ملخص

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 وامتدت أشهرًا قبل أن تتوقف بهدنة مشروطة، لم تكن حدثًا عسكريًّا معزولًا في جغرافيا الصراع بين طهران وخصومها، وإنما كانت لحظة انكشاف إستراتيجي للمنظومة الأمنية الخليجية بكاملها. فلأول مرة منذ حرب الناقلات في ثمانينات القرن الماضي، وجدت دول مجلس التعاون الست نفسها أهدافًا مباشرة لنيران إيرانية واسعة، لا فضاءً خلفيًّا للصراع. وتقرأ الدراسة هذه الحرب بوصفها “حالة كاشفة” تتيح اختبار التصورات التي حكمت الأمن الخليجي منذ نهاية الحرب الباردة، لا بوصفها سردًا لوقائعها العسكرية.

تجادل الدراسة بأن الحرب أثبتت انتقال الخليج من منطق “التهديد الخطي” إلى منطق “التهديد المركب”، وأن الخلل الأعمق في المنظومة الدفاعية الخليجية لا يكمن في نقص الموارد أو الإنفاق بل في توجيهه وفي محدودية التكامل بين دوله. وتجد مقولتان تحليليتان أساسيتان في هذه الدراسة سندهما الواقعي في مجريات الحرب: مقولة “فجوة الكلفة” بين الهجوم الرخيص والدفاع المكلِّف، التي تجلَّت في استنزاف دول الخليج نسبةً تتراوح بين ثلاثة أرباع مخزونها من صواريخ الاعتراض ونحو تسعة أعشاره خلال أسابيع؛ ومقولة هشاشة البنية الحيوية، التي تجسدت في إيقاف إنتاج الغاز في رأس لفان وتعطُّل مصفاة رأس تنورة وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

وتنتهي الدراسة إلى أن مستقبل الأمن الخليجي سيتحدد بقدرة دول المجلس على الانتقال من منطق استيراد الضمانات الأمنية إلى منطق بناء القدرة الذاتية المنظمة، أي من الاعتماد الكثيف على الضامن الخارجي والصفقات الدفاعية الكبرى إلى عقيدة أمنية مشتركة، ومنظومة دفاعية متعددة الطبقات، وقدرات اعتراض ومضادات مسيَّرات أقل كلفة وأكثر استدامة، وردع خليجي قادر على العمل تحت الضغط.

وتتعامل الدراسة مع هذا التكامل بوصفه مسارًا سياسيًّا وعملياتيًّا مشروطًا، تختبره في ضوء أبرز شاهد مضادٍّ عليه، وهو الأزمة الخليجية 2017–2021، ثم تقدم في خاتمتها ثلاثة سيناريوهات استشرافية مدعومة بمؤشرات متابعة وآفاق زمنية، بما ينقل التحليل من مستوى التوصيات العامة إلى مستوى تقدير المسارات الممكنة.

 

الكلمات المفتاحية: الأمن الخليجي؛ حرب 2026 على إيران؛ مضيق هرمز؛ فجوة الكلفة؛ التكامل الدفاعي الخليجي؛ الردع الإقليمي؛ التهديدات الهجينة.

Abstract

This study is based on the central premise that the US-Israeli war on Iran, which began on 28 February 2026 and lasted for months before ending with a conditional truce, was not an isolated military event within the geography of the conflict between Tehran and its adversaries. Rather, it was a moment of strategic exposure for the entire Gulf security system. For the first time since the Tanker War of the 1980s, the six Gulf Cooperation Council (GCC) states found themselves direct targets of widespread Iranian fire, not merely a buffer zone for the conflict. The study interprets this war as a “revealing case” that allows for testing the perceptions that have governed Gulf security since the end of the Cold War, rather than simply as a narrative of its military events.

The study argues that the war demonstrated the Gulf’s shift from a “linear threat” to a “composite threat” logic, and that the deeper flaw in the Gulf defence system lies not in a lack of resources or spending, but rather in their allocation and the limited integration among its member states. Two key analytical propositions in this study find their practical support in the course of the war: the “cost gap” between inexpensive offences and costly defences, manifested in the Gulf states depleting between three-quarters and nine-tenths of their interceptor missile stockpiles within weeks; and the vulnerability of critical infrastructure, exemplified by the halt in gas production at Ras Laffan, the shutdown of the Ras Tanura refinery, and the disruption of navigation in the Strait of Hormuz.

The study concludes that the future of Gulf security will be determined by the ability of the GCC states to shift from a logic of importing security guarantees to one of building organised, self-reliant capabilities. This means moving from heavy dependence on external guarantors and major defence deals to a shared security doctrine, a multi-layered defence system, less costly and more sustainable drone interception and countermeasure capabilities, and a Gulf deterrent capable of operating under pressure.

The study treats this integration as a conditional political and operational path, testing it against the most prominent counterexample: the 2017–2021 Gulf crisis. It then presents three forward-looking scenarios, supported by monitoring indicators and time horizons, thus moving the analysis from the level of general recommendations to an assessment of possible paths.

Keywords: Gulf security, 2026 war on Iran, Strait of Hormuz, cost gap, Gulf defence integration, regional deterrence, hybrid threats.

 

مقدمة

في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة ضربات واسعة على إيران، أعلنتا أن هدفها استهداف البرنامجين، النووي والصاروخي، ودفع النظام إلى التغير. وردَّت طهران خلال ساعات بموجات من الصواريخ والمسيرات لم تستهدف إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة وحدها بل امتدت لتضرب دول مجلس التعاون الخليجي الست جميعها للمرة الأولى في تاريخها(1). وبهذا تحولت دول الخليج، في غضون أيام، من موقع المجال الخلفي للصراع إلى موقع الهدف المباشر، وعاد إلى الواجهة سؤال ظل حاضرًا في الأدبيات الأمنية الخليجية منذ حرب الناقلات، ثم غزو الكويت 1990، فالغزو الأميركي للعراق 2003، فهجمات أرامكو 2019، وهو: هل تمتلك دول الخليج منظومة أمنية قادرة على حماية ذاتها في لحظة الحرب الكبرى، أم أنها راكمت قدرات ضخمة من دون أن تحوِّلها إلى أمن جماعي مستدام؟

تستمد حرب 2026 أهميتها التحليلية من كونها لحظة كاشفة اجتمعت فيها عناصر ظلَّت في النقاش الأمني الخليجي موزعة على ملفات مستقلة: القدرات الصاروخية الإيرانية، والمسيَّرات، والحرب السيبرانية، وأمن الممرات البحرية، وهشاشة البنى التحتية الحيوية، وحدود المظلة الأميركية، وتباين المقاربات الخليجية تجاه إيران بين الردع والاحتواء وخفض التصعيد. وقد حوَّل هذا التداخل الحربَ إلى مختبر عملي لقياس صلابة التصورات الأمنية التي حكمت الخليج لعقود طويلة، فالدول التي راكمت إنفاقًا عسكريًّا ضخمًا وجدت نفسها أمام تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، والمنظومات المصممة لاعتراض الطائرات والصواريخ التقليدية دخلت اختبارًا أعقد أمام موجات كثيفة من الذخائر المتنوعة، والممر الملاحي الذي جرى التعامل معه طويلًا بوصفه شريانًا اقتصاديًّا عالميًّا صار ورقةَ ضغط إستراتيجية تؤثر في الطاقة والأسواق وحسابات الردع الإقليمي.

تقوم هذه الدراسة على فرضية مركزية ترى أن الحرب على إيران كشفت انتقال الأمن الخليجي من مرحلة التهديدات الخطية إلى مرحلة التهديدات المركبة؛ حيث يتقدم الخطر من بنية موزعة تجمع العسكري والاقتصادي والسيبراني والمجتمعي والمعلوماتي، وتفرض على الدولة الخليجية ومجلس التعاون إعادة تعريف الأمن في ضوء القدرة على الصمود واستمرار الوظائف الحيوية وتوليد ردع مُقْنِع، فالقوة في هذا السياق لا تُقاس بحجم الإنفاق الدفاعي أو عدد المقاتلات أو كثافة منظومات الدفاع الجوي وحدها، وإنما بقدرة المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية على امتصاص الصدمة، وحماية الطاقة والموانئ والاتصالات والمياه والكهرباء، والحفاظ على ثقة المجتمع والأسواق، وإقناع الخصم بأن التصعيد سيجلب عليه كلفة تتجاوز المكاسب المتوقعة.

وتنبع خطورة هذه اللحظة من أنها جاءت بعد عقود من تراكم مفارقة خليجية عميقة، وهي وفرة الموارد في مقابل هشاشة الجغرافيا، وكثافة التسليح في مقابل محدودية التكامل، وقوة التحالفات الخارجية في مقابل ضيق الاستقلالية الإستراتيجية، وحداثة البنى التحتية في مقابل قابليتها العالية للاستهداف. فدول الخليج تمتلك ثروة طاقوية هائلة وموقعًا حاسمًا وقدرات مالية وتقنية متقدمة، وتقع في الوقت ذاته داخل بيئة أمنية مفتوحة ترتبط بأسواق عالمية شديدة الحساسية لأي اضطراب في الطاقة والملاحة، ولهذا تتحول أي حرب كبرى في جوارها إلى اختبار مباشر لأمنها الوطني والجماعي، حتى عندما لا تكون طرفًا معلنًا في ميدان القتال.

لا تسعى هذه الدراسة إلى استعادة تفاصيل الحرب بوصفها تسلسلًا كرونولوجيًّا للوقائع، ولا إلى حصرها في ميزان القوة العسكري بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بل تتجه إلى قراءة أثرها الأعمق في بنية التفكير الأمني الخليجي؛ حيث كشفت الحرب حدود الردع التقليدي، وأظهرت الفجوة المتزايدة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع، وأعادت إدخال مضيق هرمز في الحساب الإستراتيجي لا بوصفه ممرًّا ملاحيًّا فحسب، وإنما أداة ضغط اقتصادي قادرة على التأثير في الطاقة والأسواق وسلوك القوى الكبرى. كما دفعت التجربة الخليجية إلى توسيع مفهوم الأمن من حماية الحدود والمنشآت إلى حماية المجتمع والوظائف الحيوية والثقة الداخلية واستمرارية الدولة تحت الضغط، وجعلت التكامل الدفاعي الخليجي أقرب إلى ضرورة وجودية منه إلى خيار مؤسسي مؤجل. ومن هذا المنطلق ينتظم البحث، بعد تحديد إطاره النظري والمنهجي، في أربعة مسارات مترابطة تتناول تحولات بيئة التهديد، وكفاءة المنظومة الدفاعية وفجوة الكلفة، وأسئلة التكامل في ضوء شاهد الأزمة الخليجية، ثم مستقبل الأمن الخليجي عبر سيناريوهات مسنودة بمؤشرات قابلة للقياس والتحليل.

أولًا: الإطار النظري والمنهجي  

1- مراجعة الأدبيات وموقع الدراسة

يتقاطع موضوع هذه الدراسة مع أربعة حقول رئيسية في الأدبيات الأمنية والإستراتيجية. يتصل الحقل الأول بدراسات أمن الخليج بوصفه عقدة أمنية إقليمية تتداخل فيها حسابات دول مجلس التعاون وإيران والعراق مع حضور القوى الكبرى بوصفه عاملًا بنيويًّا في تشكيل التوازنات لا مجرد عنصر خارجي طارئ. وقد أسهمت هذه الأدبيات في نقل فهم الأمن الخليجي من مستوى العلاقات الثنائية إلى مستوى البنية الإقليمية المركبة؛ حيث لا يمكن قراءة تهديد دولة بعينها أو سياسة تحالف محددة خارج شبكة أوسع من المخاوف المتبادلة والاختلالات التاريخية والتدخلات الدولية(2). غير أن جانبًا واسعًا من هذه الأدبيات ظل يميل إلى قراءة التهديد الإيراني ضمن منطق الدولة في مواجهة الدولة وميزان القوة التقليدي، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى تجاوزه من خلال مفهوم التهديد المركب الذي يجمع الصاروخي والسيبراني والبحري والمجتمعي والاقتصادي في بنية واحدة.

ويتصل الحقل الثاني بأدبيات الردع التي تميز بين الردع القائم على إيقاع العقاب والردع القائم على حرمان الخصم من تحقيق أهدافه. وتفيد هذه الأدبيات في إظهار أن الردع لا يستمد فاعليته من حجم الترسانة وحده، وإنما من وضوح الرسالة، ومصداقية الإرادة، وقابلية التنفيذ، وقدرة الطرف المستهدف على الاقتناع بأن كلفة التصعيد ستتجاوز مكاسبه(3). ومن هذا المنظور، تبني الدراسة تفسيرها لفجوة الردع الخليجي/الأميركي في مواجهة إيران؛ حيث لا تكفي ضخامة القدرات العسكرية لإنتاج ردع مستقر إذا ظل الخصم قادرًا على المناورة عبر أدوات منخفضة الكلفة، أو عبر مسارح متعددة، أو عبر أنماط استهداف تقع بين الحرب الشاملة والسلم المعلن.

أما الحقل الثالث فيرتبط بأدبيات الحرب غير المتماثلة والمنطقة الرمادية، وهي الأدبيات التي تساعد على فهم الطريقة التي توظف بها إيران أدواتها العسكرية وغير العسكرية لتعويض اختلال ميزان القوة النظامية. ففي هذا النمط من الصراع، لا تقوم الفاعلية على التفوق التقليدي المباشر بل على الانتشار والمرونة وتعدد الوكلاء وخفض الكلفة وتوسيع ساحات الاشتباك وإبقاء الخصم في حالة استنزاف مستمرة من دون الانزلاق الدائم إلى مواجهة شاملة(4). ويتقاطع هذا الحقل مع ما تسميه الدراسة: هندسة الاستنزاف؛ حيث يصبح التهديد موزعًا على الصواريخ والمسيرات والبحر والسيبراني والضغط النفسي والمعلوماتي، بما يجعل الرد الدفاعي أكثر كلفة وتعقيدًا من الفعل الهجومي نفسه.

ويتصل الحقل الرابع بأدبيات صمود البنى التحتية الحيوية ونقاط الاختناق العالمية، وهي أدبيات تتيح فهمًا أعمق لتحول المنشآت الطاقوية والموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والممرات البحرية إلى أهداف إستراتيجية في أي مواجهة إقليمية كبرى(5). ومن خلال هذا الحقل، لا يعود أمن الخليج مسألة حماية حدود أو منصات عسكرية فقط بل يصبح مسألة استمرار وظائف الدولة والمجتمع والسوق تحت الضغط. فاستهداف منشأة طاقة أو تعطيل ممر ملاحي أو اختراق شبكة حيوية يمكن أن ينتج أثرًا إستراتيجيًّا يتجاوز حجمه العسكري المباشر، لأنه يمس الثقة، والأسواق، والتدفقات التجارية، وصورة الدولة القادرة على حماية بنيتها الأساسية. ومن هنا تجمع الدراسة بين هذه الحقول الأربعة لتقديم قراءة أكثر تركيبًا لحرب 2026 بوصفها اختبارًا لبنية الأمن الخليجي، لا مجرد جولة عسكرية في صراع إقليمي ممتد.

تتحدد الفجوة المعرفية التي تسعى الدراسة إلى سَدِّها عند نقطة التقاء هذه الحقول. فالأدبيات الخليجية السابقة على حرب 2026 إما عالجت التهديد الإيراني بمنطق قطاعي (دفاع جوي، أو أمن طاقة، أو أمن سيبراني) من دون تصور جامع، وإما ظلت أسيرة نموذج الردع التقليدي. وما تقترحه هذه الدراسة هو قراءة الحرب بوصفها لحظة كشفت إخفاق المقاربة القطاعية ذاتها، وأبرزت الحاجة إلى إطار يربط بين فجوة الكلفة، وهشاشة البنية الحيوية، ومعضلة التكامل، ضمن مفهوم واحد للصمود الوطني والجماعي. وبهذا تُموضِع الدراسة نفسها بوصفها مساهمةً في الانتقال من “أمن الشراء” إلى “أمن الإنتاج” على المستويين، النظري والسياسي.

2- المنهج والإطار التحليلي ومصادر البيانات

تعتمد الدراسة منهج دراسة الحالة التأويلية-التحليلية (interpretive case study)، وتتعامل مع حرب 2026 بوصفها “حالة كاشفة” (revealing case) في المعنى المنهجي الدقيق؛ أي حالة فردية تتيح ملاحظة آليات بنيوية ظلت كامنة يصعب رصدها في الظروف العادية. ولا تدَّعي الدراسة تعميمًا إحصائيًّا، بل تعميمًا تحليليًّا نحو الإطار النظري؛ فالحرب هنا ليست موضوع التوثيق العسكري بذاته، وإنما العدسة التي تُختبر بها مقولات الأمن الخليجي.

وتنتظم الأداة التحليلية في أربعة معايير مترابطة تُقاس بها كفاءة المنظومة الأمنية بعد الحرب: الردع (إقناع الخصم بأن الهجوم لن يكون بلا كلفة)، والاعتراض (تقليل أثر الضربات عند وقوعها)، والصمود (استمرار الوظائف الحيوية تحت الضغط)، والتعافي (إعادة التشغيل بسرعة ومنع الضربة من التحول إلى أزمة طويلة). ويُستخدم هذا الإطار الرباعي خيطًا ناظمًا يربط محاور الدراسة؛ إذ يتيح تفكيك أداء المنظومة الخليجية لا بوصفه نجاحًا أو فشلًا مطلقًا بل بوصفه أداءً متباينًا بين هذه المعايير الأربعة.

ثانيًا: تحولات بيئة التهديد الخليجي

أبرز ما كشفته الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران مطلع هذا العام، أن التهديد الإيراني لم يعد قابلًا للفهم عبر النموذج التقليدي الذي يربط الخطر بالقوة العسكرية النظامية وحدها. فإيران، حتى حين تعرضت بنيتها القيادية لضربة قاصمة في الساعات الأولى -إذ أعلنت واشنطن وتل أبيب أنهما نفَّذتا قرابة تسعمئة ضربة في اثنتي عشرة ساعة وأن المرشد الأعلى علي خامنئي قُتل فيها- لم تفقد قدرتها على الفعل(6)، بل ردَّت خلال ساعات بموجات صاروخية ومسيَّرة واسعة. وهذا التحول لا يعبِّر عن تبدل في أدوات الصراع فحسب بل يكشف إعادة تشكيل أعمق لمفهوم القوة في الخليج؛ إذ لم تعد القوة تُقاس بقدرة الدولة على الحسم في معركة تقليدية، بل بقدرتها على امتصاص الصدمة وإدامة الضغط وتشتيت الجهد الدفاعي وخلق كلفة متراكمة يصعب احتمالها سياسيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا.

كانت المقاربة الأمنية الخليجية مبنية، في جزء معتبر منها، على افتراض أن الخطر الإيراني يمكن احتواؤه عبر توازن تقليدي بين الردع الأميركي والتسلح الخليجي والعقوبات الدولية وإدارة قنوات خلفية. غير أن الحرب أظهرت أن إيران لا تتحرك ضمن منطق الدولة الباحثة عن تعادل عسكري بل ضمن منطق الفاعل الذي يحوِّل عجزه عن امتلاك تفوق تقليدي إلى إستراتيجية تعويضية قائمة على الانتشار والمرونة والكلفة المنخفضة وتعدد ساحات الاشتباك(7). ومن هنا، لا يكمن الخطر في حجم الضربة المفردة بقدر ما يكمن في قابليتها للتكرار، وفي قدرتها على استنزاف قدرة الدفاع الخليجي على الاستجابة المتواصلة.

هندسة الاستنزاف

تتجلَّى هذه النقلة فيما يمكن تسميته: هندسة الاستنزاف، وهي صياغة واعية لمعادلة تجعل المبادرة الهجومية أقل كلفة من الحماية، وتجعل التعطيل الجزئي قادرًا على إنتاج أثر سياسي واقتصادي يفوق حجمه العسكري المباشر. فالمسيَّرة أو الصاروخ منخفض الكلفة لا يحتاجان إلى إصابة هدف إستراتيجي إصابة حاسمة كي يحققا الغرض المطلوب؛ إذ يكفي أن يفرضا حالة إنذار ممتدة، أو يربكا حركة مطار، أو يدفعا منشأة طاقة إلى تعليق العمل، أو يجبرا منظومة دفاعية على استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن، أو يرفعا كلفة التأمين البحري، أو يخلقا شعورًا عامًّا بأن الجبهة الداخلية أصبحت جزءًا من مسرح الحرب. بهذا المعنى، لا تقوم هندسة الاستنزاف على البحث عن نصر خاطف أو تدمير شامل بل على إدارة ضغط متدرج ومتكرر يراكم الكلفة على الخصم، ويدفعه إلى إنفاق موارد مالية وعسكرية وسياسية كبيرة في مواجهة أدوات أرخص وأكثر مرونة. ومن هنا تصبح فاعلية التهديد في قدرته على الإرباك والإشغال وإطالة حالة التأهب، لا في قدرته التدميرية وحدها، لأن الخصم قد يبقى قائمًا ماديًّا لكنه يدخل في حالة إنهاك مستمر حين يجد نفسه مطالبًا بحماية المطارات والموانئ ومحطات الطاقة وخطوط الملاحة وشبكات الاتصال في وقت واحد، وتحت تهديد قابل للتجدد والتوزع والتخفي.

ولم تَعُد هذه المعادلة افتراضًا نظريًّا بعد حرب 2026 بل غدت واقعة موثقة. فقد أطلقت إيران على دول الخليج، خلال أسابيع، آلاف المقذوفات: نحو 203 صواريخ و87 مسيَّرة على قطر بين أواخر فبراير/شباط ومنتصف مارس/آذار(8)، وما يزيد على 438 صاروخًا وأكثر من ألفي مسيَّرة على الإمارات وحدها حتى مطلع أبريل/نيسان(9). إضافة إلى مئات المقذوفات على البحرين والكويت والسعودية والأردن. واللافت أن منظومات الاعتراض الخليجية حققت نسب اعتراض تكتيكية مرتفعة، لكنها فعلت ذلك بكلفة لا تُحتمل على المدى الطويل.

وتزداد خطورة هذه المعادلة حين تقع على دول ذات بنية تحتية شديدة الكثافة والحساسية، كما هي حال دول الخليج. فالطاقة والمياه والكهرباء والمطارات والموانئ والمناطق الصناعية وشبكات الاتصالات والمراكز المالية ليست مجرد مرافق خدمية بل أعصاب الدولة الحديثة ومصادر شرعيتها اليومية(10). وفي مجتمعات تعتمد بدرجة عالية على الاستقرار الخدمي والاقتصادي، يصبح استهداف هذه البنى أداة ضغط تتجاوز الخسارة المادية المباشرة؛ فالضربة التي تصيب محطة تحلية أو شبكة كهرباء أو ميناء تصدير لا تُقاس بحجم الدمار وحده، بل بما تولِّده من قلق اجتماعي واضطراب اقتصادي ورسالة سياسية مفادها أن الازدهار الخليجي نفسه قابل للتحول إلى نقطة ضعف في لحظة الصراع(11).

وقد تجسَّد هذا المنطق في وقائع بعينها. فحين استهدفت الضربات الإيرانية مرفق الغاز المسال في رأس لفان بقطر، أعلنت قطر إنيرجي القوة القاهرة على بعض عقود الغاز المسال، وقُدِّر أثر ذلك بخفض طاقة التصدير القطرية بنحو 17% لسنوات(12). وحين استُهدفت مصفاة رأس تنورة السعودية بالمسيرات، كان الإغلاق الاحترازي لبعض العمليات في المنشأة كافيًا للكشف عن حساسية منشآت الطاقة أمام هجمات محدودة الأثر المادي لكنها عالية الوقع التشغيلي(13). وفي الإمارات، أدَّت ضربة على مجمع الألومنيوم في الطويلة إلى توقف تشغيلي قُدِّرت مدة إصلاحه بما قد يصل إلى عام كامل(14). هذه الوقائع تُظهر أن “العمق الإستراتيجي” في الخليج يحتاج إلى إعادة تعريف؛ فالعمق هنا ليس مساحة جغرافية تُمتص فيها الضربات ويُعاد التموضع بل قدرة على التكرار والبدائل والتحصين واللامركزية وإدارة الأزمات.

وبرز مضيق هرمز بوصفه المثال الأكثف على تحول الجغرافيا إلى سلاح. فالمضيق ليس ممرًا مائيًا عاديًا، بل عقدة إستراتيجية يعبرها نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، ونحو ثلث تجارة النفط الخام العالمية، إضافة إلى ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا(15). ولذلك، فإن التهديد بإغلاقه لا يقتصر أثره على الدول المطلَّة عليه بل يمتد إلى أسواق الطاقة وشركات التأمين وأسعار الشحن وسلاسل الإمداد وحسابات القوى الكبرى. والأخطر أن تعطيله لا يحتاج إلى إغلاق عسكري كامل؛ إذ يكفي أن تتحول الملاحة فيه إلى مخاطرة عالية حتى يتباطأ الشحن وترتفع أقساط التأمين وتتردد الشركات. وهذا ما حدث فعلًا؛ إذ تراجعت حركة الملاحة التجارية عبر المضيق بأكثر من 90% بعد اندلاع الحرب، وفق تقديرات أممية وبيانات تتبع الملاحة(16). كما أعلنت طهران ترتيبات عبور ورسوم بحرية خاصة بالمضيق، قبل أن تعلن لاحقًا إعفاءً مؤقتًا من هذه الرسوم لمدة ستين يومًا(17). وهنا يصبح الخوف نفسه جزءًا من الإستراتيجية، وتتحول احتمالية الخطر إلى أداة ضغط لا تقل فاعلية عن الخطر الفعلي.

لقد أظهرت الحرب أن إيران تدرك القيمة السياسية والاقتصادية للمضيق بوصفه نقطة اختناق عالمية؛ فهي لا تستخدمه ورقةً عسكرية فحسب بل ورقة تفاوضية ورمزية تُذكِّر العالم بأن أمن الطاقة لا ينفصل عن موقعها الجغرافي. وهذا الإدراك يمنحها قدرة على تدويل أزمتها وتحويل المواجهة من صراع إقليمي إلى أزمة دولية تستدعي تدخل القوى الكبرى والأسواق. وفي المقابل، يضع دول الخليج أمام معضلة مركبة؛ فهي الأكثر تضررًا من اضطراب المضيق، والأكثر اعتمادًا عليه، والأقل قدرة على تجاهل موقع إيران الجغرافي مهما بلغت حدة الصراع معها.

 

متطلبات الحرب الحديثة

غير أن مضيق هرمز لا يمثل سوى أحد وجوه التحول الأوسع في طبيعة التهديد، فالحرب الحديثة أخذت تذيب الحدود القديمة بين المجال المادي والمجال الرقمي، وبين الضربة العسكرية المباشرة والتأثير المعلوماتي المصاحب لها، وبين استهداف المنشأة وتعطيل البيئة التي تعمل داخلها. وقد أظهرت المواجهة أن العمليات السيبرانية صارت جزءًا عضويًّا من بنية الضربة لا ملحقًا تقنيًّا بها؛ إذ يمكن للهجوم الرقمي أن يضاعف أثر الاستهداف الحركي، أو يسبق الضربة لتهيئة الارتباك، أو يرافقها لتعطيل الاستجابة، أو يلحق بها لتوسيع دائرة الشلل داخل القطاعات الحيوية. فاستهداف شبكات الاتصالات، والقطاع المالي، ومراكز البيانات، وأنظمة التحكم الصناعية، ومنصات التشغيل المرتبطة بالطاقة والمياه والموانئ، يمكن أن ينتج أثرًا إستراتيجيًّا بالغًا من دون تدمير مادي واسع، لأنه يمس قدرة الدولة على إدارة الأزمة، واستمرار الخدمات، وحركة الأسواق، وثقة المجتمع في سلامة البنية التي تقوم عليها حياته اليومية. ومن هنا يصبح الأمن السيبراني، في الحالة الخليجية، ركنًا أصيلًا من أركان الأمن القومي، لا قطاعًا فنيًّا معزولًا عن القرار السياسي والعسكري، ولا ملفًّا إداريًّا يدار فقط بمنطق الحماية التقنية.

كما كشفت الحرب أن البُعد المعلوماتي والنفسي صار جزءًا من ميدان الصراع نفسه، فالخصم لا يستهدف المنشأة وحدها بل يستهدف الثقة في قدرة الدولة على الحماية والسيطرة والتفسير. وقد تُنتج الشائعة، أو الصورة المتداولة، أو المقطع المجتزأ، أو الخبر غير المحقق، أثرًا يتجاوز أحيانًا الأثر المباشر للضربة، خصوصًا في مجتمعات عالية الاتصال تعيش تحت ضغط تدفق لحظي للأخبار والتعليقات والتأويلات. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الفراغ المعلوماتي خطرًا أمنيًّا قائمًا بذاته، لأنه يترك المجال مفتوحًا للتهويل، والتلاعب، وإرباك الجمهور، وتحويل القلق الطبيعي إلى شكٍّ في كفاءة الدولة. ومن ثم لم يعد الأمن الخليجي قابلًا للاختزال في منظومة دفاع جوي أو بحري بل بات يحتاج إلى قدرة متكاملة على إدارة الرواية وقت الأزمة، تقوم على شفافية محسوبة، ورسائل رسمية سريعة ومنضبطة، وإعلام يهدئ من دون إنكار، ويعبئ من دون تهويل، ويحافظ على الثقة العامة بوصفها جزءًا من الصمود الوطني لا مجرد مسألة اتصالية.

وتدخل الشبكات الاستخباراتية والخلايا النائمة وشبكات التأثير ضمن النمط الهجين ذاته؛ إذ لا تنحصر أدوات إيران في الصواريخ والمسيَّرات والوكلاء المسلحين، بل تمتد، وفق منطق طويل المدى، إلى بناء قدرات كامنة داخل البيئات الخصمة تستطيع أن تجمع المعلومات، أو تسهِّل الاستهداف، أو تخلق ارتباكًا في لحظة الأزمة، أو تغذِّي انطباعًا عامًّا بأن الجبهة الداخلية قابلة للاختراق(18). وتكمن خطورة هذا البُعد في أنه لا يحتاج دائمًا إلى عملية تخريب كبيرة كي يُنتج أثرًا إستراتيجيًّا؛ فقد يكفي تسريب معلومة، أو تضليل مسار استجابة، أو تحريك شبكة محدودة، أو بث شعور بالشك داخل المجتمع والأسواق، حتى تصبح كلفة الدفاع أعلى من حجم الفعل نفسه. وتزداد حساسية هذا المستوى في دول الخليج بسبب طبيعتها الديمغرافية والاقتصادية المنفتحة، وهو انفتاح شكَّل أحد مصادر قوة النموذج الخليجي وقدرته على النمو والاندماج في الاقتصاد العالمي، لكنه يفرض في لحظات الحرب توازنًا دقيقًا بين صون الانفتاح الضروري للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز اليقظة الإستراتيجية التي تمنع تحويل هذا الانفتاح إلى ثغرة أمنية، من دون الانزلاق إلى منطق انغلاقي يختزل المجتمع في كونه ساحة اشتباه دائمة.

وتكشف هذه التحولات مجتمعة أن البيئة الأمنية الخليجية انتقلت من منطق التهديد المفرد إلى منطق الحزمة التهديدية؛ حيث لا يأتي الضغط في مسار واحد، ولا يتخذ صورة عسكرية صافية بل يظهر بوصفه تركيبًا متزامنًا من الهجوم الصاروخي، والاختراق السيبراني، وحملة التضليل، والضغط البحري، وتحريك الخلايا، والإشارات السياسية التفاوضية. وهذا التزامن يربك صانع القرار لأنه يحرمه من رفاهية التعامل مع كل تهديد بوصفه ملفًّا منفصلًا، ويدفعه إلى إدارة لحظة تضغط فيها السماء والبحر والشبكات والأسواق والرأي العام والبنية الداخلية في وقت واحد. وهنا تظهر محدودية المقاربة القطاعية التي تفصل الدفاع الجوي عن الأمن السيبراني، والإعلام عن الطاقة، والأمن الداخلي عن حماية الموانئ والمطارات والاتصالات، لأن طبيعة التهديد الجديدة لا تتحرك بهذه الحدود الإدارية بل تضغط عليها جميعًا في اللحظة نفسها، بما يفرض هندسة عليا للصمود تربط هذه المجالات في تصور واحد للتخطيط والإنذار والاستجابة والتعافي.

ومن هذه الزاوية تبدو الحرب كاشفة لفجوة نظرية وعملية في الفكر الأمني الخليجي. فقد ظل الأمن، في جانب واسع من المقاربة التقليدية، يُفهم بوصفه حماية من الخارج أو قدرة على منع الاختراق قبل وقوعه، بينما أظهرت المواجهة أن الأمن في زمن الإغراق الصاروخي والسيبراني والمعلوماتي هو قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على الاستمرار تحت الضغط. فالدولة الآمنة ليست التي تمنع كل ضربة بصورة مطلقة، لأن هذا الهدف صار أقل واقعية في ظل كثافة الذخائر وتنوع مسارات الاستهداف، وإنما هي الدولة التي تقلِّل أثر الضربة، وتحافظ على استمرار الخدمات، وتمنع الذعر، وترد بكلفة مناسبة، وتعيد التشغيل بسرعة، وتتعلم من الصدمة قبل أن تتكرر. وبهذا ينتقل مركز الثقل من فكرة الحماية الكاملة إلى مفهوم الصمود المرن؛ حيث تصبح القدرة على الامتصاص والتكيف واستعادة الوظائف الحيوية جزءًا من الردع ذاته، لا مجرد مرحلة لاحقة بعد الرد الدفاعي.

إن الدرس الأهم في هذا المحور أن الخليج لم يعد أمام تهديد إيراني تقليدي يمكن ضبطه بمعادلة ردع أحادية أو احتواؤه عبر شراء مزيد من المنظومات أو التعويل الكامل على الضامن الخارجي، وإنما أصبح أمام بيئة تهديد متغيرة تجعل إيران فاعلًا عسكريًّا وسيبرانيًّا وبحريًّا ومعلوماتيًّا واجتماعيًّا في آن واحد. وهذه البيئة تحتاج إلى إعادة بناء مفهوم الأمن من داخله، عبر تعريف خليجي مشترك للتهديد، وبنية دفاعية متعددة الطبقات، وقدرات اعتراض منخفضة الكلفة، ودفاع سلبي متقدم، وأمن سيبراني مدمج في التخطيط العسكري، وحماية للبنية الحيوية، وتكامل خليجي ينتقل من المجاملة المؤسسية إلى التشغيل المشترك الفعلي. فالحرب لم تُضف تهديدًا جديدًا إلى قائمة قديمة بل غيَّرت طريقة فهم التهديد نفسه، وجعلته بيئة مستمرة من الضغط والاحتمال.

ثالثًا: كفاءة المنظومة الدفاعية الخليجية وفجوة الكلفة

إذا كان المحور السابق قد كشف التحول في طبيعة التهديد، فإن هذا المحور ينتقل إلى اختبار قدرة المنظومة الدفاعية الخليجية على مواكبة ذلك التحول. فالمسألة لا تتعلق بمجرد امتلاك السلاح أو حجم الإنفاق أو القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة بل بطبيعة العلاقة بين الأدوات التي راكمتها دول الخليج وبين نمط التهديد الذي بات يواجهها. لقد بُني جزء معتبر من التفكير الدفاعي الخليجي على افتراض أن امتلاك المنظومات الأحدث يقود تلقائيًّا إلى أمن أعلى، وأن التفوق التقني قادر على تعويض هشاشة الجغرافيا، وأن الشراكة الأميركية تكفي لسدِّ الفجوات الحرجة في لحظة التصعيد، غير أن الحرب أظهرت أن هذه الافتراضات تحتاج إلى مراجعة عميقة. فالسلاح لا يتحول إلى قدرة بمجرد شرائه، والإنفاق لا يصبح كفاءة دفاعية بمجرد تضخمه، وتعدد المنظومات لا ينتج تكاملًا عملياتيًّا من تلقاء ذاته؛ إذ إن القوة الحقيقية لا تقاس بما تملكه الدولة في المخازن والقواعد فقط بل بقدرتها على دمج هذه الأدوات داخل شبكة قيادة وإنذار واعتراض واستجابة تعمل بوصفها وحدة واحدة تحت ضغط الأزمة.

لقد راكمت دول الخليج خلال العقود الأخيرة واحدة من أكثف منظومات التسليح في العالم قياسًا إلى عدد السكان(19)، من مقاتلات متقدمة ومنظومات دفاع جوي وصاروخي وسفن حربية وقدرات استطلاع ومراكز قيادة وسيطرة وشبكات رادارية وشراكات تدريبية واسعة. غير أن هذه الكثافة لم تتحول بالقدر نفسه إلى بنية دفاعية خليجية موحدة قادرة على العمل جسمًا واحدًا عند لحظة الاختبار. فقد ظل منطق التسلح وطنيًّا في معظمه، وتنافسيًّا في بعض حالاته؛ حيث سعت كل دولة إلى بناء مظلتها الخاصة، ومخزونها الخاص، وعلاقاتها الخاصة بالمورِّدين، وترتيباتها الثنائية مع القوى الكبرى، من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء مجال دفاعي خليجي مشترك يتجاوز حدود التنسيق السياسي إلى مستوى التشغيل العملياتي الفعلي. وهنا تظهر الفجوة بين امتلاك القوة وتنظيمها؛ فالدولة قد تمتلك منظومات متقدمة، لكنها تظل مكشوفة إذا كانت هذه المنظومات تعمل في جزر منفصلة، أو إذا بقيت معلومات الإنذار والاعتراض والرد موزعة بين غرف عمليات لا يجمعها تصور موحد للتهديد.

وتكمن المفارقة الكبرى في أن دول الخليج أنفقت كثيرًا على القوة، لكنها لم تبلغ بالقدر نفسه مستوى كافيًا من قابلية التشغيل المشترك. فالتسليح الخليجي متعدد المصادر، أميركي وأوروبي وتركي وصيني بدرجات متفاوتة، وهذا التنوع قد يمنح هامشًا سياسيًّا في العلاقات الخارجية، لكنه يُنتج في لحظة الحرب تعقيدات تقنية وعملياتية لا يمكن التقليل من أثرها. فالمنظومات لا تتكامل لأنها موجودة في الجغرافيا نفسها بل لأنها تعمل وفق بروتوكولات موحدة، وتبادل بيانات فوري، وقواعد اشتباك متفق عليها، ومراكز قيادة قادرة على دمج المعلومات وتحويلها إلى قرار سريع. ومن دون ذلك تتحول كثرة السلاح إلى جزر دفاعية متجاورة لا إلى منظومة واحدة، وقد تجد كل دولة نفسها تدافع عن مجالها الوطني داخل حرب تتجاوز المجال الوطني بطبيعتها، لأن الصاروخ والمسيرة والهجوم السيبراني واضطراب الملاحة وأسواق الطاقة لا تعترف بالحدود الإدارية بين دول المجلس، ولا تنتظر اكتمال إجراءات التنسيق قبل أن تنتج أثرها الإستراتيجي.

فجوة الكلفة

وهنا تبرز إشكالية “فجوة الكلفة”، وهي من أخطر المفاهيم التي ينبغي أن تدخل بعمق في التفكير الدفاعي الخليجي. فحين يستخدم الخصم وسائط هجومية رخيصة نسبيًّا -مسيَّرات وذخائر وصواريخ متوسطة الكلفة- ويضطر المدافع إلى اعتراضها بصواريخ باهظة، تصبح المعركة استنزافًا اقتصاديًّا قبل أن تكون اشتباكًا عسكريًّا. ولم تَعُد هذه المقولة افتراضًا نظريًّا بعد حرب 2026 بل وجدت سندها الإمبريقي الصارخ: فبحسب تقديرات معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي، استنزفت دول الخليج غالبية مخزونها من صواريخ الاعتراض خلال أسابيع؛ إذ أنفقت الإمارات والكويت نحو 75% من مخزونهما من صواريخ باتريوت، بينما بلغت نسبة البحرين قرابة 87%(20). هذا الرقم وحده يلخص المعضلة: منظومات حققت أداءً تكتيكيًّا مرتفعًا لكنها كانت تخسر معركة الاستدامة؛ إذ إن كل عملية اعتراض تستنزف موردًا لا يمكن تعويضه بالسرعة أو الكلفة نفسها التي يُنتج بها الخصم مسيراته.

تفرض هذه الفجوة إعادة تعريف الفاعلية الدفاعية في البيئة الخليجية، فالحروب المعاصرة تجعل الدفاع الناجح نتاجًا لهندسة متكاملة لا نتاج منظومة اعتراض متقدمة وحدها، وتبدأ هذه الهندسة من الإنذار المبكر، وتمر عبر التشويش الإلكتروني، وأنظمة مكافحة المسيرات، والمدفعية قصيرة المدى، والاعتراض منخفض الكلفة، والحماية السيبرانية، وتصل إلى التحصين والتمويه وتوزيع الأصول وبناء البدائل التشغيلية. فالخصم الذي يطلق موجات كثيفة من المسيرات والصواريخ والوسائط الرخيصة نسبيًّا يسعى إلى فرض إيقاع استنزافي على المنظومة الدفاعية، وإجبارها على العمل المتواصل، واستهلاك مخزونها، وكشف أنماط استجابتها، ورفع كلفة الحماية إلى مستوى يربك القرار السياسي والعسكري. ومن ثم تصبح الفاعلية الدفاعية مرتبطة بقدرة الدولة على بناء طبقات متدرجة من الحماية، بحيث تتعامل الطبقات الأولى مع التهديدات الأرخص بأدوات أقل كلفة وأكثر انتشارًا، وتُترك المنظومات الأعلى ثمنًا للتهديدات الأكثر خطورة، وبذلك تفقد إستراتيجية الإغراق جزءًا كبيرًا من قدرتها على تحويل رخص الهجوم إلى عبء دائم على الدولة المدافعة(21).

تبدو إشكالية الإنفاق الدفاعي الخليجي، في ضوء هذه التحولات، أقرب إلى معضلة توجيه إستراتيجي منها إلى مسألة وفرة موارد. فالمنطقة تمتلك كتلة مقدَّرَة من القدرات الدفاعية العسكرية، وتملك هامشًا واسعًا للوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، بينما يتمثل السؤال الجوهري في طبيعة العائد العملياتي لهذا الإنفاق، ومدى قدرته على إنتاج دفاع قابل للاستمرار أمام تهديد كثيف ومتنوع ومتكرر. فقد اتجه جانب مهم من المشتريات خلال العقود الماضية إلى منصات كبرى ذات قيمة سياسية ورمزية عالية، مثل المقاتلات المتقدمة والسفن الكبيرة والمنظومات بعيدة المدى والصفقات الضخمة التي ترسخ الشراكة مع المورِّدين الدوليين الكبار. وقد منحت هذه المنصات دول الخليج وزنًا في الردع التقليدي، وحضورًا في ميزان القدرة، وعمقًا في العلاقات الدفاعية مع القوى الكبرى، غير أن حروب الإغراق تفرض منطقًا عملياتيًّا مختلفًا يقدم الملاءمة على الفخامة، والاستدامة على الاستعراض، والتكامل على التراكم، والجاهزية اليومية تحت الضغط على مجرد امتلاك الأحدث في السوق العسكرية. ومن ثم يصبح معيار القوة مرتبطًا بقدرة المنظومة على الصمود والعمل المتواصل، وتوزيع طبقات الدفاع وفق كلفة التهديد، وتجنُّب استنزاف الاعتراضات الباهظة في مواجهة وسائط منخفضة الكلفة ومتكررة.

وتتصل بهذه الإشكالية مسألة الدفاع السلبي، وهي حلقة أساسية في بناء الصمود الدفاعي الحديث. فالدفاع النشط يقوم على الرصد والاعتراض والاشتباك وإسقاط التهديد قبل وصوله إلى الهدف، أما الدفاع السلبي فيقوم على التحصين، والتمويه، والتوزيع، والتكرار، وبناء المسارات البديلة، وتقليل قابلية الأهداف الحيوية للتعطيل. وقد أثبتت الحروب الحديثة أن الصمود يبدأ قبل لحظة الاعتراض، لأن المنشأة الحساسة تحتاج إلى تحصين أو بديل تشغيلي، والشبكة المعرضة للتعطيل تحتاج إلى مسار احتياطي، ومركز القيادة يحتاج إلى بنية موزعة، والمخزون الحيوي يحتاج إلى انتشار آمن، والخدمات الأساسية تحتاج إلى خطط استمرار واضحة وتمرن مؤسسي مسبق. وبهذا المعنى يصبح الدفاع السلبي جزءًا من الردع نفسه، لأنه يقلِّل العائد المتوقَّع من الهجوم، ويمنح الدولة قدرة على امتصاص الضربة واستعادة التشغيل بسرعة، ويحول دون انتقال ضربة محدودة إلى شلل واسع في المرافق الحيوية، كما يخفف العبء عن منظومات الاعتراض التي يصعب إبقاؤها في حالة تشغيل دائم أمام موجات كثيفة ومتكررة.

وتبرز في هذا الموضع مسألة حماية البنية التحتية الحيوية بوصفها ركنًا من أركان العقيدة الدفاعية، لا مجرد ملف فني تديره الشركات المشغِّلة بمعزل عن التخطيط الأمني والعسكري. فقد أظهرت الحرب أن منشآت الطاقة والغاز والكهرباء والمياه والمطارات والموانئ والاتصالات أصبحت جزءًا من مسرح العمليات، وأن استهدافها ينتج أثرًا يتجاوز الخسارة المادية المباشرة إلى الأسواق والثقة العامة وسلاسل الإمداد وصورة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمة. وحين تكون ضربة واحدة على منشأة طاقة قادرة على إحداث أثر اقتصادي عالمي، كما ظهر مع اضطراب إنتاج منشأة رأس لفان في قطر وانعكاسه على أسعار الغاز عالميًّا، تصبح حماية هذه المنشآت مسألة سيادية متقدمة، تقتضي نقلها من مستوى الإجراءات الاحترازية إلى مستوى التخطيط الدفاعي المتكامل. وهذا يعني إدخال شركات الطاقة والمياه والاتصالات الوطنية ضمن منظومة التخطيط الأمني، وربطها بمراكز الإنذار والقيادة والسيطرة، ووضع بروتوكولات استجابة مشتركة بينها وبين المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء تمارين دورية تحاكي الهجمات المركبة، بحيث تتحول البنية الحيوية من نقطة ضعف مكشوفة إلى جزء من منظومة الصمود الوطني والجماعي.

الدفاع الجماعي

أما على مستوى الدفاع الجوي والصاروخي، فقد أظهرت الحرب أن القدرات الدفاعية العسكرية الخليجية بلغت مستوى متقدمًا في التصدي التكتيكي للتهديدات الجوية والصاروخية، فقد تمكنت منظومات الرصد والاعتراض والمقاتلات والدفاعات الأرضية من التعامل مع موجات كثيفة من الصواريخ والمسيرات والطائرات المعادية، وأثبتت قدرة عالية على حماية أجزاء واسعة من المجال الجوي والمنشآت الحيوية في ظروف ضغط عملياتي شديد. وقد بدا هذا الأداء ثمرة عقود طويلة من الاستثمار في منظومات الدفاع الجوي، والتدريب المشترك مع الحلفاء، وتطوير مراكز القيادة والسيطرة، وامتلاك مقاتلات متقدمة ومنظومات اعتراض بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى. وفي لحظات متعددة من الحرب، تحولت هذه القدرات إلى خط الدفاع الأول عن المدن والمطارات والقواعد ومنشآت الطاقة، ونجحت في تقليل الخسائر، وامتصاص جانب معتبر من موجات الهجوم، وإظهار قدرة خليجية فعلية على التعامل مع تهديدات معقدة ومتزامنة.

غير أن هذه الفاعلية التكتيكية كشفت في الوقت نفسه حدودها الإستراتيجية؛ إذ إن نجاح كل دولة في حماية مجالها الوطني لا يعادل بالضرورة نجاح الخليج في حماية مجاله الجوي بوصفه منظومة واحدة. فالفضاء الخليجي، بحكم ضيق الجغرافيا وتقارب المدن والمنشآت والقواعد والممرات، يعمل عسكريًّا كمساحة عملياتية مترابطة؛ حيث قد يظهر التهديد أولًا في نطاق راداري لدولة، ويمر في أجواء دولة ثانية، ويتجه نحو هدف حيوي في دولة ثالثة. ومن ثم فإن أفضلية الرصد قد تكون في مكان، وأفضلية الاعتراض في مكان آخر، بينما يقع مركز الثقل المستهدف في نقطة مختلفة تمامًا. وقد أبرزت الحرب هذه الحقيقة عندما تطلَّب التصدي للموجات المتزامنة من الصواريخ والمسيرات تنسيقًا سريعًا بين غرف عمليات متعددة، وعندما شاركت مقاتلات خليجية في إسقاط أهداف إيرانية في أجواء متاخمة، في مشهد أظهر كفاءة القدرات من جهة، وحاجة هذه القدرات إلى تكامل أعلى من جهة أخرى.

وتتمثل الفجوة الأساسية هنا في الانتقال من الدفاع الوطني الفعَّال إلى الدفاع الإقليمي المتكامل. فامتلاك الرادارات ومنظومات الاعتراض والمقاتلات المتقدمة يمنح كل دولة قدرة مهمة على حماية مجالها، أما تحويل هذه القدرات إلى درع خليجي مشترك فيتطلب صورة جوية موحدة، وتبادل بيانات في الزمن الحقيقي، ومركز عمليات دائمًا، وقواعد اشتباك مسبقة، وآليات تفويض واضحة، وثقة سياسية تسمح باتخاذ القرار خلال دقائق أو ثوانٍ. فالحرب الجوية والصاروخية الحديثة تتحرك بسرعة أعلى من قدرة المؤسسات البطيئة على التشاور، وتفرض على الدول أن تسبق لحظة الهجوم ببنية قيادة جاهزة لا أن تبحث عن التنسيق بعد بدء الموجة الأولى. ومن هنا يصبح السؤال الجوهري متعلقًا بمدى قدرة دول الخليج على تحويل النجاح الدفاعي الذي تحقق داخل الحدود الوطنية إلى منظومة عملياتية مشتركة تعمل فوق هذه الحدود عند لحظة الخطر.

وقد عرفت دول مجلس التعاون منذ سنوات أطر تعاون دفاعي متعددة، من اتفاقية الدفاع المشترك إلى القيادة العسكرية الموحدة وقوات درع الجزيرة، كما راكمت خبرات في التدريبات والتنسيق مع الحلفاء. غير أن الحرب أظهرت اتساع المسافة بين الإطار المؤسسي والجاهزية العملياتية المشتركة، فوجود ترتيبات دفاعية معلنة يحتاج إلى ترجمة ميدانية في صورة بيانات مشتركة، وربط مباشر بين مراكز القيادة، وتمارين واقعية على سيناريوهات الإغراق الصاروخي والمسَّر، وتوزيع واضح لأدوار الرصد والاعتراض والحماية. فالخصم يتعامل مع الخليج بوصفه مساحة إستراتيجية واحدة، بينما ما زالت الاستجابة الدفاعية في جوانب كثيرة موزعة على وحدات وطنية منفصلة، وهذا التباين بين طبيعة التهديد وطبيعة التنظيم الدفاعي يمثل إحدى أهم نقاط الضعف التي كشفتها الحرب.

وتعود هذه الفجوة إلى عوامل سياسية وعسكرية ومؤسسية متداخلة، فهناك حساسيات سيادية تتعلق بقرار الاشتباك، وتباينات في تقدير الخطر الإيراني، واختلاف في مصادر التسليح والعقائد القتالية ومستويات الجاهزية، إلى جانب بطء مؤسسات العمل المشترك في التحول من التوافق السياسي العام إلى التخطيط العملياتي الملزم. ومع ذلك، فإن طبيعة التهديد الجديدة تجعل تجاوز هذه الفجوة ضرورة إستراتيجية، لأن الصواريخ والمسيرات والهجمات السيبرانية لا تنتظر اكتمال المشاورات، ولا تتحرك وفق خرائط السيادة الرسمية، بل وفق منطق المسار والهدف ونقطة الضعف. ومن ثم فإن الدرس الأهم الذي تقدمه الحرب يتمثل في أن الدفاعات الجوية الخليجية أثبتت قدرة معتبرة على التصدي، بينما يظل تحويل هذه القدرة إلى دفاع خليجي متكامل هو الشرط الحاسم للانتقال من نجاحات تكتيكية متفرقة إلى أمن جوي وصاروخي جماعي قابل للاستمرار.

التوطين الدفاعي

وتطرح الحرب كذلك سؤال التوطين الدفاعي. فقد أعلنت دول خليجية طموحات واسعة لتطوير صناعات دفاعية ونقل التكنولوجيا. وهذا الاتجاه مهم، لكنه يواجه تحديًا مزدوجًا: صعوبة بناء صناعة متقدمة في وقت قصير في المجالات الحساسة التي تتحكم فيها الدول الكبرى، وخطر أن يتحول التوطين إلى شعار إذا اقتصر على التجميع الرمزي من دون نقل حقيقي للمعرفة والتصميم والبرمجيات والصيانة وسلاسل الإمداد. والأجدى أن تبتعد الأولوية الخليجية عن محاكاة الصناعات الكبرى دفعةً واحدة، وأن تركز على المجالات التي كشفت الحرب أهميتها المباشرة: أنظمة الاستشعار، والرادارات القصيرة والمتوسطة، والحرب الإلكترونية، ومضادات المسيرات، والذخائر الاعتراضية منخفضة الكلفة، والبرمجيات العسكرية، والذكاء الاصطناعي في تحليل التهديدات، وحماية الشبكات الصناعية، والدفاع البحري ضد الألغام والزوارق السريعة. فهذه المجالات أكثر اتصالًا بالتهديد الفعلي وأقل خضوعًا لمنطق المنصات الكبرى(22).

ولا يمكن فصل التوطين عن العنصر البشري. فالمنظومة العسكرية لا تعمل بذاتها، والتكنولوجيا لا تُنتج أثرًا إلا بوجود كفاءات قادرة على تشغيلها وصيانتها وفهم حدودها. وقد أثبتت التجارب الحديثة أن جودة الطواقم وثقافة التدريب ومرونة القيادة الوسطى قد تكون أهم من نوعية السلاح ذاته. والدولة التي تملك أحدث المنظومات لكنها تعتمد كليًّا على الخبرة الأجنبية في الصيانة والتحليل تظل مكشوفة لحظة الأزمة، أما التي تبني جيلًا من المهندسين العسكريين والمحللين السيبرانيين وخبراء الحرب الإلكترونية فإنها تقترب من امتلاك القدرة لا مجرد الأداة. وبهذا المعنى لا يبدأ بناء الأمن من الصفقة العسكرية، بل من الجامعة ومركز البحث والمعهد التقني والمدرسة.

كما تكشف الحرب محدودية الفصل بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي. فالمخزون الدفاعي وقطع الغيار وسلاسل الإمداد والذخائر والوقود والصيانة كلها تقع في تقاطع الاقتصاد والدفاع. وقد تعجز دولة عن الاعتراض لا بسبب ضعف المنظومة، بل بسبب بطء التوريد أو نفاد المخزون أو قيود المورِّد أو تعطل خط النقل. ولهذا تُقاس كفاءة المنظومة الدفاعية بقدرتها اللوجستية أيضًا؛ وفي بيئة الخليج، حيث تمر الإمدادات عبر ممرات حساسة وتخضع العلاقات الدفاعية لحسابات سياسية خارجية، تصبح اللوجستيات جزءًا من الردع.

وتطرح هذه النقطة سؤال القيود السياسية والقانونية المرتبطة بالسلاح المستورد. فالدول المورِّدة لا تبيع المعدات فحسب بل تحتفظ غالبًا بدرجات من التحكم في قطع الغيار والبرمجيات والتحديثات وشروط الاستخدام. وقد لا تظهر هذه القيود وقت السلم، لكنها تظهر بوضوح لحظة الحرب أو حين تختلف المصالح بين المورِّد والمستخدم. ولذلك، فإن تنويع مصادر التسليح قد يقلِّل الارتهان لمورِّد واحد، لكنه قد يخلق تعقيدات أكبر في التشغيل والتكامل. والمطلوب ليس التنويع لذاته، بل إدارته الذكية بحيث لا يتحول إلى فوضى تقنية ولا إلى تبعية موزعة(23).

إن كفاءة المنظومة الدفاعية الخليجية ينبغي أن تُقاس، بعد الحرب، وفق المعايير الأربعة المترابطة التي قدَّمها الإطار التحليلي: القدرة على الردع، والاعتراض، والصمود، والتعافي. وقد أظهرت الحرب أن التركيز الخليجي انصب طويلًا على المعيار الثاني -الاعتراض- بينما حظيت معايير الردع والصمود والتعافي باهتمام أقل. وهذا الاختزال هو الخلل الأعمق؛ فالخصم قد لا يحتاج إلى اختراق كبير إذا كان يستطيع تعطيل وظيفة حيوية أو إطالة أمد القلق. والاعتراض الذي ينجح تكتيكيًّا لكنه يستنزف 87% من المخزون لا يمكن أن يكون إستراتيجية مكتملة.

ومن هنا، فإن بناء الردع الخليجي لا يعني بالضرورة البحث عن مواجهة هجومية كبرى مع إيران بل بناء قدرة على إفهام الخصم أن الاستنزاف لن يكون من طرف واحد. وهذا يتطلب أدوات هجومية وسيبرانية واستخباراتية ذات مصداقية، وقواعد ردٍّ واضحة، وتكاملًا جماعيًّا. فالردع لا يقوم على امتلاك السلاح وحده بل على وضوح الرسالة ومصداقية الإرادة والقدرة على التنفيذ، وإدراك الخصم أن دول الخليج ليست مجرد أهداف محمية من طرف خارجي، بل أطرافًا تمتلك قدرة ذاتية على الرد وإدارة التصعيد. غير أن هذا الردع سيظل ناقصًا إذا بقي وطنيًّا مجزأً؛ لأن إيران لا تنظر إلى كل دولة بمعزل عن الأخرى بل ترى المجال الخليجي معادلةً واحدة وإن استغلت تبايناته. وهنا يتحول غياب التكامل من مجرد ضعف مؤسسي إلى ثغرة إستراتيجية، وهو ما ينقلنا إلى المحور التالي.

رابعًا: التكامل الدفاعي بين الإمكان والعائق: شهادة الأزمة الخليجية

يقود تحليل المحورين السابقين إلى استنتاج يبدو منطقيًّا: أن الأمن الوطني المنفرد لم يعد كافيًا، وأن التكامل الدفاعي الجماعي هو المخرج. والدعوة إلى التكامل ليست جديدة، وقد رُفعت مرارًا منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، عام 1981، ومع ذلك ظلت البنية الفعلية للقرار الأمني وطنيةً إلى حدٍّ بعيد. والسؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: إذا كان التكامل بهذه البداهة والضرورة، فما الذي حال دونه طوال أربعة عقود؟

يقدم العقد الأخير شاهدًا على محدودية هذا التكامل لا يمكن إغفاله، وأعني هنا الأزمة الخليجية التي اندلعت في الخامس من يونيو/حزيران 2017، حين قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها بقطر وفرضت عليها حصارًا بريًّا وبحريًّا وجويًّا استمر ثلاث سنوات ونصف السنة، قبل أن تُطوى صفحته في قمة العُلا (الدورة الحادية والأربعين لمجلس التعاون الخليجي)، مطلع يناير/كانون الثاني 2021(24). هذه الأزمة هي أبرز شاهد معاصر على حدود التكامل الخليجي وأسباب تعثره؛ فقد جرت بين دول تجمعها اتفاقية دفاع مشترك وقيادة عسكرية موحدة وقوة درع الجزيرة، ومع ذلك انتقلت من خلاف سياسي إلى قطيعة شاملة عطَّلت مؤسسات المجلس وأظهرت هشاشة الإطار الجماعي أمام أول اختبار سيادي حقيقي. فالأزمة الخليجية كشفت أن العائق أمام التكامل ليس تقنيًّا ولا قانونيًّا بالدرجة الأولى بل سياسيًّا-سياديًّا: تباين الرؤى تجاه الإسلام السياسي، واختلاف المقاربات تجاه إيران وتركيا، وحساسية الدول الصغرى من هيمنة الدول الكبرى داخل المجلس، وغياب آلية مُلزِمة لفض النزاعات البينية. ومن ثَمَّ فإن أي تصور للتكامل الدفاعي لا يأخذ هذه التجربة في الحسبان يبني على رمل.

غير أن المفارقة اللافتة أن حرب 2026 جاءت لتقدِّم، في الاتجاه المعاكس، شاهدًا على إمكان التكامل تحت الضغط. فحين تحولت دول الخليج جميعها إلى أهداف، ظهرت درجة من التنسيق لم تكن متاحة في الظروف العادية؛ ففي السادس والعشرين من مارس/آذار 2026، أصدرت ست دول بيانًا مشتركًا يدين الهجمات الإيرانية(25)، وجرى تبادل بيانات وإسناد دفاعي في بعض المواقف، وعبَّر قادة عن “تضامن كامل”، بل إن الرئيس الأميركي نفسه وصف انخراط دول الخليج بأنه “المفاجأة الكبرى” في الحرب؛ إذ كان يُفترض أن تكون مشاركتها محدودة فإذا بها تُصِرُّ على الانخراط(26). وهكذا تتقابل شهادتان: الأزمة الخليجية تكشف حدود التكامل في زمن السلم، وحرب 2026 تكشف إمكانه تحت وطأة التهديد المشترك.

ويقتضي هذا التنسيق الظرفي قراءة أكثر حذرًا، فالحرب أظهرت أن وحدة الخطر لا تعني بالضرورة وحدة الإدراك، وأن الاشتراك في التعرض للضغط لا يُنتج تلقائيًّا عقيدة أمنية موحدة. فقد بدت مستويات الانكشاف متفاوتة بين دول الخليج؛ إذ كانت عُمان والسعودية أقل تعرضًا للنيران الإيرانية قياسًا ببعض الجوار الخليجي، كما تباينت العواصم في تقدير الانتقال من الدفاع إلى الفعل الهجومي؛ حيث أشارت تقارير إلى ردود مباشرة من بعض الدول في مقابل اتجاه دول أخرى إلى الترقب وإدارة الموقف بحذر(27). وازدادت هذه التباينات عمقًا بفعل اختلاف الكلفة التي تحمَّلتها كل دولة، وتفاوت علاقاتها بطهران، وخاصة العلاقة القطرية-الإيرانية التي تمنحها خصوصية إضافية بحكم حقل الغاز المشترك وما يرتبط به من اعتبارات اقتصادية وجيوسياسية حساسة. ومن ثم يصبح تعريف التهديد ذاته مسألة غير متطابقة بين العواصم الخليجية، لأن الدولة التي تعرضت لمنشآتها الحيوية بصورة مباشرة ترى الخطر من زاوية مختلفة عن دولة بقيت في هامش النار، والدولة التي تربطها بإيران مصالح تشغيلية أو حدودية تقرأ التصعيد بمنطق مغاير لدولة تنظر إلى طهران أساسًا من زاوية الردع والمواجهة. ولهذا فإن التنسيق تحت ضغط الحرب يمثل استجابة ضرورية للحظة الخطر، أما بناء عقيدة دائمة فيتطلب نقل هذا التنسيق من ردِّ الفعل إلى المؤسسة، ومن إدارة الأزمة إلى هندسة مستمرة للقرار والإنذار والرد. وتكمن خطورة ما بعد الحرب في أن يعود النظام الخليجي إلى عاداته القديمة مع تراجع التهديد المباشر، فتتحول الدعوات إلى التكامل إلى لغة قمم وبيانات، بينما تبقى البنية الأمنية محكومة بالتجزئة ذاتها التي كشفت الحرب هشاشتها.

وبين هاتين الشهادتين تتحدد المساحة الواقعية للتكامل الخليجي الممكن. فقد كشفت الأزمة الخليجية حدود البناء المؤسسي عندما تضغط الخلافات السياسية على آليات العمل المشترك، وكشفت الحرب الأخيرة في المقابل أن الخطر المباشر قادر على دفع العواصم الخليجية إلى تنسيق أوسع حين تصبح الكلفة مشتركة والتهديد عابرًا للحدود. ومن ثم فإن القراءة الأكثر توازنًا تضع التكامل الخليجي في موقعه العملي، بوصفه مسارًا مشروطًا ومتدرجًا وقطاعيًّا، يتقدم في المجالات التي تفرضها الضرورة العملياتية، ويتباطأ في الملفات التي تمس السيادة العليا وقرار الحرب والسلم وتقدير العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية. وبهذا المعنى، يصبح التمييز ضروريًّا بين تكامل عملياتي تقني يمكن الشروع فيه فورًا، مثل الإنذار المبكر، ومكافحة المسيرات، والدفاع السيبراني، وحماية الممرات، وبناء مخزون مشترك للذخائر الحرجة، وبين تكامل سياسي إستراتيجي أعمق يحتاج إلى تراكم في الثقة، ونضج في تعريف التهديد، وقبول تدريجي بتفويض محدود ومنضبط داخل مجالات الأمن الجماعي.

المستويات العملياتية المشتركة

ويقتضي هذا الفهم أن يُقرأ التكامل الدفاعي بوصفه تعميقًا للسيادة عبر تحويلها إلى قدرة جماعية قادرة على العمل في بيئة تهديد تتجاوز حدود الدولة الواحدة. فالمطلوب ليس إعادة تشكيل الجيوش الوطنية داخل بنية واحدة، وإنما بناء مستويات عملياتية مشتركة تمنح القرار الوطني قدرة أعلى على الاستجابة، وتمنع الفجوات الزمنية والمؤسسية من تعطيل الدفاع عند لحظة الضغط. ويمكن لهذه المستويات أن تبدأ بصورة جوية مشتركة، وإنذار مبكر موحد، وغرفة عمليات دائمة، وبروتوكولات اشتباك واضحة، وتوزيع للأدوار، وتمارين واقعية، وتنسيق في الدفاع السيبراني وحماية الممرات والمنشآت الحيوية. ومثل هذه الخطوات تمنح كل دولة قدرة أكبر على حماية مجالها الوطني ضمن تصور أوسع للأمن الإقليمي، لأن القرار المنفرد في لحظة الهجمات المتزامنة يحتاج إلى معلومات مشتركة، وسرعة تبادل، وتقدير موحد لمسار التهديد. ومن هنا يقدم درس الحرب الأخيرة معادلة مزدوجة، فالتكامل ممكن حين يُبنى من الميادين التقنية الأقل حساسية، وهشاشته تزداد حين يُترك رهينًا للشعارات الكبرى أو للقفز المباشر نحو ترتيبات سياسية ثقيلة.

وتبدو الحاجة ملحَّة إلى بناء عقيدة أمنية خليجية مشتركة، بوصفها تصورًا عمليًّا يترجم التضامن السياسي إلى قدرة تشغيلية قابلة للاختبار وقت الأزمة، ويحدد طبيعة التهديدات، وترتيب الأولويات، وأدوار الدول، ومستويات الرد، وآليات القيادة، وحدود العلاقة مع الحلفاء. ويمكن لهذه العقيدة أن تقوم على طبقات مترابطة تبدأ بالدفاع الجوي والصاروخي المشترك عبر صورة عملياتية موحدة، وإنذار مبكر، وتبادل بيانات في الزمن الحقيقي، ثم تنتقل إلى الدفاع البحري المشترك في حماية الممرات ومكافحة الألغام وتأمين الموانئ، ثم إلى الدفاع السيبراني والمعلوماتي عبر مركز خليجي مشترك يتولى إدارة الهجمات الرقمية والحملات المضللة، وصولًا إلى حماية البنية التحتية الحيوية عبر تصنيف موحد للأصول الإستراتيجية، وخطط طوارئ، ومخزونات بديلة، وتمارين عابرة للحدود. وبهذا تتحول العقيدة الأمنية من خطاب عام عن وحدة المصير إلى هندسة عملية للصمود، تربط السماء والبحر والشبكات والطاقة والمجتمع داخل تصور واحد للأمن الجماعي، وتجعل التكامل أداة تشغيلية لحماية الدولة لا شعارًا مؤسسيًّا مؤجلًا.

من جانب آخر، يصطدم بناء هذه العقيدة بعقبتين كشفت الأزمة الخليجية عمقهما: عقبة سياسية تتعلق بحساسية السيادة وحدود استعداد الدول لتفويض جزء من القرار الأمني المشترك، وعقبة مؤسسية تتعلق بقدرة مجلس التعاون على إنتاج قرارات أمنية ملزمة وسريعة في لحظة الضغط. ويقتضي التعامل مع هاتين العقبتين مسارًا تدريجيًّا يبدأ من المجالات العملية المباشرة التي يمكن قياس نتائجها وبناء الثقة حولها، مثل تبادل الإنذار المبكر، وتوحيد بروتوكولات الدفاع الجوي، وربط مراكز الأمن السيبراني، وتمارين حماية الموانئ والمنشآت الحيوية، ثم ينتقل تدريجيًّا إلى مستويات أعمق من القيادة المشتركة وقواعد الاشتباك الموحدة. وبهذا تتحول تجربة الأزمة من ذاكرة انقسام إلى دليل عملي على المسار الواجب تجاوزه، أي المسار الذي يسمح للخلاف السياسي بتعطيل البنية الأمنية كلها، ويجعل أمن الخليج رهينة لتفاوت اللحظة بين الدول بدلًا من أن يكون نتاجًا لمؤسسة قادرة على العمل تحت الضغط.

تتمثل مفارقة التكامل الخليجي في أن الأزمات الكبرى قد تفتح نافذة مؤسسية تعجز سنوات الحوار الهادئ عن إنتاجها. ففي الظروف العادية تميل الدول إلى ترحيل الملفات الأكثر حساسية، وتغليب الحسابات الوطنية، والركون إلى الوفرة المالية والضمانات الخارجية، بينما تكشف لحظة الانكشاف الأمني أن ما جرى تأجيله لم يكن ترفًا مؤسسيًّا بل حاجة كامنة تنتظر الصدمة كي تظهر بكامل ثقلها. ومن هنا قد تكون المرحلة التالية للحرب أكثر أهمية من الحرب نفسها، لأنها ستحدِّد ما إذا كانت التجربة ستتحول إلى إصلاح إستراتيجي في بنية العمل الخليجي المشترك أم إلى ذاكرة عابرة تفقد زخمها مع عودة الهدوء وتراجع الإحساس المباشر بالخطر، كما حدث بعد أزمات سابقة توحدت فيها المواقف مؤقتًا ثم تراجعت أمام الحسابات الضيقة. فالرهان الحقيقي لا يقوم على إعلان الرغبة في التكامل، بل على بناء مؤسسات تجعل هذا التكامل أقل خضوعًا لتقلب الإرادات السياسية، وأكثر قدرة على العمل عند لحظة الاختبار.

خامسًا: مستقبل الأمن الخليجي: التحالفات والسيناريوهات

يفتح مستقبل الأمن الخليجي بعد الحرب على تحول عميق في ثلاث دوائر متداخلة: دائرة العلاقة مع الولايات المتحدة، ودائرة العلاقة مع إيران، ودائرة العلاقات البينية داخل مجلس التعاون. فقد دفعت الحرب هذه الدوائر إلى لحظة اختبار واحدة، وكشفت أن الأمن الخليجي لم يعد مسألة تسليح أو تموضع عسكري فقط بل مسألة بنية سياسية كاملة تحدد من يقدر الخطر، ومن يتخذ القرار، ومن يتحمل كلفة الرد، ومن يملك القدرة على الصمود حين تتسع دائرة التصعيد. فالسلاح المتقدم يفقد جانبًا كبيرًا من قيمته إذا غابت العقيدة المشتركة، والتحالف الخارجي يتراجع أثره إذا بقي محكومًا بتقديرات متباينة بين الضامن والحليف، والتنسيق الخليجي يظل محدودًا إذا لم يتحول من لغة تضامن عام إلى آليات قيادة وإنذار واستجابة قابلة للعمل في لحظة الأزمة.

وقد أظهرت الحرب، بهذا المعنى، أن الضمان الأميركي ما زال عنصرًا مركزيًّا في أمن الخليج، لكنه لم يعد كافيًا وحده لصناعة شعور مستقر بالأمان. فالولايات المتحدة تتحرك وفق حسابات قوة كبرى، تجمع بين حماية الحلفاء، وإدارة التصعيد، وضبط كلفة الانخراط، وموازنة أولوياتها بين الخليج وآسيا وأوروبا والداخل الأميركي. ومن ثم فإن التقاء المصالح بين واشنطن ودول الخليج يظل قائمًا، لكنه لا يلغي احتمالات التباين في التوقيت والوسيلة وحدود الرد. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة خليجية أكثر نضجًا، لا تقوم على استبدال الضامن الخارجي أو الانفصال عنه بل على بناء قدرة ذاتية أوسع تجعل التحالف معه أكثر توازنًا، وتمنح دول الخليج هامشًا أكبر في إدارة الخطر، وتقليل الانكشاف، وتحويل الشراكة الأمنية من علاقة اعتماد شبه كامل إلى علاقة إسناد متبادل داخل بنية إقليمية أكثر تماسكًا.

لقد قامت معادلة الأمن الخليجي منذ نهاية الحرب الباردة على افتراض شبه مستقر، وهو أن الولايات المتحدة هي الضامن النهائي، وأن دول الخليج هي الشريك الذي يوفر القواعد والتمويل والتسهيلات والاستقرار الطاقوي. غير أن هذه المعادلة تعرضت لاختبارات متكررة: الانسحاب من العراق، والتردد تجاه الأزمة السورية، والاتفاق النووي 2015، وهجمات أرامكو 2019، والانسحاب من أفغانستان 2021، ثم أولوية التنافس مع الصين وروسيا. وجاءت حرب 2026 لتكثف هذه الاختبارات في لحظة واحدة. فمن جهة، أثبتت أن الوجود الأميركي لا يزال حاسمًا في الدفاع الجوي والاستخبارات والقيادة والسيطرة وحماية الممرات؛ إذ تدفقت بطاريات باتريوت الأميركية لتعزيز الدفاعات الخليجية(28). ومن جهة أخرى، أظهرت أن القرار الأميركي لا يُصاغ بالضرورة من داخل حسابات الأمن الخليجي بل من توازنات أوسع تشمل إسرائيل والداخل الأميركي وسوق الطاقة والتفاوض مع طهران.

يتحدد جوهر المعضلة في الخليج اليوم من خلال التحول في طريقة استخدام القوة الأميركية أكثر من التحول في حجمها. فالولايات المتحدة ما زالت القوة الأقدر على التدخل، والأوسع حضورًا في البنية العسكرية والاستخباراتية والبحرية للمنطقة، لكنها أصبحت أكثر ميلًا إلى إدارة الانخراط بكلفة محسوبة، وإلى مطالبة الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من أعباء أمنهم، وإلى البحث عن تسويات ظرفية تمنع الانزلاق إلى حروب مفتوحة طويلة. ومن هنا لا يتمثل السؤال الخليجي في بقاء واشنطن أو مغادرتها بل في كيفية إعادة تعريف العلاقة معها بحيث تنتقل من اعتماد أحادي كثيف إلى شراكة أكثر توازنًا وقدرة على التأثير المتبادل. فالمطلوب خليجيًّا ليس البحث عن بديل كامل للولايات المتحدة؛ إذ لا توجد قوة أخرى تملك في المدى المنظور شبكة القواعد والانتشار البحري والجوي والاستخبارات والاندماج العملياتي التي تمتلكها واشنطن، وإنما تقليص هشاشة الارتهان الكامل لها، عبر بناء قدرة خليجية أوسع على التأثير في قرارها، وتقديم الخليج بوصفهكتلة إستراتيجية ذات وزن تفاوضي، لا كمجموعة دول تُدار علاقاتها الأمنية عبر مسارات ثنائية متفرقة.

ويتصل بذلك ملف تنويع الشراكات، شَرْطَ أن يُفهم بوصفه تنويعًا وظيفيًّا لا بديلًا إستراتيجيًّا عن المظلة الأميركية. فتركيا وباكستان ومصر والدول الأوروبية والصين وكوريا الجنوبية وأوكرانيا يمكن أن تضيف طبقات مهمة في التكنولوجيا، والتصنيع الدفاعي، والتدريب، والأمن السيبراني، والدفاع البحري، ومكافحة المسيرات، وبناء القدرات المحلية، غير أن أيًّا من هذه الشراكات لا تملك وحدها القدرة على تعويض العمود الأميركي في الردع والقيادة والسيطرة والاستخبارات والانتشار البحري والجوي. ولذلك ينبغي أن يتحرك الخليج نحو نموذج أكثر تركيبًا، يحافظ على جوهر الشراكة الأميركية كضمانة مركزية، ويضيف إليها شبكات تعاون متعددة ترفع القدرة الذاتية وتخفف الانكشاف اليومي. وقد أظهرت الحرب أن كثيرًا من التهديدات المتكررة، مثل المسيرات الصغيرة والاختراقات السيبرانية والتهديدات البحرية المحدودة، تحتاج إلى قدرات محلية مستمرة ومنخفضة الكلفة وسريعة الاستجابة، أكثر مما تحتاج في كل مرة إلى استدعاء استجابة أميركية كبرى.

العلاقة مع إيران

أما الدائرة الثانية، وهي العلاقة مع إيران، فتظل الأكثر تعقيدًا في معادلة الأمن الخليجي لأنها تجمع الجغرافيا والخصومة والاعتماد المتبادل والخوف المتبادل في وقت واحد. فإيران ليست طرفًا عابرًا في البيئة الإقليمية بل دولة جوار كبرى تمتلك عمقًا جغرافيًّا وبنية عسكرية وشبكات تأثير وقدرة على الإضرار حتى في لحظات الانكشاف والضغط. وقد أظهرت الحرب أن الضربات المؤلمة، مهما بلغت قسوتها، لا تكفي لإخراج إيران من معادلة الأمن، كما أن العقوبات والعزل لا يلغيَان موقعها البنيوي في الخليج وممراته وأسواقه وتوازناته. وفي المقابل، أظهرت الحرب لطهران أن توسيع دائرة الاستهداف نحو الخليج يحمل كلفة سياسية وإستراتيجية عالية، لأنه يدفع دول المجلس من موقع الحذر والتوازن إلى موقع أكثر استعدادًا لبناء ردع جماعي ضدها. ومن هنا قد تفتح مرحلة ما بعد الحرب بابًا لنمط جديد من التوازن، يقوم على إدارة طويلة الأمد للتنافس، حيث يتجاور الردع والتواصل، وتتحرك التفاهمات الجزئية إلى جانب التحوط العسكري، وتصبح العلاقة مع إيران مجالًا دائمًا لإدارة الخطر لا مسارًا سريعًا نحو سلام شامل أو مواجهة مفتوحة.

وتحتاج دول الخليج، في هذا السياق، إلى مغادرة ثنائية التهدئة المجردة والتصعيد المطلق نحو مقاربة مركبة تجمع قنوات سياسية مفتوحة، ورسائل ردع واضحة، وخطوطًا حمراء محددة، وآليات اتصال وقت الأزمات، وتفاهمات عملية حول الممرات البحرية، وتنسيقًا خليجيًّا يمنع طهران من التعامل مع كل دولة على حدة. فالقيمة الإستراتيجية للحوار مع إيران لا تتحدد بمجرد وجوده، بل بمدى استناده إلى عقيدة خليجية جماعية تمنحه ثقلًا وتمنع تحوله إلى مسارات منفردة قابلة للاختراق والمساومة. وهنا يظهر الفرق بين التعامل مع إيران بوصفها عدوًّا ثابتًا وبين التعامل معها بوصفها مصدر تهديد يتغير وفق السلوك والقدرة والنية. هذا التمييز يمنح السياسة الخليجية مرونة أكبر، لأنه يحررها من الخطاب التعبوي المغلق، ويمنعها في الوقت نفسه من التقليل من الخطر حين يتحول السلوك الإيراني إلى تهديد مباشر للبنية الحيوية أو الملاحة أو أمن المجتمعات الخليجية.

سيناريوهات المستقبل ومؤشرات المتابعة

بناءً على ما تقدم، لا تتوقف هذه الدراسة عند تقديم توصيات معيارية عامة بل تسعى إلى بناء تصور استشرافي لمسار الأمن الخليجي خلال أفق زمني يتراوح بين سنتين وخمس سنوات بعد الحرب، انطلاقًا من أن الصدمة الأمنية الكبرى لا تُنتج بالضرورة مسارًا واحدًا بل تفتح أمام الدول خيارات متفاوتة تبعًا لطريقة قراءة الخطر، ومستوى الثقة المتبادلة، وقدرة المؤسسات على تحويل الدروس إلى سياسات. ومن هنا تُطرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لا بوصفها تنبؤات قاطعة وإنما بوصفها أدوات لتنظيم عدم اليقين، وقراءة الاتجاهات المحتملة، وربط كل مسار بمحركاته الأساسية ومؤشراته المبكرة القابلة للرصد.

يتمثل السيناريو الأول في العودة إلى النمط السائد، وهو المسار الأكثر ترجيحًا على المدى القصير إذا تراجعت حدَّة التهديد بعد الهدنة، وعاد الإحساس بالخطر إلى مستواه التقليدي. في هذه الحالة، يستعيد الزخم القديم موقعه داخل التفكير الأمني الخليجي، فتعود الدول إلى حساباتها الوطنية، وتتراجع المبادرات الجادة للتكامل، ويُعاد توجيه القلق الذي أنتجته الحرب نحو صفقات تسليح كبرى جديدة مع الولايات المتحدة ومورِّدين آخرين، من دون تحول نوعي في العقيدة أو في قابلية التشغيل المشترك. وتظل المظلة الأميركية في هذا المسار مركز الأمن الخليجي، بينما يُدار التهديد الإيراني بمزيج من الردع التقليدي والقنوات الخلفية وخفض التصعيد عند الحاجة. ويحرك هذا السيناريو عاملان رئيسيان، أولهما تراجع الإحساس بالخطر الوجودي مع عودة الهدوء، وثانيهما حساسية السيادة التي تجعل الدول أكثر ميلًا إلى حماية قرارها الدفاعي الوطني من أي تفويض جماعي عميق. وتتمثل مؤشراته المبكرة في غياب مركز عمليات جوي خليجي موحد بعد عام من الهدنة، واستمرار تعدد مصادر التسليح من دون بروتوكولات تشغيل مشترك، وتصدُّر الصفقات الكبرى المشهد الدفاعي على حساب الاستثمار في مضادات المسيرات والذخائر منخفضة الكلفة والدفاع السلبي وحماية البنية الحيوية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في التكامل المتدرج، وهو المسار الأكثر استدامة إذا تحولت صدمة الحرب إلى إصلاح مؤسسي عملي لا يصطدم دفعة واحدة بحساسيات السيادة. في هذا المسار، تبدأ دول الخليج من المجالات التقنية والأمنية الأقل إثارة للخلاف، مثل بناء إنذار مبكر موحد، وتطوير قدرات مشتركة لمواجهة المسيرات، وتنسيق الدفاع السيبراني، وحماية الممرات البحرية، وتأسيس مخزون خليجي مشترك للذخائر الحرجة وقطع الغيار والأصول ذات الأولوية. وتكمن أهمية هذا السيناريو في أنه لا يفترض قفزة وحدوية شاملة بل يبني الثقة عبر نجاحات تشغيلية محددة يمكن اختبارها وقياسها، بحيث تنتقل الدول لاحقًا إلى مستويات أعمق من التنسيق في القيادة والسيطرة وقواعد الاشتباك وتوزيع الأدوار. ويقوم هذا المسار على استمرار إدراك التهديد المشترك، ووجود قيادة سياسية تقبل بمنطق التدرج، وتدرك أن التكامل الأمني لا يعني إلغاء السيادة بل جعلها أكثر قدرة على العمل تحت الضغط. وتظهر مؤشراته المبكرة في إنشاء صورة جوية مشتركة أو مركز إنذار خليجي فعلي خلال عامين، وتوقيع بروتوكولات لتبادل البيانات في الزمن الحقيقي، وبروز صناعة خليجية مشتركة في مضادات المسيرات وأنظمة الاعتراض منخفضة الكلفة، وتحول البيان السياسي المشترك إلى آلية مؤسسية دائمة تعمل بين القمم لا خلالها فقط.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في التفكك تحت الضغط، وهو المسار الأكثر خطورة إذا تغلبت التباينات السياسية والسيادية على إدراك المصلحة المشتركة. في هذا السيناريو، تختلف الدول في تعريف التهديد الإيراني، وفي حدود الحوار مع طهران، وفي درجة الانخراط مع واشنطن، وفي طبيعة الشراكات الدفاعية البديلة، وقد تتجدد خلافات بينية شبيهة بما حدث في أزمة 2017، فتتحول تجربة التنسيق أثناء الحرب إلى استثناء عابر لا إلى قاعدة جديدة. وهنا يجد الخصم، سواء كان إيران أو غيرها، فرصة لاستخدام الضغط التفاضلي على الحلقة الأضعف، واستثمار التباينات داخل المجلس، وتقليل الوزن التفاوضي الجماعي لدول الخليج. وتحرك هذا السيناريو عوامل متعددة، أبرزها عودة الخلافات السيادية والسياسية، وتفاوت الكلفة التي تحملتها الدول أثناء الحرب، واختلاف العلاقات الثنائية مع طهران، وتنافس ترتيبات الأمن الخارجي خارج الإطار الجماعي. وتتمثل مؤشراته المبكرة في تعثر مؤسسات العمل الخليجي المشترك أو تجميدها، وظهور تباين علني في المواقف من إيران، وعقد ترتيبات أمنية ثنائية منفصلة مع قوى خارجية تتجاوز الإطار الخليجي، وتراجع مستوى التنسيق الذي ظهر أثناء الحرب في مجالات الإنذار والدفاع الجوي والسيبراني وحماية الممرات.

وتشير هذه السيناريوهات مجتمعة إلى أن مستقبل الأمن الخليجي لن يتحدد بحجم الصدمة وحدها بل بطريقة تحويلها إلى مؤسسة. فالعودة إلى الاعتماد تعني امتصاص الحرب داخل الأنماط القديمة، والتكامل المتدرج يعني تحويل الخطر إلى فرصة إصلاحية، أما التفكك تحت الضغط فيعني أن التجربة الجماعية لم تكن كافية لتجاوز منطق الحسابات المنفردة. ومن ثم فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق بإعلان النوايا أو تكرار لغة التضامن بل بمدى قدرة دول الخليج على بناء آليات تجعل التنسيق الدفاعي أقل هشاشة، وأكثر إلزامًا، وأقدر على الاستمرار حين تتراجع حرارة الأزمة.

يتحدد ترجيح أي مسار من هذه المسارات بقرار خليجي داخلي قبل أن يتحدد بسلوك إيران أو بخيارات واشنطن، لأن مستقبل الأمن الجماعي يتوقف على قدرة دول المجلس على تحويل تجربة الحرب من صدمة عابرة إلى لحظة تأسيس مؤسسي. ويكمن الفاصل الحقيقي بين مسار التكامل المتدرج ومساري العودة إلى الاعتماد أو التفكك تحت الضغط في سرعة نقل التنسيق الذي فرضته الأزمة من مستوى الضرورة الظرفية إلى مستوى البنية الدائمة، قبل أن يتراجع حضور الخطر في الوعي السياسي وتعود الحسابات الوطنية الضيقة إلى امتصاص الدرس الإستراتيجي. ولهذا تكتسب الأشهر الأولى التي تلي الحرب قيمة حاسمة، فهي النافذة التي يكون فيها أثر الصدمة حاضرًا، والإرادة السياسية أكثر قابلية للدفع، والمؤسسات أكثر استعدادًا لتلقي إصلاحات عملية في الإنذار المبكر، وتبادل البيانات، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وحماية الممرات والبنية الحيوية. فإذا جرى استثمار هذه اللحظة بسرعة وحزم، يمكن للحرب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لعقيدة أمنية خليجية أكثر نضجًا، أما تركها للتآكل البطيء فسيعيد التجربة إلى الذاكرة من دون أن يحوِّلها إلى قدرة.

خاتمة

وضعت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من ردٍّ إيراني استهدف المجال الخليجي، دولَ الخليج أمام لحظة انكشاف إستراتيجية كبرى. فقد بدأت المواجهة بضربات استهدفت العمق الإيراني، ثم امتدت آثارها إلى الخليج بحكم الجغرافيا والتحالفات ومركزية الطاقة ووجود القواعد الأميركية وحساسية الممرات البحرية، لتكشف أن المنطقة جزء بنيوي من معادلة الصراع حتى حين تحاول دولها تجنب الانخراط المباشر في قرار التصعيد. وقد جاء الرد الإيراني عبر استهداف البنى التحتية الحيوية، والمطارات، والموانئ، ومنشآت الطاقة والغاز والكهرباء، وشبكات الاتصالات والمرافق السيادية، فأعاد تعريف الخليج من مجال اقتصادي ولوجيستي للنظام الدولي إلى ساحة ضغط عسكرية وسياسية عند انتقال الصراع مع إيران إلى مستوى الحرب المفتوحة.

وقد كشفت هذه التجربة أن الأمن الخليجي دخل طورًا تتداخل فيه الحدود العسكرية مع الوظائف المدنية، وتتحول فيه منشآت الطاقة والمياه والكهرباء والمطارات والموانئ والشبكات الرقمية إلى عناصر مركزية في ميزان الردع والصمود. فالدولة الحديثة في الخليج تقوم على كثافة وظيفية عالية، وكل عقدة من عقد هذه الكثافة تحمل قيمة إستراتيجية تتجاوز وظيفتها الخدمية المباشرة، لأنها تمس الثقة العامة، واستمرارية الاقتصاد، وحركة الأسواق، وصورة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمة. ومن ثم فإن ضرب منشأة طاقة، أو تعطيل مطار، أو تهديد ميناء، أو اختراق شبكة رقمية، يصبح فعلًا عسكريًّا ذا أثر سياسي ونفسي واقتصادي ممتد، لأنه يضغط على أعصاب الدولة ويحوِّل الحرب من مواجهة بين جيوش إلى اختبار لقدرة المجتمع والدولة والمؤسسة الدفاعية على الاستمرار تحت الضغط.

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق الذي تفرضه الحرب على دول الخليج، وهو قدرة هذه الدول على تحويل ما راكمته من قدرات دفاعية عسكرية إلى أمن جماعي فعلي. فالمنصات المتقدمة، ومنظومات الاعتراض، ومراكز القيادة، والرادارات، وأصول الاستطلاع، والدفاع البحري، والقدرات السيبرانية، تحتاج إلى عقيدة تشغيلية مشتركة، وصورة عملياتية موحدة، وتبادل بيانات في الزمن الحقيقي، وقواعد استجابة منسقة، ومخزونات قادرة على احتمال حرب استنزاف طويلة. وقد أظهرت الحرب أن امتلاك القدرة في صورتها الوطنية المنفردة يمنح هامشًا من الحماية، بينما يمنح تحويل هذه القدرة إلى بنية جماعية متكاملة قيمة إستراتيجية أعلى، لأن التهديدات التي واجهها الخليج تحركت عبر خرائط الطاقة والممرات والأسواق والاتصالات، لا عبر الحدود الإدارية بين الدول.

لقد أكدت الحرب أيضًا أن معادلة الكلفة أصبحت في قلب التفكير الدفاعي الخليجي. فالخصم الذي يستخدم المسيرات والصواريخ المجنحة والوسائط منخفضة الكلفة والهجمات السيبرانية والضغط البحري يستطيع أن يفرض على الطرف المدافع تشغيل منظومات باهظة، واستهلاك ذخائر ثمينة، وبقاء مستمرًّا في حالة تأهب؛ الأمر الذي يحوِّل الدفاع إلى معركة استدامة قبل أن يكون معركة اعتراض. ولذلك فإن مستقبل الأمن الخليجي يتطلب هندسة دفاعية متعددة الطبقات، تبدأ بالإنذار المبكر، والتشويش، ومضادات المسيرات، والاعتراضات القصيرة ومنخفضة الكلفة، وتمتد إلى الدفاع السيبراني، والتحصين، والتمويه، وتوزيع الأصول، وبناء البدائل التشغيلية، وخطط استمرار العمل في منشآت الطاقة والمياه والكهرباء والموانئ والمطارات. فالأمن هنا ينتقل من ثقافة الصفقة الكبرى إلى ثقافة القدرة المستمرة، ومن اقتناء المنصة الأحدث إلى بناء النسق الأنسب، ومن الردع الرمزي إلى الردع العملي القادر على امتصاص الصدمة وتقليل عائد الهجوم.

وتضع هذه الحرب العلاقة مع الولايات المتحدة في إطار أكثر واقعية. فالضمان الأميركي سيظل عنصرًا مركزيًّا في أمن الخليج بحكم الانتشار العسكري، وشبكات الاستخبارات، والقواعد، والقدرات البحرية والجوية، والاندماج العملياتي العميق. غير أن الحرب كشفت أن الضامن الخارجي يتحرك وفق حسابات القوة الكبرى، لا وفق هواجس الحلفاء وحدهم. ومن ثم تحتاج دول الخليج إلى علاقة أكثر توازنًا مع واشنطن، تقوم على تعميق الشراكة مع تقليل هشاشة الاعتماد الكامل، وتقديم الخليج بوصفه كتلةً إستراتيجية ذات وزن تفاوضي، لا مجموعةَ ترتيبات ثنائية متفرقة. كما تحتاج إلى تنويع وظيفي للشراكات في التكنولوجيا، والتصنيع الدفاعي، والأمن السيبراني، والدفاع البحري، ومكافحة المسيرات، مع إبقاء الشراكة الأميركية عمودًا مركزيًّا ضمن بنية أوسع.

وتفرض العلاقة مع إيران مقاربة أكثر تركيبًا. فإيران، بما تملكه من عمق جغرافي وقدرات صاروخية وشبكات نفوذ وأدوات ضغط غير متكافئة، ستبقى عنصرًا دائمًا في معادلة الأمن الخليجي، والتعامل معها يتطلب مزيجًا من الردع والحوار وإدارة المخاطر والخطوط الحمراء. وقد أظهرت الحرب أن طهران قادرة على الإضرار حتى في لحظات الضغط، كما أظهرت لها أن توسيع دائرة الاستهداف نحو الخليج يدفع دول المجلس إلى التفكير في ردع جماعي أكثر صلابة. ومن هنا تبدو الحاجة ملحَّة إلى مقاربة خليجية موحدة تجعل الحوار مع إيران مسنودًا بعقيدة جماعية، وتجعل الردع قابلًا للفهم والقياس، وتمنع تحويل الدول الخليجية إلى مسارات منفردة يسهل الضغط عليها أو مساومتها على نحو تفاضلي.

أما العلاقات البينية الخليجية، فهي المساحة التي سيتحدد فيها المعنى الفعلي لدروس الحرب. فقد أثبتت الأزمة أن التنسيق ممكن عندما يصبح الخطر مباشرًا، وأن حساسية السيادة يمكن إدارتها عبر مسارات متدرجة تبدأ بالمجالات التقنية والعملياتية الأقل إثارة للخلاف، مثل الإنذار المبكر وتبادل البيانات ومكافحة المسيرات والأمن السيبراني وحماية الممرات وتصنيف الأصول الحيوية والتمارين المشتركة والمخزونات الحرجة. ومن هذه المسارات يمكن بناء ثقة مؤسسية تنتقل لاحقًا إلى مستويات أعمق من القيادة والسيطرة وقواعد الاشتباك. فالتكامل الدفاعي الخليجي في صورته العملية لا يعني ذوبان القرار الوطني، بل رفع قدرة هذا القرار على العمل ضمن بيئة تهديد تتجاوز الدولة الواحدة وتضغط على الجميع من بوابات مشتركة.

وبهذا المعنى، لا تمثل الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران وما تلاها من هجوم إيراني على المجال الخليجي مجرد أزمة عسكرية عابرة، بل منعطفًا في الوعي الإستراتيجي الخليجي. فقد كشفت أن مصادر قوة الخليج: الطاقة والموقع والموانئ والمطارات والشبكات والانفتاح على الاقتصاد العالمي، يمكن أن تتحول عند الحرب إلى مصادر انكشاف إذا بقيت من دون حماية جماعية متعددة الطبقات. وعند هذا الحدِّ يصبح عنوان المرحلة المقبلة واضحًا: الانتقال من الجغرافيا المكشوفة إلى الكتلة الفاعلة، ومن أمن يعتمد على الخارج ويستجيب بعد الصدمة، إلى أمن ينتج القدرة ويبني الصمود ويحوِّل الخليج من ساحة تتلقى ارتدادات الصراع إلى فاعل قادر على إدارة موقعه في قلبه.

المراجع

(1)     Michael Eisenstadt, “Iran’s Gray Zone Strategy: Cornerstone of Its Asymmetric Way of War,” PRISM 9, no. 2 (2021): 76–97, accessed June 23, 2026, https://ndupress.ndu.edu/Media/News/News-Article-View/Article/2541911/irans-gray-zone-strategy-cornerstone-of-its-asymmetric-way-of-war/.

(2)     F. Gregory Gause III, The International Relations of the Persian Gulf (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), 1–15, 240–248.

(3)     Lawrence Freedman, Deterrence (Cambridge, UK; Malden, MA: Polity Press, 2004), 26–43.

(4)     Defense Intelligence Agency, Iran Military Power: Ensuring Regime Survival and Securing Regional Dominance (Washington, DC: Defense Intelligence Agency, 2019), 21–34, accessed June 23, 2026, https://www.dia.mil/portals/110/images/news/military_powers_publications/iran_military_power_lr.pdf.

(5)     International Institute for Strategic Studies, “The US–Israel Campaign in Iran,” IISS Online Analysis, March 2, 2026, accessed June 23, 2026, https://www.iiss.org/online-analysis/online-analysis/2026/02/the-us-israel-campaign-in-iran/.

(6)     Qatar News Agency, “UAE Defense Ministry: Iranian Attack Causes Three Fatalities, 58 Minor Injuries,” March 1, 2026, accessed June 23, 2026, https://qna.org.qa/en/news/news-details?date=1%2F03%2F2026&id=uae-defense-ministry-iranian-attack-causes-three-fatalities-58-minor-injuries.

(7)     U.S. Energy Information Administration, “World Oil Transit Chokepoints,” March 3, 2026, accessed June 23, 2026, https://www.eia.gov/international/analysis/special-topics/World_Oil_Transit_Chokepoints؛ Philip Loft, Israel/US-Iran Conflict 2026: Reopening the Strait of Hormuz, Research Briefing CBP-10636, House of Commons Library (London: UK Parliament, April 24, 2026), accessed June 23, 2026, https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10636/.

(8)     Sarah Shamim, “Is Iran Expanding Attacks to Target Energy and Civilian Sites in the Gulf?,” Al Jazeera, March 3, 2026, accessed June 23, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/3/3/is-iran-expanding-attacks-to-target-energy-and-civilian-sites-in-the-gulf.

(9)     بلغ إجمالي ما أُطلق على قطر بين 28 فبراير/شباط و18 مارس/آذار 2026 نحو 203 صواريخ و87 مسيَّرة، فيما تعرَّض مرفق الغاز المسال في رأس لفان لضربة أدَّت إلى خفض طاقة التصدير القطرية بنحو 17% لمدة تُقَدَّر بثلاث إلى خمس سنوات.

(10)   Qatar Energy, “QatarEnergy Declares Force Majeure,” March 4, 2026, accessed June 23, 2026, https://www.qatarenergy.qa/en/MediaCenter/Pages/newsdetails.aspx?ItemId=3894؛ Qatar News Agency, “QatarEnergy Declares Force Majeure on LNG Supplies,” March 4, 2026, accessed June 23, 2026, https://qna.org.qa/en/news/news-details?date=4%2F03%2F2026&id=qatarenergy-declares-force-majeure-on-lng-supplies..

(11)   Nadia Mèndez, “The Infrastructure War in the Gulf,” Wired Middle East, April 3, 2026, https://www.wired.me/story/the-infrastructure-war-in-the-gulf, accessed June 23, 2026.

(12)   U.S. Cybersecurity and Infrastructure Security Agency, “Critical Infrastructure Sectors,” CISA, accessed June 23, 2026, https://www.cisa.gov/topics/critical-infrastructure-security-and-resilience/critical-infrastructure-sectors.

(13)   Reuters, “Iran Attacks Wipe Out 17% of Qatar’s LNG Capacity for up to Five Years, Qatar Energy CEO Says,” Reuters, March 19, 2026, https://www.reuters.com/business/energy/iran-attack-damage-wipes-out-17-qatars-lng-capacity-three-five-years-qatarenergy-2026-03-19/, accessed June 23, 2026.

(14)   “Ras Tanura Refinery Shut after Drone Strike: Update,” Argus Media, March 2, 2026, https://www.argusmedia.com/en/news-and-insights/latest-market-news/2794759-ras-tanura-refinery-shut-after-drone-strike-update, accessed June 23, 2026.

(15)   “Al Taweelah Smelter Repair to Take up to a Year: EGA,” Argus Media, April 3, 2026, https://www.argusmedia.com/en/news-and-insights/latest-market-news/2810159-al-taweelah-smelter-repair-to-take-up-to-a-year-ega, accessed June 23, 2026.

(16)   International Energy Agency, “Strait of Hormuz,” IEA, https://www.iea.org/about/oil-security-and-emergency-response/strait-of-hormuz, accessed June 23, 2026.

(17)   UNCTAD, “Hormuz Disruption Shows Why Early-Warning Data Matters,” United Nations Conference on Trade and Development, April 28, 2026, https://unctad.org/news/hormuz-disruption-shows-why-early-warning-data-matters, accessed June 23, 2026.

(18)   “Iran Announces Plans to Bring in Maritime Fees for Strait of Hormuz,” The Guardian, June 18, 2026, https://www.theguardian.com/world/2026/jun/18/iran-announces-plans-to-bring-in-maritime-fees-for-strait-of-hormuz, accessed June 23, 2026.

(19)   Cybersecurity and Infrastructure Security Agency, Cross-Sector Cybersecurity Performance Goals: March 2023 Update, Version 1.0.1 (Washington, DC: Cybersecurity and Infrastructure Security Agency, 2023), accessed June 23, 2026, https://www.cisa.gov/sites/default/files/2023-03/CISA_CPG_REPORT_v1.0.1_FINAL.pdf.

(20)   International Institute for Strategic Studies, Iran’s Networks of Influence in the Middle East (London: IISS, 2019), 11–27, accessed June 24, 2026, https://www.iiss.org/publications/strategic-dossiers/iran-dossier/.

(21)     Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI Yearbook 2025: Armaments, Disarmament and International Security (Oxford: Oxford University Press, 2025),  accessed June 23, 2026, https://doi.org/10.1093/sipri/9780198979791.001.0001. (Chapter: Military Spending in the Middle East.)

(22)   حول حدود الانتقال من الإطار القانوني إلى الجاهزية العملياتية في منظومات الأمن الجماعي عمومًا، انظر:

 Gause, International Relations of the Persian Gulf, 240–248

(23)   Seth G. Jones, Three Dangerous Men: Russia, China, Iran, and the Rise of Irregular Warfare (New York: W. W. Norton, 2021), 109–146.

(24)   في 26 مارس/آذار 2026، أصدرت ست دول (السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن) بيانًا مشتركًا يدين الهجمات الإيرانية وما يتصل بها من جماعات مسلحة، وهو من أبرز مؤشرات التنسيق الجماعي خلال الحرب رغم تباين المواقف: ACLED, “Middle East Special Issue”: March 2026

(25)   بدأت الأزمة الخليجية، في 5 يونيو/حزيران 2017، بقطع السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها بقطر وفرض حصار عليها، واستمرت حتى قمة العُلا (الدورة 41 لمجلس التعاون)، في 5 يناير/كانون الثاني 2021، التي أُعلن فيها بيان “التضامن والاستقرار” وإنهاء الخلاف. تُعد هذه الأزمة أبرز شاهد معاصر على حدود التكامل الخليجي.

(26)   صرَّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن الهجمات الإيرانية على دول الخليج كانت “المفاجأة الكبرى” في الحرب، وأن دول الخليج “كان يُفترض أن تكون مشاركتها محدودة، فإذا بها تصر على الانخراط”. نقلًا عن:

 Middle East Forum, “Gulf Situation Assessment: Iran’s Attacks on Arab States Will Backfire,” March 5, 2026.

(27)   Hasan Alhasan, “The Gulf States’ Offensive Options against Iran,” IISS Online Analysis, March 16, 2026, accessed June 23, 2026, https://www.iiss.org/online-analysis/online-analysis/2026/03/the-gulf-states-offensive-options-against-iran/.

(28)   Sascha Bruchmann, Martin Sampson, Nick Childs, Dana Allin, and Hasan Alhasan, “The US–Israel Campaign in Iran,” IISS Online Analysis, March 2, 2026, accessed June 23, 2026, https://www.iiss.org/online-analysis/online-analysis/2026/02/the-us-israel-campaign-in-iran/؛ Seth G. Jones, Three Dangerous Men: Russia, China, Iran, and the Rise of Irregular Warfare (New York: W. W. Norton, 2021), 109–146.