ملخص
تسعى هذه الدراسة إلى البحث فيما إذا كانت الصورة التي تعمل الصين على تركيبها بوصفها هوية لسلوكها في الشرق الأوسط هي فعلًا ما يحدد خصائص العلاقات الصينية-العربية، لاسيما الشرق أوسطية. بمعنى آخر، هل تتفاعل الدول الواقعة في الشرق الأوسط مع الصين، وفقًا لتعريف الصين لنفسها، أم أن خصائص تفاعل دول الشرق الأوسط مع الصين (تعاونًا وتنافسًا وصراعًا) هي التي أسست اتفاقًا بين دول المنطقة على النظرة تجاه الصين أو ما يُعرف بتوافق الذوات أو البينذاتية (Intersubjectivity )** ، أي إن هوية الفعل الصيني في المنطقة يجب البحث عنها بوصفها محصلة للتفاعل بين كيف تُعرِّف الصين نفسها، وكيف تتلقى وتعترف دول المنطقة بهذا الفعل؟
اشتباكًا مع الأسئلة المطروحة، تم الاعتماد على فرضيات وطروحات النظرية البنائية، خاصة في صيغتها عند “ألكسندر وينت”، أولًا، لمحاولة استجماع عناصر الصورة المرغوب ترويجها لدى الآخر من خلال استدعاء أربع سرديات رئيسة متداولة بشكل مكثف في الخطاب الرسمي الصيني، وهي: سردية متصلة بطبيعة النظام الدولي، وسردية التميز المعياري والقيمي، وسردية الفاعلية والنجاعة الأدائية، وسردية تميز النموذج السياسي. وثانيًا: بهدف استجلاء أشكال الاعتراف بهذه السرديات على المستوى العربي وأنماطه.
انتهت هذه الورقة بعد مقاربتها السرديات الرئيسة في الخطاب الرسمي الصيني وسقف الاستجابة والتفاعل معها عربيًّا من منظور النظرية البنائية في العلاقات الدولية، وخاصة بالاشتغال على مفهومي الهوية والاعتراف، إلى أنَّ سهم الاعتراف بالأدوار الصينية في المنطقة يتجه من الاعتراف إلى المزيد من الاعتراف، لمؤشرين هيكليين وهما: أولًا: انتقال الاستجابة العربية للمثيرات الصينية من إعادة صياغة السرديات إلى إعادة إنتاجها كما هي. وثانيًا: اتساع رقعة الاعتراف من دوائرها الرسمية إلى الفضاء المجتمعي الرحب.
الكلمات المفتاحية: الذاتية، البينذاتية، الفعل الإقليمي، الهوية، البنائية، الاعتراف، السرديات، الصين، الشرق الأوسط.
Abstract
This study delves into whether the image that China is constructing to define its behaviour in the Middle East genuinely reflects the nature of Sino-Arab relations, particularly in this region. In other words, do Middle Eastern states engage with China based on the identity that Beijing seeks to present? Or do the dynamics of interaction—whether cooperation, competition or conflict—stem from an intersubjectively constructed identity? If so, China’s actions in the region should not merely be seen as an extension of its self-definition but rather as the product of an interaction between how China perceives itself and how the countries of the region interpret and integrate this posture.
To address these questions, the study draws on the hypotheses and propositions of constructivist theory, particularly as articulated by American political scientist Alexander Wendt. The analysis unfolds in two key stages. First, it seeks to identify the core elements of the image that China aims to present by examining four dominant narratives that permeate its official discourse: the narrative of the international order’s nature, the narrative of normative and value-based distinction, the narrative of effectiveness and performance, and the narrative of political model differentiation. Second, it explores how these narratives are acknowledged, interpreted and internalised within the Arab world, shedding light on the patterns of recognition and reception at the regional level.
After analysing the dominant narratives in official Chinese discourse and the Arab response through the lens of constructivist theory—particularly the concepts of identity and recognition—this study finds that the recognition of China’s role in the region is following an upward trajectory. This growing acknowledgment is driven by two structural indicators. First, the evolution of the Arab response, shifting from merely reformulating Chinese narratives to fully adopting and reproducing them. Second, the expansion of the scope of recognition from its official circles to the broader societal space.
Keywords: subjectivity, intersubjectivity, regional action, identity, constructivism, recognition, narratives, China, Middle East.
مقدمة
عملت الصين خلال السنوات الأخيرة على اعتماد وثائق إستراتيجية على قدر كبير من الأهمية بوصفها محددات لسلوكها الخارجي، وتعكس هذه الوثائق المرجعية، الصورة الذهنية التي تسعى الصين إلى تشكيلها وبنائها لدى المتلقي، دولًا ومجتمعات وأفرادًا. تتضمن هذه الوثائق رؤى الصين وسردياتها، كقوة عالمية، إلى القضايا الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية سواء على مستوى جوارها الجغرافي، وكذلك على مستوى نطاقات إقليمية أخرى، كالشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وإفريقيا جنوب الصحراء.
تهدف هذه الورقة إلى البحث في هذه السرديات الرئيسة وكيفية الاعتراف بها عربيًّا، وتبيان أنماط هذا الاعتراف وكيفيات تحققه، لأسباب وبواعث تتمثل، أولًا، في هيمنة بُعدين على الأدبيات المتعلقة بدراسة علاقة الصين بالشرق الأوسط، وهما:
- تحليل علاقة الصين بدول الشرق الأوسط من منطلق المصلحة، والمصالح المادية بشكل خاص؛ حيث ظلَّت هذه الدراسات أسيرة البحث في الحضور الصيني في المنطقة من خلال مشاريع مبادرة الحزام والطريق، والاحتياجات الطاقية للصين في الشرق الأوسط، وكذلك العلاقات التجارية والتعاون الأمني والعسكري.
- اقتصار جُلِّ الدراسات على البحث في هذه العلاقة من خلال رؤية الصين للمنطقة، أي الإستراتيجيات الصينية الموجهة لمنطقة الشرق الأوسط، ولم تُولِ هذه الدراسات العناية اللازمة لاستجلاء رؤية دول الشرق الأوسط للصين وتمثلاتها حولها.
ويعود الدافع الثاني إلى أن الصين كانت -ولا تزال- موضوع حملة تشويه وتبخيس ممنهجة من طرف الغرب؛ حيث حاول هذا الأخير في إطار التنافس والصراع رسم صورة ذهنية سلبية ومشوهة لدى المتلقي عن الصين، تارة باعتبار نموذجها السياسي والأيديولوجي شموليًّا ومناقضًا للديمقراطية وحقوق الإنسان، وجَعْل نموذجها الاقتصادي مرادفًا للفساد وضعف الفاعلية وتدني مستوى جودة السلع والخدمات، وتارة أخرى باعتبار الصين مصدرًا لانتشار الأوبئة الصحية (الخطاب الغربي المرافق لانتشار كوفيد 19) وتلويث البيئة… لذلك عملت الصين على إرفاق قوتها المادية بسرديات مفسِّرة لها، لغرض إسناد معاني معينة للمعطيات المادية لقوتها، وتصحيح الصورة المشكَّلة عنها.
وتعبئ الصين -حسب بعض التقديرات- ميزانية سنوية قدرها 10 مليارات دولار للدعاية الخارجية، في الوقت الذي لم تتجاوز الميزانية الموجهة للدبلوماسية العامة للولايات المتحدة الأميركية بموجب ميزانية 2014 مثلًا ما معدله 666 مليون دولار(1). ويشرف على هذه الدعاية(2) المكتب الإعلامي لمجلس الدولة (SCIO)، وهي التسمية الخارجية لجهاز الإدارة المركزية للدعاية في الحزب الشيوعي الصيني. وفي ذات الإطار، صرَّح الرئيس الصيني، شي جين بينغ Xi Jinping، سنة 2014، بأنه “يجب علينا زيادة القوة الناعمة للصين، وتقديم سردية صينية جيدة، وإيصال رسائل الصين بشكل واضح”(3).
سيتم الأخذ بطروحات النظرية البنائية لفهم الفعل الصيني في الشرق الأوسط، والتوقف عند الهوية المشكلة، خاصة بعد تكثيف الصين لحضورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني في المنطقة بعد سنة 2011. لأنه حسب تلك النظرية، فإن لعنصر “الهوية” أسبقية وجودية على عنصر “المصالح”. وتعود أهمية هذا الإطار النظري إلى أنه الطرح الأكفأ لصياغة فهوم حول كيفيات إسناد المعاني إلى المعطيات المادية، وحول كيفيات تشكُّل الخطاب والسرديات والاعتراف بها في العلاقات الدولية، لأن التوجهات النظرية للبنائية تعد الجسر الذي مَرَّ عبره “المنعطف السردي” في العلوم الاجتماعية إلى حقل العلاقات الدولية.
وعليه، ستحاول هذه الدراسة الكشف عن أهم عناصر الصورة التي تسعى الصين إلى تشكيلها عن نفسها من خلال سردياتها حول الذات، إلى جانب البحث في كيفيات اعتراف الدول العربية، لاسيما الشرق أوسطية منها، بهذه الصورة، وذلك في إطار ما يطلق عليه بتشابك السرديات Internarrativity. مع استحضار التركة الموروثة عن ديناميات الحرب البادرة والخيارات الأيديولوجية للصين، والتي جعلت الطرف العربي، وخاصة الخليجي، منحازًا وفي بعض الأحيان أسيرًا للسرديات الغربية؛ مما أفضى إلى صبغ العلاقات الصينية-العربية بنوع من الشك والحذر والتحفظ(4). وهذا ما يبرر عدم شروع الطرفين في تدابير بناء الثقة إلا مع نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي.
للخوض في مستوى وحدود وأنماط الاعتراف العربي بالسرديات الصينية، سيتم الانطلاق من الفرضيات التالية:
- أن تزايد الحضور الصيني في منطقة الشرق الأوسط دون استخدام أدوات الإكراه العسكري وخطاب التهديد قد ينم عن وجود أرضيات استقبال الفعل الصيني، أي إن التفاعل بين الفعل الصيني والاستجابة العربية يُرجَّح أن يغلب عليه منطق الرضا أكثر من منطق القسر.
- يُحتمل ألا يترتب على تزايد الحضور المادي للصين بالضرورة اتساع مماثل في نطاق التأثير والفاعلية؛ إذ يفترض وجود مسافة فاصلة بين الاعتراف بالوجود وبين القبول والاعتراف بالأدوار.
- يرجح أن يكون تفاوت رؤى الدول العربية إلى الصين تفاوتًا في الدرجة وليس في الطبيعة.
- قد يفضي الاقتصار على المظاهر والأشكال المادية لخريطة امتداد الفعل الصيني على المستوى العربي إلى فهم ناقص للفعل الصيني في المنطقة، ويفترض أن البحث في المعاني المسندة من طرف الفاعلين لهذا الحضور المادي، من خلال الخطاب والمعاني والهوية وبناء السرديات أكثر اقتدارًا وكفاءة لفهم الفعل الصيني وأثره.
ولمحاولة الإجابة عن السؤال المطروح واختبار الفرضيات المصوغة والتحقق منها، سيتم الاعتماد أساسًا على مضامين وثيقة السياسة الصينية تجاه المنطقة العربية (2016)، والورقة المفاهيمية لمبادرة الأمن العالمي (2023)، ومبادرة الحضارة العالمية (2023)، ومبادرة التنمية العالمية (2021)، والكتاب الأبيض بخصوص الدفاع الوطني الصيني في عصر جديد (2019)، ووثيقة التنمية السلمية (2011)، بالإضافة إلى الأوراق الصادرة عن المؤتمرين 19 و20 للحزب الشيوعي الصيني على التوالي سنتي 2017 و2022، كما سيتم رصد تحولات الموقف الصيني من النزاعات في المنطقة العربية، خاصة من خلال وثائق منتدى التعاون الصيني-العربي من جهة، والخليجي-الصيني من جهة أخرى، وآلية المبعوثين الخاصين للصين المعنيين بالشرق الأوسط وبسوريا… إلى جانب وثائق الشراكات الإستراتيجية مع عدد من الدول في الشرق الأوسط، وبلاغاتها بخصوص المبادرات الصينية في المنطقة.
أولًا: في أولوية فهم تشكُّل الهوية على تفسير وقياس المصالح
يعد مفهوم الهوية مفهومًا مركزيًّا في طروحات النظرية البنائية في العلاقات الدولية؛ حيث عملت البنائية في تأسيس فرضياتها على إشكالية علاقة الفاعل Agentبالبنية Structure، وبعلاقة المعطيات المادية (بنية النظام الدولي والنظام الإقليمي والمقدَّرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية…) بالمعطيات غير المادية (الخطاب والأفكار واللغة والهوية والمعاني…). وتبعًا لذلك، يمكن الزعم بأن الطرح البنائي قد يشكِّل مدخلًا لفهم كيفيات تشكل هويات الدول، وبالتالي مصالحها وسلوكها، لاسيما أن التوجهات النظرية للبنائية تعزز حضورها لفهم العلاقات الدولية منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، وبدأت تنال اعتراف خصومها من الواقعيين والليبراليين على حدٍّ سواء. فقد أدرجها مثلًا جون ميرشايمر John Mearsheimer، أحد رواد الواقعية الهجومية، ضمن ما أطلق عليه “النظريات الموثوقة”(5).
لا تنصرف الهوية في هذا السياق إلى البُعد التاريخي والثقافي للأفراد والمجتمعات بل إلى هوية الدولة، بوصفها مجموع الخصائص والسمات التي تميز الدول بعضها عن بعض، والتي تعبِّر بها الدولة عن نفسها وعن وجودها ككيان متميز وتسعى عبرها إلى نيل الاعتراف من قبل الآخرين بوصفها وحدة سياسية تتسم بتلك الخصائص المرغوبة.
وقد عرَّفها على نحو أدق ألكسندر وينت Alexander Wendt بكونها “فهم الذات وفهم توقعات محددة للأدوار حول الذات”. بمعنى أنها فهم للذات والتعبير عنها بعد استحضار توقعات الآخرين(6).
تكمن أهمية البحث في تشكل هوية فعل الدول قبل الحديث عن تشكل المصالح، في أن الهوية تشير إلى من نحن، ومَنِ الآخرون، في حين أن المصالح تجيب عن سؤال: ماذا يريد الفاعلون؟ إنها تعني الحاجات والرغبات التي تسعى الدول إلى تحقيقها(7).
حسب ألكسندر وينت، لعنصر “الهوية” أسبقية وجودية على عنصر “المصالح”؛ إذ لا يستطيع الفاعل أن يعرف ماذا يريد حتى يعرف من يكون. ذلك أن هوية الفاعل هي التي تقوده إلى تحديد خياراته ورغباته بدقة وتعمل على تزويده بالدافعية اللازمة لتحقيقها(8).
إذا كان الوضعيون يعتبرون أن مصالح الدول وهوياتها هي معطاة ومحددة مسبقًا، وبالتالي لا يطرحون أي أسئلة بشأنها، فإن البنائيين يبحثون في الكيفية التي تتشكل بها هذه الهويات والمصالح. وعليه، فالسؤال الأساسي الذي يطرحه البنائيون لا يتعلق بمعرفة لماذا يختار اللاعبون سلوكًا معينًا وإنما كيف يشكِّل اللاعبون هوياتهم ومصالحهم قبل أن يختاروا سلوكًا معينًا(9).
بصرف النظر عمَّا يمكن أن يثار من جدال وخلاف حاد حول علاقة البنية بالفاعل، وبالتالي علاقة المصالح بالهوية، فمن المؤكد أن المصالح في محصلة العلاقة ترجمة للهوية، ومن ثم تُعد هذه الأخيرة الموجِّهَ الحقيقي لسلوك الدول. وعليه، فإن تحقيق شرط إدراك الفعل الصيني في المنطقة يتوقف على جعل الهوية -عوض المصالح- مدخلًا لفهم الفعل والسلوك(10).
أن الهوية بناء اجتماعي بينذاتي، أي إنها لا تقتصر على النظرة إلى ذواتنا بل تمتد إلى استحضار موقف الآخر منها، أي إن الهوية هي محصلة التفاعل بين الذات والاعتراف بالذات(11)، على أساس أن هذه المحصلة ليست مجموعًا ناتجًا بل هي مجموع ناشئ أو مجموع منبثق، على حدِّ تعبير موريس ميرلو بونتي Maurice Merleau-Ponty. وتبعًا لذلك، فإن هذه الدراسة ستسعى إلى البحث عن عناصر الصورة التي تحاول الصين التعريف بنفسها في الشرق الأوسط من خلال وثائقها الرسمية وممارساتها وخطابات وبلاغات قياداتها، والعمل على تتبع مدى الاعتراف بعناصر تلك الصورة على مستوى الشرق الأوسط.
أما بخصوص مفهوم الاعتراف وأهميته في هذه الدراسة فيعود إلى معطى مفاده أن سعي الدول لا يتوقف عند حرصها على ضمان أمن وجودها واستمراريتها كيانًا قائمًا ومستقلًّا، بل يمتد أحيانًا إلى السعي نحو انتزاع الاعتراف من الآخر. وذهب ريتشارد نيد ليبو Richard Ned Lebow إلى أن السعي لنيل الاعتراف قد يشكِّل دافعًا حاسمًا لخوض الحروب، بمعنى أن الاعتراف قد يكون مسألة حياة أو موت في لحظات معينة(12). فمن بين 94 حربًا قام ليبو بدراستها في الفترة الممتدة من عام 1648 إلى 2008، وجد أن 8 حروب فقط (8.5%) نشبت بسبب مصالح مادية، ومعظمها خلال القرن 18، كما وجد أن الانتقام كان سببًا في نشوب 11 حربًا (11.7%). من جهة أخرى، وجد أن 19 حربًا (20.2%) نشبت بسبب الأمن، أما انتزاع الاعتراف بالمكانة، على نقيض كل ذلك، فكان سببًا في نشوب 62 حربًا (65.9%)(13).
ووفقًا لتمييز أجراه تشارلز تايلور Charles Taylor بين صنفين للاعتراف، وهما: الاعتراف على أساس المماثلة Thin Recognition من جهة، والاعتراف على أساس التميز Thick Recongnition من جهة أخرى(14). ذهب ألكسندر وينت إلى اعتبار الاعتراف على أساس المماثلة، في حقل العلاقات الدولية، ينصرف إلى الاعتراف بالدولة كيانًا مستقلًّا وفقًا للقانون الدولي(15)، أي الاعتراف لها بحق الانتساب إلى المجموعة، وبنفس الحقوق التي تتمتع بها وحدات المجموعة، كالمساواة في السيادة وعضوية المنظمات الدولية، وتبادل البعثات الدبلوماسية… بتعبير آخر، ينصرف معنى الاعتراف على أساس المماثلة إلى الإقرار بالآخر بوصفه مشابهًا، بمعنى الاعتراف له بحيازة الخصائص نفسها التي تتوافر عند الآخرين، بينما يقصد بالاعتراف على أساس التميز ذلك الإقرار بما للآخر من خصائص مميزة ومتفردة، أي الاعتراف بالآخر بكونه متفردًا وذا هوية مفارقة. وهذا الاعتراف يستلزم بالضرورة معاملة خاصة(16).
وحسب توماس ليندمان Lindemann Thomas، هناك مساران للسعي نحو الاعتراف: الأول: يتعلق بالسعي نحو الكرامة، وهو مسعى مبرر أخلاقيًّا. أما الثاني، فهو غير مبرر أخلاقيًّا؛ حيث يتعلق بالعمل على جعل الآخر يعترف بتفوق هويتك(17). تعرَّض هذا التصنيف لنقد حادٍّ على اعتبار أن ليندمان لم يستحضر مستوى ثالثًا للاعتراف وهو الاعتراف بالآخر بوصفه متميزًا ومختلفًا؛ حيث إنه ليس بالضرورة كل اعتراف بالآخر ينصرف فقط إلى اعتباره مماثلًا في الكرامة، أو الاعتراف به متفوقًا هوياتيًّا، بمعنى أنه ليس كل سعي نحو هوية متميزة يشكِّل سعيًا نحو هوية متعالية.
ويميز كارل كوستفسون Gustafsson Karl بين أربعة مستويات للاعتراف، وهي: الاعتراف الصريح (أعتبر نفسي “أ” وتعترف بي بأنني حقًّا “أ”)، وعدم الاعتراف الصريح (أعتبر نفسي “أ” ولا تعترف بي على أساس أنني حقًّا “أ”)، والاعتراف الضمني، وعدم الاعتراف الضمني. فمثلًا، بالرغم من الصورة التي عملت اليابان على رسمها حول نفسها بوصفها دولة سلمية وتنهج أسلوب التعاون الاقتصادي، وليس لها نزعات نحو تطوير مقدراتها العسكرية، إلا أن القيادات الصينية ظلت محتفظة بصورة اليابان قبل الحرب العالمية الثانية، بوصفها دولة عدوانية وذات نزعات توسعية(18). وهذا ما يجعل التاريخ أحيانًا ماضيًا لم يمض؛ حيث يظل حاضرًا بل متحكمًا في تصوراتنا حول الآخر.
من خلال هذه التعاريف المسوقة للاعتراف، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للاعتراف: الاعتراف التام، والاعتراف الناقص، وعدم الاعتراف. وما دام عدم الاعتراف بالصين في الشرق الأوسط غير مطروح، لأنه يتصل بالوجود والكينونة وليس بالأدوار والوظائف(19)، فإن هذه المحاولة البحثية ستقتصر على اختبار مستويين للاعتراف، وهما: الاعتراف التام، والذي يعني الاعتراف بالآخر وفقًا لمحددات واختيارات وأفضليات الآخر، بمعنى الاعتراف بـ”أ” بكونه حقًّا “أ”، أي البحث في مستويات التطابق بين السرديات الصينية حول نفسها واعتراف الدول العربية الشرق الأوسطية بها كما هي. والمستوى الثاني هو الاعتراف الناقص، ويقصد به الاعتراف بسرديات الآخر، لكن ليس بشكل متماشٍ تمامًا مع تصورات الآخر حول ذاته.
ثانيًا: السرديات الصينية وأنماط الاعتراف بها عربيًّا
تولي الصين أهمية بالغة لتحسين صورتها لدى الآخرين، وتعدها مفتاح التأثير والنفوذ خارج الحدود. ويتلاقى نهجها هذا مع تعريف جوزيف ناي Joseph Nye للقوة الناعمة، بوصفها القدرة على جعل أفضلياتك جذابة ويتبنَّاها الآخرون وكأنها من صميم أفضلياتهم، دون اللجوء إلى القوة(20). بالرغم من أن فهم الصين للقوة الناعمة يتجاوز حدود تعريف ناي لها(21).
ففضلًا عن المصادر الثلاثة للقوة الناعمة، حسب ناي، وهي: الثقافة والقيم السياسية والسياسة الخارجية(22)، أضاف مين هونغهوا Men Honghua النموذج التنموي والمؤسسات الدولية والصورة الدولية(23).
من خلال تحليل مضامين الخطاب الرسمي الصيني، خاصة خطابات القيادة الصينية الموجَّهة لدول الشرق الأوسط، خلال الزيارات الرسمية، وكذلك على إثر المنتديات الصينية-العربية والصينية-الخليجية، بالإضافة إلى مفردات وثيقة الصين الموجهة للدول العربية المعتمدة سنة 2016، يمكن التوقف عند أربع سرديات صينية رئيسة يتم استحضارها بشكل مكثف في خطابها الموجه للفاعل العربي، وهي: سردية متصلة بطبيعة النظام الدولي، وسردية التميز المعياري والقيمي، وسردية الفاعلية والنجاعة الأدائية، وسردية تميز النموذج السياسي.
- سردية طبيعة النظام الدولي القائم والحاجة إلى مراجعته: نحو نظام دولي أكثر عدلًا وإنصافًا
تصاعدت حدة انتقاد الصين لطبيعة النظام الدولي منذ المؤتمر 19 للحزب الشيوعي الصيني، المنعقد سنة 2017، وهي السنة التي شهد فيها مؤشر تصنيف العلاقات من حيث التعاون والتنافس تحولًا جوهريًّا في علاقة الصين بالولايات المتحدة الأميركية؛ حيث بدأت العلاقات بين الطرفين تخضع لمنطق الصراع والتنافس أكثر من انضباطها لقواعد التعاون والشراكة(24). وجدَّدت الصين دعوتها إلى العمل مع شركائها بنشاط من أجل إصلاح منظومة الحوكمة العالمية وبنائها، وفقًا لمبادئ التشاور والتشارك والتنافع، والتمسك بالتعددية الحقيقية، بغية تعزيز إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية، ودفع تطور الحوكمة العالمية في اتجاه أكثر عدالة ومعقولية، والحفاظ بعزم على المنظومة الدولية التي نواتها الأمم المتحدة، ومعارضة الأحادية بكل أشكالها، والحد من تشكيل تكتلات ودوائر صغيرة إقصائية تستهدف دولة أو دولًا معينة(25).
في اتجاه نفس هذا التصور للنظام الدولي، أيد الطرف العربي في مناسبتين مفصليتين الرؤية الصينية للنظام الدولي كما تمت الإشارة إليها في الفقرة أعلاه؛ حيث عبَّرت الدول العربية، في إعلان بيجين للدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي، المنعقد في 30 مايو/أيار 2024، عن كامل التقدير للمبادرة الصينية المتعلقة بالتنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية(26)، وهي وثائق متضمنة لرؤية الصين للنظام الدولي. وذات الأمر شدَّدت عليه الدول العربية بمناسبة انعقاد القمة الصينية العربية الأولى، سنة 2022؛ حيث دعت في بيان الرياض إلى العمل على صيانة النظام الدولي القائم على أساس القانون الدولي، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول بذريعة “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” وتكريس القيم المشتركة للبشرية(27).
ولم تكتف الدول العربية من خلال فعلها الجماعي (دورات منتدى التعاون الصيني العربي، منتدى التعاون الصيني الخليجي) بمسايرة الموقف الصيني من النظام الدولي القائم، بل وظَّفت أحيانًا نفس التعابير الواردة في السردية الصينية كما هي متضمَّنة في وثائق الحزب الشيوعي الصيني، على الأقل في مؤتمريه الأخيرين (19 و20)، وكذلك في وثائقها الإستراتيجية منذ مبادرة السلام التنموي المعتمدة سنة 2011، كالعبارة الأكثر ترددًا في الخطاب الرسمي الصيني للرئيس السابق، هو جينتاو Hu Jintao، “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”(28)، والتي خصص لها التقرير المقدم أمام المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي الصيني فصلًا كاملًا(29).
في دراسة لجوليا كيرول JULIA GUROL، التي اعتمدت فيها على أكثر من 350 محتوى إعلاميًّا نشرته وسائل الإعلام الحكومية الصينية (Global Times, China Daily, Xinhua News, CGTN) باللغتين، الإنجليزية والصينية، خلال الموجة العالمية الأولى لجائحة كوفيد-19 (مارس/آذار-مايو/أيار 2020)، ولاستكشاف كيفية تلقي هذه السرديات (المستنسخة و/أو المتنازع عليها في الخليج) أُجري تحليل نوعي لأكثر من 1500 محتوى إعلامي بالإنجليزية والعربية والفارسية، لوسائل إعلام رسمية وشبه رسمية الأكثر تأثيرًا في السعودية والإمارات وإيران وقطر، خلصت إلى أن وسائل الإعلام في إيران والإمارات والمملكة العربية السعودية، وبنسب أقل دلالة في قطر، تبدي تفاعلًا حيويًّا مع السرديات الصينية، وتم تداول الصين على نحو مكثف بوصفها قوة عالمية قادرة على إدارة وقيادة النظام الدولي، وكذلك تم رصد تداول عدد من المحتويات لنفس العبارات الدارجة في الخطاب الرسمي الصيني كعبارة “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”(30).
- سردية التميز المعياري والقيمي
تَعُدُّ الصين نفسها جزءًا من الجنوب العالمي، ليس بمعيار القوة طبعًا، وإنما بمعيار الإطار القيمي والمعياري الذي تتقاسمه مع دول الجنوب العالمي، التي خضعت للحملة الاستعمارية، ولا تتحكم فيها نزوعات الهيمنة، وتدعو إلى العودة إلى معايير النظام الوستفالي القائم على مبادئ الاحترام المتبادل لسيادة الدول، ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، واحترام مبدأ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحظر التغيير القسري للأنظمة السياسية… وتترجم هذه المعايير المبادئ الخمسة للتعايش السلمي التي اعتمدتها الصين منذ سنة 1974.
عبَّرت الدول العربية، على نحو أدنى، خلال ملتقيات منتدى التعاون الصيني-العربي والصيني-الخليجي عن موقفها الصريح من تسييس قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ حيث أكد الطرفان في الذكرى العشرين لإحداث منتدى التعاون الصيني-العربي أهمية رفض تسييس قضايا حقوق الإنسان واستخدامها أداةً للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام حق مختلف الدول في اختيار طرقها التنموية بما يسهم في تعزيز حقوق الإنسان(31). كما أيدت الدول العربية مبادرة التنمية الشاملة وقبلها مبادرة التنمية السلمية، سنة 2011، التي استهدفت من خلالهما صياغة خيار السلام التنموي بديلًا للتصور الغربي القائم على السلام الديمقراطي.
وعلى المستوى الثقافي تزايد منسوب التقارب والتعاون الثقافي بين الطرفين، العربي والصيني، من خلال اتساع خريطة انتشار معاهد كونفوشيوس، وإبرام سلسلة اتفاقيات بين الجانبين لترجمة الكتب ونشرها كمشروع الترجمة “حضارة واحدة” (ديسمبر/كانون الأول 2009)، ومشروع الترجمة المتبادلة لأمهات الكتب الصينية والعربية (مايو/أيار 2010)، ومركز تبادل الترجمة وحقوق النشر بين الصين والدول العربية (2016)(32).
وعرف هذا التقارب تحولًا نوعيًّا بإنشاء “المركز الصيني العربي لمبادرة الحضارة العالمية”، وفقًا للبيان الصيني-العربي المشترك بشأن تنفيذ مبادرة الحضارة العالمية الموقع في ديسمبر/كانون الأول 2023. وذلك من أجل توفير منصة للصين والدول العربية لتنفيذ مبادرة الحضارة العالمية بشكل مشترك وإجراء الحوار الحضاري، وتعزيز التعارف بين شعوب الجانبين، ورفع قدرة الحضارتين، الصينية والعربية، على التأثير والانتشار(33).
- سردية الفاعلية والنجاعة الأدائية
تُعَدُّ سردية الفاعلية الأدائية للنموذج الصيني سمة رئيسية في الخطاب الرسمي للحزب الشيوعي الصيني وفي وسائل الإعلام القريبة منه(34). ولكسب التأييد العالمي لنموذجها الاقتصادي، عملت الصين على ربط نظامها الاقتصادي بالأداء والجدارة وتخليصه من كل الارتباطات الأيديولوجية أو الحضارية، إلى درجة أن ربط هذا النموذج بالخيار الاشتراكي ذي الخصائص الصينية، كما يسميه الحزب الشيوعي، يبقى في حدود السردية الوطنية الداخلية ولا يمتد إلى وثائقها وإستراتيجياتها على المستوى الخارجي، لاسيما تلك الموجهة لدول الشرق الأوسط.
ويتحاشى الخطاب الصيني بناء علاقة تقابلية بين النموذج الاقتصادي للدولة والنموذج الاقتصادي الغربي، أي إن نموذجهم مختلف عن النموذج الغربي وليس مناقضًا له. وفي هذا الصدد، صرَّح شي جين بينغ، سنة 2017، بأن “الشيوعية نفسها ليست إبداعًا صينيًّا بل هي نموذج وافد على الصين من الخارج”(35).
وهذا ما يفسر التأييد الكبير الذي حظيت به المبادرات العالمية للصين، خاصة في الجنوب العالمي. فعلى سبيل المثال، حظيت مبادرة التنمية العالمية GDI، اعتبارًا من أبريل/نيسان 2023، بمباركة الأمين العام للأمم المتحدة ودعم أكثر من 100 دولة ومنظمة دولية، وانضم ما يقرب من سبعين منها إلى مجموعة أصدقاء مبادرة التنمية العالمية في جنيف(36).
ويمكن استحضار ثلاثة مستويات لإبراز درجة اعتراف الدول العربية بالنموذج الاقتصادي الصيني والانخراط فيه، ليس طبعًا لاعتباراته الأيديولوجية، ولكن فقط بوصفه نظام جدارة:
أولًا: انخراط الدول العربية، لاسيما الخليجية منها، في المشاريع الاقتصادية الكبرى للصين، وبشكل خاص مبادرة الحزام والطريق، والتي ترجمتها الصين في نموذج 1 + 2 + 3 نهجًا للتعاون مع شركاء المبادرة في المنطقة العربية. ومنذ اعتماد الصين لوثيقتها السياسية تجاه الدول العربية، في يناير/كانون الثاني 2016، والتي جددت فيها طرح الشراكة القائمة على نموذج 1 + 2 + 3، دأبت الدول العربية على التنويه بالمبادرة في إطار فعلها الجماعي، بوصفها رؤية أكثر تماشيًا مع خصوصيات المنطقة(37).
ثانيًا: البعد الرمزي لتوصيف الشراكات مع الدول العربية: تتشكل أهم الشراكات الإستراتيجية للصين من أربعة أصناف كبرى مرتبة حسب أهميتها، وهي: شراكة إستراتيجية شاملة، وشراكة إستراتيجية، وشراكة شاملة، وشراكة التعاون والصداقة(38).
وبالعودة إلى طبيعة الشراكات التي تربط الصين بأغلب الدول العربية نجدها إما مصنفة بوصفها “شراكات إستراتيجية شاملة”(39) أو “شراكات إستراتيجية”(40). وتنطوي “الشراكة الإستراتيجية الشاملة” على السعي الكامل للتعاون والتنمية في الشؤون الإقليمية والدولية، وتتعلق “الشراكة الإستراتيجية” بتنسيق علاقة الأطراف بشكل أوثق بشأن الشؤون الإقليمية والدولية، بما في ذلك الشؤون العسكرية. بينما يقتصر مجال الشراكة الشاملة وشراكة التعاون والصداقة على نطاق تعاون ضيق ومحدود.
يحمل صنف هذه الشراكات دلالات رمزية غاية في الأهمية عن عمق انخراط الدول العربية في تنفيذ الرؤى الصينية على المستوى الإقليمي والعالمي(41)، وبشكل خاص رؤيتها للأمن العالمي، المعتمدة في أبريل/نيسان 2022، ومبادرة الحضارة العالمية، المعلن عنها في مارس/آذار 2023، ومبادرة التنمية العالمية 2021(42).
ثالثًا: امتياز السياسة الصينية بكونها سياسة ذات هندسة متغيرة variable geometry approach؛ حيث إن للصين القدرة على التكيف مع خصائص كل منطقة، بمعنى أن فعلها لا يقوم على وصفات جاهزة مرهون الأمر بتنفيذها، كما هو شأن مبادرات الولايات المتحدة الأميركية، وإنما تأخذ السياسات الصينية أوجهًا مختلفة وتتشكل ملامحها وفقًا للسياقات الخاصة لكل منطقة، بل لكل دولة.
إن حدَّة التناقضات والصراعات التي تخترق المنطقة العربية لم تحد من قدرة المبادرات الصينية على التغلغل وخلق التلاقي مع الإستراتيجيات الوطنية لدول المنطقة كل على حدة. فقد أيدت الصين رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية، وعَدَّها شي جين بينغ رؤية طموحة وتتماشى وأهداف مبادرة الحزام والطريق(43). ونفس الأمر بخصوص خطط ومشاريع مئوية الإمارات 2071. وتنطلق الصين لضمان الاعتراف المتبادل مع شركائها من عبارة أوردها التقرير المقدم أمام المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي الصيني، والتي هي في الأصل مثل شعبي يقول: “جميع الكائنات الحية تنمو جنبًا إلى جنب ولا يعوق بعضها بعضًا، وجميع الطرق تسير متوازية ولا يعارض بعضها بعضًا”.
- سردية تميز النموذج السياسي
درج الخطاب الصيني على عدم الاقتصار على وصف الصين بكونها قوة دولية، بل يصفها بقوة دولية مسؤولة Responsable Power. وفي هذا الإطار، أكد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في خطاب ألقاه سنة 2014، أنه “لبناء الصورة الوطنية للصين” هناك حاجة إلى جهود جادة لتصوير الصين “دولةً كبرى مسؤولة تدعو إلى التنمية السلمية والمشتركة، وحارسة آمنة للعدالة الدولية، وتقديم مساهمات للبشرية، وبلدًا اشتراكيًّا منفتحًا ووديًّا وواعدًا ونابضًا بالحياة”(44).
يمكن رصد مظاهر الاعتراف بالسردية الصينية القائمة على تميز النظام السياسي على المستوى العربي من خلال مستويين، وهما: أولًا: مركزية النظام السياسي وصعوبة التمييز بينه وبين الدولة: وفقًا لمقاربة مركزية الفاعل agent-centric approach فإن ضَعْفَ أدوار الفاعلين غير الدولتيين أفضى إلى انفراد الدولة بصياغة العلاقات والتحالفات في الصين والمنطقة العربية، أو بصيغة أدق إلى استفراد الأنظمة السياسية بتشكيل الهوية والمصالح، وبالتالي تحديد خريطة التحالفات والتكتلات ورسم حدود التعاون والتنافس، وهذا ما يجعل طبيعة النظام السياسي أو شكل نظام الحكم متغيرًا مفسرًا مثلًا للاصطفافات والتحالفات والتكتلات في المنطقة العربية.
تؤكد بيانات مركز بيو للأبحاث Pew Research Center معطى مفاده أن صورة الصين تزداد تحسنًا في البلدان التي يعرف مؤشر الديمقراطية فيها تصنيفًا مقلقًا. وفي نفس الاتجاه، ذهبت دراسة أمجد رشيد حول “صعود الصين والاستبداد في الجنوب العالمي: حالة مصر”، إلى أن البلدين في سعي دائم لإضفاء الشرعية الخطابية على الممارسات الاستبدادية للجانبين(45). وتشير جوليا كيرول إلى الأهمية المتزايدة للقوة الناعمة الاستبدادية، وتضيف أنه في دراسة الاستبداد العالمي، تعد الكلمات مهمة تمامًا كما تفعل الممارسات(46).
ويتعلق المستوى الثاني بتزايد الوثوق في الأدوار الصينية، سواء على مستوى الوساطة لتسوية النزاعات وإدارة التوترات في الشرق الأوسط، كالوساطة الصينية بين إيران والسعودية، واحتضان الصين للقاء المصالحة بين الفصائل الفلسطينية سنة 2024. وبالرغم من انتهاج الصين لوساطة منخفضة الكلفة في الشرق الأوسط؛ مما جعل نموذجها أقرب إلى وسيط ميسر Facilitator، إلا أنها توظف استمرارية نظامها السياسي عبر مركزية الحزب الشيوعي، لنيل الاعتراف كوسيط ضامن Garantor وموثوق، خلافًا للولايات المتحدة الأميركية التي قد تتغير رؤيتها للنزاع وللتسوية بتغير الحزب الحاكم.
ويمكن رصد هذه الثقة أيضًا على صعيد اندفاع بعض الدول العربية، خاصة الآسيوية منها، نحو الانخراط في المنتديات والتكتلات التي تلعب فيها الصين دورًا محوريًّا، كمنظمة شنغهاي للتعاون، والتي حظيت فيها إيران بالعضوية سنة 2023، وكل من السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر ومصر بصفة شركاء في الحوار. ونفس الأمر تم رصده على مستوى مجموعة بريكس(47).
خاتمة
انتهت هذه الورقة بعد مقاربتها للسرديات الرئيسة في الخطاب الرسمي الصيني، وسقف الاستجابة والتفاعل معها عربيًّا من منظور النظرية البنائية في العلاقات الدولية، وخاصة بالاشتغال على مفهومي الهوية والاعتراف، إلى أن سهم الاعتراف بالأدوار الصينية في المنطقة يتجه من الاعتراف إلى المزيد من الاعتراف.
فبعد مرحلة موسومة بسوء الاعتراف بالصين فرضتها ديناميات الحرب الباردة، تزايد الإقبال على المبادرات الصينية مع نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي، وتعززت الاستجابة العربية مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق سنة 2013. ويمكن استحضار مؤشرين على الاتجاه نحو الاعتراف التام، أي الاعتراف المطابق للسرديات كما هي مصوغة من طرف الصين، وهما:
التبنّي العربي للسردية الصينية
لم تكتف الدول العربية بمجرد تفهم الانشغالات الأمنية والترابية للصين، كمسألة تايوان وهونغ كونغ وإقليم شينجيانغ، بل امتد الأمر إلى تبني نفس الرؤية الصينية في الموضوع، وبالتعبيرات نفسها الواردة في الوثائق الرسمية الصينية. لقد أعربت الدول العربية في مناسبات كثيرة كان آخرها الذكرى العشرين لتأسيس منتدى التعاون الصيني-العربي عن “تأكيدها والتزامها الثابت بمبدأ الصين الواحدة، ودعمها لجهود الصين في الحفاظ على سيادتها وسلامة أراضيها، وجدَّد الطرف العربي التأكيد على أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وأنه يرفض “استقلال تايوان” بكافة أشكاله، ولا يقيم أي علاقة رسمية مع تايوان أو يقوم بأي تواصل رسمي معها، ويدعم بثبات كافة جهود تبذلها الحكومة الصينية لتحقيق إعادة توحيد البلاد. ويدعم الجانب العربي الموقف الصيني من المسائل المتعلقة بهونغ كونغ، ويدعم الجهود الصينية الرامية إلى صيانة الأمن القومي وتنمية الديمقراطية واستكمالها في هونغ كونغ في إطار “دولة واحدة ونظامان”. ويدعم الجانب العربي بثبات الموقف الصيني من المسائل المتعلقة بشينجيانغ، ويرفض بشكل قاطع التدخل في الشؤون الداخلية الصينية باستغلال المسائل ذات الصلة بشينجيانغ”(48). بل الأكثر من ذلك، بعد تصاعد حدة الإدانة الدولية للتدابير الصينية ضد الإيغور في إقليم شينجيانغ، وقفت كل من الإمارات وقطر والسودان إلى جانب الصين للاعتراض على مناقشة تقرير أعدَّه مجلس حقوق الإنسان، سنة 2022، حول حقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ. وفي سياق آخر، أيدت كل من السعودية والإمارات وإيران وقطر السياسات الصينية لمكافحة الإرهاب في إقليم شينجيانغ(49).
وفي المقابل، عملت الصين على استحضار مواقف الدول العربية من الأزمات والنزاعات في المنطقة العربية، في رؤيتها للهيكل الأمني في الشرق الأوسط (الهيكل الأمني للصين في الشرق الأوسط 2022)، الذي يشكِّل امتدادًا لمبادرة الأمن العالمي GSI. وذهبت الصين أحيانًا في اتجاه تبني المنظور العربي كما هو مصوغ في جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي. فقد تبنَّت الصين المبادرة العربية، المعتمدة سنة 2002 في قمة بيروت، “الأرض مقابل السلام” أساسًا لتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي، كما تعهدت باستثمار موقعها في المنظمات الدولية، لاسيما في مجلس الأمن، لمناصرة القضايا العربية(50).
تحسّن صورة الصين في المجتمعات العربية
أبرزت استطلاعات البارومتر العربي على الأقل منذ الدورة 5 (2018-2019) إلى غاية دورته الثامنة (2023-2024) أن شعبية الصين في المجتمع العربي تزداد بشكل مطرد، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويهم تزايد قبول الصين فاعلًا في المنطقة مستويات مختلفة للتعاون (اقتصاديًّا، وثقافيًّا، وأمنيًّا، وعسكريًّا، وتجاريًّا، وتكنولوجيًّا…) بينما عرفت سمعة الولايات المتحدة الأميركية تراجعًا ملحوظًا، لذلك قد يفهم تحسن صورة الصين لدى المتلقي العربي ليس بمعيار ما تقوم به الصين من جهد لتصبح أكثر مقبولية، ولكن بتزايد مشاعر السخط على الوجود الأميركي(51).
وفي نفس الاتجاه، ذهبت نتائج دراسة ميدانية حديثة (صدرت في يناير/كانون الثاني 2025) لشهرام أكبرزاده Shahram Akbarzadeh وعارف صبا Arif Saba والتي تناولت تمثلات المجتمع السعودي والإماراتي حول الصين وأدوارها في المنطقة العربية. انتهت هذه الدراسة وفقًا لمتغيراتها إلى تنامي الرضا عن الأدوار الصينية. فبخصوص تقييم الدور الصيني في منطقة الشرق الأوسط بلغت نسبة النظرة الإيجابية والإيجابية جدًّا 75% لدى المستجوَبين في السعودية و63% لدى المستجوبين في الإمارات. وبنظرة إيجابية، وإن بدرجة أقل، عبَّر المبحوثون عن رضاهم عن مساعي الوساطة الصينية لتسوية النزاعات في الشرق الأوسط، وبنسبة عالية عَدَّ المستجوَبون في كلٍّ من السعودية والإمارات الصينَ شريكًا موثوقًا. واحتلت الصين الصدارة بوصفها أفضل شريك اقتصادي في البلدين مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية واليابان وروسيا والاتحاد الأوروبي. وجوابًا عن الأسئلة المتصلة بالنموذج السياسي للصين اعتبر المستجوبون في البلدين بنسب عالية أن الصين تتمتع بنظام سياسي قوي، وباستقرار اجتماعي، ويمكنها أن تكون مصدر إلهام وجذب لدول المنطقة(52). وتؤكد من جهتها بيانات مركز بيو للأبحاث أن صورة الصين آخذة في التحسن على المستوى العالمي، بالرغم من أن الأفضلية لا تزال راجحة لصالح الولايات المتحدة الأميركية(53).
المراجع
- Shambaugh, David. “China’s Soft-Power Push: The Search for Respect.” Foreign Affairs 94, 4 (2015): 100.
- تجدر الإشارة إلى أن كلمة دعاية لا تنطوي على أي حمولة سلبية في الخطاب الصيني؛ حيث تتضمن وثائقها الإستراتيجية كلمة دعاية وتطلق هذه الكلمة على بعض مؤسساتها.
- Op.Cit. 99.
- Alghannam, Hesham. “How China Aligned Itself with Saudi Arabia’s Vision 2030.” Arab Gulf States Institute in Washington, January 21, 2025.
- Mearsheimer, John J., and Sebastian Rosato. How States Think: The Rationality of Foreign Policy. New Haven: Yale University Press, 2023, 54–55.
- Wendt, Alexander. “Anarchy Is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics.” International Organization 46, 2 (1992): 391.
- الإدريسي، حنان، “النظرية البنائية في العلاقات الدولية.” مجلة مدارات سياسية 5، ع. 2 (2021)، 246.
- Mikail, E. Hakan, and C. E. Aytekin. “Identity in Security Studies.” Open Journal of Political Science 6, 4 (2016): 342–343.
- الإدريسي، مرجع سابق، 246.
- Mikail, op.cit. 342.
- 342.
- Lebow, Richard Ned. Why Nations Fight: Past and Future Motives for War. Cambridge: Cambridge University Press, 2010, 73–74.
- حمشي، محمد، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية، الطبعة الأولى، الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021، 317.
- تمت ترجمة Thin Recognition وThick Recognition في بعض الدراسات العربية على أن الأولى تعني الاعتراف الرفيع والثانية يقابلها الاعتراف السميك، انظر مثلاً قراءة كمال بوناب لكتاب ميشيل موراي بعنوان “النضال من أجل الاعتراف في العلاقات الدولية: القوى الراهنة والتعديلية والصاعدة” (سياسات عربية، العدد 41، نوفمبر/تشرين الثاني 2019، 171-178)، غير أنه لغرض هذه الدراسة اعتمدت مقابلًا آخر أراه أكثر دلالة وأقرب إلى المقصود بهما، وإن لم تنضبط هذه الترجمة للتعبير الحرفي كما أورده تشارلز تايلر.
- Wendt, Alexander. “Why a World State is Inevitable?.” European Journal of International Relations 9, 4 (2003): 511. And: Gustafsson, Karl. “Recognising Recognition through Thick and Thin: Insights from Sino-Japanese Relations.” Cooperation and Conflict 51, no. 3 (2016): 258 ,) https://www.cambridge.org/core/journals/review-of-international-studies/article/routinised-recognition-and-anxiety-understanding-the-deterioration-in-sinojapanese-relations/632ADA4A6E5D97B3AB7F83086D187B43
- 256.
- Lindemann, Thomas. “Recognizing (Mis)recognition from the Inside and the Outside: Some Criteria for ‘Seizing’ a Slippery Concept.” Global Discourse 4, 4 (2014): 1–2. https://bristoluniversitypressdigital.com/view/journals/gd/4/4/article-p542.xml .
- op. cit. 260–267.
- من بين مظاهر عدم الاعتراف التي لم يعد أثرها قائمًا في الوقت الراهن، يمكن استحضار تصويت المملكة العربية السعودية ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2758، الصادر بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول 1971، في شأن الاعتراف بحكومة الصين الشعبية ومنحها العضوية وحق الفيتو في مجلس الأمن بدل تايوان.
- Nye, Joseph S., Jr. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: PublicAffairs, 2004, 5.
- Akbarzadeh, Shahram, and Anoushiravan Saba. “China’s Soft Power: Views from Saudi Arabia and the UAE.” Global Studies Quarterly 5, 1 (2025): 2 https://academic.oup.com/isagsq/article/5/1/ksae090/7934063
كذلك انظر: كاظم هاشم نعمة، “القوة الناعمة الصينية والعرب”، سياسات عربية، ع. 26 (مايو/أيار 2017)، ص29.
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 2.
- Chen, Zhimin, and Lulu Chang. “The Power Strategy of Chinese Foreign Policy: Bringing Theoretical and Comparative Studies Together.” NFG Working Paper Series, no. 03 (February 2013), Freie Universität Berlin, 9.
- Chen, Ji, Xiaolong Yang, Meng Wang, and Miaomiao Su. “Evolution of China’s Interaction with Middle Eastern Countries under the Belt and Road Initiative.” PLoS ONE 18, 11 (2023): e0293426. https://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0293426
- الحزب الشيوعي الصيني، “التقرير المقدم أمام المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي الصيني (النقطة 14)”، بيجين، 2022.
- منتدى التعاون الصيني-العربي، “إعلان بيجين للدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني-العربي”، 30 مايو/أيار 2024.
- القمة العربية الصينية الأولى للتعاون والتنمية، “البيان الختامي للقمة العربية الصينية الأولى للتعاون والتنمية (إعلان الرياض)”، الرياض، 9 ديسمبر/كانون الأول 2022.
- Gurol, Julia. “The Authoritarian Narrator: China’s Power Projection and Its Reception in the Gulf.” International Affairs 99, 2 (2023): 699.
- الحزب الشيوعي الصيني، “النقطة 14 من التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني”، 2022.
- op. cit. 693–699.
- منتدى التعاون الصيني-العربي، “إعلان بيجين للدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي”، مرجع سابق.
- شياو يينغ، قوه، “القوة الناعمة الصينية في العالم العربي”، نشرة أفق، مؤسسة الفكر العربي، 7 سبتمبر/أيلول 2017، https://arabthought.org/en/researchcenter/ofoqelectronic-articles?id=65
- منتدى التعاون الصيني-العربي، “البرنامج التنفيذي لمنتدى التعاون الصيني العربي بين سنتي 2024-2026″، 30 مايو/أيار 2024.
- op. cit. 696.
- Alterman, Jon B. The Middle East’s View of the “China Model”. CSIS Report. Washington, D.C.: Center for Strategic and International Studies (CSIS), 2024, 11.
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 4.
- op. cit.
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 5.
- بلغت علاقات التعاون مع الصين مستوى الشراكات الإستراتيجية الشاملة في خمس دول، وهي: المملكة العربية السعودية، وإيران، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، والجزائر.
- تتمتع ثماني دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعلاقات تعاون مع الصين في إطار شراكات إستراتيجية، وهي: قطر، وتركيا، وعمان، والمغرب، والكويت، والأردن، والعراق، وجيبوتي.
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 5.
- Schuman, Michael, Jonathan Fulton, and Tuvia Gering. How China Sees the Middle East. Washington, D.C.: Atlantic Council, 2023.
- op. cit.
- Embassy of the People’s Republic of China in Fiji. “China to Promote Cultural Soft Power.” Xinhua, January 1, 2014. http://fj.china-embassy.gov.cn/eng/sgxw/201401/t20140101_880627.htm
- Amjed Rasheed. “The Narrative of the Rise of China and Authoritarianism in the Global South: The Case of Egypt.” The International Spectator 57, 2 (2022): 68–84. https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/03932729.2021.2009641 Gurol, Julia. op. cit. 705.
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 5.
- منتدى التعاون الصيني-العربي، “إعلان بيجين للدورة العاشرة للاجتماع الوزاري”، 30 مايو/أيار 2024.
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 5.
- Murphy, Dawn C. China’s Rise in the Global South: The Middle East, Africa, and Beijing’s Alternative World Order. Stanford, CA: Stanford University Press, 2022, 107.
- مايكل روبنز، وجمال أماني، ومارك تيسلر، “أميركا تخسر العالم العربي والصين تحصد المكاسب”، البارومتر العربي، يونيو/حزيران 2024، https://me-l.co/eyx1yg4v
- مايكل روبنز، “هل حانت ساعة الصين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟” البارومتر العربي، 24 يونيو/حزيران 2020، https://me-l.co/lk76ckt8
- Akbarzadeh, Saba. Op. cit. 6–8.
- Pew Research Center. “Most People in 35 Countries Say China Has a Large Impact on Their National Economy.” Report, July 2024 https://www.pewresearch.org/global/2024/07/09/most-people-in-35-countries-say-china-has-a-large-impact-on-their-national-economy/
** تطلق الأدبيات العربية مقابلات مختلفة لمفهوم Intersubjectivity كالبينذاتية، والتذاوت، والتذاتية، والذاتية المشتركة، وأحيانًا البينفردية، وإن بشكل أقل رواجًا. ويراد بها، من منظور البنائية الاجتماعية ولغرض هذه الدراسة، شبكة المعاني المسنودة والقواعد المشتقة والهويات المشتركة التي يتواضع عليها الفاعلون لتصبح واقعًا مبنيًّا بناء يوجه سلوكهم. بمعنى أن الواقع الاجتماعي ليس معطى طبيعيًّا ثابتًا ماديًّا قابلًا للاكتشاف وموجودًا ههنا وبشكل مستقل عن الوعي والذات، ولا هو مجرد تقدير فردي منفصل ومعزول، بل كيان منبثق كمحصلة للتفاعل بين الذوات.
للتوسع أكثر في مفهوم البينذاتية وفقًا لطروحات البنائية الاجتماعية، يراجع:
- Nicholas Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations (Columbia, SC: University of South Carolina Press, 1989).
- Peter L. Berger and Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (Anchor Books, 1966).
- Stephen Toulmin, Human Understanding, vol. 1, The Collective Use and Evolution of Concepts (Oxford: Clarendon Press, 1972): 35.
- Emanuel Adler, “Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics,” European Journal of International Relations 3, no. 3 (1997): 326.
