مقدمة

تبنَّت الدولة السورية في ظل حكم البعث سياسة اقتصادية ريعية مبطنة أساسها تحكم النظام في توزيع ريع عوائد النفط والمساعدات الدولية والإقليمية والأراضي الزراعية على أفراد الشعب دون تحقيق قيمة إنتاج حقيقية. ومع تشريع بعض قوانين الانفتاح الاقتصادي الجزئي والمشروط، ظهرت طبقة من رجال الأعمال والتجار المحدثين اشترك معها أركان النظام في تعظيم مكتسباتهم الاقتصادية والشخصية. وتطورت منظومة الفساد بقيادة النظام بشكل ملحوظ بعد وصول بشار الأسد فنشأت ظاهرة احتكار مقربين منه لقطاعات اقتصادية كاملة في الاتصالات والإنشاءات والخدمات المصرفية. وعلى الرغم من نمو القطاع الخاص في سوريا في العقدين الأخيرين قبل قيام الثورة، إلا أن أثره بقي محدودًا إذ انحصرت معظم نشاطاته في إنتاج السلع الاستهلاكية فيما بقي القطاع العام المتعهد الأكبر في الاقتصاد مع إنفاق حكومي كبير لمجاراة التضخم السكاني.

يعتبر أثر الاقتصاد السياسي على أسباب اندلاع الثورة السورية مثار جدل ضمن الأوساط السياسية السورية، إلا أنه بدون أدنى شك أحد أوجه النظام الذي ثار عليه الشعب السوري. ولقد أدت تطورات الثورة السورية ودخولها طور المقاومة المسلحة إلى تغير السياسة الاقتصادية للنظام ومحاولة تكييفه بما يمول آلة حرب الأسد، فظهرت نشاطات اقتصادية غير شرعية فيما تكبدت معظم القطاعات الاقتصادية الحيوية خسارات فادحة.

تعددت الدراسات والتقارير الصادرة عن مراكز البحوث التي تتناول الاقتصاد السياسي السوري، إلا أنها اختصت في التمحيص عن أحد جوانب الاقتصاد السياسي السوري أو في تحليل حقبة تاريخية من الدولة السورية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت الباحثة، لندا مطر، كتابًا بعنوان “الاقتصاد السياسي للاستثمار في سورية” تناولت فيه المشاكل البنيوية لاقتصاد المحاسيب الذي نشأ في العقد الأول من حكم بشار الأسد[i]. وسبقها ريموند هينبوش بسلسلة من البحوث فحص فيها مزاعم الانفتاح الاقتصادي في سوريا ودور البيروقراطية والأرياف في إدارة الدولة السورية لمواردها الذاتية[ii]. وأما في مرحلة الثورة، فلقد برع جهاد يازجي في تتبع التطورات الاقتصادية السورية من خلال موقعه “التقرير السوري”[iii]، بالإضافة إلى عدد من الأوراق المحورية في تحليل تكيف النظام مع أوضاع الحرب، أهمهما “الهدم من أجل إعادة البناء”[iv] و”اقتصاد الحرب السوري”[v].

وفي المقابل، يُلحظ غياب دراسات مرجعية تحاول ربط وتحليل ظواهر السياسة الاقتصادية والاجتماعية الناشئة أثناء سنوات الحرب. وتبرز أهمية هذه البحوث في قدرتها على استشراف مآل اقتصاد الحرب وأثره على أداء الأسد السياسي والخدمي في المرحلة القادمة. وهذا ما تحاول هذه الدراسة إنجازه من خلال التعرف على ملامح تطور الاقتصاد السياسي السوري في السنوات

السبع الأخيرة. ويعرض هذا البحث التغيرات التي طرأت على البنية الاجتماعية والاقتصادية السورية، كما يحاول تقييم حجم وشكل التدخل الروسي والإيراني فيه، وشرح إدارة النظام لريع الدولة والعقار، وفحص أثر العقوبات الدولية على أداء النظام وما قد يترتب عليها في المرحلة القادمة.

اقتصاد الحرب في سوريا

يصف “مؤشر عام 2018 للحرية الاقتصادية” البيئة الاقتصادية السورية بغياب حكم القانون، وتفشي القتل غير القانوني، واستشراء الخطف والتعذيب، وتعزُّز فشل الحكومة في معالجة آثار العقوبات الدولية، وتعاظُم أضرار البنية التحتية، وتراجع الاستهلاك والإنتاج المحلي، وانخفاض الإنفاق الحكومي، وارتفاع نسب التضخم، وتآكل احتياطي النقد الأجنبي، وتضاعف العجز التجاري، وانخفاض قيمة الليرة السورية، وهبوط القوة الشرائية للعوائل السورية[vi].

وبمقارنة سريعة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي السوري ما قبل عام 2011 واليوم، تُظهر الفروقات الهائلة في مساهمة القطاعات الاقتصادية الحيوية في إجمالي الناتج المحلي حجمَ الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها البلاد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تكشف بيانات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا للأمم المتحدة عن خسائر القطاع الزراعي خلال سنوات الحرب بما يزيد عن 16 مليار دولار بين عامي 2011 و2016، والقطاع السياحي بـ 14 مليار دولار، والقطاع الصناعي بــــ 100 مليار دولار[vii]. فيما يقدر حجم الخسائر على المستوى الاقتصادي الكلي بـ 226 مليار دولار حتى منتصف عام 2017 وفق البنك الدولي[viii].

تبنَّت المنظومة الأمنية للأسد مبدأ التفويض لجماعات مسلحة محلية للتعامل مع المعارضة بعد اشتعال جذوة القتال واندلاع المعارك على عدة جبهات. ولقد شجعت إيران هذا النهج بشكل ملحوظ فأنشأت ما يسمى “قوات الدفاع الوطني” للتغلب على مشكلة نقص الموارد البشرية بعد الخسارات الجسيمة التي تكبدتها قوات النظام في مواجهاتها الأولى مع قوى الثورة. ويلحظ تكرار هذا النمط من “التفويض” في وظائف الدولة الأخرى وعلى رأسها الاقتصاد وأمن الطاقة وأمن الغذاء، فيما تمسكت دمشق بوظائف سيادية محددة أهمها التمثيل الدبلوماسي والسياسة المالية بالإضافة إلى تقديم الحد الأدنى من الخدمات غير الريعية كالتعليم والصحة.

يمكن القول: إن “عقدًا” جديدًا قد نشأ بين نواة النظام وأركان حكمه المحلي؛ حيث تحتكر هذه النواة إدارة علاقات الدولة مع الداعمين الدوليين والإقليمين دون تحديها أو الطعن بشرعيتها فيما يفوض النظام تفاصيل إدارة شؤون البلاد الداخلية لشبكة من أمراء الحرب والتجار والزعامات المحلية الموالية مقابل توفير الغطاء القانوني لأعضائها. وتكتمل الصورة الكلية لهذا الإطار بإدارة فض النزاعات وتوزيع الريع، ففي حين قد ينشب تنافس شرس بين أعضاء هذه الشبكة سواء ضمن قطاعات اقتصادية معينة أو ضمن حدود تعريف الصلاحيات الأمنية والإقطاعية، تحتفظ النواة بدورها المحكم والمرجح وبقدرتها على تحريك جماعة ضد أخرى في حالة النشوز أو الخروج عن حدود المقبول أو المرضي عنه بالإضافة إلى استيعاب الجماعات المسلحة ضمن هياكل أمنية وعسكرية تقودها أجهزة الاستخبارات المركزية.

لقد مكَّن هذا النسق من إدارة الأزمات النظام من تخفيف الأعباء الاقتصادية المترتبة على ارتفاع كلفة الصراع مع قوى الثورة، كما فسح المجال لإيران ولحلفائها المحليين في لبنان والعراق من لعب دور أمني على الصعيد المحلي من خلال ملء الفراغ الناتج عن انسحاب أجهزة الدولة. وبطبيعة الحال، سُمح للاعبين الأمنيين المحليين باستغلال الموارد المحلية وبقبول الدعم الخارجي من أجل تغطية كلف سيطرتهم، فازدهرت ما تسمى بتجارة الحواجز في المناطق المتاخمة لمواقع الثوار حيث يتقاضى القائمون على الحواجز أجورًا ورشاوى مقابل تسهيل مرور البضائع[ix]. كما نشأ نشاط “الترفيق” حيث تتقاضى هذه الجماعات ثمن حماية ومرافقة نقل البضائع التجارية خلال مناطق سيطرتهم[x]، كما نشطت التجارة غير الشرعية والتهريب، وجرائم الخطف وطلب الفديات[xi]، وتفشت ظاهرة “تعفيش” منازل المدنيين عند اقتحام مناطق سيطرة الثوار[xii]. وتقدر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا للأمم المتحدة حجم مساهمة القطاعات الاقتصادية غير الرسمية بسوريا أثناء سنوات الحرب الأخيرة بـ40% من إجمالي الناتج المحلي[xiii].

وأما على صعيد المعارضة، فلا يعبِّر الوضع الحالي عن وجود نظام اقتصادي واضح الملامح فضلًًا عن نشأة ظروف أكثر عدلًا للمدنيين المقيمين في مناطق سيطرتها. وإذ يمكن تفسير عجز المعارضة عن إقامة نظام اقتصاد صحي في المناطق المحاصرة بانعدام سبل الإنتاج وبوقوعها ضحية سياسات العقاب الجماعي الذي مارسه النظام بحقها، فلا يمكن في المقابل تفسير احتكار الكتائب تجارة الأنفاق في ذات المناطق بنفس الأسباب. وكذلك الأمر في المناطق الحدودية في حلب وإدلب؛ حيث فشلت المعارضة في تقديم نموذج اقتصادي بديل وتكررت ظواهر الاستئثار بعوائد عبور البضائع التجارية من المعابر الدولية مع تركيا أو المعابر الداخلية مع مناطق سيطرة النظام أو الإدارة الذاتية شرقي الفرات. أضف إلى ذلك، فشلها في حماية المنشآت الإنتاجية والصناعية الخاصة والعامة على حد سواء، وفشلها في تنظيم بيع وشراء المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالقمح والقطن. وفي نفس السياق، لم تسلم المناطق المحررة من انتشار ظواهر التهريب، أو جرائم الخطف وطلب الفدية، أو الاستحواذ على “غنائم الحرب” أثناء معاركها مع النظام. وإذ لا تستوي المقارنة بين أدائي النظام والمعارضة الاقتصادي لعدم تكافؤ قدراتهما وإمكانياتهما إلا أنه في المقابل يمكن الإشارة إلى غياب طرح سياسة اقتصادية بديلة من قبل المعارضة ولو على مستوى الأفكار أو البرامج السياسية.

خلَقَ اقتصاد الحرب في سوريا طبقة من الأغنياء الجدد معظمهم من الأقليات ومن الفقراء والمعدمين ما قبل الثورة. ولقد وجدوا في الحرب فرصة لتبوؤ مراكز قيادية في مجتمعاتهم المحلية من خلال التصدي لمهمة الحماية من المهدِّدات “الخارجية” مقابل إطلاق أيديهم في التصرف بشؤون المدنيين القابعين تحت سيطرتهم. ويتكرر هذا النسق ضمن المجتمعات الريفية الموالية للنظام بالإضافة إلى المدن الكبرى كدمشق، وحلب، وحمص، وطرطوس، واللاذقية. وترتفع عتبة تحمل الأجهزة الأمنية المركزية لهذه التجاوزات ودرجات الإدارة الذاتية العالية بدرجة الاستفادة المادية من تقاسم عوائد استغلال المجتمعات المحلية على اختلاف انتمائها الديني أو الإثني أو الطائفي. ويجدر بالذكر نشوء مصادر دخل بديلة للعاملين في القطاعات الأمنية المركزية كالرشاوى لأجل تجنب الاعتقال أو التجنيد الإجباري أو لمجرد السؤال عن معتقلي الرأي في السجون.

أدى تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفساد وعجز القانون عن فرض أحكامه إلى ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية والخارجية، فضلًا عن أثر المعارك وسياسات التغير الديمغرافي على زيادة حركة نزوح ولجوء المدنيين إلى دول الجوار. وتعتبر الطبقة الوسطى من أكثر الطبقات تضررًا حيث باتت تعتمد على مدخراتها البسيطة بعد تآكل القطاع الخاص بشكل كبير خصوصًا على مستوى الشركات المتوسطة وصغيرة الحجم. وفي نفس السياق، نقل معظم الصناعيين نشاطاتهم الإنتاجية إلى دول الجوار، فيما حافظ بعض رجال الأعمال على أنشطتهم التجارية ولكن بحذر وبكميات قليلة مع الحفاظ على قدرتهم على رفع الأسعار حسب تبدلات أسعار الصرف وزيادة نسب التضخم ودون الخضوع إلى مراقبة لجان حقوق المستهلكين. ولقد تضاءلت الطبقة الوسطى بشكل كبير في سنوات الحرب؛ حيث وصلت نسبة المواطنين السوريين القابعين تحت مستويات الفقر إلى 82.5%، فيما بلغت معدلات البطالة 50% من مجمل القوى العاملة، وانخفض معدل الدخل الفردي إلى المرتبة 194 عالميًًّا بما يعادل 2900 دولار سنويًًّا[xiv].

التدخل الإيراني والروسي

استثمرت إيران بشكل كبير في حماية الأسد واستعادة سيطرته على أجزاء واسعة من الأراضي السورية بعد أن فقدها في سلسلة معارك طاحنة مع المعارضة. وتهدف طهران من خلال تدخلها في الحرب إلى تأمين جسر بري بين أراضيها ولبنان مرورًا بالعراق وسوريا، وجسر جوي من خلال مطار دمشق الدولي، وآخر بحري جار التفاوض عليه، بالإضافة للحفاظ على نظام حليف في دمشق والحيلولة دون خروجه من محور “الممانعة”. ولقد تركز استثمارها في الجانب العسكري؛ حيث قامت بتمويل وتدريب وتجهيز عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة للقتال إلى جانب قوات النظام، ولكن لم يقتصر تدخلها على ذلك فحسب، بل أسهمت أيضًا في إنقاذ حليفها اقتصاديًّا وماليًّا وأمدته بثلاثة خطوط ائتمانية بقيمة 6 مليارات دولار لتغطية تكاليف حاجاته من مشتقات النفط ومن السلع الأساسية كالطحين والدواء وبعض اللحوم المثلجة[xv]. ولذا، كان من الطبيعي أن تتوقع إيران قيام الحكومة السورية بتنازلات كبيرة لصالح الشركات الإيرانية خصوصًا في قطاعات الطاقة والتجارة والاتصالات مقابل التزامها بضمان بقاء الأسد، ولكن تكشف التقارير الأخيرة تعثر طهران في إلزام دمشق بتعهداتها وعقودها المبرمة خلال السنوات الماضية.

وبالمقارنة مع حجم فاتورة التدخل الإيراني إلى جانب النظام، تبدو كلفة الولوج الروسي في المستنقع السوري أقل بكثير؛ فلقد قدمت موسكو بعض القدرات العسكرية المتقدمة للنظام التي مكنته من صد هجمات المعارضة، بالإضافة لحماية دبلوماسية في مجلس الأمن، ولكنها لم تسهم إسهامًا كبيرًا في تخفيف وطأة الصدمة الاقتصادية للحرب على النظام. ورغم ذلك، كسبت روسيا الكثير لقاء تدخلها في الحرب؛ فبالإضافة لتوسيع وجودها البحري في طرطوس، حظيت بقاعدة جوية في حميميم كما أنها حازت على امتيازات كبرى في العديد من القطاعات الحيوية في الاقتصاد السوري، لاسيما في الطاقة والنقل والزراعة. لقد تمكنت موسكو من الحصول على عدد من الامتيازات والتنازلات الضخمة من دمشق دون اللجوء إلى القوة، في حين اصطدمت طهران بمنظومة الفساد الحكومي والعقبات البيروقراطية والتنافس مع السلع الصينية والروسية والتركية وبممانعة النظام وتسليم الملف الاقتصادي لروسيا. ولذا، تلجأ إيران إلى لغة القوة لإلزام دمشق بالوفاء بتعهداتها في فتح المجال أمام الأموال الإيرانية الخاصة للاستثمار في إعادة البناء، وترى القيادات الإيرانية أن التنازلات التي تطلبها من النظام مشروعة لقاء استنزافها في الدفاع عنه.

وأما على صعيد الاستثمار، فتشمل القطاعات الرئيسية المستهدفة من قبل الروس والإيرانيين الزراعة حيث يتنافس كلا الجانبين على إبرام عقود تجارية لتوفير المواد الأولية والاستثمارات في البنية التحتية. ويجدر بالذكر تربع روسيا على هذا القطاع فأبرمت عقودًا بتزويد السوق المحلية السورية بثلاثة ملايين طن من القمح على مدى العامين المقبلين[xvi]، بالإضافة إلى عدد من عقود إعادة بناء صوامع ومطاحن الحبوب لصالح شركات روسية[xvii]. أما في القطاع السياحي، فتتركز جهود روسيا بتوقيع مذكرات تفاهم حول مشاريع ربحية في ساحل البحر الأبيض المتوسط​[xviii]، في حين تركز إيران على السياحة الدينية وحماية الأضرحة والمزارات الشيعية[xix]. وعلى صعيد القطاع الصناعي، وقَّعت روسيا “خارطة طريق مشتركة للتعاون الصناعي والتجاري” لسنوات 2018-2020 تؤهلها لرسم استراتيجية النظام في قطاع الطاقة والتشييد بما في ذلك إنتاج الأسمنت بالإضافة لاستثمارات مهمة في شركات عامة مثل شركة الأسمدة بحمص والفوسفات وعقد محطة اللاذقية للكهرباء[xx]. وفي المقارنة، وقَّعت إيران عددًا من مذكرات تفاهم لإنشاء مشاريع صناعية في سوريا تتضمن بناء مصنع بطاريات ومصنع أسمنت في حلب وعدد من محطات توليد الكهرباء في محيط حمص وحلب وحماة[xxi]، ولكنها حققت نجاحها الأكبر في قطاع تجارة السيارات حيث صدَّرت 50 ألف وحدة العام الماضي؛ مما يجعل سوريا ثاني أكبر سوق بعد العراق[xxii].

عملت الدولتان على بناء تحالفات مع رجال أعمال محليين في سوريا؛ فأنشأ كل منهما مجالس أعمال مشتركة بهدف إفادة ورفع مكانة شركائهم السوريين. ولقد لقي الروس في هذا الصدد نجاحًا أكبر من نظرائهم الإيرانيين؛ حيث يضم المجلس الاقتصادي السوري الروسي أكثر من 91 عضوًا مقارنةً بأقل من اثني عشر عضوًا في مجلس الأعمال السوري-الإيراني[xxiii]. ويعتمد الروس على علاقاتهم بالأجهزة الأمنية وعلى رأسها مكتب الأمن القومي من أجل التعرف على شركاء تجاريين محتملين بينما يعمل الإيرانيون على المستوى المحلي من خلال بناء شبكات محلية قائمة على انتماءات طائفية وأيديولوجية وقبلية.

قد يبدو للمراقب الخارجي تفوق روسيا على إيران في الاستئثار بعوائد مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، وهذا إلى حد ما صحيح إذا ما تناولنا الجهود المبذولة من قبل الجهات الرسمية أو شبه الرسمية التابعة لكلا الدولتين. ولكن لدى إيران خبرة أوسع في توظيف الشبكات المحلية واستغلال الاقتصاد غير الرسمي في المنطقة من روسيا. ويظهر هذا التفوق في حجم انخراط المنظمات الإنسانية الإيرانية والشيعية كجهاد بناء ومنظمة الإمام المهدي في عدد من المشاريع الخدمية في المجتمعات السورية الموالية لإيران[xxiv]. ويتجلى هذا التفوق أيضًا في شراء العقارات في دمشق وحمص وحلب من خلال وسطاء محليين إذ تواجه معوقات أمنية وبيروقراطية[xxv]، في حين لم يسجل نشاط مماثل في الحجم أو الشكل لدى الروس. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قام عدد من التجار الموالين لطهران بشراء أراض شاسعة في محيط مقام السيدة زينب في جنوب دمشق[xxvi]، وكذلك الأمر في محيط السفارة الإيرانية في حي المزة والمركز الثقافي الإيراني في ساحة المرحة بدمشق[xxvii]. ناهيك عن استخدام أدوات الترهيب والترغيب للاستحواذ على عقارات قيمة في أحياء دمشق القديمة في محيط الجامع الأموي[xxviii]. ومما يزيد من خطورة هذه الأنشطة الإيرانية، بُعدها الطائفي وأثرها المحتمل في التغير الديمغرافي الذي طال التجمعات السنية أثناء سنوات الحرب، وهذا ما سيتناوله القسم التالي من الدراسة.

نسق التغير الديمغرافي

سجَّلت سوريا معدلات نمو سكاني قياسية على المستوى العالمي في نصف القرن الماضي؛ حيث بلغت ذروتها عام 1995 عندما وصلت حد 3.58%. ويرجع سبب ارتفاع معدلات النمو السكاني إلى تحسن أداء القطاع الصحي وتأثيره الإيجابي على خفض معدلات وفيات الولادة والأطفال (من 141 للألف عام 1950 إلى 15 للألف عام 2010[xxix])، وارتفاع متوسط الأعمار (ارتفع 25 عامًا تقريبًا خلال نفس الفترة[xxx])، بالإضافة إلى سياسات الدولة السورية التشجيعية على الإنجاب حيث حافظت الأم السورية على معدل إنجاب أعلى من 7 أطفال حتى مطلع الثمانينات[xxxi].  وفي نفس السياق، يجدر بالذِّكر تأثير تحسن ظروف المعيشة الطفيف والمؤقت في الأرياف في عقدي الستينات والسبعينات بعد إصدار قوانين الإصلاح الزراعي، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق الحكومي ودعم السلع الأساسية وتوظيف القطاع العام ما يقارب 30% من الطاقة البشرية في سوريا. لقد أدى هذا النمو إلى تضاعف عدد سكان سوريا خمسة أضعاف منذ الاستقلال؛ مما شكَّل عبئًا هائلًا على كاهل الاقتصاد السوري الذي فشل بدوره في احتواء هذا الانفجار الديمغرافي هيكليًّا وكميًّا.

رسم 1: معدل النمو السكاني في سوريا ما بين عامي 1955 و2010 [29]

أدى فشل السياسات الاقتصادية التي تبنَّاها حزب البعث تزامنًا مع انخفاض أسعار النفط إلى دخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة في منتصف الثمانينات، تراجع خلالها سعر صرف الليرة السورية إلى عُشر ثمنها، كما انخفض الإنفاق الحكومي وتكرر انقطاع عدد من السلع الحيوية في الأسواق المحلية. شهدت هذه المرحلة ارتفاع معدلات هجرة الأرياف إلى المدن حيث تشير البيانات الحكومية الرسمية إلى أن نسبة سكان المدن إلى الأرياف تقدر بـ 53/47% في عام 2011، وهي نسبة مضلِّلة حيث تصنف الحكومة السورية المدن بالتجمعات المدنية التي يفوق عدد سكانها الـ20 ألف نسمة، فيما يعتمد المعيار العالمي عدد الـ 5 آلاف نسمة حدًّا لتصنيف المدن[xxxii]. وفي نفس السياق، أصبحت بعض المدن السنية مسرحًا لنشوء عشوائيات مكتظة بسمة طائفية أو مناطقية متجانسة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهرت في دمشق أحياء المزة 86 وعش الورور والسومرية بأغلبية علوية، ودويلعة وجرمانا بأغلبية درزية ومسيحية، والحجر الأسود ونهر عيشة بأغلبية سنية من أبناء النازحين من الجولان. ويتكرر نفس المشهد في مدن الساحل كاللاذقية وبانياس وطرطوس، وكذلك المدن المطلة على الطريق الواصل بين العاصمة والساحل كحمص وحماة.

يعزو عدد من الباحثين والخبراء سبب تشكل ظاهرة العشوائيات الأقلوية إلى سياسة النظام في بناء مراكز ثقل بشري لحواضنه المفترضة في مواقع استراتيجية قرب المدن الكبرى ورموز السيادة الوطنية. وعلى الرغم من صعوبة إثبات وجود سياسة ممنهجة وراء هذا التغيير الديمغرافي، إلا أن ممارسات الحكومة السورية تعمدت خلق خرق بين أحياء الأقليات والسنة في المدن. ففي حمص على سبيل المثال، قام المحافظ إياد غزال، في عام 2009، بحملة مصادرة أراض وإخلاء منازل لصالح مشروع “حلم حمص” طالت سكان أحياء وسط المدينة وجنوب غربها السنية، فيما تجنب المساس بأحياء النزهة والزهراء وعكرمة ذات الأغلبية العلوية، أو الأحياء المختلطة كالسبيل والعباسية وحي الأرمن وضاحية الوليد ومساكن الادخار وحي الجامعة وكرم الزيتون وكرم اللوز[xxxiii]. وعند قيام الثورة، تعمد النظام إثارة النعرات الطائفية فقام بحشد مُواليه في الأحياء العلوية لقمع المظاهرات في الأحياء السنية، كما أسهم اغتيال عدد من الشخصيات العامة العلوية في ظروف غامضة في شحن مشاعر الانتقام لدى حواضنهم الاجتماعية فارتكبوا بدورهم عددًا من المجازر في الأحياء المجاورة، كان أشهرها على الإطلاق مجزرة ساحة الساعة التي انقسمت المدينة على إثرها إلى قسم ثائر، سُني، وقسم موال، علوي وشيعي.

وعلاوة على ذلك، سبَّب تغير المناخ الذي ضرب المنطقة في العقد الأول من الألفية الثالثة دمارًًا كبيرًا للقطاع الزراعي الذي يشكِّل نحو 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا؛ مما أدى إلى تهجير قرى بأكملها. ولقد أشار “المعهد الدولي للتنمية المستدامة”، في عام 2009، إلى اندثار حوالي 160 قرية في شمال سوريا ما بين عامي 2007-2008[xxxiv]، فيما قدَّرت الأمم المتحدة في عام 2010 أن أكثر من مليون شخص غادروا شمال شرق البلاد ليستقروا في محط المدن الكبرى كحلب ودمشق[xxxv].

يُعتبر البُعد الديمغرافي محورًا رئيسًا في تطور الأزمة المجتمعية والاقتصادية السورية التي هيأت المناخ السانح لاندلاع الثورة، وذلك لأثره على الحراك السياسي الثوري ولتأثره بسياسات النظام الطائفية. وفي حين رضخ له النظام في بداية الثورة وانتشارها في الأرياف مما أدى إلى تقويض سلطته على الأطراف حتى عادت سيطرته لا تتعدى نسبة 17% من مجمل الأراضي السورية في منتصف عام 2015، إلا أنه استطاع بمساندة حلفائه الإقليميين والدوليين عَكْسَ تأثيره واستخدامه سلاحًا في وجه المعارضة السورية. ويظهر جليًّا هذا النهج في كلمة ألقاها بشار الأسد خلال افتتاح مؤتمر وزارة الخارجية والمغتربين عندما قال: “إن سورية خسرت خلال سنوات الحرب خيرة شبابها، فضلًا عن تضرر بنيتها التحتية، إلا أنها بالمقابل كسبت مجتمعًا صحيًّا متجانسًا”[xxxvi].

يمكن وصف التغيير الديمغرافي الذي أحدثه النظام في ثلاثة أنساق: أولها التصعيد الأمني غير المسبوق في ملاحقة النشطاء وفي إرهاب عوائلهم والتضييق الأمني على المناطق التي شهدت مظاهرات كبيرة. ولقد استخدمت أجهزة الاستخبارات أدوات ترهيب المدنيين من أجل دفعهم لترك منازلهم، ومن هذه الأدوات اعتقال الشباب بشكل عشوائي أثناء المظاهرات وتعذيبهم أو سوقهم لخدمة العَلَم الإلزامية، بالإضافة إلى عرقلة تحرك المدنيين وفرض سياسات العقوبات الجماعية كقطع الكهرباء والماء. ولقد نتج عن هذا النسق لجوء عدد كبير من النشطاء المدنيين في المدن إلى دول الجوار أو إلى نزوحهم للأرياف لما توفره حواضنها الشعبية من حماية، كما نجم عنه نزوح عدد كبير من المدنيين من الأرياف إلى المدن خوفًًا من بطش النظام. وإذ تغيب إحصائيات دقيقة عن عدد النشطاء الذين تركوا ديارهم في هذه الفترة، تقدِّر المفوضية العليا للاجئين للأمم المتحدة عدد النازحين السوريين بنهاية العام 2017 بـ 6.2 ملايين نازح، فيما قدَّرت المفوضية عدد اللاجئين السوريين بـ 5.6 ملايين لاجئ[xxxvii]، ليصبح مجموع عدد الأفراد الذين تركوا ديارهم خلال سنوات الحرب ما يقارب 11.8 مليون مواطن، أي 56% من عدد سكان سوريا قبل اندلاع الثورة.

أما النسق الثاني، فهو أكثر مباشرةً ويعتبر نوعًا من أنواع التهجير القسري المحرم دوليًّا، وهو تعمُّد خلق ظروف عيش مستحيلة للمدنيين من خلال تطبيق سياسات الحصار، وانعدام الأمن، والقتل العشوائي، والمجازر. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ارتكبت قوات النظام والقوات الموالية مجموعة من المجازر بهدف ترهيب السكان ودفعهم لترك مناطقهم. ومن أمثلة تلك المجازر: مجزرة الحولة (25 مايو/أيار 2012)[xxxviii]، ومجزرة داريا (20 أغسطس/آب 2012)[xxxix]، ومجزرة البيضا ورأس النبع (2 مايو/أيار 2013)[xl]، ومجزرة الزارة (6 مارس/آذار 2014)[xli]، وغيرها في دير الزور، وأرياف دمشق وبانياس وحمص. ولقد نتج عن هذا النسق تفريغ عدد كبير من القرى والمدن المناهضة للنظام على أساس طائفي فيما منعت قواته عودة الأهالي لها بعد استقرارها.بالإضافة إلى المجازر، استخدم النظام سلاح الجو والمدفعية لإلحاق أكبر حجم ضرر ممكن بالبنى التحتية للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة ممهدًا للنسق الثالث والأكثر وضوحًا واستدلالًا لتبنيه سياسة تهجير قسري منهجية بحق الحواضن الثائرة، ألا وهو اتفاقيات الإخلاء. ويعرِّف الباحث، أيمن دسوقي، اتفاقيات الإخلاء التي تم التوصل إليها في سوريا بأنها: “عملية تفاوضية ذات بُعد ديمغرافي تجري بين ممثلي النظام والمقاومة المحلية بوساطة أممية، يتمخض عنها استعادة النظام المناطق التي تسيطر عليها فصائل المقاومة علاوة على تهجير من فيها من مدنيين ومقاتلين”[xlii]. ولقد خضعت 125 منطقة للتهجير القسري ما بين عامي 2013 و2016 وفق تقرير أصدره منتدى الشرق[xliii]، يضاف إليها اتفاقات إخلاء كل من حلب في ديسمبر/كانون الأول 2016[xliv]، ووادي بردى في يناير/كانون الثاني 2017[xlv]، والغوطة الشرقية في مارس/آذار 2018[xlvi]، وريف حمص الشمالي في مايو/أيار 2018[xlvii]، انتهاءً بدرعا في يوليو/تموز 2018[xlviii].

وإذ يستعد الأسد لإعلان انتصاره العسكري على المعارضة السورية، تقوم الحكومة السورية منذ مطلع عام 2018 بإعداد البيئة القانونية لاستدامة التغيرات الديمغرافية التي طرأت على البلاد، وذلك من خلال إحداث حزمة من القوانين الجديدة لوضع عراقيل أمام عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، بالإضافة إلى جهود سابقة في إتلاف وتزوير السجلات العقارية[xlix]. سيتناول القسم التالي من الدراسة سياسة النظام العقارية ودورها في النظام الاقتصادي الذي يعد لبنائه لمرحلة إعادة الإعمار.

الأرض والعقار وإعادة الإعمار

تلعب الأرض والعقار دورًا محوريًّا بالغ الأهمية في اقتصاد الدول الريعية، ويتعاظم هذا الدور عند شُحِّ عوائد الثورات الباطنية أو قصورها عن توليد الريع الكافي للتحكم باقتصاد الدولة وتكاليفها. ويتجلى استخدام النظام للأرض كريع رئيس في أربع ديناميكيات ترسم ملامح تدخل الدولة في توزيعها، وهي كالتالي:

  1. قانون الإصلاح الزراعي: كان من أوائل القرارات التي صدرت عن الجمهورية العربية المتحدة بعد تحقيق الوحدة بين سوريا ومصر للقضاء على الإقطاع الذي تحكم بملكية الأراضي السورية طيلة القرون الماضية، وتقلص، بموجب القرار رقم 161 لعام 1958[l]، حجم المِلكيات الفردية بشكل كبير. ولاحقًا، أصدرت حكومة حزب البعث بعد استيلائه على السلطة، عام 1963، قرارًا برقم 88 لعام 1963[li]، وقرارًا برقم 31 لعام 1980[lii]، بإعادة توزيع الأراضي على عدد أكبر من المزارعين، وللاستحواذ على أقسام منها مِلْكًا للدولة لإقامة ما سماه “مزارع الدولة”. ولقد استخدمت الدولة هذه القوانين للتضييق على كُرد الجزيرة، وتوطين عدد من عرب الغمر[liii] في الأراضي المصادرة.
  2. التغاضي عن نشأة العشوائيات: تضاعف عدد العشوائيات في المدن الكبيرة بشكل كبير في منتصف السبعينات وتوسعت في العقود اللاحقة بمعرفة النظام ودون تدخله للحؤول دون نشأتها. وفي حين سُمح لسكان العشوائيات ببناء منازلهم والعيش فيها دون معوقات كبرى، لم تتخذ الحكومة السورية أي إجراء قانوني لتسوية أوضاع هذه الملكيات وذلك بغية ابتزاز أصحابها بالطرد أو الهدم مقابل استمرار ولائهم للنظام. وتشير بيانات حكومية رسمية نشرها موقع “التقرير السوري” إلى أن نسبة المواطنين السوريين القاطنين في المناطق العشوائية قد بلغت نسبة 40% من إجمال سكان سوريا في عام 2004[liv].
  3. الحفاظ على غلاء الأسعار: تعتبر أسعار العقار في المدن السورية من أعلى المعدلات في المنطقة حيث بلغ سعر المتر المربع في حي المالكي في دمشق في عام 2010 عشرة آلاف دولار[lv] مما جعلها ثامن أغلى مدينة في العالم في أسعار العقارات[lvi]. وفي نفس السياق، سجَّلت سوق العقار في سوريا ارتفاعًا بقدر 20% و30% في عامي 2003 و2004 على التوالي فيما ارتفع 40% في عام 2009[lvii]. ويعبِّر ارتفاع هذه الأسعار دون تدخل الدولة في ترشيدها مؤشرًا على مكافأة الطبقة الغنية المالكة للعقار فيما يضطر الفقراء للجوء إلى أحياء العشوائيات. وعلى الرغم من انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وضعف قدرتها الشرائية، إضافةً إلى ركود سوق العقار أثناء الحرب، إلا أن الثمن الحقيقي للمنازل في دمشق حافظ إلى حد بعيد على نفس معدلات عام 2011، وبنفس نسبة وتناسب تذبذبات سعر صرف الليرة دون حدوث انهيار كبير في أسعارها[lviii].
  4. البيئة القانونية: عززت البيئة القانونية لملكية العقار وحق الدولة في الاستحواذ عليها تحكم النظام في استخدامها كريع ممكن منحه ونزعه من المستفيد كيفما شاءت ومتى أرادت. وفي المقابل، تراجعت قدرة الأفراد على تحدي قرارات الدولة في ظل تمركز السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية بيد النظام. ومن القوانين التي تبيح للدولة وضع يدها على الممتلكات العامة والخاصة قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1974[lix]، وقانونا 179 لعام 1945 و19 لعام 2012 التي تعطي الدولة حقَّ مصادرة أملاك “الخونة” و”المتورطين بأعمال الإرهاب”[lx]، يضاف إليها قانون رقم 41 لعام 2004 ونسخته الحديثة: القانون رقم 43 لعام 2011 اللذان قيَّدا نقل الملكية في المناطق الحدودية واللذان تأثَّرَتْ بهما محافظتي الحسكة ودرعا بشكل كبير[lxi].

ازدادت أهمية التحكم بالعقار بنظر النظام بشكل مطَّرد في آخر سنتين وذلك بسبب تراجع عوائد القطاع العام (المتعثر أصلًا)، ووقوع حقول النفط والغاز شرقي حوض الفرات بيد الإدارة الذاتية، إضافةً لتحكم روسيا بالدرجة الأولى -وإيران بدرجة ثانوية- بعوائد التنقيب واستخراج الثورات المعدنية في باقي البلاد لعقود قادمة. ويكتسب العقار بُعدًا اجتماعيًّا مهمًّا يعزز من إحكام سيطرة النظام على المواطنين السوريين؛ إذ أصبحت منازلهم وأراضيهم المحْفَظَة “الأكثر أمنًا” للحفاظ على ما تبقى من ثروتهم في ظل تبخر مدخراتهم وتعثر القطاع الخاص وعلى وجه الخصوص الشركات الصغيرة.

وبناءً عليه، أصدرت الحكومة السورية حزمة من القوانين الجديدة لتسهيل إدارة ملف العقار، ونخص بالذكر قانون رقم 5 لعام 2016 حول التشاركية بين القطاعين العام والخاص[lxii]، وقانون رقم 10 لعام 2018 القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية[lxiii]. وفي حين لا يحدد القانون الملكية الجديد (رقم 10) أي معايير واضحة لتصنيف المناطق المستهدفة، إلا أن ذلك لم يمنع النظام من تقديمه كإطار قانوني لإعادة الإعمار والتعافي المبكر في المدن والأحياء المتأثرة بالحرب. ويكتمل هذا الإطار بقانون التشاركية الذي يتيح للوحدات الإدارية إنشاء شركات خاصة برأس مال مشترك مع رؤوس أموال خاصة لإدارة قطاعها العقاري، وهذا ما أحدثته محافظة دمشق عندما أنشأت شركة دمشق الشام القابضة لإدارة تنظيمي ماروتا وباسيليا في منطقتي مزة بساتين وجنوب المتحلق الجنوبي.

ويأتي التخوف من القانونين بعدة جوانب: الأول: الإجراء القانوني لإثبات الملكيات في المناطق التنظيمية المستحدثة حيث يضع مهلة 30 يومًا لتقديم الثبوتيات المطلوبة علمًا بأن 50% فقط من الأراضي كانت مسجلة رسميًّا حتى قبل الحرب[lxiv]. والثاني: تذليل الصعوبات أمام رأس المال الخاص بحيازة الأملاك العامة[lxv]. والثالث: دفع الوحدات الإدارية إلى بيع أملاكها العامة بحثًا عن السيولة في ظل تراجع مواردها المحلية. وتعزز هذه المخاوف الشكوك حول نوايا النظام من إحداث هذه القوانين حيث ينظر إليها كأدوات لمكافأة رجال الأعمال الموالين لدعمهم خلال سنوات الحرب.

تكشف التجارب السابقة للبلدان النامية في مرحلة ما بعد الحروب أن التنمية العقارية والإسكان تمتص معظم أموال إعادة الإعمار، ومن غير المرجح أن تشكِّل سوريا استثناءً للقاعدة. ويمكن دراسة نهج الحكومة السورية في إدارة مشروع مدينة ماروتا للخروج بعدد من الملاحظات الأولية:

  1. يتمتع رجال الأعمال الذين لهم علاقات بالأسواق الأجنبية بأولوية على غيرهم في الاستثمار بالمشروع، وهذه إشارة على تشجيع رؤوس الأموال الأجنبية على الاستثمار من خلالهم. ونخص بالذكر رجل الأعمال، مازن الترزي، العامل في الكويت[lxvi]، وسامر الفوز صاحب العلاقات المميزة مع إيران[lxvii].
  2. توجد مؤشرات مبكرة على نشأة أنماط مضاربة في سوق العقارات حيث تشير بعض التقارير إلى أن بعض الشقق قد تم بيعها ثلاث مرات وهي ما زالت قيد الإنشاء[lxviii]، قد تؤدي هذه الأنماط إلى حدوث فقاعة إذا ما استمر المضاربون في تداول الأصول.
  3. لم يتم موازاة هذه المشاريع بأي استثمارات مماثلة في إقامة مشاريع إنتاج مواد بناء أولية لمجاراة الطلب المحتمل عليها، مما ينذر بارتفاع معدلات التضخم على المستوى الوطني مع زيادة الطلب على استيرادها من الخارج.

أدانت واستنكرت حكومات الدول المضيفة للاجئين ومنظمات حقوق الإنسان القانون رقم 10 واعتبرته إجراءً تمييزيًّا تجاه قطاع واسع من النازحين واللاجئين من المناطق التي خضعت سابقًا لسيطرة المعارضة. وعلى الرغم من ذلك، لا يشكل القانون إلا حيثية من الإطار القانوني الذي وضعه النظام لشرعنة عمليات هدم واسعة النطاق وسط عمليات إخلاء واستيلاء على ممتلكات المدنيين. كما أن تحكم النظام بالعقار قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية وظهور طبقة تجار مضاربين يبحثون عن جني الأرباح بشكل سريع دون تحقيق فائض إنتاج حقيقي مما ينذر بخلق مشاكل تنموية واقتصادية مستدامة. يوضح القسم التالي كيف يعتزم النظام التعامل مع المجتمع الدولي والعائدين من اللاجئين في السنوات القادمة.

مراعج:

[i] L. Matar, The Political Economy of Investment in Syria, Springer, 2016.

[ii] R. A. a. o. Hinnebusch, Peasant and bureaucracy in Ba’thist Syria: the political economy of rural development, Westview Press, 1989 & R. A. Hinnebusch, “The political economy of economic liberalization in Syria,” International Journal of Middle East Studies, Volume 27, Number 3, pp. 305–320, 1995.

[iii] http://syria-report.com

[iv] J. Yazigi, “Destruct to Reconstruct – How the Syrian Regime Capitalizes on Property Destruction and Land Legislation,” Friedrich-Ebert-Stiftung, Beirut, 2017.

[v] J. Yazigi, Syria’s War Economy, European Council on Foreign Relations (ECFR), 2014.

[vi] “Economic Freedom Index 2018 – Syria,” Heritage.org, 2018.

[vii] “Syria at war: Five years on,” UN ESCWA, Beirut, 2016.

[viii] “The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria,” The World Bank, 2017.

[ix] سلام السعدي، “حواجز المليون في سورية”، العربي الجديد، 13 أبريل/نيسان 2015: https://bit.ly/2pMJEhD.

[x] “ماذا تعرف عن الترفيق؟”، عنب بلدي، 12 مارس/آذار 2017: https://www.enabbaladi.net/archives/136451.

[xi] “الخطف يتكرر في سوريا.. والنظام أول المسؤولين”،  أخبار الآن، 9 يوليو/تموز 2014: https://www.akhbaralaan.net/news/arab-world/2014/7/29/kidnapping-repeated-syria-regime-first-officials.

[xii] “”التعفيش” سوريا ظاهرة مؤقتة أم ثقافة نظام،” جريدة العرب، 31 مايو/أيار 2018: https://bit.ly/2PqfHz8.

[xiii] “The Toll of War” The World Bank.

[xiv] The World Factbook,” Central Intelligence Agency. https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/sy.html.

[xv] E. S. a. N. Bozorgmehr, “Iran faces uphill battle to profit from its role in Syria war,” Financial Times, 14 February 2018. https://www.ft.com/content/f5129c30-0d7f-11e8-8eb7-42f857ea9f09.

[xvi] م. كيالي، “كيف تحتكر روسيا توريد القمح إلى سوريا؟”، المدن، 24 يوليو/تموز 2018:

https://bit.ly/2Kcm5qh.

[xvii] “بالتعاون مع روسيا.. قريبًا مطحنة تلكلخ تقدم 600 طن دقيق يوميًا”، شمرا، 19 مارس/آذار 2018:

https://bit.ly/2QBc0Xl.

[xviii] “دليل الشركات: الشركة الروسية العربية للسياحة والخدمات السياحية”، الاقتصادي، 28 يناير/كانون الثاني 2018:

 https://bit.ly/2zZs0gr.

[xix] “اتفاق سوري إيراني لتنشيط السياحة الدينية”، سبوتنيك، 11 أغسطس/آب 2015.

[xx] “إزفيستيا الروسية: معرض دمشق الدولي سيشكل مرحلة جديدة في التعاون الاقتصادي بين روسيا وسورية”، وكالة الأنباء السورية، 22 أغسطس/آب 2018: http://sananews.sy/?p=23770.

[xxi] “مشاريع صناعية بالجملة مع الشركات الإيرانية”، جريدة الثورة، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2017: http://thawra.sy/_archive.asp?FileName=94533213820171018214528.

[xxii] “أداء موتوز تستحوذ على حصة في شركة سيامكو للسيارات،” الاقتصادي، 19 يوليو/تموز 2018: https://bit.ly/2yr0QNI.

[xxiii] “مجلس رجال الأعمال الروسي السوري،” الاقتصادي. https://bit.ly/2CxHVoL. [تاريخ الدخول 8 أكتوبر/تشرين الأول 2018]. و”مجلس الأعمال الإيراني السوري،” الاقتصادي. https://bit.ly/2y8Qr9X. [تاريخ الدخول 8 أكتوبر/تشرين الأول 2018].

[xxiv] “شاهد.. منظمة جهاد البناء الايرانية تعمل علی إعادة إعمار حلب”، قناة العالم، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2017: https://bit.ly/2RGDzA6.و م. ح.-. ح. ا. و. المصطفى، “مؤسسات النفوذ الإيراني في سورية والأساليب المتبعة في التشييع،” تليفزيون سوريا، 1 مايو/أيار 2018: https://bit.ly/2NNXc6E.

[xxv] “نشاط إيراني في سوق العقارات السورية.. وتحذير من مشروع «استيطاني»”، جريدة الشرق الأوسط، 26 مارس/آذار 2016: https://bit.ly/2zY9AfW

[xxvi] “Silent Sectarian Cleansing: The Iranian Role in Mass Demolitions and Population Transfers in Syria,” Naame Shaam, 2015.

[xxvii] J. Yazigi, “Destruct to Reconstruct”, 2017.

[xxviii] “تعتيم رسمي إزاء حرائق أسواق دمشق… ومعارضون يتحدثون عن «أصابع إيرانية»”، جريدة الشرق الأوسط، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017: https://bit.ly/2yomd25.

[xxix] “توقعات نمو سكان العالم 2017،” الأمم المتحدة – فرع السكان، 2017: https://population.un.org/wpp/.

[xxx] نفس المصدر.

[xxxi] نفس المصدر.

[xxxii] J. Yazigi, “Destruct to Reconstruct”

[xxxiii] عبد الرحمن عبارة وعبيدة فارس، “ما هي حقيقة المخطط الهادف إلى التغيير الديموغرافي في حمص؟”، رصيف 22، 18 يونيو/حزيران 2016: https://bit.ly/2RK98sO.

[xxxiv] O. B. a. A. Crawford, “Rising Temperatures, Rising Tensions Climate change and the risk of violent conflict in the Middle East,” International Institute for Sustainable Development, Canada, 2009.

[xxxv] a. Khafaji, “De-Urbanising the Syrian Revolt,” Arab Reform Initiative, 2016.

[xxxvi] “عناوين خطاب الأسد!”، روسيا اليوم، 20 أغسطس/آب 2017: https://goo.gl/VgKntT.

[xxxvii] “Operational Portal, Refugee Situation،” UNHCR. https://data2.unhcr.org/en/situations/syria.

[xxxviii] “تفاصيل مروعة في مذبحة الحولة بسوريا”، الجزيرة، 31 مايو/أيار 2012: https://bit.ly/2PgqknP.

[xxxix] “أكثر من 300 قتيل بمجزرة داريا”، الجزيرة، 27 أغسطس/آب 2012: https://bit.ly/2QBEvEt.

[xl] “تفاصيل مروعة عن مجزرة البيضا بسوريا”، الجزيرة، 23 فبراير/شباط 2014: https://bit.ly/2QFTayD.

[xli] “مجزرة الزارة مائة وخمسين شهيدًا على يد عصابات حالش والأسد”، مركز الشرق العربي، 12 مارس/آذار 2014: https://bit.ly/2OR9rDD.

[xlii] Sinan Hatahet and Ayman Dassouqui, “Forced Demographic Changes in Syria,” 26 September 2017. http://www.sharqforum.org/2017/09/26/forced-demographic-changes-in-syria.

[xliii] نفس المصدر.

[xliv] “قرار دولي بمراقبة إخلاء حلب والمعارضة تشكك”، الجزيرة، 19 ديسمبر/كانون الأول 2016: https://bit.ly/2PlWJJW.

[xlv] “بدء إجلاء مقاتلي وادي بردى بعد سيطرة النظام”، الجزيرة، 30 يناير/كانون الثاني 2017: https://bit.ly/2C3TWkT.

[xlvi] س. الخالدي، “مصادر: معارضون سوريون يوافقون على إخلاء مدينة في الغوطة”، رويترز، 21 مارس/آذار 2018: https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN1GX031.

[xlvii] “مغادرة آخر حافلات المسلحين ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي”، روسيا اليوم، 16 مايو/أيار 2018: https://bit.ly/2zYxB6x.

[xlviii] “انطلاق الدفعة الأولى من مسلحي درعا إلى إدلب”، روسيا اليوم، 15 يوليو/تموز 2018: https://bit.ly/2y639q4.

[xlix] ع. يوسف، “أكثر من 31 ألف حالة احتيـال عقـاري في دمشق وفقدان 1000 سند ملكية في داريا”، الاقتصاد اليوم، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2017: https://bit.ly/2E6cW4Q.

[l] “قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958″، مجلس الشعب: http://parliament.gov.sy/laws/Law/1958/structure_12.htmقانون الإصلاح الزراعي.

[li] “”المرسوم 1109 لعام 1963 اللائحة التنفيذية لقانون الإصلاح الزراعي 161 لعام 1958″، مجلس الشعب، 22 سبتمبر/أيلول 1963: http://www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=201&nid=9434&ref=tree&.

[lii] “المرسوم التشريعي 31 لعام 1980 قانون الملكية الزراعية”، مجلس الشعب، 14 مايو/أيار 1980. http://www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5572&cat=16284.

[liii] قبائل عربية تم إخلاؤها من قراها التي غمرتها مياه سد الفرات.

[liv] T. S. Report, “Corporate Syria: Real Estate 2009,” http://syria-report.com/library/reports-surveys/corporate-syria-real-estate-2009.

[lv] سمير سعيفان، “الآثار الاقتصادية للفورة العقارية في سورية”، جمعية العلوم الاقتصادية السورية، رقم 16، 2011.

[lvi] أحمد كامل، “دمشق ثامن أغلى مدينة في العالم في أسعار العقارات”، بي بي سي، 1 مايو/أيار 2010: http://www.bbc.com/arabic/business/2010/05/100501_syrianrealestate_tc2.shtml.

[lvii] سعيفان، “الآثار الاقتصادية للفورة العقارية في سورية”.

[lviii] علاء. الدين دياب، “عقارات دمشق.. الشقة بمليار ليرة والغلاء وصل العشوائيات”، صوت ألترا، 1 أغسطس/آب 2017: https://bit.ly/2C4MHZN.

[lix] “القانون 20 لعام 1974: قانون الاستملاك”، مجلس الشعب، 20 أبريل/نيسان 1974: http://www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=201&nid=16600&ref=tree&.

[lx] “القانون رقم 19 لعام 2012: الخاص بمكافحة الإرهاب”، مجلس الشعب، 28 يونيو/حزيران 2012: http://parliament.gov.sy/laws/Law/k_19_2012.htm. & ” قانون حماية الاستقلال رقم 179 لعام 1945،” مجلس الشعب، 26 مايو/أيار 1945: http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5576&cat=16444&.

[lxi] “Law No. 41 of 2004: Determination of Border Areas,” Syria Report, 18 October 2004. http://www.syria-report.com/land-ownership-and-registration-border-areas. & المرسوم التشريعي رقم 43 للعام 2011 القاضي بتعديل مواد من القانون رقم 41 للعام 2004 والمتعلق بأراضي المناطق الحدودية”، منتدى محامي سوريا، 24 مارس/آذار 2011: http://www.damascusbar.org/AlMuntada/showthread.php?t=17288.

[lxii] “القانون رقم /5/ لعام 2016 حول التشاركية بين القطاعين العام والخاص”، مجلس رئاسة الوزراء، 29 ديسمبر/كانون الأول 2015: https://bit.ly/2A0h4iR.

[lxiii] “القانون رقم /10/ لعام 2018 القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012″، مجلس رئاسة الوزراء، 2 أبريل/نيسان 2018: https://bit.ly/2qIRGci.

[lxiv] “قانون الملكية الجديد في سوريا”، Human Rights Watch, 29 مايو/أيار 2018:

https://bit.ly/2y8DxJ6

[lxv] “Why is the Syrian Government Rushing to Impose New Business Laws?” Syria Report, 11 January 2016. http://www.syria-report.com/news/economy/why-syrian-government-rushing-impose-new-business-laws.

[lxvi] ا. محمد، “من هو “مازن الترزي” الذي يستعد لاستثمار أكبر مول في دمشق؟”، الفيحاء، 2 يناير/كانون الثاني 2018: https://bit.ly/2A0nhuN.

[lxvii] م. ج. الدين، “سامر الفوز حوت الأعمال الأضخم لنظام بشار الأسد”، ميدان، 21 يوليو/تموز 2018: https://bit.ly/2pJeozT.

[lxviii] مقابلة أجراها الباحث مع مكاتب عقارية تعمل في دمشق.