؛ إذ تبنَّت مؤسسة التراث رؤية تنسجم بدرجة كبيرة مع الترامبية وتجاوزت كثيرًا من المرتكزات التي طبعت دورها خلال العقود السابقة.
ومن خلال هذه المحاور الأربعة، يسعى هذا الجزء إلى بناء حُجَّة مفادها أن التحول من الاندماجية الكلاسيكية إلى الاندماجية الجديدة لم يكن مجرد نتيجة لتغيرات فكرية أو خطابية، بل كان ثمرة لتحالفات مؤسسية أعادت تعريف قواعد العمل ومعايير الشرعية داخل الحركة المحافظة. وإذا كان الفصل الأول قد كشف عن أن بذور هذا التحول كانت كامنة في تناقضات الاندماجية الكلاسيكية، فإن هذا الجزء سيبيِّن أن تلك البذور ما كانت لتتحول إلى واقع سياسي ومؤسسي ملموس لولا الدور الذي اضطلعت به المؤسسات القانونية المحافظة في توفير البنية التنظيمية والشرعية اللازمة لذلك. غير أن هذا التحول، كما سيتضح في الفصل الثالث، لم يخلُ من تداعيات بعيدة المدى على موقع الحركة المحافظة وشرعيتها، وهي تداعيات تثير أسئلة جوهرية عن مستقبل المشروع المحافظ في مرحلة ما بعد الترامبية.
أولًا: الاندماجية ومأسسة الحركة القانونية المحافظة في عهد ريغان
كان الاندماج، في صورته المعدَّلة بعد انتصارات حركة الحقوق المدنية، أحد الأسس الفكرية والمؤسسية التي قامت عليها الريغانية في ثمانينات القرن العشرين. فبعد أن أصبح الدفاع العلني عن الفصل العنصري غير مقبول سياسيًّا، جرى الانتقال إلى خطاب يقوم على الحياد العرقي ويربط بين حرية السوق وحقوق الولايات والقانون والنظام ومبدأ “تجاهل اللون” كونها جميعًا تعبيرات عن الحرية الفردية والقيم التقليدية. وقد أسهمت هذه الصيغة الاندماجية المعدَّلة في تشكيل الحركة القانونية المحافظة الناشئة، ولاسيما الجمعية الفيدرالية، كما تجسدت مبكرًا في الإصدار الأول من سلسلة “تفويض القيادة” الذي أصدرته مؤسسة التراث، في يناير/كانون الثاني 1981، والذي شكَّل الحلقة المؤسسية الأولى في تقليد “تفويض القيادة” الذي واصلت المؤسسة تطويره على مدى العقود اللاحقة(21).
وتأسست مؤسسة التراث عام 1973 في سياق سعي المحافظين إلى بناء مؤسسة قادرة على نقل الأفكار المحافظة من مستوى التنظير الفكري إلى مستوى التأثير المباشر في السياسات العامة وصنع القرار. فالأفكار التي صاغها ويليام ف. باكلي الابن وفرانك ماير كانت قد تبلورت بالفعل، غير أن الحركة كانت تفتقر إلى مؤسسة قادرة على ترجمتها إلى برنامج سياسي منظم ومؤثر داخل الحزب الجمهوري. وقد وجدت المؤسسة في صعود رونالد ريغان فرصة مواتية لبناء تحالف بين مشروعها الفكري وقيادة سياسية تتبنى رؤية مشابهة لمستقبل الحركة المحافظة(22).
وإدراكًا لهذه الفرصة، أعدَّت المؤسسة أول دليل شامل للحكم المحافظ بعنوان “تفويض القيادة: إدارة السياسات في ظل إدارة محافظة” (Mandate for Leadership: Policy Management in a Conservative Administration). وقد حظي المشروع بدعم إدوين ميس الثالث (Edwin Meese III)، أحد أقرب مساعدي ريغان، وتحول لاحقًا إلى ما عُرف بـ”بيان ثورة ريغان”. وتشير الوثائق الصادرة عن مشروع 2025 إلى أن النسخة الأولى من “تفويض القيادة” وُضعت بين يدي الرئيس المنتخب، ريغان، خلال مرحلة الانتقال الرئاسي وأسهمت في توحيد الحركة المحافظة والإدارة الجديدة حول برنامج سياسي مشترك(23).
وتؤكد الأدبيات المحافظة أن ريغان وزَّع نسخًا من “تفويض القيادة” على أعضاء حكومته في مستهل ولايته، كما أعلنت مؤسسة التراث أن نحو 60 في المئة من توصياتها قد نُفِّذت خلال السنة الأولى من حكمه. ولم يكن تأثير المؤسسة في الريغانية أقل من تأثير الريغانية فيها؛ إذ رأى فيها المؤرخ جورج ناش أنها “المعادل المؤسسي لرونالد ريغان”، بعدما أصبحت مركز التنسيق الرئيس للشبكات الفكرية والسياسية المحافظة في واشنطن(24).
وفي الاتجاه نفسه، استلهم مؤسسو الجمعية الفيدرالية الإرث الاندماجي وجهود باكلي وماير الرامية إلى إضفاء التماسك والاحترام المؤسسي على الفكر المحافظ. وقد عيَّنت الجمعية يوجين ماير (Eugene Meyer)، نجل فرانك ماير، مديرًا تنفيذيًّا لها رغم أنه فيلسوف لا محامٍ. وسعت الجمعية تحت قيادته إلى بناء توافق بين مختلف الاتجاهات القانونية المحافظة، على نحو يشبه المشروع الذي سعى والده إلى تحقيقه بين المدارس الفكرية المحافظة المتباينة قبل عقود، وهو ما جعلها أحد أبرز التعبيرات المؤسسية عن الاندماجية داخل الحركة القانونية المحافظة(25).
ثانيًا: حراسة البوابة وبناء الصدقية القانونية المحافظة
شكَّلت “حراسة البوابة” إحدى الآليات الأساسية التي اعتمدتها الجمعية الفيدرالية في بناء الصدقية القانونية للحركة المحافظة الأميركية. فكما سعى ويليام باكلي وفرانك ماير إلى رسم حدود الحركة المحافظة وإبعاد التيارات التي رأيا أنها قد تضر بمكانتها العامة، أخذ مؤسسو الجمعية الفيدرالية هذا الدور على محمل الجد. وكان هدفهم المبكر إضفاء الاحترام المؤسسي على الفكر القانوني المحافظ وبناء نخبة قانونية قادرة على تحدي الهيمنة الليبرالية داخل كليات الحقوق والمهنة القانونية. ومن هذا المنظور، لم يكن مشروع الجمعية مجرد إعداد قضاة محافظين أو توفير مسار مؤسسي لوصولهم إلى مواقع النفوذ القضائي بل كان كذلك مشروعًا لبناء ما سمَّته أماندا هوليس-بروسكي(Amanda Hollis-Brusky) بـ”رأس مال الصدقية” (credibility capital) حول الأفكار القانونية المحافظة، بما يمنحها الشرعية والقبول داخل المهنة القانونية ويزيد من فرص التعامل معها بوصفها جزءًا مشروعًا من الجدل القانوني السائد(26).
وتنبع أهمية هذا الرصيد من أن قبول الأفكار القانونية أو رفضها لا يتوقف على تماسكها النظري وحده، إنما يتأثر كذلك بالمكانة العلمية والمهنية لمن يدافعون عنها. ولهذا أدرك مؤسسو الجمعية الفيدرالية أن نجاح مشروعهم يقتضي الجمع بين الأفكار المحافظة والأشخاص القادرين على منحها الاعتراف المهني والأكاديمي. فكلما ازداد نفوذ ومكانة الفاعلين الذين يتبنَّون حُجَّة قانونية معينة، ازدادت فرص انتقالها من موقع الهامش إلى دائرة الأفكار المقبولة داخل المهنة القانونية(27).
ومن ثم لم يكن من قبيل المصادفة أن تضم الموجة الأولى من الأكاديميين والحقوقيين المرتبطين بالجمعية شخصيات ذات تكوين نخبوي ومكانة مهنية مرموقة. وقد أسهم هذا الحرص على الانتقاء في ترسيخ صورة الجمعية بوصفها إطارًا للنقاش القانوني المحافظ الرصين لا منبرًا للتيارات الراديكالية أو الأطروحات الهامشية. ومن هذه الزاوية، أدَّت “حراسة البوابة” دورًا حاسمًا في النجاحات المبكرة التي حققتها الجمعية في إضفاء الاحترام المؤسسي على الفكر القانوني المحافظ(28).
وفي الوقت نفسه، أدَّت الجمعية الفيدرالية دورًا مهمًّا في بناء الشبكات القانونية المحافظة وتوفير إطار مؤسسي لتطوير الأفكار القانونية المحافظة وإدخالها إلى التيار القانوني السائد، بما أسهم في تقليص الوصمة المرتبطة بها داخل المؤسسات القانونية والأكاديمية. ومن خلال هذا الدور ساعدت الجمعية على تحويل اتجاه فكري متفرق إلى حركة قانونية أكثر تماسكًا وقدرة على التأثير(29).
ومنذ ذلك الحين، حققت الحركة القانونية المحافظة مكاسب مهمة لمختلف مكونات الائتلاف المحافظ، من الليبرتاريين والمحافظين المؤيدين للأعمال إلى المحافظين الدينيين والاجتماعيين. وحتى عام 2016، واصلت الحركة القانونية المحافظة العمل بمنطق حراسة البوابة الذي ورثته عن الاندماجية الكلاسيكية، فحرصت على النأي عن التيارات التي يمكن أن تُضعف صدقيتها أو تنال من الاحترام المؤسسي الذي راكمته على مدى عقود. غير أن موت القاضي البارز في المحكمة العليا، أنطونين سكاليا (Antonin Scalia)، في فبراير/شباط 2016، وما أثارته من مخاوف بشأن مستقبل الأغلبية المحافظة في المحكمة العليا، دفعت قادة الجمعية الفيدرالية ومؤسسة التراث إلى إبرام تحالف سياسي حاسم مع المرشح الجمهوري، دونالد ج. ترامب، وهو تحالف مثَّل نقطة انعطاف في تاريخ الحركة القانونية المحافظة(30).
ثالثًا: الجمعية الفيدرالية من حراسة الحدود إلى الشراكة السياسية
بعد موت أنطونين سكاليا، أعلن زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل (Mitch McConnell)، أن “على الشعب الأميركي أن يكون له صوت في اختيار قاضي المحكمة العليا القادم”، ومن ثم رأى أن المقعد الشاغر ينبغي ألا يُملأ قبل انتخاب رئيس جديد؛ الأمر الذي مهَّد لرفض الجمهوريين النظر في ترشيح الرئيس باراك أوباما (Barack Obama) للقاضي ميريك غارلاند (Merrick Garland)، فظل المقعد شاغرًا حتى الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه(31).
وأتاح هذا القرار للمرشح الجمهوري، دونالد ترامب، أن يخوض حملته الانتخابية في ظل وجود مقعد شاغر في المحكمة العليا، وهو ما منح قضية القضاء أهمية استثنائية في السباق الرئاسي. ورغم أن المحكمة العليا لم تكن محورًا رئيسًا في خطابه الانتخابي، فإن حملته اتخذت خطوة غير مسبوقة حين نشرت قائمة تضم واحدًا وعشرين مرشحًا محتملًا للمحكمة العليا أُعِدَّت بالتعاون مع الجمعية الفيدرالية ومؤسسة التراث(32)². وتوضح أماندا هوليس أن هذه القائمة صُمِّمت خصيصًا لاستمالة قطاعات النخبة الجمهورية المتحفظة على ترامب، أو ما عُرف آنذاك بـ”معارضي ترامب” (Never Trumpers)، وحملها على دعمه انتخابيًّا(33).
غير أن أهمية هذه الخطوة لم تقتصر على آثارها الانتخابية المباشرة، بل كشفت عن تحول أعمق في العلاقة بين المؤسسات القانونية المحافظة والسياسة الحزبية الجمهورية. فمنذ تأسيسها، سعت الجمعية الفيدرالية إلى إضفاء الشرعية على الفكر القانوني المحافظ وبناء “رأس مال الصدقية”، بما يسمح للأفكار القانونية المحافظة بالانتقال من الهامش إلى دائرة الأفكار المقبولة داخل المهنة القانونية(34).
ومن هذا المنظور، مثَّل التعاون العلني بين حملة ترامب والجمعية الفيدرالية ومؤسسة التراث انعطافًا مهمًّا في مسار الحركة القانونية المحافظة. فقد تحوَّلت الشبكات والمؤسسات التي نشأت أصلًا لتطوير الفكر القانوني المحافظ وبناء شرعيته المهنية إلى عناصر فاعلة في إعادة تشكيل التحالف المحافظ خلال مرحلة ترامب؛ الأمر الذي منح الحركة القانونية المحافظة نفوذًا غير مسبوق في عملية اختيار القضاة وإعادة تشكيل القضاء الفيدرالي(35).
رابعًا: من الشرعية المهنية إلى النفوذ المؤسسي
غير أن هذه المكاسب لم تتحقق من دون كلفة. فقد طوت الشراكة العلنية مع ترامب جانبًا مهمًّا من المسافة التي حافظت عليها الجمعية الفيدرالية عن السياسة الحزبية منذ نشأتها، وهي مسافة ارتبطت بمشروعها الأصلي الرامي إلى اكتساب الاعتراف والشرعية داخل الحقل القانوني الأميركي. كما أفضى التحالف الذي جمع قيادات الجمعية الفيدرالية ومؤسسة التراث بترامب إلى تقارب متزايد بين هذه المؤسسات وبعض التيارات الصاعدة داخل اليمين الأميركي. وترى أماندا هوليس-بروسكي أن هذا التحول أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة عن الحدود التي ظلت تفصل، طوال عقود، بين الحركة القانونية المحافظة السائدة وبعض الاتجاهات التي سعت الأجيال السابقة من المحافظين إلى النأي بالحركة عنها(36).
ويرتبط هذا التحول بطبيعة المشروع الذي قامت عليه الجمعية الفيدرالية منذ نشأتها. فلم يكن هدفها إعداد قضاة محافظين أو تيسير وصولهم إلى المناصب القضائية فحسب بل بناء نخبة قانونية محافظة مضادة (conservative legal counter-elite) قادرة على توسيع حضور المحافظين داخل كليات الحقوق والمهنة القانونية. وقد أدرك مؤسسو الجمعية أن الأفكار القانونية المحافظة لا تستطيع التأثير في الحقل القانوني ما لم تقترن بشبكات مهنية ومؤسسات قادرة على منحها الاعتراف داخل المهنة القانونية(37).
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تحالف عام 2016 بوصفه لحظة انتقال من البحث عن الشرعية المهنية إلى توظيفها في النفوذ المؤسسي. فالجمعية الفيدرالية لم تبنِ نفوذها ابتداءً عبر العمل الحزبي المباشر بل عبر اكتساب مكانة مهنية وصدقية فكرية داخل الحقل القانوني الأميركي. ويساعد مفهوم رأس المال الرمزي عند بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في تفسير هذا المسار؛ إذ يشير إلى الرصيد المتراكم من الاعتراف والهيبة والمشروعية الذي يكتسبه الفاعلون داخل الحقول الاجتماعية ويتيح لهم ممارسة تأثير يتجاوز ما يملكونه من موارد مادية مباشرة(38).
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الجهود التي بذلتها الجمعية الفيدرالية منذ تأسيسها على أنها سعي إلى ترسيخ رأس مال رمزي تَمَثَّل في المكانة المهنية والاعتراف المؤسسي اللذين اكتسبتهما داخل الأوساط القانونية. وقد استخدمت أماندا هوليس وجوشوا ويلسون (Joshua C. Wilson) مفهوم “رأس المال الصدقي” للتعبير عن هذا الرصيد من الاعتراف المهني الذي منح الأفكار القانونية المحافظة قدرًا متزايدًا من القبول داخل المؤسسات القانونية(39).
وعندما أتاح تحالف 2016 توظيف هذا الرصيد في التأثير المباشر على عملية اختيار القضاة وإعادة تشكيل القضاء الفيدرالي، غدت القدرة على تحقيق المكاسب القضائية والمؤسسية جزءًا من مصادر الشرعية نفسها. ومن ثم لم يقتصر أثر هذا التحول على إعادة تشكيل القضاء بل امتد إلى إعادة تعريف معايير الشرعية داخل الحركة القانونية المحافظة، بحيث أصبحت القدرة على تحقيق المكاسب المؤسسية والقضائية تحتل مكانة متزايدة إلى جانب الانضباط الفكري وسياسة الاحترام اللذين شكَّلا سابقًا أحد أهم مصادر مشروعيتها.
وهذا ما يجعل مقاربة هوليس-بروسكي مهمة؛ إذ ترى أن هذا التحول أعاد إلى الواجهة معضلة واجهت الحركة المحافظة في خمسينات القرن العشرين وستيناته، حين سعى باكلي وماير إلى بناء محافظة تحظى بالاحترام الفكري والمؤسسي عبر النأي بها عن البيرشرية (Bircherism) وغيرها من التيارات التي عُدَّت آنذاك عبئًا على صدقيتها(40). ومن ثم فإن المفارقة التي واجهت الحركة القانونية المحافظة، بعد 2016، لا تتمثل في عجزها عن تحقيق أهدافها بل في نجاحها في تحقيقها على نحو جعل المكاسب المؤسسية والقضائية تؤدي دورًا متزايدًا في تحديد معايير الشرعية داخل الحركة المحافظة الأميركية، بعد أن كانت هذه الشرعية ترتكز أساسًا على الاعتراف المهني والانضباط الفكري.
خامسًا: مشروع 2025 تعبير مؤسسي عن الاندماجية الجديدة
تنبغي قراءة مشروع 2025، فضلًا عن الإصدارات الأولى من “تفويض القيادة” التي أصدرتها مؤسسة التراث مع مطلع الثمانينات لا على أنه وثيقة منبتَّة الجذور؛ فالمشروع يقدِّم نفسه صراحة امتدادًا للمبادرة التي أطلقتها المؤسسة قبيل وصول رونالد ريغان إلى البيت الأبيض، ويستحضر “تفويض القيادة” الأول بوصفه العمل الذي وحَّد الحركة المحافظة والإدارة الريغانية على برنامج سياسي مشترك(41).
غير أن المقارنة بين الوثيقتين تكشف تحولًا مهمًّا في أولويات الحركة المحافظة. ففي حين انصبَّ اهتمام المشروع الأول على إصلاح الحكومة وتقليص نطاقها، يجعل مشروع 2025 في صدارة أولوياته “تفكيك الدولة الإدارية” وإعادة إخضاع البيروقراطية الفيدرالية للسلطة التنفيذية المنتخبة(42).
كما لا يقتصر المشروع على عرض برنامج سياسي، إنما يعلن صراحة سعيه إلى إعداد “جيش” من المحافظين المتوافقين والمُدقَّقين والمُدرَّبين لتولي المناصب الحكومية منذ اليوم الأول للإدارة المقبلة(43). ومن ثم يمكن النظر إليه على أنه التعبير المؤسسي الأبرز عن التحول الذي شهدته الحركة المحافظة الأميركية خلال العقد الأخير، والانتقال من الاندماجية الكلاسيكية التي ارتبطت بالحقبة الريغانية إلى ما بات يُعرف بالاندماجية الجديدة.
ويرتبط هذا التحول كذلك بصعود كيفن روبرتس (Kevin Roberts) إلى رئاسة مؤسسة التراث. فقد قدَّم روبرتس المؤسسة على أنها أداة لتحويل الترامبية من ظاهرة انتخابية إلى مشروع مؤسسي طويل الأمد، وصرَّح بأن إحدى مهامها تتمثل في “مأسسة الترامبية” (institutionalizing Trumpism). كما أكد أن دونالد ترامب أصبح، في المرحلة الراهنة، “حامل لواء المحافظين” (the standard bearer for conservatives)، وهو ما يعكس مستوى التحول الذي طرأ على موقع الترامبية داخل المؤسسة مقارنة بالإرث الريغاني الذي ارتبطت به طويلًا(44).
هكذا نكون قد أنهينا تحليل الآليات المؤسسية التي أسهمت في إعادة تعريف الائتلاف المحافظ خلال العقد الأخير. وتُظهر الأدلة التي عُرضت في هذا العنصر أن التحالف الذي نشأ، عام 2016، بين قطاعات من النخبة القانونية المحافظة ودونالد ترامب مثَّل نقطة تحول مهمة في مسار الحركة المحافظة؛ إذ أفضى إلى إعادة ترتيب أولوياتها ومعايير الشرعية داخلها. فبعد أن ارتبطت الشرعية، في مراحل سابقة، بالانضباط الفكري وسياسات الاحترام والالتزام المؤسسي، أخذت ترتبط بدرجة أكبر بالقدرة على تحقيق المكاسب السياسية والمؤسسية، ولاسيما في المجال القضائي.
ويُعد مشروع 2025 أحد أبرز المؤشرات على هذه التحولات. فالمشروع يعرِّف نفسه على أنه “جهد موحد للحركة المحافظة” يهدف إلى إعداد الإدارة المحافظة المقبلة للحكم منذ اليوم الأول، كما يدعو إلى إعداد “جيش” من الكوادر المحافظة المتوافقة مع أجندة الرئيس المقبل(45). ويكشف المشروع كذلك عن توجه واضح نحو تعزيز قدرة الرئيس على توجيه الجهاز التنفيذي وإخضاع البيروقراطية الفيدرالية لأولويات الإدارة المنتخبة، وذلك من خلال الدعوة إلى “تفكيك الدولة الإدارية” وإعادة تنظيم مؤسسات السلطة التنفيذية بما يضمن تنفيذ البرنامج السياسي للإدارة المقبلة(46). ومن ثم فإن أهمية المشروع لا تكمن في تفاصيل سياساته فحسب، إنما في كونه يعكس جانبًا من التحولات الفكرية والمؤسسية التي شهدها اليمين الأميركي منذ الحقبة الريغانية وحتى صعود الترامبية. وإذا كان هذا العنصر قد تناول الآليات المؤسسية التي صاحبت هذه التحولات، فإن العنصر الذي يليه سيبحث نتائجها وتداعياتها، ولاسيما العلاقة بين المكاسب السياسية والقضائية التي حققتها الحركة المحافظة من جهة، والتحديات المرتبطة بالشرعية والوحدة الداخلية من جهة أخرى.
الجزء الثالث
المفارقة المركزية: بين المكاسب الآنية والشرعية طويلة الأمد
بعد أن كشف الجزء الأول عن التناقضات الداخلية الكامنة في الاندماجية الكلاسيكية، وحلَّل الجزء الثاني الآليات المؤسسية التي أدَّت إلى التحول من “سياسة الاحترام” إلى “الولاء المؤسسي” عبر التحالف الإستراتيجي مع ترامب، ينتقل هذا الجزء إلى مقاربة الجانب الإشكالي أكثر في هذه الديناميكية التحولية: المفارقة المركزية التي تواجهها الاندماجية الجديدة. فبينما أتاح التحالف بين الحركة المحافظة القانونية والترامبية تحقيق مكاسب مؤسسية وقضائية مهمة، ولاسيما في إعادة تشكيل القضاء الفيدرالي وترسيخ النفوذ المحافظ داخل المحكمة العليا، أثار في الوقت نفسه تساؤلات متزايدة عن كلفته الفكرية والأخلاقية على المدى الطويل. وينطلق من سؤال محوري مؤداه: ما المفارقة التي تواجهها “الاندماجية الجديدة” بين نجاحها في تحقيق مكاسب سياسية وقضائية ملموسة، وبين ما قد يترتب على هذا النجاح من تحول في مصادر الشرعية التاريخية التي بنتها الحركة المحافظة عبر عقود؟ وتفترض الدراسة أن التحالف مع ترامب لم يؤدِّ فقط إلى تعزيز النفوذ المحافظ داخل مؤسسات الدولة، بل أسهم أيضًا في إعادة رسم الحدود الفاصلة بين المحافظة المؤسسية والتيارات الشعبوية والراديكالية التي ظلَّت زمنًا طويلًا على هامش الحركة. ومن ثم فإن القضية لا تتعلق بحصيلة المكاسب التي تحققت بقدر ما تتعلق بالأثر الذي تركته هذه التحالفات في تعريف المحافظة الأميركية لذاتها وفي قدرتها على المحافظة على تماسكها الفكري والأخلاقي.
ولمعالجة هذه الإشكالية، يتناول الجزء خمسة محاور مترابطة، هي: المكاسب القضائية والسياسية التي ترتبت على التحالف مع ترامب، والكلفة الرمزية لهذه المكاسب المتمثلة في إعادة توزيع الرصيد الرمزي، ودلالات الحياد التكتيكي الذي التزمته قطاعات من النخب القانونية المحافظة تجاه ممارسات الترامبية، والتحول الذي طرأ على مفهوم “سياسة الاحترام” منذ عهد باكلي، ثم مستقبل الحركة المحافظة بعد ترامب، ومدى قدرة الأفكار والتحالفات التي ترسخت خلال العقد الأخير على الاستمرار بعد انحسار الظاهرة الترامبية نفسها.
وعلى هذا الأساس، يجادل هذا الجزء من الدراسة بأن المفارقة المركزية للاندماجية الجديدة لا تكمن في تعارض النجاح والفشل، بل في اقترانهما؛ إذ إن العوامل التي أسهمت في توسيع نفوذ الحركة المحافظة وتعزيز حضورها المؤسسي قد تكون هي نفسها التي أضعفت بعض الأسس الفكرية والأخلاقية التي استندت إليها شرعيتها التاريخية. ومن ثم فإن الإشكالية المركزية ليست ما إذا كانت الاندماجية الجديدة قد نجحت، بل ما إذا كان نجاحها المؤسسي قد جاء مصحوبًا بتحولات قد يصعب على الحركة المحافظة احتواء آثارها في المستقبل.
أولًا: المكاسب القضائية للاندماجية الجديدة
حقَّق تحالف 2016 بين دونالد ترامب وقطاعات مؤثرة من الحركة القانونية المحافظة مكاسب مؤسسية كبيرة في فترة زمنية قصيرة. ففي غضون ولاية رئاسية واحدة، عيَّن ترامب ثلاثة قضاة في المحكمة العليا وعددًا كبيرًا من القضاة الفيدراليين؛ الأمر الذي أسهم في إحداث تحول ملموس في التوازن الأيديولوجي للقضاء الفيدرالي الأميركي(47).
ومنذ 2021 أصدرت المحكمة العليا، بأغلبية محافظة قوامها ستة قضاة، سلسلة من الأحكام المفصلية التي أعادت رسم معالم السياسة العامة الأميركية في مجالات الإجهاض وحقوق حمل السلاح وصلاحيات الوكالات الفيدرالية. ففي عدد من القضايا البارزة ألغت المحكمة السابقة الدستورية التي كانت تكفل حق الإجهاض على المستوى الفيدرالي، ووسَّعت نطاق الحماية الدستورية لحمل السلاح، كما فرضت قيودًا جديدة على السلطة التفسيرية التي مارستها الوكالات الفيدرالية لعقود(48).
ولم تقتصر العلاقة بين إدارة ترامب والجمعية الفيدرالية على الاستفادة من قوائم المرشحين القضائيين التي أعدَّتها الأخيرة خلال الحملة الانتخابية. فبعد الانتخابات، أخذ ليونارد ليو (Leonard Leo) إجازة من الجمعية الفيدرالية للمشاركة في تنسيق ملف التعيينات القضائية مع الإدارة الجديدة. وقد وصف دون ماكغان (Don McGahn)، مستشار البيت الأبيض الذي أشرف على عملية الاختيار القضائي، هذه العملية بأنها جرت إلى حدٍّ بعيد عبر شبكة الجمعية الفيدرالية، كما اعتمد فريقه على مرشحين ذوي صلات موثقة بها. ومن ثم لم يكن نجاح الحركة القانونية المحافظة في إعادة تشكيل القضاء الفيدرالي ثمرة التعيينات الرئاسية وحدها إنما نتاج شبكة مؤسساتية وفكرية أسهمت الجمعية الفيدرالية في بنائها على مدى عقود(49).
ثانيًا: تآكل شرعية الاندماجية الجديدة
غير أن هذه المكاسب القضائية لم تتحقق من دون كلفة. فقد أدَّى التحالف الذي جمع قطاعات من الحركة القانونية المحافظة بدونالد ترامب إلى تقليص المسافة التي ظلت تفصل، طوال عقود، بين المؤسسات المحافظة السائدة وبعض التيارات التي أصبحت جزءًا من الائتلاف الترامبي، من القومية المسيحية إلى التيارات المناهضة للمؤسسات الديمقراطية والتفسيرات المؤامراتية. ومن ثم لم تعد المسألة تتعلق بقدرة الحركة القانونية المحافظة على تحقيق أهدافها، بل بالأثر الذي تركته هذه المكاسب في الأسس التي قامت عليها شرعيتها وصدقيتها.
وبدأ هذا التحول يظهر بوضوح مع الدور الذي اضطلع به ليونارد ليو (Leonard Leo) في بناء التحالف بين الجمعية الفيدرالية وإدارة ترامب. فعلى خلاف التحول العلني الذي شهدته مؤسسة التراث في عهد كيفن روبرتس، ظل تقارب الجمعية الفيدرالية مع الترامبية أقل صراحة وأكثر ارتباطًا بالممارسة الفعلية. غير أن الجدل بشأن العلاقة بين الحركة القانونية المحافظة والترامبية ازداد بعد انتخابات عام 2020، في ظل اتساع نفوذ الشبكات والمنظمات المحافظة المرتبطة بليو، وانخراط عدد منها في الجهود القانونية والسياسية الرامية إلى الطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية(50).
ولم يكن ليونارد ليو الشخصية الوحيدة المرتبطة بالجمعية الفيدرالية التي أثارت الجدل بشأن العلاقة بين الحركة القانونية المحافظة والترامبية. فقد كشفت التحقيقات المتعلقة بأحداث السادس من يناير/كانون الثاني عن انخراط جيني توماس (Ginni Thomas)، زوجة القاضي كلارنس توماس (Clarence Thomas)، في الجهود الرامية إلى التشكيك في نتائج انتخابات 2020 والدفع نحو مواصلة الطعون المرتبطة بها. وقد أقرَّت في شهادتها أمام اللجنة المختارة في مجلس النواب بأنها كانت تأمل استمرار الطعون في نتائج الانتخابات إلى أن تتكشف الحقيقة بشأن مزاعم التزوير، كما أكدت تواصلها مع مارك ميدوز (Mark Meadows) خلال تلك الفترة(51).
كما أثارت الوقائع المرتبطة بالقاضي صموئيل أليتو (Samuel Alito) جدلًا واسعًا بشأن حدود التداخل بين بعض رموز الحركة القانونية المحافظة وبعض مكونات الائتلاف الترامبي. وقد أسهمت هذه الوقائع، إلى جانب قضية جيني توماس وغيرها من القضايا المماثلة، في تعزيز الانطباع بأن المسافة التي سعى باكلي والاندماجيون الأوائل إلى الحفاظ عليها بين المحافظة السائدة والتيارات التي عُدَّت يومًا عبئًا على صدقيتها أصبحت أقل وضوحًا مما كانت عليه في السابق. وقد اكتسبت الجمعية الفيدرالية نفوذها أساسًا من قدرتها على بناء شبكة مهنية وفكرية واسعة داخل الحقل القانوني مع الحرص على تقديم نفسها بوصفها مؤسسة تعليمية ومهنية لا فاعلًا حزبيًّا مباشرًا(52). ومن ثم يمكن النظر إلى الجدل الذي أحاط ببعض الشخصيات المرتبطة بها خلال الحقبة الترامبية بوصفه مؤشرًا إلى التوتر المتزايد بين منطق الفاعلية السياسية ومنطق الصدقية المؤسسية الذي شكَّل أحد أهم مصادر قوة الحركة القانونية المحافظة طوال العقود السابقة.
ثالثًا: بين النأي والصمت داخل الحركة القانونية المحافظة
لم يتعامل جميع المنتمين إلى الجمعية الفيدرالية والشبكات القانونية المحافظة المرتبطة بها بالطريقة نفسها مع صعود الترامبية. فقد سعى بعض المحافظين القانونيين والفكريين إلى النأي بأنفسهم عن دونالد ترامب وعن الاتجاهات التي رافقت صعوده داخل الحزب الجمهوري، ولاسيما بعد أن رأى عدد منهم أن الحركة المحافظة أخذت تبتعد عن تقاليدها المؤسسية والفكرية التي تشكَّلت خلال العقود السابقة. وفي المقابل، فضَّل عدد من القيادات والشخصيات المرتبطة بالحركة القانونية المحافظة تجنب المواجهة العلنية مع هذه التحولات أو التزام الصمت حيالها، ولاسيما في الأنشطة والبرامج المؤسسية(53).
وقد عكس هذا التباين انقسامًا أعمق داخل الحركة المحافظة بشأن حدود التحالف المقبول والوسائل المشروعة لتحقيق الأهداف السياسية والقانونية. فمن جهة، رأى بعض المحافظين أن المحافظة على الشرعية المؤسسية للحركة تقتضي قدرًا أكبر من الاستقلال عن الترامبية وعن الاتجاهات التي ارتبطت بها. بينما فضَّل آخرون إعطاء الأولوية للمكاسب المؤسسية التي تحققت، وفي مقدمتها إعادة تشكيل القضاء الفيدرالي وتوسيع النفوذ المحافظ داخل المؤسسات القانونية. وقد عبَّر ديفيد فرينش (David French) عن جانب من هذا القلق حين كتب أن الحزب الجمهوري الذي عرفه طوال حياته السياسية أصبح بحلول عام 2016 “يكاد يكون غير قابل للتعرُّف”، وأن الحزب الذي رآه يومًا “حزب أمل” تحوَّل إلى “حزب غضب”، وهو ما عكس في نظره عمق التحولات التي شهدها اليمين الأميركي خلال العقد الأخير(54).
واكتسب هذا الجدل أهمية خاصة؛ لأن الجمعية الفيدرالية بَنَتْ نفوذها وشرعيتها، منذ تأسيسها، على تقديم نفسها على أنها شبكة مهنية وفكرية تُعنى بالنقاش القانوني والتنشئة الفكرية أكثر من انخراطها المباشر في العمل الحزبي. ومن ثم أثارت التحولات في الحقبة الترامبية تساؤلات متزايدة عن مدى قدرة الحركة القانونية المحافظة على المحافظة على المسافة التي فصلت تاريخيًّا بين مشروعها القانوني والتيارات التي سعى المحافظون التقليديون في مراحل سابقة إلى إبقائها على هامش الحركة المحافظة(55).
رابعًا: تحول في معايير القبول وإعادة تعريف الاندماجية
عقدت قطاعات مؤثرة من الحركة القانونية المحافظة، وفي مقدمتها الجمعية الفيدرالية ومؤسسة التراث، في سعيها إلى تعظيم نفوذها السياسي والمؤسسي، تحالفًا وثيقًا مع دونالد ترامب خلال انتخابات 2016 وما تلاها. وقد أتاح هذا التحالف للحركة المحافظة فرصًا غير مسبوقة للتأثير في عملية اختيار القضاة وإعادة تشكيل القضاء الفيدرالي، لكنه وضعها في الوقت نفسه أمام أسئلة متزايدة تتعلق بالشرعية والصدقية المؤسسية(56).
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة إذا نُظر إليه في ضوء ما عُرف داخل الحركة المحافظة بسياسة الاحترام. فمنذ خمسينات القرن العشرين، سعى ويليام باكلي إلى بناء حركة محافظة قادرة على المنافسة السياسية من خلال رسم حدود واضحة لما يُعد مقبولًا داخل الائتلاف المحافظ وما ينبغي استبعاده منه. ولم يكن مشروعه قائمًا على توحيد التيارات المحافظة المختلفة فحسب بل على حماية الحركة الناشئة من الأفكار والشخصيات التي رأى أنها تهدد صدقيتها العامة. وقد تجلَّى ذلك بوضوح في موقفه من روبرت ويلش وجمعية جون بيرش. فعندما أخذ ويلش يروِّج مزاعم مؤامراتية تتهم الرئيس دوايت أيزنهاور (Dwight D. Eisenhower) بالعمل، عن علم، لخدمة المشروع الشيوعي، رأى باكلي أن استمرار ربط الحركة المحافظة بهذه الادعاءات يهدد قدرتها على اكتساب الشرعية السياسية والفكرية خارج دوائرها الضيقة(57).
وقد شكَّلت هذه السياسة أحد الأسس التنظيمية التي قامت عليها المحافظة الأميركية الحديثة؛ إذ ارتبط صعودها بقدرتها على توسيع قاعدتها السياسية مع المحافظة في الوقت نفسه على حدود فاصلة بين المحافظة السائدة والتيارات التي عُدَّت عبئًا على مشروعها الفكري والسياسي. ولذلك لم تكن معركة باكلي مع جمعية جون بيرش خلافًا عابرًا داخل اليمين الأميركي، بل مثَّلت لحظة حاسمة في رسم حدود المحافظة المؤسسية وتحديد الأفكار والتيارات التي يمكن أن تُدمج في ائتلافها السياسي(58).
غير أن التحالف الذي نشأ عام 2016 بين قطاعات من الحركة القانونية المحافظة ودونالد ترامب مثَّل، في نظر هوليس تحولًا في طبيعة الاندماجية التي حكمت الحركة المحافظة منذ عصر باكلي وماير؛ إذ أخذت أفكار وتيارات كانت تُستبعد سابقًا من قلب الائتلاف المحافظ تكتسب حضورًا متزايدًا داخله(59). وبهذا المعنى، لا تبدو الترامبية مجرد امتداد للاندماجية الكلاسيكية، بل تمثل إعادة تركيب للائتلاف المحافظ على أسس مختلفة عن تلك التي قامت عليها الصيغة الاندماجية التقليدية(60).
وقد حققت هذه الإستراتيجية بالفعل مكاسب مؤسسية كبيرة على المدى القصير، تمثلت في إعادة تشكيل القضاء الفيدرالي وتعزيز النفوذ المحافظ داخل المحكمة العليا. غير أن هذه المكاسب لم تتحقق من دون كلفة؛ إذ أسهمت في تقليص المسافة التي كانت تفصل الحركة المحافظة المؤسسية عن بعض التيارات التي ظلت لعقود على هامشها، كما أضعفت سياسة الاحترام التي شكَّلت ركنًا أساسيًّا في إستراتيجية باكلي لبناء الشرعية والحفاظ على الحدود الفاصلة بين المحافظة السائدة والتيارات الأكثر راديكالية داخل اليمين الأميركي. ومن ثم تكشف تجربة “الاندماجية الجديدة” عن مفارقة جوهرية تمثلت في نجاحها في تحقيق مكاسب مؤسسية سريعة، مقابل تعريض الأسس الرمزية والأخلاقية التي قامت عليها شرعية الحركة المحافظة لاختبار غير مسبوق(61).
خامسًا: الترامبية ومنظِّرو ما بعد الاندماجية
يقدِّم عدد من منظِّري ما بعد الاندماجية مشروعهم على أنه نقد للميراث الليبرالي الذي هيمن على الفكر المحافظ الأميركي خلال العقود الأخيرة، لا قطيعة مع المحافظة ذاتها. ففي حين يرى باتريك ج. دينين (Patrick J. Deneen) أن الليبرالية لم تفشل بسبب ابتعادها عن مبادئها بل بسبب نجاحها في تحقيق منطقها الداخلي وما ترتب على ذلك من نتائج قوَّضت الأسس الاجتماعية والثقافية التي قامت عليها(62)، يدافع يورام هازوني (Yoram Hazony) عن الدولة القومية بوصفها الإطار السياسي الذي يمكِّن الأمم من حكم نفسها وصون استقلالها الجماعي وفق تقاليدها ومصالحها الخاصة في مواجهة المشاريع الإمبراطورية أو فوق القومية(63). أما أدريان فيرمول (Adrian Vermeule)، فيدعو إلى استعادة التقليد القانوني الكلاسيكي الذي ينظر إلى القانون بوصفه موجِّهًا نحو تحقيق الخير العام وازدهار الجماعة السياسية، ويقرُّ بدور مشروع للسلطة العامة في خدمة هذا الغرض(64).
وتكشف هذه الأطروحات أن جانبًا مهمًّا من التحول المحافظ الراهن يصدر من نقد داخلي لليبرالية أكثر مما يصدر من قطيعة مع المحافظة نفسها، وهو ما يساعد على فهم المنطق الفكري الذي يستند إليه عدد من منظِّري ما بعد الاندماجية.
خاتمة
تخلص هذه الدراسة إلى أن الترامبية لا تمثل استمرارًا مباشرًا للاندماجية الكلاسيكية، ولا قطيعة تامة معها، بل إعادة تركيب انتقائية لبعض عناصرها داخل سياق مؤسسي وسياسي جديد. فقد كشفت الدراسة أن سياسة الاحترام التي اعتمدها باكلي وماير لم تكن مجرد موقف أخلاقي بل آلية لإنتاج رأس مال رمزي مكَّن المحافظة الأميركية من الانتقال من الهامش إلى الشرعية العامة. غير أن هذه الآلية تعرَّضت للتآكل مع صعود الشعبوية المحافظة، وتراجع وظيفة حراسة البوابة، وتحوُّل المؤسسات القانونية والفكرية إلى أدوات أكثر مباشرة في الصراع السياسي.
كما بيَّنت الدراسة أن الانتقال من المحافظة الباكلية إلى الترامبية لم يكن انتقالًا مباشرًا بل مرَّ عبر سلسلة من التحولات الفكرية والسياسية والمؤسسية. فقد مثَّلت الغولدووترية والريغانية والحركة المحافظة الجديدة وحركة حزب الشاي، ثم التيارات القومية المحافظة وما بعد الليبرالية، مراحل متعاقبة أعادت تعريف العلاقة بين الفكر المحافظ والجمهور والدولة. ومن ثم فإن الترامبية لا تُفهم إلا بوصفها نتيجة لمسار طويل تراكمت فيه التوترات بين النخبوية الفكرية والتعبئة الجماهيرية وبين الدولة والرغبة في استخدام السلطة التنفيذية لتحقيق أهداف ثقافية وسياسية.
غير أن هذه الدراسة لا تدَّعي أن الترامبية اختزلت كل الحركة المحافظة الأميركية أو أن مؤسسة التراث والجمعية الفيدرالية أصبحتا تعبيرًا واحدًا عنها. بل تُبيِّن أن التحالفات التي تشكلت منذ عام 2016 أعادت توزيع موازين القوة داخل الحقل المحافظ، وجعلت معيار الفاعلية السياسية أكثر حضورًا من معيار الاتساق الفكري وحده. وهذا ما يفسر المفارقة المركزية التي تناولتها الدراسة: مكاسب قضائية ومؤسسية ملموسة في الأمد القصير، في مقابل إشكاليات تتعلق بمصادر الشرعية ومعايير القبول والتماسك النظري.
وتفتح هذه النتائج مجالًا لعدد من الأسئلة البحثية عن مستقبل الحركة المحافظة الأميركية: كيف ستتطور المحافظة القومية وتيارات ما بعد الليبرالية داخل الحزب الجمهوري؟ وهل تستطيع المؤسسات القانونية المحافظة النأي عن الشعبوية السياسية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يستمر التحالف بين الليبرتاريين والمحافظين الدينيين والقوميين ومنظِّري ما بعد الاندماجية؟ وتشير هذه الأسئلة إلى الحاجة لمزيد من البحث في النصوص الأولية لمنظِّري ما بعد الاندماجية، وفي الأرشيفات المؤسسية لمؤسسة التراث والجمعية الفيدرالية، وفي تحولات الخطاب الجمهوري منذ عام 2016.
المراجع
(1) George H. Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 30th Anniversary ed. (Wilmington, DE: ISI Books, 2006), 13–14.
(2) Frank S. Meyer, “Freedom, Tradition, Conservatism,” in What Is Conservatism?, ed. Frank S. Meyer (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1964), 8–9.
(3) Meyer, “Freedom, Tradition, Conservatism,” 9.
(4) Meyer, “Freedom, Tradition, Conservatism,” 15.
(5) Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 13–15.
(6) جمعية جون بيرش (John Birch Society): منظمة سياسية محافظة مناهضة للشيوعية أسسها روبرت ويلش (Robert Welch) عام 1958، واشتُهرت بتبنِّي تفسيرات مؤامراتية للحياة السياسية الأميركية، ولاسيما بعد اتهام ويلش للرئيس دوايت أيزنهاور بالعمل، عن علم، لخدمة المشروع الشيوعي. وقد أصبحت الجمعية إحدى أبرز القضايا التي استخدمها ويليام باكلي لرسم حدود الحركة المحافظة واستبعاد الاتجاهات التي رأى أنها تضر بصدقيتها العامة. لتراجع: D. J. Mulloy, The World of the John Birch Society: Conspiracy, Conservatism, and the Cold War (Nashville: Vanderbilt University Press, 2014), 1–2, 79–80؛ George H. Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 30th Anniversary ed. (Wilmington, DE: ISI Books, 2006), 227–228.
(7) Sam Tanenhaus, Buckley: The Life and the Revolution That Changed America (New York: Random House, 2025), 40, 43, 52.
(8) Carl T. Bogus, Buckley: William F. Buckley Jr. and the Rise of American Conservatism (New York: Bloomsbury Press, 2011), 11–12.
(9) Garry Wills, Confessions of a Conservative (Garden City, NY: Doubleday, 1979), 7–8.
(10) Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 129–141.
(11) Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 13–14.
(12) Bogus, Buckley, 12.
(13) Mulloy, The World of the John Birch Society, 79–80.
(14) مدينة في ولاية ألاباما ارتبط اسمها بحركة الحقوق المدنية الأميركية. ففي 7 مارس/آذار 1965 تعرَّض متظاهرون سلميون كانوا يطالبون بحق التصويت للأميركيين الأفارقة لاعتداء من قوات الولاية أثناء محاولتهم عبور جسر إدموند بيتوس (Edmund Pettus Bridge)، فيما عُرف لاحقًا بـ”الأحد الدامي” .(Bloody Sunday) وقد أصبحت هذه الأحداث إحدى المحطات الحاسمة في تاريخ حركة الحقوق المدنية وأسهمت في تهيئة المناخ السياسي الذي أفضى إلى إقرار قانون حقوق التصويت لعام 1965. لتراجع: Taylor Branch, Pillar of Fire: America in the King Years, 1963–65 (New York: Simon & Schuster, 1998), 577–601.
(15) Bogus, Buckley, 258–59.
(16) Bogus, Buckley, 188–89.
(17) Barry Goldwater, The Conscience of a Conservative, ed. C. C. Goldwater (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2007), 8.
(18) Goldwater, The Conscience of a Conservative, 10.
(19) Goldwater, The Conscience of a Conservative, 15.
(20) Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, xxiii–xxiv.
(21) Amanda Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again? Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 713, no. 1 (2025): 20.
(22) Lee Edwards, The Power of Ideas: The Heritage Foundation at 25 Years (Ottawa, IL: Jameson Books, 1997), 10–11.
(23) The Heritage Foundation, Mandate for Leadership: The Conservative Promise (Washington, DC: The Heritage Foundation, 2023), xiii–xiv.
(24) Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 467–68.
(25) Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again?,” 21.
(26) Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again?,” 21.
(27) Ibid.
(28) Ibid., 21–22.
(29) Steven M. Teles, The Rise of the Conservative Legal Movement: The Battle for Control of the Law (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008), 136.
(30) Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again?,” 24–25.
(31) Mitch McConnell, “The American People Should Have a Voice in the Selection of Their Next Supreme Court Justice,” remarks, Office of the Senate Majority Leader, February 22, 2016, accessed June 10, 2026, https://www.republicanleader.senate.gov/newsroom/remarks/the-american-people-should-have-a-voice-in-the-selection-of-the-next-supreme-court-justice.
(32) Amanda Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again: Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 713, no. 1 (2025): 24.
(33) Ibid., 24–25.
(34) Ibid., 21.
(35) Ibid., 24–25.
(36) Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again: Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” 26.
(37) Steven M. Teles, The Rise of the Conservative Legal Movement: The Battle for Control of the Law (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008), 166.
(38) Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power, ed. John B. Thompson, trans. Gino Raymond and Matthew Adamson (Cambridge: Polity Press, 1991), 75–76.
(39) Amanda Hollis-Brusky and Joshua C. Wilson, Separate but Faithful: The Christian Right’s Radical Struggle to Transform Law and Legal Culture (New York: Oxford University Press, 2020), 117–18.
(40) Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again?,” 18–19, 26.
(41) Paul Dans, “The 2025 Presidential Transition Project: A Note on ‘Project 2025,’” in Mandate for Leadership: The Conservative Promise, ed. Kevin D. Roberts (Washington, DC: The Heritage Foundation, 2023), xiii.
(42) Kevin D. Roberts, “A Promise to America,” in Mandate for Leadership: The Conservative Promise (Washington, DC: The Heritage Foundation, 2023), 3.
(43) Paul Dans, “The 2025 Presidential Transition Project: A Note on ‘Project 2025,’” in Mandate for Leadership: The Conservative Promise, ed. Kevin D. Roberts (Washington, DC: The Heritage Foundation, 2023), xiv.
(44) Rachel Leingang, “The Force Behind Project 2025: Kevin Roberts Has the Roadmap for a Second Trump Term,” The Guardian, July 1, 2024, accessed June 10, 2026, https://www.theguardian.com/us-news/ng-interactive/2024/jul/01/kevin-roberts-trump-heritage-foundation-project-2025.
(45) Dans, “The 2025 Presidential Transition Project,” xiii–xiv.
(46) Roberts, “A Promise to America,” 3.
(47) Amanda Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again: Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 713, no. 1 (2025): 28.
(48) Dobbs v. Jackson Women’s Health Organization, 597 U.S. 215 (2022); New York State Rifle & Pistol Association v. Bruen, 597 U.S. 1 (2022); West Virginia v. Environmental Protection Agency, 597 U.S. 697 (2022); Loper Bright Enterprises v. Raimondo, 603 U.S. ___ (2024).
(49) Robert Barnes, “Federalist Society, White House Cooperation on Judges Paying Benefits,” Washington Post, November 18, 2017; Lydia Wheeler, “White House Lawyer: ‘Completely False’ That Trump Outsources Judicial Selections,” The Hill, November 17, 2017.
(50) Amanda Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again: Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 713, no. 1 (2025): 28.
(51) U.S. House of Representatives, Select Committee to Investigate the January 6th Attack on the United States Capitol, Transcript of Interview of Virginia “Ginni” Thomas, September 29, 2022, 23, 26.
(52) Amanda Hollis-Brusky, Ideas with Consequences: The Federalist Society and the Conservative Counterrevolution (New York: Oxford University Press, 2015), 15.
(53) Amanda Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again: Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 713, no. 1 (2025): 30.
(54) David French, Divided We Fall: America’s Secession Threat and How to Restore Our Nation (New York: St. Martin’s Press, 2020), 10.
(55) Amanda Hollis-Brusky, Ideas with Consequences: The Federalist Society and the Conservative Counterrevolution (New York: Oxford University Press, 2015), 15–16.
(56) Amanda Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again: Authoritarian Means to Christian Nationalist Ends,” The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science 713, no. 1 (2025): 16–17.
(57) D. J. Mulloy, The World of the John Birch Society: Conspiracy, Conservatism, and the Cold War (Nashville: Vanderbilt University Press, 2014), 1–2.
(58) George H. Nash, The Conservative Intellectual Movement in America Since 1945, 30th Anniversary ed. (Wilmington, DE: ISI Books, 2006), 227–228.
(59) Hollis-Brusky, “Making Fusionism Great Again?,” 17.
(60) Ibid.
(61) Ibid., 26–31.
(62) Patrick J. Deneen, Why Liberalism Failed (New Haven, CT: Yale University Press, 2018), xiii–xiv, 1–3.
(63) Yoram Hazony, The Virtue of Nationalism (New York: Basic Books, 2018), 9–11.
(64) Adrian Vermeule, Common Good Constitutionalism: Recovering the Classical Legal Tradition (Cambridge: Polity Press, 2022), 1–3.
